خلف الله المجاصي (١)، وهذا الأخير كان يحفظ (المقدمات) و (البيان والتحصيل) لابن رشد. ونسب أبا الربيع في بعض دروسه مسألة من المسح على الخفين لابن رشد من (التقييد والتقسيم)، فقال خلف الله: والله ما قال هذا ابن رشد قط! ولحسن خلق الشيخ ما غضب ولا احمرّ، بل نزل عن كرسيه وهو يقول: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم. وترك القراءة يومين، وكان الطلبة يحضرون ويتركون الكلام في الموقف إعظامًا للشيخ، وفي اليوم الثالث حضر واجتمع عليه الطلبة، فقال لخلف الله: يا أبا سعيد! تُكذّبني في النقل؟ نصحتك أعوامًا كثيرة فما جزائي إلا هذا! فقال: يا سيدي! إن ابن رشد ما تكلم على الخفين في (مقدماته)، ولا ذكر ذلك في (بيانه). فأخذ الشيخ الجزء الذي وسمه ابن رشد بـ (التقييد والتقسيم)، ودفعه إليه حتى رأى فيه ما نقله عنه، فقبّل حينئذ يده، واعتذر، فقبِل عذره (٢).
٤ - تحمّل فظاظة العبارات الصادرة من المستدرِك.
ويصلحُ لهذا نموذج أبي الربيع سليمان الونشريسي مع خلف الله المجاصي، المحكي في الأدب السابق.
٥ - إبداء الاهتمام بكلام المستدرِك، وحسن الإنصات له؛ فلا يلتفت إلى غيره أثناء توجيه الكلام له، ولا يُهمِل استدراكه.
وقد عدّه صاحب (الجدل على طريقة الفقهاء) من آداب الجدل (٣).
стр. 492
ومن نماذجه ردُّ مالك على رسالة الليث التي فيها استدراكات على بعض آراء مالك، فمما جاء في الردّ: «وكان حبيبٌ إليّ حفظك، وقضاء حاجتك، وأنت لذلك أهل، وصبرت نفسي في ساعات لم أكن أعرض فيها؛ لأن الحج فيها، فتأتيك مع الذي جاءني بها حيثُ دفعتُها إليه، وبلغت من ذلك الذي رأيتُ أنه يلزمني في حقك وحرمتك، وقد نشطني ما استطلعت مما قبلي من ذلك في ابتدائك بالنصيحة لك، ورجوتُ أن يكون لها عندك موضع، ولم يكن يمنعني من ذلك قبل اليوم أن لا يكون رأيي لم يزل فيك جميلاً، إلا أنك لم تكن تذاكرني شيئًا من هذا الأمر، ولا تكتب فيه إليّ» (١).
كما ردّ عليه الليث بنفس الاهتمام والترحيب فمما جاء في رده على كتابه الذي منه ما ذكرتُ: «وأنه بلغكَ أني أُفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندكم، وإني يحق علي الخوف على نفسي لاعتماد من قِبَلي على ما أفتيتُهم به، وأن الناس تبعٌ لأهل المدينة التي إليها كانت الهجرةُ وبها نزل القرآن، وقد أصبتَ بالذي كتبتَ به من ذلك إن شاء الله، ووقع مني بالموقع الذي تُحبّ» (٢).
стр. 493
الفصل الثاني
آثار الاستدراك الفقهي، وتطبيقاتها .
وتحته أربعة مباحث:
المبحث الأول: أثر الاستدراك الفقهي على الاتجاهات الفقهية، وتطبيقاته.
المبحث الثاني: أثر الاستدراك الفقهي على التصنيف، وتطبيقاته.
المبحث الثالث: أثر الاستدراك الفقهي على المعرفة الإنسانية، وتطبيقاته.
المبحث الرابع: أثر الاستدراك الفقهي على العلاقات الإنسانية، وتطبيقاته.
стр. 494
المبحث الأول: أثر الاستدراك الفقهي على الاتجاهات الفقهية، وتطبيقاته .
تمثل هذا الأثر في صور، تحصّل لي منها الصور التالية:
- الأثر التوليدي.
فالاستدراكات الفقهية أثّرت في توليد اتجاهات فقهية من خلال تبادل الاستدراكات بين اتجاهين أو أكثر.
وعند التأمل في المذاهب الفقهية نجد أنها ترجع لجذور الخلاف والاستدراك الذي كان بين الصحابة.
جاء في (الاتجاهات الفقهية): «نستطيع أن نعتبر عصر الصحابة منبع الآراء الفقهية: منه تنبع وتتدفق، ثم تسيل متشعبة في أودية الزمن، مكتسبة في مسيرتها ما اختلطت به من الطبائع والعقول والبيئات ... ونظرة فاحصة إلى معظم المذاهب الإسلامية بما تمثله من اتجاهات فقهية تؤكد ما نقول، وتكشف عن جذور هذه المذاهب الممتدة إلى عصر الصحابة - رضوان الله عليهم - تمتص منه حياتها، وتتلمس فيه البراهين على صحتها، واستقامة طريقها، وتستأنس به لما تذهب إليه» (١).
وقد درس الباحث/ محمد عيد استدراكات الصحابة في الكتب الستة، ودرس أثر كل استدراك على المذاهب الفقهية، مما ثبت معه تطبيقيًّا أثر الاستدراكات في نشأة الاتجاهات الفقهية (٢).
ومن الاتجاهات التي درسها صاحب (الاتجاهات الفقهية) - اتجاهًا متولّدًا عن الاستدراكات - اتجاهُ (فقه المحدّثين) حيث قال: «ومن النتائج الهامة التي أسفر عنها الصراع بين المحدثين وخصومهم بروز فقه المحدثين وظهوره إلى الوجود، مستقلاًّ عن مذاهب الفقهاء، متميّزًا عنهم، شاقًّا لنفسه طريقًا لا تنتسب لأحد غير المحدثين» (٣).
стр. 495
وقال في موضع آخر: «وفي عصر أحمد بن حنبل، وبتأثيرات التيارات النقدية، وحدّة الصراع الفكري، وعنف محنة خلق القرآن، وصلابة أحمد بن حنبل فيها - برز فقه المحدثين، ووجد التربة الصالحة لنموه ونضجه» (١).
ويُمكن تطبيق هذا الأثر أيضًا على ما جاء به الشافعي، الذي والفَ بين اتجاه أهل الأثر في الحجاز، واتجاه أهل الرأي في العراق، حيث استدرك على الفريقين، وأبرزَ اتجاهًا يجمع بين الرأي والأثر، وذلك واضح في (رسالته).
قال أبو زهرة (٢): «وهكذا ترى الشقة بين أهل العراق وأهل الحجاز قد أخذت تضيق، حتى تقاربا. كل ذلك في شباب الشافعي، فلما جاء دوره، كان هو الوسط الذي التقى فيه أهل الرأي وأهل الحديث معًا، فلم يأخذ بمسلك أهل الحديث في قبولهم لكل الأخبار ما لم يقم دليل على كذبها، ولم يسلك مسلك أهل الرأي في توسيع نطاق الرأي، بل ضبط قواعده، وضيق مسالكه، وعبّدها، وسهلها، وجعلها سائغة» (٣).
- الأثر التقاربي.
قال في (الاتجاهات الفقهية): «كما ينبغي أن نتنبه إلى أن اللقاءات التي كانت موجودة في القرن الأول لم تنقطع في هذا القرن (٤)، بل كانت دائرتها متصلة، وكثيرًا ما أنتجت هذه اللقاءات مناقشات ومناظرات كانت ذات أثر لا يُنكر في تقارب الأفكار،
стр. 496
والاطلاع على ثمرات العقول المختلفة؛ فأبو حنيفة يلتقي مع الأوزاعي ويناقشه ... ويناظر مالكٌ أبا حنيفة حتى يعرق من المناظرة معه، ويقول لليث: إنه لفقيه يا مصري. ويزامل الليثُ بن سعد مالكًا في الدراسة، ويتلقى عمن تلقى عنه، ثم يسافر إلى العراق، ويرى أبا حنيفة يجيب عن مسألة فيصوّر الليثُ انطباعه لهذه الإجابة بقوله: «والله ما أعجبني صوابُه كما أعجبتني سرعة جوابه»، ثم يعود الليث إلى مصر. كما يلتقي أبو يوسف بمالك، ثم يتتلمذ محمد بن الحسن عليه، ويروي عنه الموطأ، ويعلق عليه من وجهة نظر مدرسته، ويتعلم الشافعي بمكة والمدينة، ثم يلتقي بمحمد بن الحسن، ويأخذ عنه، ويناظره، ويرحل أسد بن الفرات إلى مالك ويسمع منه، ثم يذهب إلى العراق، فيلقى أبا يوسف ومحمد بن الحسن، وقد ذكر القاضي عياض أن أبا يوسف أخذ عنه موطأ مالك» (١).
ويذكر التأثير التقاربي للمناظرات على الاتجاهين فقال: «فإذا عيب على أهل الرأي أنهم لا يشتغلون برواية الحديث فقد نفعهم هذا النقد، وحاولوا أن يسدوا هذه الثغرة، فاشتغلوا برواية الحديث على يد أبي يوسف ومحمد بن الحسن، وإذا عيب على أهل المدينة أنهم لا يعطون العقل حريته في التصور وفرض الفروض، فقد سلموا عمليّا بذلك، وامتلأت كتبهم من بعد بالفروع المقدرة والفروض الممكنة، سواء في الفقه المالكي والفقه الشافعي» (٢).
وسجّل صاحب (الفكر السامي) أيضًا هذا الأثر فقال: «ولكن لما انتقلت العاصمة إلى بغداد نقل بنو العباس علماء جلة من الحجاز إلى العراق لنشر السنة، منهم ربيعة بن أبي عبد الرحمن ويحيى بن سعيد (٣) وهشام بن عروة،
стр. 497
ومحمد بن إسحاق (١) صاحب (المغازي)، وغيرهم، فعند ذلك بدأ امتزاج مذهب العراق بمذهب الحجاز، وتقاربا، ثم زاد التقارب برحلة أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف ومحمد بن الحسن إلى مالك، والأخذ عنه، كما أن أفكار العراقيين انتقلت مع هؤلاء، وقبلهم أيضًا برجوع ربيعة بن أبي عبد الرحمن من العراق للمدينة، فزالت النفرة شيئًا ما» (٢). وقال عن (الموطأ): «وقد اعتدل الحنفية لما رحلوا إليها وأخذوها» (٣).
- الأثر التباعدي.
هذا أثر نتج عن الاستعمال السلبي للاستدراكات، وذلك عندما يكون القصد منها نصرة المذهب أو رأي الإمام وليس الوصول إلى الحق، ويقول في هذا صاحب (الاتجاهات الفقهية): «غير أن هذه المذاهب شرعت تتباعد برجالها، وتتجافى بالقائمين عليها، والمنتسبين إليها، ببدء شيوع فكرة التقليد للمذاهب، والتعصب لرجاله، والمناظرات التي اتخذت قاعدتها أن تعرف الحق بالرجال، لا أن تعرف الرجال بالحق، مما جعل التنافس المذهبي يستعر، والتنابز بالألقاب ينتشر كالوباء الباسط جناحيه على أفق العالم الإسلامي، لا يكاد ينجو منه أحد إلا من عصم الله» (٤).
стр. 498
- الأثر الاستمراري.
فالاستدراكات الفقهية مثّلت عاملاً مهمًّا في بقاء الاتجاهات الفقهية وعدم اندراسها.
وقد سجّلت (الموسوعة الفقهية الكويتية) هذا فقالت: «وَالْحَقُّ أَنَّ بَقَاءَ مَذْهَبٍ مَا أَوِ انْتِشَارَهُ يَعْتَمِدُ - أَوَّلاً وَقَبْل كُل شَيْءٍ - عَلَى ثِقَةِ النَّاسِ بِصَاحِبِ الْمَذْهَبِ وَاطْمِئْنَانِهِمْ إِلَيْهِ، وَعَلَى قُوَّةِ أَصْحَابِهِ وَدَأْبِهِمْ عَلَى نَشْرِهِ وَتَحْقِيقِ مَسَائِلِهِ وَتَيْسِيرِ فَهْمِ هَذِهِ الْمَسَائِل بِحُسْنِ عَرْضِهَا» (١).
فتحقيق المسائل وتيسير عرضها يلازمه الاستدراك على رواياتها الضعيفة، أو المناقشة النقدية لمدركها، أو منهج عرضها وترتيبها.
وفي (الفكر السامي) قال - مبيّنًا أثر إهمال الاستدراك الفقهي على المذاهب -: «إن عدم تنقيح كتب الفقه هو من موجبات هرمه أيضًا لا سيما في المذهبين الحنفي والمالكي، إذ كان فيهما مجتهدون متفاوتون كثيرون، فلا تزال مسائلهما متشتتة في كتب الفتاوى، فالمفتي محتاج إلى مراجعة أسفار كثيرة ونظر عميق، وربما وجد المسألة في غير مظنتها، فإذا لم يكن له حفظ وباع ومزيد اطلاع، وراجع في الفتوى الواحدة جميع الباب التي منه كباب البيوع في مسألة من البيع، فإنه يقع في الغلط والشغب لا محالة» (٢).
- الأثر التجديدي.
بمعنى تجديد النظر في أصول الاتجاهات وفروعها.
فالاستدراكات الفقهية أثّرت في إبراز مواضع الخطأ أو النقص في الاتجاهات لدى أصحابها، فيكرّوا عليها بالإصلاح تنقيحًا وتحريرًا.
стр. 499
طبّق ذلك صاحب (الفكر السامي) على محمد بن الحسن حيث قال: «وأخذُه عن مالك كبح جماحه عن التغالي في الرأي، فأدخل بسبب ذلك تعديلاً كبيرًا على أهل الرأي، ثم كذلك احتكاكه بالشافعي لما كان بالعراق» (١).
وقد سجّل الباحث/ عشاق هذا الأثر من خلال دراسته لمناظرات مالكية العراق والقيروان مع أصحاب المذاهب الأخرى قائلاً: «كما كانت لمناظرات مالكية العراق والقيروان مع أصحاب المذاهب الأخرى أثر جلي في تشربهم للحس النقدي الذي كرّوا به على أصول المذهب وفروعه تنقيحًا وتحريرًا» (٢).
стр. 500
المبحث الثاني: أثر الاستدراك الفقهي على التصنيف، وتطبيقاته .
وتحصّلت لي الصور التالية لهذا الأثر:
- تولد مجالات بحثية في التصنيف.
ذلك أن الاستدراكات المتبادلة بين الاتجاهات الفقهية دعتْ المصنفين إلى التأليف للمُقاربة بين الاتجاهات، أو للمُحاجّة، أو لبيان مدارك الأقوال.
وقد خَلصَ صاحب (الاتجاهات الفقهية) إلى أن التأليف في مختلف الحديث ومشكل الآثار والناسخ والمنسوخ ونحو ذلك كان من نتائج المناقشات والاستدراكات بين أهل الرأي وأهل الأثر، فقال: «وكما كان التأليف في علوم الحديث نتيجة الخصومة بين المحدثين وغيرهم، كان ظهور المؤلفات في التصحيف وفي مختلف الحديث ومشكله وناسخه ومنسوخه من نتائج هذه الخصومة أيضًا، كل ذلك ليكون لدى طالب الحديث ثقافة تجمع إلى الرواية الوعي والدراية، فلا يجد مهاجموهم ثغرة ينفذون منها إليهم. فيؤلف الشافعي في اختلاف الحديث، وابن قتيبة (١) في مشكل الحديث كتابه (تأويل مختلف الحديث)، ويؤلف الطحاوي (٢)
في اختلاف الحديث كتابه (شرح معاني الآثار)، ... كما يؤلف كتابه (مشكل الآثار) ويجيء بعض العلماء إلى الأحاديث الموهمة
стр. 501
للتشبيه فيفردها بالتأليف، كما صنع أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك (١) في كتابه (مشكل الحديث وبيانه) ... وكذلك ألف السيوطي كتابه (تأويل مختلف الأحاديث الموهمة للتشبيه). وإلى عهد قريب كانت الخصومة في الأحاديث المشكلة تدفع بعض الغيورين للتصدي لدفع اعتراضات العقلية الحديثة على بعض الروايات التي يظنونها مناقضة لبعض الحقائق العلمية من طبية وفلكية وغيرها» (٢).
ذلك أن النظر إلى النص الشرعي من حيث العمل به هو مهمة الفقيه، وإن كان المحدّث يُساعد في توصيل النص الحديثي قبولاً أو تركًا، فهو يوصّل للفقيه ما يصلح أن يكون محلاًّ للنظر والاستنباط. (٣)
ومن نتائج الاستدراكات الفقهية تأليف الكتب المهتمة بالخلاف لبيان مدارك الأقوال.
قال ابن خلدون، مبيّنا هذا الأثر، مع تطبيقات له: «وجرت بينهم (٤) المناظرات في تصحيح كل منهم مذهب إمامه، تجري على أصول صحيحة وطرائق قويمة، يحتج كل على صحة مذهبه ... وكان في هذه المناظرات بيان مآخذ هؤلاء الأئمة، ومثارات اختلافهم، ومواقع اجتهادهم، كان هذا الصنف من العلم يسمى بالخلافيات ... ، وهو لعمري علم جليل الفائدة ... وتآليف الحنفية والشافعية فيه أكثر من تآليف المالكية ...
стр. 502
وللغزالي فيه كتاب (المآخذ)، ولأبي بكر العربي من المالكية كتاب (التلخيص) جلبه من المشرق، ولأبي زيد الدبوسي كتاب (التعليقة)، ولابن القصار من شيوخ المالكية (عيون الأدلة)، وقد جمع ابن الساعاتي (١) في (مختصره) في أصول الفقه جميع ما ينبني عليها من الفقه الخلافي، مدرجًا في كل مسألة ما ينبني عليها من الخلافيات» (٢).
وقال عن الشافعية: «وقاسموا الحنفية في الفتوى والتدريس في جميع الأمصار، وعظمت مجالس المناظرات بينهم، وشُحنت كتب الخلافيات بأنواع استدلالاتهم» (٣).
ومن نتائج الاستدراكات الفقهية أيضًا تأليف كتب الجدل تقنينًا وآدابًا.
وفي هذا المعنى يقول ابن خلدون: «فإنه لما كان باب المناظرة في الرد والقبول مُتسِعًا، وكل واحد من المتناظرين في الاستدلال والجواب يرسل عنانه في الاحتجاج،
ومنه ما يكون صوابًا ومنه ما يكون خطأً، فاحتاج الأئمة إلى أن يضعوا آدابًا وأحكامًا يقف المتناظران عند حدودها في الرد والقبول، وكيف يكون حال المستدل والمجيب، وحيث يسوغ له أن يكون مستدلاًّ، وكيف يكون مخصومًا (٤) منقطعًا، ومحل اعتراضه أو معارضته، وأين يجب عليه السكوت، ولخصمه الكلام والاستدلال» (٥).
стр. 503
- إصلاحُ نصوص المدونات، وتحقيق عزو الروايات، وعرض ما احتوته من الأقوال على الأصول والمقاصد لتقييمها قبولاً أو ردًّا.
ومن أمثلة ذلك صنعُ سحنون لما تلقى (الأسدية) عن أسد بن الفرات، فلاحظ فيها ضعف عزو رواياتها، واختلاط مسائلها، وعدم مقابلتها بأصول ابن القاسم التي سمعها من مالك، فرحل بـ (الأسدية) إلى ابن القاسم، فحقق نقولها، وعزو مسائلها (١).
ويبين ابن عاشور أثر السلوك النقدي والاستدراكي الذي سلكه اللخمي ومن تبعه في المذهب المالكي قائلاً: «وتكوّن بالإمام اللخمي الإمام أبو عبد الله المازري، فكان مع الحلبة التي عاصرته من الفقهاء الذين نستطيع أن نذكر منهم على سبيل المثال الواضح أربعة: وهم المازري وابن بشير وابن رشد الكبير والقاضي عياض. فهؤلاء هم الذين سلكوا طريقة جديدة في خدمة الحكم، هي الطريقة النقدية التي أسس منهجها أبو الحسن اللخمي، فصاروا في الفقه يتصرفون فيه تصرف تنقيح، وينتصبون في مختلف الأقوال انتصاب الحكم الذي يقضي بأن هذا مقبول وهذا ضعيف، وهذا غير مقبول، وهذا ضعيف السند في النقل، وهذا ضعيف النظر في الأصول، وهذا مغرق في النظر في الأصول، وهذا محرج للناس أو مشدد على الناس، إلى غير ذلك ... فكان المذهب المالكي قد تكوّن بهؤلاء تكوّنًا جديدًا، إذ دخل عليه عنصر النقد والتنقيح والاختيار، وأصبحت الأقوال في كل مسألة مصنفة تصنيفًا تقديريًّا، منها ما هو أولى ومنها ما هو راجح، ومنها ما هو أصح إلى غير ذلك» (٢).
وقد ميّزت كتب التنقيح والتحرير الروايات والفتاوى المعمول بها وغير المعمول بها، كتمييز الشافعية - مثلاً - بين مذهب الشافعي القديم والجديد، والضعيف والقوي من الآراء، والراجح والمرجوح، في حملة استدراكية نقّحتْ المدونات في الفقه الشافعي «فبعد ما يقرب من أربعة قرون (٢٠٤ هـ - ٦٠٤ هـ) على وفاة الإمام الشافعي - مؤسس المذهب - أصبحت مدونات فقه الشافعية كثيرة جدا، وقد أقام مصنفوها في بقاع
стр. 504
متباعدة ... كان من الطبيعي أن يوجد في تلك المصنفات الفقهية الكثيرة في عددها، والمتفاوتة في أحجامها، والمدونة في أزمنة مختلفة خلال أربعة قرون متتالية لوفاة الإمام الشافعي سنة ٢٠٤ هـ، أن يوجد فيها عدد غير قليل من التخريجات المخالفة لأصول المذهب، أو الاستنباطات المرجوحة، أو الاجتهادات الشاذة ونحو ذلك، فأصبحت الحاجة ملحّة للقيام بعملية تهذيب لتلك المصنفات الكثيرة، خاصة بعد استقرار المذهب الشافعي وصيرورته مذهبًا رئيسًا في بلاد المسلمين ومجتمعاتهم.
فبرز في أواخر القرن السادس الهجري الإمام عبد الكريم الرافعي (ولد سنة ٥٥٧ هـ - توفي سنة ٦٢٣ هـ)، ليقوم بجهد ضخم في تنقيح المذهب مهد به الطريق لجهود الإمام أبي زكريا النووي (ولد سنة ٦٣١ هـ - توفي سنة ٦٧٦ هـ)» (١).
وفي (المدخل المفصل) بعد أن ذكر نماذج من ردّ ابن تيمية لبعض الأغاليط على مذهب الإمام أحمد قال: «وإن أَردت الديوان الجامع للتصحيح والتضعيف في المذهب وكشف الغلط؛ فعليك بكتاب خاتمة المذهب المرداوي: (الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف)» (٢).
- تمحور الجهود الفقهية حول كتب التحرير والاستدراكات، والاهتمام بآراء مؤلفيها.
ويمكن تطبيق ذلك على مؤلفات الغزالي في الفقه الشافعي، قال عنه صاحب (الحاوي): «وله في الفقه المؤلفات الجليلة، ومذهب الشافعي الآن مداره على كتبه، فإنه نقّح المذهب وحرره ولخصه في (البسيط) و (الوسيط) و (الوجيز) و (الخلاصة)، وكتب الشيخين (٣) إنما هي مأخوذة من كتبه» (٤).
стр. 505
- تجديد طريقة عرض المعلومة لتسهيل وصول الباحث إلى مبحثه.
أدرك صاحب (عقد الجواهر الثمينة) أهمية هذا الأثر، فكان باعثًا لتأليفه هذا الكتاب، فقال عن مذهب مالك: «ولا بلغني عنه أنه كره منه سوى تكريره وعدم ترتيبه، حتى اعتقد بعضهم أنه لا يمكن ترتيبه، بل يشق ويتعذر ... فصرفهم عدم اعتناء أئمة المذهب بترتيبه عن استفادة ما اشتمل عليه من تحقيق المعاني النفيسة الدقيقة، واستنباط الأحكام الجارية على سنن السلف الصالح بأحسن طريقة، واستثارة الأسباب والحِكم التي هي على التحقيق عين الحقيقة، فكانوا كالمعرض عن المعاني النفيسة لمشقة فهمها، والمضرب عن الجواهر الثمينة لتكلف نظمها.
وقد استخرتُ الله تعالى، وشرعت في نظم المذهب بأسلوب يوافق مقاصدهم ورغباتهم، ويخالف ظنونهم فيه ومعتقداتهم، فحذفت التكرار الذي عيبوا أئمة المذهب إذ لم يحذفوه، وحللت النظام الذي كرهوه، ثم نظمته على ما جنحوا إليه وألفوه» (١).
ويُبيّن القرافيُّ أهمية هذا الأثر، وأنه الدافع لتأليفه (الذخيرة) بقوله: «وأنت تعلم أن الفقه - وإن جلَّ - إذا كان متفرقًا تبددت حكمته، وقلت طلاوته، وبعدت عن النفوس طلبته، وإذا رتبت الأحكام، مخرجة على قواعد الشرع، مبنية على مآخذها، نهضت الهمم حينئذٍ لاقتباسها، وأعجبت غاية الإعجاب بتقمص لباسها.
وقد آثرتُ أن أجمع بين الكتب الخمسة التي عكف عليها المالكيون شرقًا وغربًا، حتى لا يفوت أحدًا من الناس مطلبٌ، ولا يعوزه أرب، وهي: (المدونة) و (الجواهر) و (التلقين) و (الجلاب) و (الرسالة)، جمعًا مرتبًا، بحيث يستقر كل فرع في مركزه، ولا يوجد في غير حيزه، على قانون المناسبة في تأخير ما يتعين تأخيره، وتقديم ما يتعين تقديمه من الكتب والأبواب والفصول، متميزة الفروع، حتى إذا رأى الإنسان الفرع فإذا كان مقصودَه طالعه، وإلاّ أعرض عنه، فلا يضيع الزمان في غير مقصود» (٢).
стр. 506
المبحث الثالث: أثر الاستدراك الفقهي على المعرفة الإنسانية، وتطبيقاته .
ومما تحصّل لي من الآثار في ذلك:
- تقويم طريقة الدرس والتعلّم.
للاستدراك الفقهي أثرٌ في تقويم طريق التعلم للحصول على المعرفة، بتلافي أخطاء التلقي التي أفرزت نتائج خاطئة أو ناقصة في الرأي والتأويل، ويمكن التمثيل على ذلك بما حصل بين اتجاه أهل الرأي وأهل الحديث عندما ظهر الضعف من بعض أهل الحديث في الاستدلال والمناقشة، حيث قال في (الاتجاهات الفقهية): «كان اتهام المحدثين بقلة الفقه وكثرة التصحيف والاشتغال بما لا يفيد من جمع الغرائب والشواذ وغير ذلك سببًا في أن يتنبه المحدثون للدخلاء عليهم من الطلبة السطحيين، فحذروا منهم وحاولوا تأديبهم وتثقيفهم؛ ليسدوا الثغرة التي يؤتون منها» (١). ومثّل بقول ابن قتيبة وأنه رغم حسن بلائه في الدفاع عن أهل الحديث فإنه يتوجّه إلى تقويم هذه الطائفة فقال: «على أنا لا نخلي أكثرهم من العذل في كتبنا في تركهم الاشتغال بعلم ما قد كتبوا، والتفقه بما جمعوا، وتهافتهم على صلب الحديث من عشرة أوجه وعشرين وجهًا، وقد كان في الوجه الواحد الصحيح مقنع لمن أراد الله بعلمه، حتى تنقضي أعمارهم ولم يحلوا من ذلك إلا بأسفار أتعبت الطالب، ولم تنفع الوارث، فمن كان من هذه الطبقة فهو عندنا مضيع لحظه، مقبل على ما كان غيره أنفع منه» (٢).
- تحقيق التكامل المعرفي بين العلوم.
وقد تبيّن من فصل معايير الاستدراك الفقهي أن الاحتكام إلى المعايير فعّل الترابط بين العلوم الإسلامية والعربية والطبيعية والإنسانية، فالحكم بالنقص أو الخطأ أو الإيهام على عمل فقهي لا ينفرد بإنتاجه - غالبًا - علمٌ واحد.
стр. 507
- زيادة الثقة بالمؤلفات المهتمة بالاستدراك، واعتمادها في البحث والإحالة.
وقد اهتم أصحاب المذاهب ببيان المعتمد من الكتب في مذاهبهم، ونجد أن من أسباب هذا الاعتماد هو ما تميزت به من التنقيح والاستدراك.
قال صاحب (المذهب الحنفي) في دراسته لأسباب عدم اعتماد بعض الكتب في المذهب الحنفي: «قد يكون سبب عدم الاعتماد على بعض الكتب اشتمالها على روايات أو أقوال ضعيفة، ومسائل شاذة وغريبة، تم تدوينها دون تنقيح وتمحيص، إما لأن المؤلف لم يتمكن من المراجعة والتمحيص، أو لأنه تأثر بغيره ممن اعتمد عليهم في التأليف، أو لأنه تساهل في نقل الروايات» (١).
وفي (حاشية الدسوقي على الشرح الكبير) قال مُعلّلاً اعتماد خليل على ابن يونس واللخمي وابن رشد والمازري في (مختصره): «وخصّ هؤلاء الأربعة بالذكر؛ لأنه لم يقع لأحد من المتأخرين ما وقع لهم من التعب في تحرير المذهب وتهذيبه» (٢).
وقد سبقت حكاية قول صاحب (الحاوي) عن اعتماد مؤلفات الغزالي في المذهب الشافعي (٣)، وحكاية قول صاحب (المدخل المفصل) عن (الإنصاف) في المذهب الحنبلي (٤).
- رفع الإشكالات الواردة في فهم النصوص.
ويحكي ابن وهب أثر الاستدراك على تفقهه قائلاً: «لولا أن الله أنقذني بمالك والليث لضللت. فقيل له: فكيف ذلك؟ فقال: أكثرتُ من الحديث فحيّرني، فكنتُ أعرض ذلك على مالك والليث فيقولان: خذ هذا ودع هذا» (٥).
وقد يكون سبب عدم العمل بالنص أو بشيء منه نسخه أو تخصيصه أو تقييده، وكشفُ ذلك من عمل الفقيه، ليرتفع الإشكال عند توهّم التعارض أو التباس المعنى.
стр. 508
وقد سبق ذكر أن من نتائج الاستدراكات بين أهل الحديث وأهل الرأي الاشتغال بعلم اختلاف الحديث وناسخه ومنسوخه، مما ساعد على ضبط العمل به، برفع الإشكالات الواردة.
- دفع الشبهات، بالتوجيه إلى الفهم الصحيح.
فتصحيح الأخطاء غاية من غايات الاستدراك الفقهي، كما هو متقرّر في تعريفه المُقترح، وبالتالي كان له دوره في دفع الشبهات (١)، فالشبهات هي تركيب نتائج على مقدمات بشكل يُوهم صحتها، فيقبلُها المتلقّي المُشبّه عليه على أنها صحيحة، فيأتي إسهام الاستدراك الفقهي في تصحيح المعارف.
ومن تطبيقات ذلك ما جاء في (تبصرة الحكام) حيث قال: «اعلم أن أكثر المؤلفين من أصحابنا وغيرهم بالغوا في الترهيب والتحذير من الدخول في ولاية القضاء، وشدّدوا في كراهية السعي فيها، ورغبوا في الإعراض عنها، والنفور والهروب منها، حتى تقرر في أذهان كثير من الفقهاء والصلحاء أن من ولي القضاء فقد سهل عليه دينه، وألقى بيده إلى التهلكة، ورغب عما هو الأفضل، وساء اعتقادهم فيه. وهذا غلط فاحش، يجب الرجوع عنه والتوبة منه، والواجب تعظيم هذا المنصب الشريف ومعرفة مكانته من الدين ... » (٢).
стр. 509
ومن تطبيقات ذلك أيضًا ردّ الكوثري (١)
عن الحنفية ما يُتهمون به فقال: «لكن لا تخلو البسيطة من متعنّت يتقوّل فيهم، إما جهلاً أو عصبية جاهلية، فمرة يتكلمون في أخذهم بالرأي عند فقدان النص، مع أنه لا فقه بدون رأي، ومرة يرمونهم بقلة الحديث، وقد امتلأت الأمصار بأحاديثهم، وأخرى يقولون: إنهم يستحسنون، ومن استحسن فقد شرّع. وأين يكون موقع هذا الكلام من الصدق بعد الاطلاع على كلامهم في الاستحسان؟ وكيف يستطيع القائل بالقياس رد الاستحسان؟ والشرع لله وحده، إنما الرسول - صلوات الله عليه - مبلغه، وقصارى ما يعمل الفقيه فهم النصوص، فمن جعل للفقيه حظًّا من التشريع لم يفهم الفقه والشرع، بل ضلّ السبيل ... هذا وقد رأيتُ تفنيد تلك المقولات، بسرد مقدمات في الرأي والاجتهاد، وفي الاستحسان الذي يقول به الحنفية، وفي شروط قبول الأخبار عندهم، وفي منزلة الكوفة من علوم القرآن والعلوم العربية والفقه وأصوله، وكون الكوفة ينبوع الفقه المُشرق من بلاد المَشرق، المنتشر في القارات كلها، وميزة مذهب أهل العراق على سائر المذاهب، ومبلغ اتساعهم في الحفظ، وكثرة الحفاظ بينهم من أقدم العصور الإسلامية إلى عصرنا هذا، زيادة على ما
стр. 510
لهم من الفهم الدقيق، والغوص في المعاني، وقد اعترف لهم بذلك كل الخصوم» (١). ثم ذكر تفصيل الرد على الاتهامات.
- تفتّح المدارك، وسعة الأفق في التفكير.
وفي ذلك يقول عمر بن عبد العزيز (٢):
«رأيتُ ملاحاة (٣) الرجال تلقيحًا لألبابهم» (٤).
وفي (حلية الأولياء) عن أيوب السختياني: «إنك لا تبصر خطأ معلمك حتى تجالس غيره» (٥).
ويُبيّن صاحب (الفكر السامي) هذا الأثر مستثمرًا المسيرة العلمية لمحمد بن الحسن فقال: «وأخْذُه عن مالك كبح جماحه عن التغالي في الرأي، فأدخل بسبب ذلك تعديلاً كبيرًا على أهل الرأي، ثم كذلك احتكاكه بالشافعي لما كان في العراق» (٦).
стр. 511
المبحث الرابع: أثر الاستدراك الفقهي على العلاقات الإنسانية، وتطبيقاته .
وأقصد بالعلاقات الإنسانية علاقة الفرد بالفرد، وعلاقة الفرد بمجتمعه، وعلاقة المجتمعات بالمجتمعات بمختلف الصُعُد حتى الصعيد الدولي.
والاستدراك الفقهي مجالٌ واسعٌ من مجالات التواصل الإيجابي بين أفراد المجتمع، هذا التواصل الذي حثّ عليه الإسلام كما في مثل قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١). والاستدراك الفقهي صورة من صور الأمر بالمعروف والإصلاح بين الناس.
وقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢) وقد تقرر في تأصيل الاستدراك الفقهي أنه من التعاون على البر والتقوى (٣).
والاستدراك الفقهي على عمل له أثره على العلاقات الإنسانية في صور شتى، فقد يلمّ شمل أسرة، أو يدفع عن مظلوم مظلمة، أو يرد مسجونًا إلى أهله، أو يدرأ حدًّا عن محكوم عليه بالخطأ، أو يُصلح أمر راعٍ لرعيته، أو أمر رعيةٍ لراعيها، بل يمتد إلى المستوى الدولي؛ لأن النقل الخاطئ للنصوص، أو التأويل الخاطئ لها، أو الفهم المجتزأ لها قد يؤدي إلى تبني أفكار وأحكام تكون في ذاتها خاطئة، أو صحيحة ولكن تُنزّل على غير مناطها الصحيح، سواء في ذلك على المستوى الفردي أو الجماعي الصغير أو على مستوى المجتمع الدولي.
وأكتفي بالتطبيق ببعض صور التأثير في العلاقات الإنسانية، مما يحصل به إبراز هذا الأثر، وليس المقصود استقصاء جميع صور التأثير في العلاقات الإنسانية.
ومن تطبيقات هذا الأثر موقف ابن عباس ﵄ مع الخارجين على علي ﵁، فقد كان لاستدراكه عليهم أثرٌ في إصلاح أمر الرعية للراعي.
стр. 512
في (مستدرك الحاكم) بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: لما خرجت الحرورية (١) اجتمعوا في دار، وهم ستة آلاف، أتيتُ عليًّا، فقلت: يا أمير المؤمنين! أبرد بالظهر (٢)؛ لعلي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم. قال: إني أخاف عليك. قلت: كلا. قال ابن عباس: فخرجت إليهم، ولبست أحسن ما يكون من حلل اليمن. قال أبو زميل (٣)
: كان ابن عباس جميلاً جهيرًا. قال ابن عباس: فأتيتهم، وهم مجتمعون في دارهم، قائلون، فسلمت عليهم، فقالوا: مرحبا بك يا ابن عباس، فما هذه الحلة؟ قال: قلت: ما تعيبون عليّ، لقد رأيت على رسول الله ﵌ أحسن ما يكون من الحلل، ونزلت: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٤). قالوا: فما جاء بك؟ قلت: أتيتكم من عند صحابة النبي ﵌ من المهاجرين والأنصار؛ لأبلغكم ما يقولون، المخبرون بما يقولون، فعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بالوحي منكم، وفيهم أنزل، وليس فيكم منهم أحد. فقال بعضهم: لا تخاصموا قريشا؛ فإن الله يقول: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (٥). قال ابن عباس: وأتيت قومًا
стр. 513
لم أر قومًا قط أشدّ اجتهادًا منهم، مسهمة وجوههم (١) من السهر، كأن أيديهم وركبهم تثنى عليهم، فمضى من حضر، فقال بعضهم: لنكلمنه ولننظرن ما يقول. قلت: أخبروني ماذا نقمتم على ابن عم رسول الله ﵌ وصهره والمهاجرين والأنصار؟ قالوا: ثلاثًا. قلت: ما هن؟ قالوا: أما إحداهن فإنه حكم الرجال في أمر الله، وقال الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (٢) وما للرجال وما للحكم؟ فقلت: هذه واحدة. قالوا: وأما الأخرى فإنه قاتل، ولم يسب ولم يغنم، فلئن كان الذي قاتل كفارًا لقد حلّ سبيهم وغنيمتهم، ولئن كانوا مؤمنين ما حل قتالهم. قلت: هذه اثنتان، فما الثالثة؟ قال: إنه محا نفسه من أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين. قلت: أعندكم سوى هذا؟ قالوا: حسبنا هذا.
فقلت لهم: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله ومن سنة نبيه ﵌ ما يردّ به قولكم أترضون؟ قالوا: نعم. فقلت: أما قولكم: حكم الرجال في أمر الله فأنا أقرأ عليكم ما قد رد حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم في أرنب ونحوها من الصيد، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٣) إلى قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٤) فنشدتكم الله أحكم الرجال في أرنب ونحوها من الصيد أفضل، أم حكمهم في دمائهم وصلاح ذات بينهم؟ وأن تعلموا أن الله لو شاء لحكم ولم يصير ذلك إلى الرجال، وفي المرأة وزوجها قال الله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (٥) فجعل الله حكم الرجال سنة مأمونة، أخرجت عن هذه؟ قالوا: نعم. قال: وأما قولكم: قاتل ولم يسب ولم يغنم، أتسبون أمكم عائشة ثم يستحلون منها ما يستحل من غيرها؟
стр. 514
فلئن فعلتم لقد كفرتم وهي أمكم، ولئن قلتم: ليست أمنا لقد كفرتم؛ فإن الله يقول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (١) فأنتم تدورون بين ضلالتين أيهما صرتم إليها، صرتم إلى ضلالة. فنظر بعضهم إلى بعض، قلت: أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم.
قال: وأما قولكم محا اسمه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بمن ترضون، وأريكم قد سمعتم أن النبي ﵌ يوم الحديبية (٢) كاتب سهيل بن عمرو (٣)
وأبا سفيان بن حرب (٤)، فقال رسول الله ﵌ لأمير المؤمنين:
стр. 515
«اكتب يا علي: هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله». فقال المشركون: لا والله! ما نعلم إنك رسول الله، لو نعلم إنك رسول الله ما قاتلناك. فقال رسول الله ﵌: «اللهم إنك تعلم أني رسول الله، اكتب يا علي: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله». فوالله لرسول الله خير من علي، وما أخرجه من النبوة حين محا نفسه. قال عبد الله بن عباس: فرجع من القوم ألفان، وقتل سائرهم على ضلالة (١).
ومن تطبيقات هذا الأثر - مما يُمكن أن يكون تطبيقًا له على المستوى الدولي - الاستدراك على نص فتوى ابن تيمية في شأن ماردين (٢)،
وهو استدراكٌ عُقد لأجله مؤتمر ماردين (٣).
هِيَ قِسْمٌ ثَالِثٌ يُعَامَلُ الْمُسْلِمُ فِيهَا بِمَا يَسْتَحِقُّهُ وَيُقَاتَلُ الْخَارِجُ عَنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ» (١).
في الاستدراك على نص الفتوى جاء في تقريرٍ نشره موقع (الإسلام اليوم) يقول: «يؤكد فضيلة الشيخ ابن بيه في حوار خص به مؤسسة الإسلام اليوم، أن فتوى ابن تيمية قد حُرفت، وأن الفتوى تشتمل على بعض الألفاظ التي نرى أنها حرّفت في المطبعة، وبخاصة في الجزء الأخير منها عندما قال ابنُ تيمية: « .. بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه، ويُقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه»، فأنا أعتقد أنها «يُعامل الخارج .. » وليس يُقاتل» (٢).
وهذا الذي اعتقده الشيخ ابن بيه بناءً على ما يقتضيه سياق الفتوى (٣) وُجد صحيحًا عند مراجعة المخطوطة الوحيدة للفتوى الماردينة (٤)
وأن فيها: «يُعامل الخارج
стр. 518
عن الشريعة»، كما أفاد ابنُ بيه أن ابن مفلح (١) نقلها بهذا النص الصحيح في (الآداب الشرعية والمنح المرعية) (٢) وكذلك هو النص في (الدرر السنية في الأجوبة النجدية) (٣)، وكذا نقلها محمد رشيد رضا (٤) أيضا (٥). (٦)
وأثر هذا التصحيح على المستوى الدولي هو ما سجله المؤتمر في نتائجه قائلاً: «إن فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في ماردين لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون متمسكًا ومستندًا لتكفير المسلمين والخروج على حكامهم واستباحة الدماء والأموال
стр. 519
وترويع الآمنين والغدر بمن يعيشون مع المسلمين أو يعيش معهم المسلمون بموجب علاقة مواطنة وأمان، بل هي فتوى تحرم كل ذلك، فضلا عن كونها نصرة لدولة مسلمة على دولة غير مسلمة ... ومن استند على هذه الفتوى لقتال المسلمين وغير المسلمين فقد أخطأ في التأويل وما أصاب في التنزيل» (١).
ولا يعدم الباحث من مزيد تطبيقات في أثر الاستدراك الفقهي على العلاقات الإنسانية عند مطالعة أقضية المحاكم التي تُعقب عليها هيئات التمييز.
стр. 520
الخاتمة:
وأختم البحث بجملة مما تحصّل لي من نتائج وما أقترحه من توصيات:
النتائج:
١ - أقرب المعاني اللغوية لمادة (درك) لمصطلح الاستدراك هو: التلافي والإصلاح.
٢ - ترجيح موافقة (استدرك) لمعنى (ادّرك)، فتكون الزيادة الصرفية (الألف والسين والتاء) أفادت معنى الاجتهاد والتعمّل والتسبب، أما معنى اللحوق والطلب فهو ناشئٌ من أصل مادة (درك).
٣ - استعمال لفظ (استدرك) اصطلاحًا يأتي من (استدرك) المتعدّية، وليست اللازمة.
٤ - التعريف المُختار للاستدراك في الاصطلاح: تلافي خللٍ واقعٍ أو مُقدّرٍ؛ لإنشاء نفعٍ أو تكميله في نظر المتلافي.
٥ - استعمالات الفقهاء للفظ (استدرك) وما تصرف منها أربعة استعمالات:
- الاستعمال بالمعنى اللغوي.
- الاستعمال باعتبار المعنى النحوي والأصولي.
- الاستعمال بمعنى التلافي بالإصلاح في عمل المكلَّف.
- الاستعمال بمعنى تلافي خلل باعتبار الصنعة الفقهية.
والاستعمال الرابع هو المقصود في البحث.
٦ - الاستدراك الفقهي هو: تلافي خللٍ واقعٍ أو مقدّرٍ، بعملٍ فقهي، لإنشاء نفعٍ أو تكميله في نظر المتلافي.
٧ - العمل الفقهي - في التعريف - شاملٌ للمَلكة الاستنباطية، وللعلم المدوّن.
стр. 521
٨ - تشترك مصطلحات أخرى مع الاستدراك الفقهي في سلوك التقويم والإصلاح، تحصّل للباحثة منها: النقد الفقهي، التنكيت، الزيادات، التحرير، التنقيح، التهذيب، التصحيح، التعقُّب والتعقيب، التعليق.
٩ - العلاقة بين الاستدراك الفقهي وبين النقد الفقهي علاقة اللازم والملزوم، فالنقد الفقهي لازم، والاستدراك الفقهي ملزوم.
١٠ - تحصّل للباحثة علاقتان مجازيتان لربط منهج التنكيت بأصله اللغوي، وهما:
- نقل المعنى المحسوس إلى معنى غير محسوس، فالقرع في الأرض بقضيب ونحوه مؤثّرٌ محسوس، خلّف أثرًا محسوسًا، شُبهت به المسألة الدقيقة في العلم؛ لأنها تؤثر في القلب والنفس، وهو أثر غير محسوس.
- علاقة الملازمة؛ لما يحصل من نكت الأرض غالبًا عند التفكير في المسألة الدقيقة، كما يفعل المهموم عند تفكره في أمره.
١١ - تحصّل للباحثة منهجان في التعرض للتنكيت والنكتة في العرف الاصطلاحي، هما:
- لم يُقصد منه تحرير تعريف التنكيت أو النُّكتة، وإنما الإشارة إلى المعنى العُرفي عند العلماء بذكر بعض لوازم هذا المعنى.
- استهدف تعريف التنكيت أو (النكتة) في اصطلاح العلماء.
١٢ - اقترحت الباحثة تعريفًا للتنكيت اصطلاحًا، وهو: «إبرازُ مسألةٍ دقيقةٍ، بعبارةٍ موجزةٍ، ينشأ منه نفعٌ من عمل سابق، أو يكمله، في نظر المُبرِز».
١٣ - يتشابه التنكيت مع الاستدراك الفقهي في الارتباط بعمل سابق، وفي تغيي إنشاء نفع أو تكميله من هذا العمل.
١٤ - يختلف التنكيت عن الاستدراك الفقهي في إبراز المسألة الدقيقة الذي ليس فيه تلافٍ، فهذا ليس باستدراك فقهي. وأن التنكيت يعتمد على الإيجاز، وهذا ليس شرطًا في الاستدراك الفقهي.
стр. 522
١٥ - اقترحت الباحثة تعريفًا للزيادات الفقهية باعتبار الصنعة التأليفية بأنها: «مسائلُ فقهيةٌ مُضافةٌ لعملٍ فقهيٍّ سابقٍ، من جنسه؛ ينشأ منها نفعٌ أو يكمُل، في نظر المُضيف».
١٦ - الزيادات الفقهية أعم من الاستدراكات الفقهية في حال افتراق المصطلحين، فكل استدراك زيادة وليس كل زيادة استدراكًا، أما في حال اجتماعهما فإن الزيادة تطلق على ما أُضيف مما ليس فيه تلافٍ، والاستدراك يُطلق على ما أُضيف لغرض التلافي.
١٧ - اقترحت الباحثة تعريفًا للتحرير في الصنعة التأليفية الفقهية وهو أنه: «عملٌ فقهيٌّ منظَّمٌ، خالٍ من الزيادة على المُراد، واضحُ العبارة، في نظر المُحرِّر».
١٨ - التحرير الفقهي أعم من الاستدراك الفقهي، من حيث أن التحرير لا يُشترط ارتباطه بعمل سابق، أما الاستدراك فلا يُتصوّر إلا متعلقًا بعمل سابق.
١٩ - اقترحت الباحثة تعريفًا للتنقيح في الصنعة الفقهية بأنه: «اختصارٌ مُصلِحٌ لعمل فقهي بعمل فقهي واضحِ اللفظِ، في نظر عاملِه».
٢٠ - يظهر للباحثة أن التنقيح نوع من الاستدراك في غير حذف الزيادات المفيدة، فإنه ليس باستدراك.
٢١ - التهذيب والتنقيح والتحرير مُصطلحات تتعاورُ مدلولاً واحدًا، غير أن التحرير يزيد بأنه لا يرتبط بعمل سابق.
٢٢ - اقترحت الباحثة تعريفًا لمصطلح التصحيح باعتباره منهجًا في الصنعة الفقهية بأنه: «إزالةُ خطأ بعمل فقهي، في نظر المُزيل».
٢٣ - منهج التصحيح الفقهي نوعٌ من أنواع الاستدراك الفقهي.
٢٤ - التعقّب والتعقيب مصطلحان متلازمان، فالتعقّب هو العملية البحثية، والتعقيب هو إثبات نتائجها، ويُطلق التعقّب على التعقيب من باب تسمية الشيء بلازمه.
٢٥ - التعقّب الفقهي والتعقيب الفقهي والاستدراك الفقهي مصطلحات تتعاور معنى واحدًا، إن راعينا الإطلاق المجازي للتعقب على التعقيب.
стр. 523
٢٦ - التعليق في الأعمال الفقهية أعم من الاستدراك الفقهي؛ لأنه لا يلزم في التعليق أن يكون تلافيًا. ويتشابه المنهجان في أن كلاًّ منهما يرتبط بعمل سابق، غير أن التعليق في أصل وضعه لا ينفصل عن محلّ المُعلَّق عليه، ثم إنه قد تُجمع التعاليق في مؤلَّف مستقل، أما الاستدراك فليس كذلك في أصل وضعه.
٢٧ - الاستدراك الفقهي منهج اقتضته نصوص من الكتاب والسنة والقواعد الكلية والمبادئ العقلية العامة.
٢٨ - أركان الاستدراك الفقهي: المستدرَك عليه، الخلل، المستدرَك. ومنزلة المستدرِك في الاستدراك كمنزلة القائس في القياس.
٢٩ - شروط صحة إطلاق الاستدراك الفقهي على عمل:
- تأخُّره عن المُستدرَك عليه.
- اتحاد مورد العملين.
- مغايرة ما استُدرِك به للمستدرَك عليه.
- اتحاد معيار العملين.
- أن يكون في شأن فقهي، أو غيرَ فقهي مرادًا به خدمة الشأن الفقهي في المسألة.
ولا يُشترط:
- كون المستدرِك أعلم من المستدرَك عليه.
- صحة مضمون الاستدراك الفقهي.
- اتحاد أو اختلاف مذهب المُستدرِك والمستدرك عليه.
- سلامة العمل الاستدراكي من الاستدراك.
- قناعة غير المُستدرِك بمضمون الاستدراك.
- استمرار قناعة المُستدرِك بما استدرَك به.
٣٠ - تحصل للباحثة أربعة اعتبارات لتقسيم أنواع الاستدراك الفقهي وهي:
- باعتبار من استُدرك عليه.
стр. 524
- باعتبار أركان القضية الفقهية.
- باعتبار وجوه الاجتهاد الكلية في بحث حكم المسألة الفقهية.
- باعتبار جنس مُتعلّق الاستدراك الفقهي.
٣١ - استدراك الفقيه على نفسه يطرح أهمية ودلالات سلوكية: فهو مصدرٌ أساس في معرفة المعتمد من قول إمام المذهب، ويقي الناقل من النسبة الخاطئة للرأي المستقر لدى فقيه في مسألة، ويُفيد الناظر الشجاعة في إبداء الاستدراك الفقهي عند تحقق الصواب، وهو أمر ناتج عن توسُّع المدارك، وله دلالاته من خشية الله، ونبذ الكِبْر الذي يقتضي بطَر الحقّ.
٣٢ - استدراك الفقيه على موافق له في المذهب يطرح أهمية ودلالات سلوكية: فبه يكون تصحيح المذهب، وتيسير الوصول إلى مسائله، وتحرير المعتمد فيه، ونقد الأقوال، والتقريب بين المذاهب، وهو من دلالات النصيحة للدين، ونبذ التعصّب للمذهب بدون دليل. كما أن من الوفاء لمذهبه أن يذبّ عنه ما ليس منه، وأن يسعى في إصلاحه.
٣٣ - استدراك الفقيه على مخالف له في المذهب إذا استعمل في ابتغاء الحق والإنصاف فإنه من وسائل التقريب بين المذاهب الفقهية، وتوسيع مجال النظر في الأدلة نصوصًا، ووجوهَ دلالة.
٣٤ - من فوائد الاستدراك على المستدرك: عدم التسليم لكل استدراك بالصحة، وإنما العبرة بمضمون الاستدراك، كما يفيد أن الاختلاف في المسائل أمر طبيعي لا يُحسم في كثير من المسائل، وأن لدى المُخالف وجهًا قد يخفى على مُخالفه. وهو نوع ألقى بأبعاده على الفقه الإسلامي نموًّا وتقارُبًا وتحريرًا، وظهر فيه الحوار الإيجابي في أعلى صوره تكاملاً في الجهود، وكشفًا لمدارك الأحكام، وإظهارًا لأوجه الاستدلال المتنوعة من دليل واحد، واستثمارًا لدلالات النصوص ومفاهيمها.
٣٥ - الاستدراك على شخص مقدَّر له أهمية ودلالات سلوكية: فهو تدارُكٌ للأمر قبل وقوعه؛ وتهيئةٌ للمستفيد لمواجهة ما قد يرد عليه من إشكالات قد يحارُ في الجواب عنها، فيُعطيه الفقيه من خبرته التي حصّلها من ممارسة
стр. 525
النظر والاستدلال والترجيح والفتوى ومعرفته بالواقع ... ما يُعِدّه للتصدي للإيرادات، ولإكمال المسيرة فيبدأ من حيث انتهى الآخرون.
ومن ناحية أخرى يستعمله الفقهاء لإيضاح قاعدة أو تأصيل ونحو ذلك، حيث يقدّرون سقوط أمر جزئي أو كلي في صورة مقدّرة ليسهل وضوح أثر هذا السقوط. وفيه من الأدب عدم التصريح الموجب للتعيير، وتجنب المواجهة المباشرة مع الخصم، فقد يكون هذا الشخص المقدّر هو واقع حقيقة، ولكن يصوغ الفقيه المسألة بصيغة التقدير؛ طلبًا لسلامة المقصد، وحفظ العِرض.
٣٦ - فائدة تنويع الاستدراك الفقهي باعتبار أركان القضية الفقهية هي تحليل القضية الفقهية إلى عناصرها الأولية، ثم وضع اليد على موضع الخلل لمعالجته؛ لئلا يتوجه الاستدراك إلى غير موضع الخلل.
٣٧ - الاستدراك على منظوم القضية الفقهية له أهمية وأصول: فالاهتمام بالنظم وتمحيصه وتحريره أتى من أنه هو الموصّل للمعنى، وهو مبدأ شهدت له نصوص من الشريعة، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ (١).
٣٨ - تقسيم الاستدراك الفقهي باعتبار وجوه الاجتهاد الكلية في بحث حكم المسألة الفقهية هو تقسيم مرحلي فائدته هي أن الاستدراك على مرحلة تتأثر به المرحلة بعدها غالبًا، وقد يكفي مؤنة الاستدراك عليها.
٣٩ - الاستدراك على الاجتهاد في الدليل هو: تلافي خلل في اعتماد دليل، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي.
٤٠ - ينقسم الاستدراك على الاجتهاد في الدليل إلى قسمين: الاستدراك على الاجتهاد في الدليل الإجمالي، والاستدراك على الاجتهاد في الدليل التفصيلي.
стр. 526
٤١ - الاستدراك على الاجتهاد في الدليل الإجمالي هو: تلافي خلل في اعتماد دليل كلي؛ بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي.
٤٢ - فائدة الاستدراك على الاجتهاد في الدليل الإجمالي: أنه يكفي مؤنة الاستدراك على الجزئيات الداخلة تحته؛ لانسحاب الحكم عليها منه.
٤٣ - الاستدراك على الاجتهاد في الدليل الجزئي هو: تلافي خلل في اعتماد دليل جزئي؛ بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي.
٤٤ - الاستدراك على الاجتهاد في التأويل هو: تلافي خلل في تفسير نص، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي.
٤٥ - ينقسم الاستدراك على الاجتهاد في التأويل إلى قسمين: استدراك كلي على الاجتهاد في التأويل، واستدراك جزئي على الاجتهاد في التأويل.
٤٦ - الاستدراك الكلي على الاجتهاد في التأويل هو: تلافي خلل في سلوك طريقة كلية لتفسير نص، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي.
٤٧ - من فائدة الاستدراك الكلي على الاجتهاد في التأويل: تثبيت القواعد العامة لتفسير النص، واستصحابها عند النظر في جزئيات النصوص.
٤٨ - الاستدراك الجزئي على الاجتهاد في التأويل هو: تلافي خلل في تفسير نص جزئي، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي.
٤٩ - الاستدراك على الاجتهاد في الاستدلال هو: تلافي خلل في طريقة استثمار الدليل للدلالة على الحكم، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي.
٥٠ - ينقسم الاستدراك على الاجتهاد في الاستدلال إلى: استدراك إجمالي على الاجتهاد في الاستدلال، واستدراك تفصيلي على الاجتهاد في الاستدلال.
٥١ - الاستدراك الإجمالي على الاجتهاد في الاستدلال هو: تلافي خلل في سلوك طريقة كلية لاستثمار دليل، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي.
стр. 527
٥٢ - فائدة الاستدراك الإجمالي على الاجتهاد في الاستدلال: أنه تدخل في مقتضاه كثير من الجزئيات، يكفي في الاستدراك عليها الاستدراكُ على كُليِّها.
٥٣ - الاستدراك التفصيلي على الاجتهاد في الاستدلال هو: تلافي خلل في كيفية استثمار دليل جزئي، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي.
٥٤ - الاستدراك على الاجتهاد في التعليل هو: تلافي خلل في تعليل حكم، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي.
٥٥ - ينقسم الاستدراك على الاجتهاد في التعليل إلى: الاستدراك على الاجتهاد في التعليل الكلي، والاستدراك على الاجتهاد في التعليل الجزئي.
٥٦ - الاستدراك على الاجتهاد في التعليل الكلي: تلافي خلل في تعليل حكم بمقصد أو حكمة، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي.
٥٧ - الاستدراك على الاجتهاد في التعليل الجزئي: تلافي خلل في تعليل حكم بعلة قياسية، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي.
٥٨ - الاستدراك على الاجتهاد في التنزيل هو: تلافي خلل في تعيين محل الحكم، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي.
٥٩ - من فائدة الاستدراك على الاجتهاد في التنزيل: أنه يُذب به عن الشريعة ما توصف به من الجمود والتأخر، ويُوقف به تعطيل الشريعة عن مقاصدها في مصالح العباد.
٦٠ - ينقسم الاستدراك على الاجتهاد في التنزيل إلى ثلاثة بثلاثة اعتبارات: باعتبار المكان، واعتبار الزمان، واعتبار الإنسان.
٦١ - الاستدراك على الاجتهاد في التنزيل باعتبار المكان هو: تلافي خلل في تعيين محل الحكم باعتبار مكانه، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي.
стр. 528
٦٢ - الاستدراك على الاجتهاد في التنزيل باعتبار الزمان هو: تلافي خلل في تعيين محل الحكم باعتبار زمانه، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي.
٦٣ - الاستدراك على الاجتهاد في التنزيل باعتبار الإنسان هو: تلافي خلل في تعيين محل الحكم باعتبار الشخص المنزل عليه، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي.
٦٤ - الاستدراك الفقهي على المُدركات ينقسم إلى: استدراك على التصديقات، واستدراك على التصورات، واستدراك على المعقولات.
٦٥ - الاستدراك الفقهي على المعقولات هو: تلافي خلل في استثمار معقول نص لإنتاج حكم خارجَ النص، بعمل فقهي؛ لإنشاء نفع أو تكميله في نظر المتلافي.
٦٦ - أغراض الاستدراك الفقهي ثلاثة: تصحيح خطأ، وتكميل نقص، ودفع توهم.
٦٧ - غرض تصحيح الخطأ له ثلاثة مظاهر: رد قضية وبيان الصحيح فيها فقهيا (= وهو التصحيح الكلي)، وتقييد مطلق، وإطلاق مقيد (= وهما التصحيح الجزئي).
٦٨ - أسباب الخطأ الداعية للاستدراك على الأعمال الفقهية تنقسم إلى قسمين: أسباب عائدة إلى الخلل في المنهجية العلمية، وأسباب تعود للطبيعة البشرية.
٦٩ - من أسباب الخطأ العائدة إلى الخلل في المنهجية العلمية:
- الاختصار المُخل في نصوص المسائل الفقهية.
- التطرُّف في تطبيق المنهج بعدم مراعاة الجزئيات والظروف.
- التصحيف والتحريف في النُّسخ.
- عدم النقل من المصادر الأصلية.
- ضعف التمكن في الفقه، وما يحتاجه من علوم.
- التساهل
стр. 529
- عدم التنقيح والمراجعة.
- التعصب المذهبي.
- إهمال التوسع في الاطلاع على فقه الآخرين.
- التقصير في تدبّر المسائل والأقوال والأدلة.
- التصرّف في نقل الأقوال دون مُراعاة لمطابقة المعنى المنقول لمُراد القائلين.
٧٠ - أسباب الخطأ العائدة للطبيعة البشرية: الجهل، النسيان، الوهم، السهو.
٧١ - غرض تكميل النقص ينقسم إلى قسمين: تكميل النقص في الكيفية، وتكميل النقص في الكمية.
٧٢ - من مظاهر تكميل النقص في الكيفية تكميل النقص في الصنعة التأليفية، ومن مظاهره: التبويب، الترتيب، التلقيب، حذف المكررات، حذف الزيادات غير المُتعلقة بالموضوع، أو غير المهمة فيه، اختصارُ المُطوّلات، تجويد نظم عبارة، تدوين دلائل الفروع، تدوين الفقه المقارن.
٧٣ - للاستدراك الفقهي أساليب لفظية تدل عليه وهي:
- استعمال مصطلح الاستدراك وما يُقاربه من ألفاظ.
- الوصف بذات الخلل، أو الوصف بتوقّعه.
- التعبير بما يحصل به التلافي.
- الوصف بسبب الخلل.
- التعبير بأسلوب التشكيك.
- الأسلوب الجدلي.
- العنونة بتنبيه أو فائدة أو تتمة ونحوها، مفردةً أو مثناةً أو مجموعة.
٧٤ - يُساعد في معرفة الاستدراك الفقهي غير الصريح (= الأسلوب المعنوي) أمران: التتبع التاريخي للخلاف الفقهي، ومعرفة الشخصيات الفقهية التي عُرف بينها الترادّ والاختلاف في الرأي.
стр. 530
٧٥ - دلالة الأسلوب المعنوي في الاستدراك الفقهي دلالة ظنية، تقوى وتضعُف لدى الباحث حسب قرائن الحال المُحيطة بالنص الفقهي.
٧٦ - اعتبرت الباحثة في تنويع مظان الاستدراكات الفقهية ثلاثة اعتبارات: باعتبار الفقهاء، باعتبار المسائل الفقهية، باعتبار الكتب.
٧٧ - نشطت الحركة الاستدراكية بعد وفاة النبي ﷺ ضرورة التباين في مقدار معرفة النصوص بين الصحابة مع تباين اتجاهات الاستنباط.
٧٨ - ظهور مدرستي العراق والحجاز عزّز نشاط الحركة الاستدراكية على مستوى الأدلة والاستدلال.
٧٩ - ظهور المذاهب الفقهية عزز نشاط الحركة الاستدراكية على مستوى الخلاف الخارجي.
٨٠ - ظهور حركات التنقيح بعد استقرار المذاهب عزز الحركة الاستدراكية على مستوى الخلاف الداخلي.
٨١ - تحصّل للباحثة من الأمارات الدالة على مظان الاستدراكات الفقهية باعتبار الفقهاء ما يلي:
- من وُصفوا بالتدقيق، أو التحقيق، أو التجديد، أو بشيخ الإسلام، أو الاجتهاد المطلق، وقد يُصرّح بأنهم اشتغلوا بالاستدراك أو النقد أو التعقب وما شابه أحيانًا.
- من عُرف عنه التفنُّن في العلوم مع علم الفقه؛ لأن ذلك يؤهّل للاستدراك؛ للتمكن من عدة معايير.
- من عرف عنه الاشتغال بعلمي التفسير والفقه.
- من عُرف عنه الاشتغال بعلمي الحديث والفقه.
- من عُرف عنه الاشتغال بعلم الأصول مع الفروع.
- من اشتهر بالجدل والمناظرة، والرد على المخالفين.
- من تلقى من أكثر من مدرسة.