← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 132414

الاستدراك الفقهي تأصيلا وتطبيقا

مجمول الجدعاني

Полный текст (596 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الحالة الثانية: ما لا يمكن فيها فصل المنهج العقلي عن المنهج النقلي. في (جامع بيان العلم وفضله): «وعن ابن عباس: من شاء باهلتُه (١) أن الظِّهار (٢) ليس من الأمة، إنما قال الله : ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٣). وقيل لمجاهد في هذه المسألة: أليس الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٤)، أفليس الأمة من النساء؟ فقال مجاهد: قد قال الله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٥)، أفليس العبد من الرجال؟ أفتجوز شهادته؟ يقول: كما كان العبد من الرجال غير المراد بالشهادة، فكذلك الأمة من النساء غير المراد بالظهار، وهذا عين القياس» (٦). وأحلل هذا النموذج على النحو التالي: المُستدرِك: ابن عباس ﵄، ومجاهد ﵀، والذي جمع بين المنهجين هو مجاهد. المستدرَك عليه: قول من قال إن الظهار يكون من الأمة. الاستدراك الفقهي: لا يكون من الأمة ظهار. المعيار: القرآن مع القياس.

стр. 457

أما القرآن فهو قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. والقياس هو قياس التخصيص في الاستعمال في قوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ عند الظهار على التخصيص في الاستعمال في قوله: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ عند الشهادة. المنهج: منهج متكامل جمع المنهجين: العقلي والنقلي، وهما مرتبطان لا ينفكان، لأن القياس لا يُمكن فهمه إلا بالآية؛ لأن الآية أصلٌ للقياس، ولا قياس بلا أصل. وبيان ذلك أن سائلي مجاهد اعتمدوا العموم في لفظ ﴿نِسَائِهِمْ﴾، وهو يقتضي دخول الإماء في العموم، فبيّن مجاهدٌ أن العموم في مثل هذا قد يُراد به خصوص الأحرار في إطلاق القرآن، ولإثبات ذلك لابد من المنهج النقلي الذي يُثبت هذا الاستعمال في الإطلاق، فكان استدلالُه بآية ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، المتفق على خروج العبيد منها بين الخصمين هنا (١)، ثم المنهج العقلي بحمل الاستعمال المشكوك فيه في قوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ على الاستعمال المتفق عليه، في قوله: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، فكما خرج العبد من قوله: ﴿رِجَالِكُمْ﴾ فلا يُستشهد، فكذلك تخرج الأمة من قوله: ﴿نِسَائِهِمْ﴾ فلا يكون منها ظهار، لجامع الرّق. يقول العيني: «النساء جمع امرأة من غير لفظها، فيتناول الزوجات وغيرها، ولكن تفسير النساء من الزوجات ممكن من حيث قصد الآية يدل على أن المراد الزوجات، وإلا فلفظ النساء من حيث اللغة أعم من الزوجات وغيرها» (٢).

стр. 458

وأختم الكلام عن المناهج بأني لا أرى أهمية الخوض في أفضلية بعضها على بعض؛ لأن كل منهج يُراعى فيه حال المُستدرَك عليه - سواء كان بمعنى العمل أو بمعنى صاحب العمل - فقد يُناسب المقام الاكتفاء بالنقل، وقد يُناسب الاستدراك بالعقل، وقد يُناسب الجمع بينهما، ويسهل ذلك إذا تصوّرنا أن الاستدراك هو بمنزلة الدواء، إذا حصل الشفاء ببعضه أغنى عن الباقي، ويُناسب بعض الأمراض من الدواء ما لا يُناسب بعضها الآخر.

стр. 459

الباب الثالث آداب الاستدراك الفقهي، وآثاره، وتطبيقاتها . وتحته فصلان: الفصل الأول: آداب الاستدراك الفقهي، وتطبيقاتها. وتحته ثلاثة مباحث: المبحث الأول: آداب الاستدراك الفقهي المشتركة بين المستدرك والمستدرَك عليه، وتطبيقاتها. المبحث الثاني: آداب الاستدراك الفقهي المتعلقة بالمستدرِك، وتطبيقاتها. المبحث الثالث: آداب الاستدراك الفقهي المتعلقة بالمستدرَك عليه، وتطبيقاتها. الفصل الثاني: آثار الاستدراك الفقهي، وتطبيقاتها. وتحته أربعة مباحث: المبحث الأول: أثر الاستدراك الفقهي على الاتجاهات الفقهية، وتطبيقاته. المبحث الثاني: أثر الاستدراك الفقهي على التصنيف، وتطبيقاته. المبحث الثالث: أثر الاستدراك الفقهي على المعرفة الإنسانية، وتطبيقاته. المبحث الرابع: أثر الاستدراك الفقهي على العلاقات الإنسانية، وتطبيقاته.

стр. 460

الفصل الأول آداب الاستدراك الفقهي، وتطبيقاتها . وتحته ثلاثة مباحث: المبحث الأول: آداب الاستدراك الفقهي المشتركة بين المستدرك والمستدرَك عليه، وتطبيقاتها. المبحث الثاني: آداب الاستدراك الفقهي المتعلقة بالمستدرِك، وتطبيقاتها. المبحث الثالث: آداب الاستدراك الفقهي المتعلقة بالمستدرَك عليه، وتطبيقاتها.

стр. 461

بعد بيان حقيقة الاستدراك الفقهي ومناهجه ومعاييره أحاولُ هنا جمع جملة من آداب أدائه وتلقّيه. وأهمية بيان آدابه تُجليها عبارة صاحب (الجدل على طريقة الفقهاء) عن آداب الجدل حيث قال: «فأما آدابه التي إذا استعملها الخصم وصل إلى بغيته، وإن لم يستعملها كثر غلطه واضطرب عليه أمره ... » (١) وعدّدها. وهذا القول يُمكن قوله في الاستدراكات الفقهية؛ لأنها صورة من صور الجدل، فهي تشترك معه في تعاطي الآراء بالتلافي - في نظر المتلافي - وتوجيه ذلك إلى مُخالف. وقد نقلت لنا الكتب اهتمام العلماء بالأدب في الاستدراك، من ذلك ما نقله ابن رجب من استحسان الإمام أحمد لما حُكي عن حاتم الأصم، أنه قيل لحاتم: أنت رجل أعجمي لا تفصح، وما ناظرك أحد إلا قطعته، فبأي شيء تغلب خصمك؟ فقال: بثلاث: أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ لساني عنه أن أقول له ما يسوؤه. أو معنى هذا، فقال أحمد: «ما أعقله من رجل! » (٢). والآداب تكون في الأداء والتلقّي، فالأول يتعلق بالمُستدرِك، والثاني يتعلق بالمستدرَك عليه في المقام الأول، أو الناظر في الاستدراك، وقد يتفرد كل من المستدرِك والمستدرَك عليه بأدب، وقد يشتركان في آداب، وعليه فأناقش هذه الآداب في ثلاثة مباحث، على النحو التالي:

стр. 462

المبحث الأول: آداب الاستدراك الفقهي المشتركة بين المستدرِك والمستدرَك عليه، وتطبيقاتها . يشترك المُستدرِك والمستدرَك عليه في آداب، وهي تُمثّل الآداب المشتركة في أداء الاستدراك الفقهي وتلَقّيه، وتحصّل لي منها: ١ - الإخلاص والنصيحة. قال الغزالي في العلامات التي يُعرف بها أن دافع الاشتغال بالمناظرة هو التعاون على الحق: «أن تكون المناظرة في الخلوة أحب إليه وأهم من المحافل، وبين أظهر الأكابر والسلاطين؛ فإن الخلوة أجمع للفهم، وأحرى بصفاء الذهن والفكر ودرك الحق، وفي حضور الجمع ما يحرك دواعي الرياء، ويوجب الحرص على نصرة كل واحد نفسه، محقا أو مبطلاً» (١). وإن فُقد هذا الأدب فإنه يجرّ إلى فقدان الآداب الأخرى، يقول في ذلك الغزالي: «اعلم وتحقق أن المناظرة الموضوعة لقصد الغلبة والإفحام وإظهار الفضل والشرف والتشدق عند الناس وقصد المباهاة والمماراة واستمالة وجوه الناس هي منبع جميع الأخلاق المذمومة عند الله، المحمودة عند عدو الله إبليس»، وعدّ منها: الحسد، والتكبر والترفع على الناس، والحقد، والغيبة، وتزكية النفس، والتجسس وتتبع عورات الناس، والفرح لمساءة الناس والغم لمسارهم، والنفاق، والاستكبار عن الحق وكراهته والحرص على المماراة فيه، والرياء وملاحظة الخلق والجهد في استمالة قلوبهم وصرف وجوههم. وقال إنه يتشعب من كل واحدة من هذه المعدودات رذائل يطول تفصيل آحادها، ومثل لذلك بالأنفة، والغضب، والبغضاء، والطمع، وحب طلب المال والجاه للتمكن من الغلبة، والمباهاة، والأشر والبطر، وتعظيم الأغنياء والسلاطين، والتردد إليهم والأخذ من حرامهم، والتجمل بالخيول والمراكب والثياب المحظورة، والاستحقار للناس

стр. 463

بالفخر والخيلاء، والخوض فيما لا يعني، وكثرة الكلام، وخروج الخشية والخوف والرحمة من القلب، واستيلاء الغفلة عليه حتى لا يدري المصلي منهم في صلاته ما صلى وما الذي يقرأ، ومن الذي يناجيه، ولا يحس بالخشوع من قلبه، مع استغراق العمر في العلوم التي تعين في المناظرة، مع أنها لا تنفع في الآخرة من تحسين العبارة وتسجيع اللفظ وحفظ النوادر إلى غير ذلك من أمور لا تحصى (١). ومن تطبيقات هذا الأدب: ما حكاه النووي عن الشافعي: «ما ناظرتُ أحدًا قط على الغلبة، ووددتُ إذا ناظرت أحدًا أن يظهر الحق على يديه» (٢). ١ - تقديم الكتاب والسنة على قول كل أحد. فعلى المستدرِك ألاّ يمتنع من الاستدراك إن بانَ له الحق من الكتاب والسنة، وعلى المستدرَك عليه القبول بمقتضى الكتاب والسنة إن خالف ما هو عليه، ولو كان قد قال به من يُجلّ من العلماء. ومن تطبيقاته بالنسبة للمستدرِك: قال عروة لابن عباس ﵃: حتى متى تُضِلُّ الناس يا ابن عباس؟ ! قال: وما ذاك يا عُريّةُ؟ قال: تأمرنا بالعمرة في أشهر الحج، وقد نهى أبو بكر وعمر! فقال ابن عباس: قد فعلها رسول الله ﷺ . فقال عروة: هما كانا أتبع لرسول الله ﷺ ، وأعلم به منكَ (٣). وفي رواية قال ابن عباس لعروة: يا عُريّة، سلْ أمك: أليس قد جاء أبوك مع رسول الله ﷺ فأحلّ؟ (٤).

стр. 464

فابن عباس كان يستدركُ على من لم يرَ جواز التمتع بالعمرة إلى الحج بأن النبي ﷺ أمَر بها أصحابه، ولم ينهَ عنها، ويُنكر على من يردّ ذلك بحجة عمل أبي بكرٍ وعمر ﵄. ذلك أن عمر ﵁ كان ينهى عن المتعة في الحج (١). قال السندي مُعلّقًا على استدلال عروة: «وقوله: «وقد نهى أبو بكر وعمر» لم يشتهر نهي أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - أصلاً، ولعل عروة اعتمد في ذلك على مُوافقة عمر لأبي بكر، ثم إن عمر ما نهى عن العمرة في أشهر الحج مطلقًا، وإنما نهى عن المتعة فقط، فكأنه اعتمد على ظهور المقصود، فسامح في الكلام. «وأعلم به»: لا يلزم من الأعلمية على الإطلاق الأعلميةُ في كل حكم مخصوص على انفراده، فكلام عروة لا يخلو عن أثر الإهمال، وفيه خروج عن طور التحقيق إلى طور التقليد، لذلك أخذ المسلمون بجواز المتعة، والله ولي التوفيق» (٢). ومن تطبيقاته بالنسبة للمستدرَك عليه: عَنْ أَبِى بَكْرٍ بن عبدِ الرحمن (٣)، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُصُّ يَقُولُ في قَصَصِهِ: مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ جُنُبًا فَلاَ يَصُمْ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ - لأَبِيهِ - فَأَنْكَرَ ذَلِكَ. فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵄

стр. 465

فَسَأَلَهُمَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَكِلْتَاهُمَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِي ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ، ثُمَّ يَصُومُ. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى مَرْوَانَ (١)، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. فَقَالَ مَرْوَانُ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ إِلاَّ مَا ذَهَبْتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَرَدَدْتَ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ. قَالَ: فَجِئْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبُو بَكْرٍ حَاضِرُ ذَلِكَ كُلِّهِ. قَالَ: فَذَكَرَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَهُمَا قَالَتَاهُ لَكَ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ: هُمَا أَعْلَمُ. ثُمَّ رَدَّ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا كَانَ يَقُولُ في ذَلِكَ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنَ الْفَضْلِ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنَ النَّبِيّ ﷺ . قَالَ: فَرَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَمَّا كَانَ يَقُولُ في ذَلِكَ (٢). فهنا رجع أبو هريرة ﵁ عمّا أخذه من الفضل بن العباس في المسألة لما بلغته سنة النبي ﷺ فيها، ولم يتعصّب لما كان عليه. ٢ - الاعتراف بالفضل. فالمستدرِك يعترف بفضل مخالفه، بأن الاستدراك عليه لا يُنقص من مكانته، والمستدرَك عليه يعترف بفضل المستدرِك بأن نبهه أو قوّمه. ومن تطبيقاته بالنسبة للمُستدرِك: جاء في رسالة الليث إلى مالك في تذكيره إياهُ ما اتفقا عليه من إنكار بعض الأمور على ربيعة بن أبي عبد الرحمن: «وذاكرتُك أنت وعبد العزيز بن عبد الله بعض ما نعيب على ربيعة من ذلك، فكنتما موافقين فيما أنكرتُ، تكرهان منه ما أكره، ومع ذلك - بحمد الله - عند ربيعة خيرٌ كثير، وعقل أصيل، ولسان بليغ، وفضل مستبين، وطريقة حسنة في الإسلام، ومودة صادقة لإخوانه عامة، ولنا خاصة» (٣).

стр. 466

وذكر ابن الجوزي عادة الإمام أحمد في الاستدراك على أغلاط العلماء، فقال: «وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يمدح الرجل، ويبالغ، ثم يذكر غلطه في الشيء بعد الشيء، وقال: نعم الرجل فلان لولا أن خلة فيه. وقال عن السري السقطي (١): الشيخ المعروف بطيب المطعم. ثم حكَى له عنه أنه قال أن الله لما خلق الحروف سجدت الباء. فقال: نفروا الناس عنه» (٢). ومن تطبيقاته بالنسبة للمستدرَك عليه: عن هُزَيْلَ بْنَ شُرَحْبِيلَ (٣) قَالَ: سُئِلَ أَبُو مُوسَى (٤) عَنْ بِنْتٍ وَابْنَةِ ابْنٍ وَأُخْتٍ. فَقَالَ: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ، وائْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَيُتَابِعُنِي. فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأُخْبِرَ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُهْتَدِينَ، أَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ ، لِلْابْنَةِ النِّصْفُ، وَلِابْنَةِ ابْنٍ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ. فَأَتَيْنَا أَبَا مُوسَى، فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ فِيكُمْ (٥).

стр. 467

والشاهد في وصف أبي موسى لابن مسعود ﵄ بأنه حَبْر، بعدما بلغه الاستدراك عليه، وهذا اعتراف منه بفضل ابن مسعود في العلم. ٣ - التواضع: تواضع المستدرِك فلا يرى لنفسه فضلاً على المستدرَك عليه، وتواضع المستدرَك عليه فلا يرى نفسه أعلى من أن يستدرك عليه. ومن نماذج تواضع المستدرِك: عَنْ وَبَرَةَ (١) قَالَ سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَقَدْ أَحْرَمْتُ بِالْحَجِّ؟ فَقَالَ: وَمَا يَمْنَعُكَ؟ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ ابْنَ فُلاَنٍ (٢) يَكْرَهُهُ وَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْهُ، رَأَيْنَاهُ قَدْ فَتَنَتْهُ الدُّنْيَا. فَقَالَ: وَأَيُّنَا - أَوْ أَيُّكُمْ - لَمْ تَفْتِنْهُ الدُّنْيَا؟ ! ثُمَّ قَالَ: رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَسُنَّةُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ ﷺ أَحَقُّ أَنْ تَتَّبِعَ مِنْ سُنَّةِ فُلاَنٍ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا (٣). والشاهد في قوله: «وَأَيُّنَا - أَوْ أَيُّكُمْ - لَمْ تَفْتِنْهُ الدُّنْيَا؟ ! »، قال النووي: «وأما قول ابن عمر: «وأينا لم تفتنه الدنيا» فهذا من زهده وتواضعه وإنصافه» (٤). ومن نماذج تواضع المستدرَك عليه: في (مصنف عبد الرزاق) عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لا تغالوا في مهور النساء. فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر؛ إن الله يقول: (وإن

стр. 468

آتيتم إحداهن قنطارًا من ذهب). - قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله - فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئا. فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته (١). فالشاهد أن عمر ﵁ تواضع - وهو يومئذٍ أميرٌ للمؤمنين - فأقرّ بأنّ المرأة قد حجّتْه. ٤ - حسن الاستماع وتوفير الفرصة الكاملة لعرض الرأي، بعدم المقاطعة في الاستدراك المسموع، وبعدم قراءة بعض الكلام دون بعض في الاستدراك المقروء. فعلى المستدرِك ألاّ يجتزئ شيئًا من كلام المستدرَك عليه ثم يحكُم عليه دون النظر إلى تمام كلامه في المسألة. كذلك المستدرَك عليه، عليه أن ينظر في تمام كلام المستدْرِك دون اجتزاء ولا مقاطعة. لأنه بهذا تتّضح وجهات النظر بدون تشويش لصورتها المُراد نقلها، ودافع هذا هو الرغبة في التعرف على الحق، واحترام مشاعر المسلم. قال صاحب (الاتجاهات الفقهية) مُعقّبًا على طريقة عرض ابن أبي شيبة (٢) للخلاف بين المحدثين وأبي حنيفة فقال: «كما يُلاحظ أن أبا بكر بن أبي شيبة يكثر من ذكر الروايات التي توضح مأخذ المحدثين وتؤيد وجهتهم، دون أن يعني بيان وجهة نظر أبي حنيفة، وقد يبدو هذا السلوك طبيعيا من ابن أبي شيبة، حيث إنه محدث ينظر في الأمور من وجهة نظر المحدثين، إلا أن ذكر وجهة النظر الحنفي - في رأينا - كان أولى

стр. 469

من إهمالها، إما لنقصها وتبيين قصورها، وإما تحريا للعدالة في تقديم وجهتي النظر، حتى يترك للمطّلع فرصة الموازنة، والمفاضلة» (١). وقد عدّه صاحب (الجدل على طريقة الفقهاء) من آداب الجدل (٢). ٥ - مراعاة حرمة الأعراض. يقول ابن رجب: «اعلم أن ذكر الإنسان بما يكره محرّم إذا كان المقصود منه مجرد الذم والعيب والنقص، فأما إن كان فيه مصلحة لعامة المسلمين، خاصة لبعضهم، وكان المقصود منه تحصيل تلك المصلحة فليس بمحرم، بل مندوب إليه. وقد قرر علماء الحديث هذا في كتبهم في الجرح والتعديل» (٣). وهذا سواء كان في حضرته أو في غيبته، أو في حياته أو بعد مماته (٤). وذكر النووي في آداب المعلم في درسه واشتغاله طريقةَ عرض المعلم استدراكَه على طلابه فقال: «ويبين الدليل الضعيف؛ لئلا يغتر به، فيقول: استدلوا بكذا، وهو ضعيف لكذا، ويبين الدليل المعتمد ليُعتمد، ويبين له ما يتعلق بها من الأصول والأمثال والأشعار واللغات، وينبههم على غلط من غلط فيها من المصنفين، فيقول مثلاً: هذا هو الصواب، وأما ما ذكره فلانٌ فغلط أو ضعيف. قاصدًا النصيحة؛ لئلا يغتر به، لا لتنقص للمصنف». (٥) وعقد فصلاً في النهي والوعيد لمن يؤذي أو يتنقص الفقهاء والمتفقهين، واستدل له بحديث (البخاري): «من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب» (٦)، وقال في تفسير

стр. 470

الحديث: «وروى الخطيب البغدادي عن الشافعي وأبي حنيفة ﵄ قالا: إن لم تكن الفقهاء أولياء الله، فليس لله وليّ. وفي كلام الشافعي: الفقهاء العاملون» (١). وهذا الأدب كما هو للمستدرِك حين استدراكه، كذلك هو للمستدرَك عليه حين يبلغه الاستدراك، فلا يقعُ في عرض من استدرك عليه بتخوينٍ، أو إرادة تنقّصٍ، أو تُهمةٍ في أمانته ودينه ونحو ذلك.

стр. 471

المبحث الثاني: آداب الاستدراك الفقهي المتعلقة بالمستدرِك، وتطبيقاتها . وهي آدابٌ لأداء الاستدراك الفقهي، وتحصّل لي منها: ١ - الرفق في العرض بتطييب الكلام، وتجنب سيء الألفاظ. وهو أدب له أصوله في الإسلام، منها حديث: «إن المؤمن ليس باللعان ولا الطعّان، ولا الفاحش ولا البذيء» (١). وذكر ابن رجب أن العلماء لم يتركوا تبيين خطأ من أخطأ في فهم معاني الكتاب والسنة، أو تأول منهما على غير تأويله أو تمسك بما لا يتمسك به؛ تحذيرًا من الاقتداء به فيما أخطأ فيه ثم قال: «إلا أن يكون المصنف ممن يفحش في الكلام، ويُسيء الأدب في العبارة، فينكر عليه فحاشته، وإساءته دون أصل رده ومخالفته» (٢). ومن تطبيقات هذا الأدب: عن أبي وائل شقيق بن سلمة (٣) قال: سمعت الصُّبَيّ بن معبد (٤) يقول: كنت رجلاً نصرانيًّا، فأسلمتُ، فأهللتُ بالحج والعمرة، فسمعني

стр. 472

سلمان بن ربيعة (١) وزيد بن صوحان (٢) وأنا أهلّ بهما جميعا بالقادسية (٣). فقالا: لهذا أضلُّ من بعيره! فكأنما حملا علي جبلاً بكلمتهما، فقدمت على عمر بن الخطاب، فذكرت ذلك له، فأقبل عليهما فلامَهما، ثم أقبل عليّ، فقال: هديت لسنة النبي ﷺ ، هديت لسنّة النبي ﷺ (٤). والشاهد فيه لوم عمر بن الخطاب ﵁ لسلمان وزيد ﵄ لتركهما التلطف في عرض الاستدراك لما قالا: «لهذا أضلّ من بعيره! ». ومن تطبيقاته أيضًا ما في (تفسير القرطبي) في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾ (٥) حيث حكى قولَ ابن العربي وهو قوله: «اعتقد قوم من الغافلين تحريمَ أسئلة النوازل حتى تقع، تعلُّقًا بهذه الآية، وليس كذلك». فقال

стр. 473

القرطبي (١) مُعلّقًا: «قلتُ: قوله: «اعتقد قوم من الغافلين» فيه قبحٌ، وإنما كان الأولى به أن يقول: ذهب قوم إلى تحريم أسئلة النوازل، لكنه جرى على عادته» (٢). وقد نبّه صاحب (أدب الدنيا والدين) إلى الرفق في الاستدراك على السلطان، وبيّن أبعاده فقال: «وليخرج تعليمه مخرج المذاكرة والمحاضرة، لا مخرج التعليم والإفادة؛ لأن لتأخير التعلم خجلةَ تقصيرٍ يجلّ السلطان عنها، فإن ظهر منه خطأ أو زلل في قول أو عمل لم يجاهره بالرد، وعرّض باستدراك زلله وإصلاح خلله» وذكر نموذجًا لهذا فقال: «وحكي أن عبد الملك بن مروان (٣) قال للشعبي: كم عطاءَك (٤)؟ قال: ألفين. قال: لحنتَ. قال: لما ترك أمير المؤمنين الإعراب كرهتُ أن أعرب كلامي عليه» (٥).

стр. 474

وقد يقتضي الحال الشدة كأن تكون المخالفة صريحة للنصوص مع من يتقبل الشدة. ونبّه على ذلك الباحث/ محمد عيد، موجّهًا به بعض الشدة الصادرة من بعض الصحابة في استدراكاتهم على بعضهم، ومثّل له بتشديد عبد الله بن الزبير على ابن عباس ﵃ لما قال بحل نكاح المتعة، حيث قال ابن الزبير ﵄: «إِنَّ نَاسًا - أَعْمَى اللَّهُ قُلُوبَهُمْ كَمَا أَعْمَى أَبْصَارَهُمْ - يُفْتُونَ بِالْمُتْعَةِ - يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ (١) - فَنَادَاهُ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَجِلْفٌ جَافٍ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَتِ الْمُتْعَةُ تُفْعَلُ عَلَى عَهْدِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ - يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَجَرِّبْ بِنَفْسِكَ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَهَا لأَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارِكَ» (٢). قال الباحث محمد عيد: «فأنت ترى هذا التشديد على ابن عباس ﵄ وما ذاك إلا لأنه إمام منظور إليه ومقتدى به» (٣). وهو أمرٌ تُراعى فيه المقاصد وكيفية سلامة تحقيقها، والناس مراتب وأنواع، فعلى المستدرك أن يُراعي ذلك كله، ويسلك من اللين والشدة ما كان أنجع وأسلم في تحقيق المقصد من الاستدراك. ٢ - الحرص على إيضاح الحق وإيصاله لكل من يحتاجه. وتُطالعُنا الكتب بنماذج لهذا الحرص، حيث مُورس الاستدراك في ظروف صعبة يمر بها المستدرك، من ذلك استدراك عمر ﵁ على الشاب الذي زاره في مرض موته، وقال له - أي الشاب -: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك، من صحبة رسول الله ﷺ ، وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة. فقال له عمر ﵁: وددت

стр. 475

أن ذلك كفاف لا علي ولا لي. فلما أدبر الشاب إذا إزاره يمس الأرض. قال عمر ﵁: ردوا علي الغلام. وقال له: ابن أخي! ارفع ثوبك؛ فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك (١). وشبيهٌ من هذا الموقف ما حكاه صاحب (تلبيس إبليس) بسنده عن أبي عثمان (٢) في وقت وفاته، حيث مزّق ابنه أبو بكر قميصًا كان عليه، ففتح أبو عثمان عينه، وقال: يا بني! خلاف السنة في الظاهر، ورياء الباطن في القلب (٣). ٣ - التثبت من نسبة القول أو الرأي إلى المستدرَك عليه قبل الحكم، وإن لم يستطع علق الأمر بالافتراض بدون جزم، وتوجه الاستدراك على ذات القول، أو الرأي. ومن تطبيقات التثبّت من النسبة: عن أبي صالح الزيات أنه سمع أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁: يَقُولُ الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ. فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَا يَقُولُهُ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَأَلْتُهُ، فَقُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: كُلَّ ذَلِكَ لَا أَقُولُ، وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي، وَلَكِنْ أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ (٤). فأبو سعيد ﵁ تثبّت من نسبة القول إلى ابن عباس ﵄ لما بلغه أنه لا يرى بأسًا من التفاضل بين النقدين من جنس واحد إذا كان يدًا بيد، وناقشه فيه (٥). ويصلح موقف ابن عمر من السائل الذي سأله عن الطواف قبل أن يأتي الموقف نموذجًا في تعليق الأمر بالافتراض، وتوجه الاستدراك إلى ذات الرأي عند ضيق الوقت

стр. 476

أو عدمه للتثبت، ذلك أنه قال له في آخر كلامه: «إِنْ كُنْتَ صَادِقًا». والنموذج قد تقدم ذكره في أدب التواضع في المبحث الأول (١). فالشاهد في قوله: «إن كنت صادقًا»، حيثُ علّق الأمر ولم يجزم بنسبته إلى ابن عباس ﵄ ووجّه الاستدراك على ذات القول؛ لأنه في ظرفٍ لا يُتيح له سعةَ التثبّت، لحاجة السائل الحالية إلى الفتوى. ٤ - الحفاظ على قول المستدرَك عليه، بحيث لا يُغيّر كلامه بما يُحيل المعنى. وعدّه صاحب (الجدل على طريقة الفقهاء) من أدب الجدل (٢). ٥ - العدل والإنصاف. يقول ابن تيمية: «ومعلوم أنا إذا تكلمنا فيمن هو دون الصحابة، مثل الملوك المختلفين على الملك، والعلماء والمشايخ المختلفين في العلم والدين، وجب أن يكون الكلام بعلم وعدل، لا بجهل وظلم، فإن العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال، والظلم محرم مطلقا لا يباح قط بحال» (٣). وقد أنكر ابن دقيق العيد على من انتقد (جامع الأمهات) من دافع الحسد، وقال: «فتارة يُعاب لفظه بالتعقيد، وطورًا يقال: لقد رمى المعنى من أمد بعيد، ومرة ينسب إلى السهو والغلط، وأخرى رجح غير المشهور، وذلك معدود من السقط، وجعل ذلك ذريعة إلى التنفير عن كتابه ... وذلك عندنا من الجور البين، والطريق الذي سلوك سواه والعدول عنه متعين» ثم أوضح الموقف الصحيح من هذه الأمور فقال: «فأما الاعتراض بالتعقيد والإغماض فربما كان سببه بعد الفهم ... وإنما وضعت هذه المختصرات لقرائح غير قرائح ... فربما أخذها القاصر ذهنا فما فك لها لفظًا، ولا طرق لها معنى، فإن وقف هناك وسلّم سلِم، وإن أنف بالنسبة إلى التقصير فأطلق لسانه أثم ... وأما السهو والغلط فما أمكن تأويله على شيء يتأول، وما وجد سبيل واضح إلى توجيه حمل على

стр. 477

أحسن محمل، وما استدت فيه الطرق الواضحة، وتؤملت أسباب حسنه أو صحته فلم تكن لائحة فلسنا ندّعي لغير معصوم عصمة، ولا نتكلف تقدير ما نعتقده غلطًا بأن ذلك أبهج وصمه، فالحق أولى ما رفع علمه ... ولكن لا نجعل ذلك ذريعة إلى ترك الصواب الجم، ولا نستحل أن نقيم حق المصنف شيئا إلى ارتكاب مركب الذم ... ولو ذهبنا نترك كل كتاب وقع فيه غلط أو فرط من مصنفه سهو أو سقط، لضاق المجال» (١). ٦ - التأني والتأمل قبل الاستدراك. «فاتهام النفس بالقصور خير من اعتراض في غير وجه حق» (٢). وهذا ما تفيده قصة الخضر مع موسى ﵇، حيث لام الخضرُ موسى ﵇ لاستعجاله في الاستدراك، رغم أنه طلب منه التأنّي حتى يُحدّثه بتأويل أفعاله. ٧ - العلم بما يستدرك فيه. فلا يستدرك على ما لم يُحط به علمًا، وإلا لأتى بالعجائب. ويُنبّه العلماء على هذا الأدب، من ذلك قول الشاطبي (٣) في (لاميته): وإن كان خرقٌ فادّركْه بفضلةٍ ... من الحلْمِ ولْيُصلحْهُ من جادَ مِقولا (٤)

стр. 478

فقوله: «وليصلحه من جاد مقولا» أي: «ليصلح هذا العيب من ذرِب (١) لسانه، وكان متضلعًا من علوم العربية، واسع الاطلاع في علوم القراءات» (٢). وفي (مرتقى الوصول إلى علم الأصول) بعد أن أبدى إذنه في إصلاح عمله أعقب ذلك بقوله: لكن بشرط العلم والإنصافِ ... فذا وذا من أجمل الأوصاف (٣) وقد سبقت حكاية قول ابن تيمية في أدب الإنصاف (٤)، ففيها التوجيه إلى الاستدراك بعلم. ومن نماذج ذلك: عن ابن خزيمة قال: حضرت مجلس المزني يومًا، وسأله سائل من العراقيين عن شبه العمد (٥)، فقال السائل: إن الله وصف القتل في كتابه صنفين عمدًا

стр. 479

وخطأ (١)، فلم قلتم إنه على ثلاثة أصناف، وزدتم شبه العمد؟ فذكر الحديث (٢). فقال له: أتحتج بعلي بن زيد بن جدعان (٣)؟ فسكت المزني. فقلتُ لمناظره: قد روى هذا الخبر غيرُ علي بن زيد. فقال: ومن رواه غير علي. قلت: أيوب السختياني وخالد الحذاء (٤) (٥).

стр. 480

قال لي: فمن عقبة بن أوس (١)؟ قلت: عقبة بن أوس رجل من أهل البصرة قد رواه عنه أيضا محمد بن سيرين مع جلالته. فقال للمزني: أنت تناظر أو هذا؟ فقال: إذا جاء الحديث فهو يناظر؛ لأنه أعلم بالحديث مني ثم أتكلم أنا (٢). ومن العلم معرفة مصطلحات المستدرَك عليه، ولْنعتبرْ في هذا بما حصل من الخلاف بين العلماء مما مآله إلى الاختلاف اللفظي. ٨ - الاقتصار على موضع الخلل في النقد والاستدراك، فلا يكون سبيلاً للتوسع في عدّ معايب المستدرَك عليه غير ذات العلاقة. ويُشير إلى هذا الأدب قول ابن رجب المتقدم في أدب الرفق في العرض: «إلا أن يكون المصنف ممن يفحش في الكلام، ويُسيء الأدب في العبارة فينكر عليه فحاشته وإساءته دون أصل رده ومخالفته» (٣). ٩ - تقديم الأهم في الاستدراك. من ذلك عدم الاشتغال بالاستدراك على المفضول على حساب الاستدراك على الفاضل. وهذا ما صرّح به صاحب (إدرار الشروق) حيث وصف (أنوار البروق) مع ما عمله فيه قائلاً: «ألفيتُه قد شد فيه وحشر، وطوى ونشر، وسلك السهول والنجود، وورد البحور والثمود، خلا أنه ما استكمل التصويب والتنقيب، ولا استعمل التهذيب والترتيب، فانتسب بسبب ذينك الأمرين إلى الإخلال بواجبين، واحتجب لامع بروقه

стр. 481

منها بحاجبين. ولما كان الأول منهما في مرتبة الضروريات، والثاني في درجة الحاجيات وضعتُ كتابي هذا لما اشتمل عليه من الصواب مُصحّحًا، ولما عدل به عن صَوْبه منقّحًا، وأضربتُ عما سوى ذلك، مؤثرًا للضروري على الحاجي ومرجحًا» (١). ومن ذلك ألاّ يشتغل بالاستدراك على المسائل مستحيلة الوقوع أو بعيدة الوقوع على حساب النظر في المسائل الواقعة أو القريبة الوقوع. وفي هذا المعنى يقول الغزالي مُنكرًا على بعض المناظرين: «وربما يكون المناظر في مجلس مناظرته مشاهدًا للحرير ملبوسًا ومفروشًا وهو ساكت، ويناظر في مسألة لا يتفق وقوعها قط، وإن وقعت قام بها جماعة من الفقهاء» (٢). وقال منتقدًا مناظري أهل زمانه: «ولا ترى المناظرين يهتمون بانتقاد المسائل التي تعم البلوى بالفتوى فيها، بل يطلبون الطبوليات (٣) ... وربما يتركون ما يكثر وقوعه، ويقولون هذه مسألة خبرية (٤) أو هي من الزوايا» (٥). ١٠ - الشجاعة في إبداء الاستدراك. يقول ابن رجب في هذا المعنى: «وسواء الذي بيّن الخطأ صغيرًا أو كبيرًا، فله أسوة بمن رد من العلماء مقالات ابن عباس التي يشذ بها، وأنكرت عليه من العلماء» (٦). وقال ابن الجوزي في سياق بيان غرضه من تأليف (تلبيس إبليس): «ولا اعتبار بقول جاهل يقول: كيف يرد على فلان الزاهد المتبرك به. لأن الانقياد إنما يكون إلى ما

стр. 482

جاءت به الشريعة، لا إلى الأشخاص، وقد يكون الرجل من الأولياء وأهل الجنة، وله غلطات، فلا تمنع منزلته بيان زلله» (١). ومن مواقف الفقهاء في الشجاعة عند إبداء الاستدراك الفقهي ما حكاه في (سير أعلام النبلاء): حيث قال: «اجْتَمَعَ الثَّوْرِيُّ، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَعَبَّادُ بنُ كَثِيْرٍ (٢) بِمَكَّةَ، فَقَالَ الثَّوْرِيُّ لِلأَوْزَاعِيِّ: حَدِّثْنَا يَا أَبَا عَمْرٍو حَدِيْثَكَ مَعَ عَبْدِ اللهِ بنِ عَلِيٍّ (٣)؟ قَالَ: نَعَمْ، لَمَّا قَدِمَ الشَّامَ، وَقَتَلَ بَنِي أُمَيَّةَ، جَلَسَ يَوْماً عَلَى سَرِيْرِه، وَعَبَّأَ أَصْحَابَهُ أَرْبَعَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ مَعَهُمُ السُّيُوفُ المُسَلَّلَةُ، وَصِنْفٌ مَعَهُمُ الجَزَرَةُ (٤) - أَظُنُّهَا الأَطبَارَ (٥) - وَصِنْفٌ مَعَهُمُ الأَعمِدَةُ (٦)، وَصِنْفٌ مَعَهُمُ الكَافِركُوبُ (٧)، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيَّ، فَلَمَّا صِرْتُ بِالبَابِ، أَنْزَلُونِي،

стр. 483

وَأَخَذَ اثْنَانِ بَعْضُدَيَّ، وَأَدخَلُونِي بَيْنَ الصُّفُوفِ، حَتَّى أَقَامُوْنِي مُقَاماً يُسْمَعُ كَلاَمِي، فَسَلَّمتُ، فَقَالَ: أَنْتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَمْرٍو الأَوْزَاعِيُّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، أَصْلَحَ اللهُ الأَمِيْرَ. قَالَ: مَا تَقُوْلُ فِي دِمَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ؟ فَسَأَلَ مَسْأَلَةَ رَجُلٍ يُرِيْدُ أَنْ يَقْتُلَ رَجُلاً، فَقُلْتُ: قَدْ كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُم عُهُودٌ. فَقَالَ: وَيْحَكَ! اجْعَلْنِي وَإِيَّاهُم لاَ عَهْدَ بَيْنَنَا. فَأَجْهَشَتْ نَفْسِي، وَكَرِهَتِ القَتْلَ، فَذَكَرتُ مُقَامِي بَيْنَ يَدَيِ اللهِ فَلَفَظْتُهَا، فَقُلْتُ: دِمَاؤُهُم عَلَيْكَ حَرَامٌ. فَغَضِبَ، وَانْتَفَخَتْ عَيْنَاهُ وَأَوْدَاجُهُ، فَقَالَ لِي: وَيْحَكَ! وَلِمَ؟ ! قُلْتُ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: ثَيِّبٍ زَانٍ، وَنَفْسٍ بِنَفْسٍ، وَتَارِكٍ لِدِيْنِهِ» (١). قَالَ: وَيْحَكَ! أَوَلَيْسَ الأَمْرُ لَنَا دِيَانَةً؟ ! قُلْتُ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: أَلَيْسَ كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ كَانَ أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ؟ قُلْتُ: لَوْ أَوْصَى إِلَيْهِ، مَا حَكَّمَ الحَكَمَيْنِ. فَسَكَتَ، وَقَدِ اجْتَمَعَ غَضَباً، فَجَعَلْتُ أَتَوَقَّعُ رَأْسِي تَقَعُ بَيْنَ يَدَيَّ. فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا - أَوْمَأَ أَنْ أَخْرِجُوْهُ -. فَخَرَجتُ، فَرَكِبتُ دَابَّتِي، فَلَمَّا سِرْتُ غَيْرَ بَعِيْدٍ، إِذَا فَارِسٌ يَتْلُوْنِي، فَنَزَلتُ إِلَى الأَرْضِ، فَقُلْتُ: قَدْ بَعَثَ لِيَأْخُذَ رَأْسِي، أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. فَكَبَّرْتُ، فَجَاءَ - وَأَنَا قَائِمٌ أُصَلِّي - فَسَلَّمَ، وَقَالَ: إِنَّ الأَمِيْرَ قَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ بِهَذِهِ الدَّنَانِيْرِ، فَخُذْهَا. فَأَخَذتُهَا، فَفَرَّقتُهَا قَبْلَ أَنْ أَدخُلَ مَنْزِلِي. فَقَالَ سُفْيَانُ: وَلَمْ أُرِدْكَ أَنْ تَحِيْدَ حِيْنَ قَالَ لَكَ مَا قَالَ» (٢).

стр. 484

١١ - تحديد الخلل المُستدرك عليه. وذلك بأن يُنقّح العمل الفقهي إلى أجزاء مُستدرك عليها وأجزاء غير مستدرَك عليها، قبل الخوض في المناقشة، ليزول اللبس، ولينتفع المُطّلع بالاستدراك، بعكس ما لو بدأ بالاستدراك مباشرة، فإنه قد ينصرف الذهن إلى غير موضع الخلل. وقد لاحظ الباحثُ/ محمد المصلح هذا في منهج اللخمي في الاستدراك وقال: «لأن تحديد محامل القول وإبراز سياقه وإزالة الغموض والاحتمال عنه، قبل مناقشته والاستدراك عليه، يمكّن القارئ من إدراك التعقيب واستيعابه، وملاحظة مدى انسجامه مع الجانب المتعلق به» (١). ١٢ - عدم المِنّة على المستدرَك عليه إن ظهر له الحق بالاستدراك، لأن الفضل كله لله تعالى. نقل النووي عن الشافعي في هذا المعنى قوله: «ما كلمت أحدًا قط إلا وددتُ أن يُوفق ويُسدد ويعان، ويكون عليه رعاية من الله وحفظ» (٢). فبهذه النفسية في الاستدراك لن يشعُر المُستدرِك بمنّة على من استدرك عليه، لأن الموفق والمُعين هو الله تعالى، وهو الذي يهدي عباده لاتباع الحق. ١٣ - عدم القطع بصحة الاستدراك فيما يدخله الاجتهاد والاحتمال. وقد لاحظ الباحث/ أبو الحاج هذا في دراسته للمنهج الفقهي للإمام اللكنوي، حيث عدّ من صفات طريقته في تحقيق المسائل: عدم ادعائه أن ما حققه هو الصواب المطلق، ودلّل لذلك قائلاً: «مثاله ما قاله بعد ذكر حجج مشايخ المذهب في إمامة المرأة والرد عليها: (والذي يظهر أن الحكم بالكراهة - ولا سيما بالتحريمية - من تخريجات المشايخ، على حسب أفهامهم ومزعوماتهم، لا من كلام أئمتهم، ولعل

стр. 485

لكلامهم وجهًا لم يُطّلع عليه، وما اطلعنا عليه قد بينا حاله، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (١)، وهو ذو الفضل، و ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾) (٢)» (٣). ١٤ - مراعاة المصلحة في الاستدراك باستشراف مآلاتها، سواء من ناحية الشخص المَستدرَك عليه، أو من ناحية عمله. فقد تقتضي المصلحة عدم الاستدراك في الوقت الحالي. من نماذج ذلك: ما جاء عن ابن عباس ﵄ قال: كنت أقرئ عبد الرحمن بن عوف في خلافة عمر، فلما كان آخر حجة حجها عمر - ونحن بمنى - أتاني عبد الرحمن بن عوف في منزلي عشيًّا، فقال: لو شهدت أمير المؤمنين اليوم، أتاه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين! إني سمعت فلانا يقول: لو قد مات أمير المؤمنين قد بايعت فلانا. فقال عمر: إني لقائمٌ عشية في الناس؛ فنحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغتصبوا المسلمين أمرهم. قال فقلت: يا أمير المؤمنين! إن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، وإنهم الذين يغلبون على مجلسك، وإني أخشى إن قلت فيهم اليوم مقالة أن يطيروا بها كل مطير، ولا يعوها ولا يضعوها على مواضعها، ولكن أمهل - يا أمير المؤمنين - حتى تقدم المدينة؛ فإنها دار السنة والهجرة، وتخلص بالمهاجرين والأنصار، فتقول ما قلت متمكنا، فيعوا مقالتك، ويضعوها على مواضعها. قال فقال: عمر أما والله - إن شاء الله - لأقومنّ به في أول مقام أقومه في المدينة ... (٤). والشاهد فيه أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أشار على عمر ﵁ بعدم الاستدراك على ما قيل في ذلك الوقت؛ لما يتواجد فيه من الناس من لا يحملونه على محمله

стр. 486

الصحيح، وهذا مآل يهدم المقصود الإصلاحي من الاستدراك، فكان الرأي تأجيل الاستدراك إلى حين القدوم إلى المدينة. ومن نماذجه ما جاء في رسالة الليث إلى مالك: «وقد بلغنا عنكم أشياء في الفتيا مستكرهًا، وكنتُ كتبتُ إليك في بعضها فلم تُجبني في كتابي، فتخوّفتُ أن تكون استثقلتَ ذلك، فتركت الكتاب إليك في شيء مما أنكرت، وفيما أوردت فيه على رأيك» (١). فقدّم الليث بقاء الأخوة الإيمانية على المبادرة بالاستدراك على مالك، لما لم يأتِه الجواب على كتابه الأول. وقد تقتضي المصلحة عدم التصريح باسم المستدرَك عليه، إذ المقصود في الاستدراك هو العمل، فهو محلّ البحث والتقويم، وقد تقتضي المصلحة ذكر اسم المستدرك عليه كأن يُخشى من اتباع رأيه ولا يكون ذلك إلا بذكر اسمه. وهذا مستفاد من منهج القرآن والسنة، ففي القرآن تنزل الآية بسبب فعل واحد من المؤمنين فتُقوّم ذلك الفعل وتُرشد إلى ما يُرضي الله فيه دون التعرض لشخص الفاعل كما في قصة حاطب بن أبي بلتعة ﵁، حيث نزلت فيه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾ (٢)،

стр. 487

فلم تتعرّض الآية لشخصه ﵁ وإنما توجّهت لذات الفعل بالتقويم. أما السنة فإن النبي ﷺ يقول في الاستدراك على الأعمال: «ما بال أقوام» (١). وقد تكون المصلحة في عدم إشاعة الاستدراك، وفي ذلك يقول صاحب (قواعد التصوف) عند عده للشروط التي يكون بها نفْع الكتب المؤلفة في الرد: «أن يقتصر بنظره على نفسه، فلا يحكم به على غيره ولا يبديه لمن لا قصد له في السلوك، فيشوش عليه اعتقاده الذي كان سبب نجاته وفوزه، فإن احتاج إلى ذلك، فليعترض على القول دون تعيين للقائل، ويُعرّض بعظمته وجلالته مع إقامة قدره». ويختم بكلامٍ جامعٍ هو ميزانٌ في هذا الأدب فقال: «إذ ستر زلل الأئمة واجب، وصيانة الدين أوجب، والقائم بدين الله مأجور، والمنتصر له منصور، والإنصاف في الحق لازم، ولا خير في ديانة يصحبها هوى، فافهم» (٢). ١٥ - إعذار المستدرَك عليه خصوصًا في الرأي الاجتهادي. وقد عدّ صاحب (قواعد التصوّف) شروطَ الانتفاع من الكتب المؤلفة في التحذير من الغلط، ومنها: «إقامة عذر القول فيه، بتأويل أو غلبة أو غلط، أو غير ذلك، إذ ليس بمعصوم» وقال مُفسّرًا: «إذ يكون لولي الزلّة والزلات، والهفوة والهفوات، لعدم العصمة وغلبة الأقدار» (٣).

стр. 488

ومن نماذجه: عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (١) أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ - وَذُكِرَ لَهَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيّ - فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ نَسِىَ أَوْ أَخْطَأَ، إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا، فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ في قَبْرِهَا» (٢). فالشاهد قول عائشة ﵂ «أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ نَسِىَ أَوْ أَخْطَأَ»، فإنها لما اعتقدت خطأ ما رآه ابن عمر ﵄ اعتذرتْ له بالخطأ أو النسيان. ونبّه الفقهاءُ الناظرينَ في الأعمال الفقهية إلى هذا، من ذلك قول صاحب (كشاف القناع): «ومن عثر على شيء مما طغى به القلم، أو زلت به القدم، فليدرأْ بالحسنة السيئة، ويحضر بقلبه أن الإنسان محل النسيان، وأن الصفح عن عثرات الضعاف من شيم الأشراف، و ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٣)، ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٤)» (٥). ١٦ - وضوح العبارة عند الاستدراك، حيث يفهمها المستدرَك عليه والناظر في الاستدراك؛ لأن المقصود من الاستدراك إيصال الحق وتوضيحه؛ فيلزم منه أن يكون بكلام واضح لا لبس فيه، وقد تقرر أن الاستدراك الفقهي داخل في البلاغ، وأن البلاغ لابد أن يكون مُبينًا (٦).

стр. 489

المبحث الثالث: آداب الاستدراك الفقهي المتعلقة بالمستدرَك عليه، وتطبيقاتها . وتحصّل لي منها: ١ - الاعتراف بالخطأ عند ظهور الحق، وسرعة الاستجابة، ولو كان المستدرِك أقل منه سنًّا أو علمًا أو كان تلميذًا عنده. قال ابن تيمية: «وليس مما أمر الله به ورسوله ولا مما يرتضيه عاقل أن تقابل الحجج القوية بالمعاندة والجحد، بل قول الصدق والتزام العدل لازم عند جميع العقلاء، وأهل الإسلام والملل أحق بذلك من غيرهم؛ إذ هم ولله الحمد أكمل الناس عقلاً، وأتمهم إدراكًا، وأصحهم دينًا، وأشرفهم كتابًا، وأفضلهم نبيًّا، وأحسنهم شريعة» (١). وقد تقدمتْ أمثلة تصلُح لهذا الأدب، كتراجع أبي هريرة ﵁ عن قوله بعدم صحة صيام العبد إذا أصبح جنبًا (٢)، وتراجع أبي موسى الأشعري ﵁ لما بلغه استدراك ابن مسعود ﵁ في ميراث بنت الابن مع بنت وأخت (٣). وقال صاحب (الاستذكار) معلّقًا على رجوع أبي هريرة ﵁ عن قوله في صيام الجنب: «وفيه اعتراف العالم بالحق، وإنصافه إذا سمع الحجة، وهكذا أهل العلم والدين» (٤). وفي سرعة الاستجابة حتى ولو كان المستدرِكُ من التلاميذ، أو الأقل سنًّا: عَنْ طَاوُوس قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، إِذْ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: تُفْتِى أَنْ تَصْدُرَ الْحَائِضُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ؟ ! فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِمَّا لاَ، فَسَلْ فُلاَنَةَ

стр. 490

الأَنْصَارِيَّةَ (١)، هَلْ أَمَرَهَا بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: فَرَجَعَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَضْحَكُ وَهُوَ يَقُولُ: مَا أَرَاكَ إِلاَّ قَدْ صَدَقْتَ (٢). قال في (التمهيد): «هكذا يكون الإنصاف، وزيد معلم ابن عباس، فما لنا لا نقتدي بهم والله المستعان» (٣). ٢ - الفرح بظهور الحق على لسان الغير. قال صاحب (أخلاق العلماء): «وذلك أنه واجب عليه أن يحب صواب مناظره، ويكره خطأه، كما يحب ذلك لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه» (٤). وهذا من علامات حبّ الحق، والسعي لاستكشافه. وتقدم قول الشافعي: «ما ناظرتُ أحدًا قط على الغلبة، ووددتُ إذا ناظرت أحدًا أن يظهر الحق على يديه» (٥). ٣ - عدمُ الحرص على السرعة في الرد على حساب إتقانه، وطلبُ الإمهال للمراجعة إذا اقتضى الأمر. فقد يكون المُستدرَك عليه في حالة تُنقص إتقانه في الرد كالغضب أو الانشغال. ومن نماذج ذلك: ما حكاه صاحب (الفكر السامي) أن أبا الربيع سليمان ... الونشريسي (٦) كان يحضر مجلسه

стр. 491

خلف الله المجاصي (١)، وهذا الأخير كان يحفظ (المقدمات) و (البيان والتحصيل) لابن رشد. ونسب أبا الربيع في بعض دروسه مسألة من المسح على الخفين لابن رشد من (التقييد والتقسيم)، فقال خلف الله: والله ما قال هذا ابن رشد قط! ولحسن خلق الشيخ ما غضب ولا احمرّ، بل نزل عن كرسيه وهو يقول: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم. وترك القراءة يومين، وكان الطلبة يحضرون ويتركون الكلام في الموقف إعظامًا للشيخ، وفي اليوم الثالث حضر واجتمع عليه الطلبة، فقال لخلف الله: يا أبا سعيد! تُكذّبني في النقل؟ نصحتك أعوامًا كثيرة فما جزائي إلا هذا! فقال: يا سيدي! إن ابن رشد ما تكلم على الخفين في (مقدماته)، ولا ذكر ذلك في (بيانه). فأخذ الشيخ الجزء الذي وسمه ابن رشد بـ (التقييد والتقسيم)، ودفعه إليه حتى رأى فيه ما نقله عنه، فقبّل حينئذ يده، واعتذر، فقبِل عذره (٢). ٤ - تحمّل فظاظة العبارات الصادرة من المستدرِك. ويصلحُ لهذا نموذج أبي الربيع سليمان الونشريسي مع خلف الله المجاصي، المحكي في الأدب السابق. ٥ - إبداء الاهتمام بكلام المستدرِك، وحسن الإنصات له؛ فلا يلتفت إلى غيره أثناء توجيه الكلام له، ولا يُهمِل استدراكه. وقد عدّه صاحب (الجدل على طريقة الفقهاء) من آداب الجدل (٣).

стр. 492

ومن نماذجه ردُّ مالك على رسالة الليث التي فيها استدراكات على بعض آراء مالك، فمما جاء في الردّ: «وكان حبيبٌ إليّ حفظك، وقضاء حاجتك، وأنت لذلك أهل، وصبرت نفسي في ساعات لم أكن أعرض فيها؛ لأن الحج فيها، فتأتيك مع الذي جاءني بها حيثُ دفعتُها إليه، وبلغت من ذلك الذي رأيتُ أنه يلزمني في حقك وحرمتك، وقد نشطني ما استطلعت مما قبلي من ذلك في ابتدائك بالنصيحة لك، ورجوتُ أن يكون لها عندك موضع، ولم يكن يمنعني من ذلك قبل اليوم أن لا يكون رأيي لم يزل فيك جميلاً، إلا أنك لم تكن تذاكرني شيئًا من هذا الأمر، ولا تكتب فيه إليّ» (١). كما ردّ عليه الليث بنفس الاهتمام والترحيب فمما جاء في رده على كتابه الذي منه ما ذكرتُ: «وأنه بلغكَ أني أُفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندكم، وإني يحق علي الخوف على نفسي لاعتماد من قِبَلي على ما أفتيتُهم به، وأن الناس تبعٌ لأهل المدينة التي إليها كانت الهجرةُ وبها نزل القرآن، وقد أصبتَ بالذي كتبتَ به من ذلك إن شاء الله، ووقع مني بالموقع الذي تُحبّ» (٢).

стр. 493

الفصل الثاني آثار الاستدراك الفقهي، وتطبيقاتها . وتحته أربعة مباحث: المبحث الأول: أثر الاستدراك الفقهي على الاتجاهات الفقهية، وتطبيقاته. المبحث الثاني: أثر الاستدراك الفقهي على التصنيف، وتطبيقاته. المبحث الثالث: أثر الاستدراك الفقهي على المعرفة الإنسانية، وتطبيقاته. المبحث الرابع: أثر الاستدراك الفقهي على العلاقات الإنسانية، وتطبيقاته.

стр. 494

المبحث الأول: أثر الاستدراك الفقهي على الاتجاهات الفقهية، وتطبيقاته . تمثل هذا الأثر في صور، تحصّل لي منها الصور التالية: - الأثر التوليدي. فالاستدراكات الفقهية أثّرت في توليد اتجاهات فقهية من خلال تبادل الاستدراكات بين اتجاهين أو أكثر. وعند التأمل في المذاهب الفقهية نجد أنها ترجع لجذور الخلاف والاستدراك الذي كان بين الصحابة. جاء في (الاتجاهات الفقهية): «نستطيع أن نعتبر عصر الصحابة منبع الآراء الفقهية: منه تنبع وتتدفق، ثم تسيل متشعبة في أودية الزمن، مكتسبة في مسيرتها ما اختلطت به من الطبائع والعقول والبيئات ... ونظرة فاحصة إلى معظم المذاهب الإسلامية بما تمثله من اتجاهات فقهية تؤكد ما نقول، وتكشف عن جذور هذه المذاهب الممتدة إلى عصر الصحابة - رضوان الله عليهم - تمتص منه حياتها، وتتلمس فيه البراهين على صحتها، واستقامة طريقها، وتستأنس به لما تذهب إليه» (١). وقد درس الباحث/ محمد عيد استدراكات الصحابة في الكتب الستة، ودرس أثر كل استدراك على المذاهب الفقهية، مما ثبت معه تطبيقيًّا أثر الاستدراكات في نشأة الاتجاهات الفقهية (٢). ومن الاتجاهات التي درسها صاحب (الاتجاهات الفقهية) - اتجاهًا متولّدًا عن الاستدراكات - اتجاهُ (فقه المحدّثين) حيث قال: «ومن النتائج الهامة التي أسفر عنها الصراع بين المحدثين وخصومهم بروز فقه المحدثين وظهوره إلى الوجود، مستقلاًّ عن مذاهب الفقهاء، متميّزًا عنهم، شاقًّا لنفسه طريقًا لا تنتسب لأحد غير المحدثين» (٣).

стр. 495

وقال في موضع آخر: «وفي عصر أحمد بن حنبل، وبتأثيرات التيارات النقدية، وحدّة الصراع الفكري، وعنف محنة خلق القرآن، وصلابة أحمد بن حنبل فيها - برز فقه المحدثين، ووجد التربة الصالحة لنموه ونضجه» (١). ويُمكن تطبيق هذا الأثر أيضًا على ما جاء به الشافعي، الذي والفَ بين اتجاه أهل الأثر في الحجاز، واتجاه أهل الرأي في العراق، حيث استدرك على الفريقين، وأبرزَ اتجاهًا يجمع بين الرأي والأثر، وذلك واضح في (رسالته). قال أبو زهرة (٢): «وهكذا ترى الشقة بين أهل العراق وأهل الحجاز قد أخذت تضيق، حتى تقاربا. كل ذلك في شباب الشافعي، فلما جاء دوره، كان هو الوسط الذي التقى فيه أهل الرأي وأهل الحديث معًا، فلم يأخذ بمسلك أهل الحديث في قبولهم لكل الأخبار ما لم يقم دليل على كذبها، ولم يسلك مسلك أهل الرأي في توسيع نطاق الرأي، بل ضبط قواعده، وضيق مسالكه، وعبّدها، وسهلها، وجعلها سائغة» (٣). - الأثر التقاربي. قال في (الاتجاهات الفقهية): «كما ينبغي أن نتنبه إلى أن اللقاءات التي كانت موجودة في القرن الأول لم تنقطع في هذا القرن (٤)، بل كانت دائرتها متصلة، وكثيرًا ما أنتجت هذه اللقاءات مناقشات ومناظرات كانت ذات أثر لا يُنكر في تقارب الأفكار،
следующие страницы →