ومحل (١) / ق (٩٤/ ب من أ) البحث إنما هو العارف بمواقع الألفاظ، وأما غيره لا يجوز إجماعًا (٢).
الماوردي (٣): يجوز إن نسي اللفظ (٤).
وقيل: إن كان موجب الحديث العلم يجوز، وإن كان (٥) / ق (٩٥/ ب من ب) العمل فلا يجوز (٦).
стр. 1087
وقيل: بلفظ مرادف، واختاره [الخطيب (١).
وعن] (٢) ابن سيرين (٣)، وثعلب، والرازي (٤) من الحنفية، والمروي عن ابن عمر ﵄: [منعه مطلقًا] (٥).
стр. 1088
وعن مالك: أنه لا يجوز تبديل الباء بالتاء (١) في مثل بالله، وتالله (٢).
لنا - على المختار -: الإجماع على جواز تفسيره بلسان آخر، فبالعربي أولى. وأيضًا معلوم بالضرورة أنه ﷺ بعث لإبلاغ المعنى لا اللفظ. وكثيرًا ما يقول الصحابي قال ﷺ : كذا، ونحوه.
وقولهم: العلماء مختلفون في الفهم ربما تنبه بعضهم من ألفاظ الحديث على ما لا يتنبه غيره.
قلنا: الكلام في العارف الذي ينقل المعنى سواء، وإلا لم يجز اتفاقًا (٣).
والقول -: بأن الكلام في المعنى الظاهر لا فيما يختلف فيه - مذهب مخترع (٤).
قوله: "مسألة: يحتج بقول الصحابي: قال رسول الله ﷺ : كذا".
стр. 1089
أقول: هذا شروع في كيفية الرواية، فنقول: إذا قال الصحابي: سمعت رسول الله كذا، وأخبرني، وحدثني بكذا يجب قبوله بلا خلاف (١).
وأما إذا قال: قال رسول الله ﷺ : كذا، الجمهور: على أنه حجة.
وقال القاضي: متردد بين سماعه منه، أو سماعه ممن يرويه عنه (٢).
الجواب: قد تقرر أنهم كلهم عدول، فلا يضر ذلك الاحتمال.
وكذا قوله: عنه صلى الله عليه [وسلم] (٣).
وكذا قوله: سمعته أمر، أو نهى، أو أمرنا، أو نهينا، أو أوجب، أو حرم، أو رخص على صيغة المجهول في الكل لظهور أن فاعل الأفعال المذكورة هو الشارع (٤).
стр. 1090
وقيل: يحتمل سائر الولاة. قلنا: بعيد لا يدفع الظهور.
وقوله: من السنة كذا، أو كنا معاشر الناس نفعل كذا في عهده، أو كان الناس يفعلون في عهده ﷺ ، فكنا نفعل، فكان الناس يفعلون، فكانوا لا يقطعون في الشيء التافه (١)، قالته عائشة ﵂، الكل حجة عند الجمهور لأنه حكاية إجماع (٢).
стр. 1091
والقول: بأنه لو كان إجماعًا لما جاز مخالفته، واللازم منتف، مردود بأن ذلك إنما يكون في الإجماع الذي طريقه قطعي.
وأشار بالعطف بالفاء إلى أن ما عطف به دون ما قبله في القوة.
قوله: "خاتمة".
أقول: إذا كان الراوي غير صحابي مراتب روايته عشر (١):
الأولى: قراءة الشيخ، إملاء، أو تحديثًا (٢)، اقتداء بفعله ﷺ .
стр. 1092
الثانية: قراءة الراوي على الشيخ (١): لأنه كان يُقْرأ عليه صلى الله عليه [وسلم] (٢) فيقرر، أو ينكر.
стр. 1093
الثالثة: قراءة غيره (١)، وهو يسمع لأنه ربما يغفل (٢).
стр. 1094
الرابعة: المناولة، مع الإجازة، بأن يناول الشيخ أصل سماعه إلى الطالب، أو نسخة مقابلة به، ويقول له: هذا سماعي عن فلان أجزت لك أن ترويه عني (١)، والإجازة، مع المناولة أقوى درجات الإجازة (٢).
стр. 1095
الخامسة: الإجازة (١) المجردة عن المناولة، ولها مراتب: أعلاها: أن يجيز لخاص في خاص، مثل أن يقول: أجزت لك كتاب البخاري (٢).
стр. 1096
دونها: لخاص في عام، مثل: أجزت لك مسموعاتي (١).
ودونها: لعام في خاص، مثل أن يقول: أجزت لمن أدرك حياتي رواية البخاري (٢).
ودونها: لعام في عام (٣)، مثل أن يقول: أجزت لجميع المسلمين مسموعاتي (٤):
стр. 1097
السادسة: الإجازة للمعدوم تبعًا نحو: أجزت لفلان، ومن يوجد من نسله (١).
ولا بد من كون المعدوم تبعًا، فلو قدمه كأن يقول: أجزت / ق (٩٥/ أمن أ) لمن يولد لفلان فلا يصح.
السابعة: المناولة المجردة كأن يناوله أصله، ويقول: هذا سماعي، ولا يقول له: اروه عني (٢)، ولو ناوله الكتاب، ولم يقل: إنه سماعي لا يجوز الرواية عنه.
стр. 1098
الثامنة: الإعلام المجرد عن المناولة، والإجازة، بأن يقول: هذا سماعي من فلان (١).
التاسعة: الوصية بالكتاب بأن يوصي بكتاب يرويه لأحد من الناس، فيجوز للموصَى له أن يرويه عنه (٢).
стр. 1099
والحق: ما قاله الشيخ ابن الصلاح (١): إن الرواية بالوصية بعيدة جدًا، ولا نسلم أن الوجادة دونها (٢) إذ في الوجادة يقول: وجدت بخط المؤلف كذا، فيغلب على الظن صحة ما وجده، بخلاف الوصية بالكتاب.
العاشر: الوجادة (٣)، وقد عرفت معناها.
стр. 1100
ومنع إبراهيم الحربي (١)، وأبو الشيخ الأصفهاني (٢)، والقاضيان حسين، والماوردي الرواية بالإجازة، وقالوا: لو جوزناها لبطلت الرحلة
стр. 1101
في طلب العلم، ورواه الربيع (١) عن الشافعي، وكذا روي عن مالك، وأبي حنيفة.
ومنع قوم العامة (٢).
والقاضي أبو الطيب (٣) في المعدوم ابتداء، كما تقدم أنه المختار، وأما للمعدوم من غير إضافة، فلا يجوز إجماعًا.
وألفاظ الرواة عند الأداء اصطلاح خاص لأهل الحديث لا تعلق له بالأصولي لأن/ ق (٩٦/ أمن ب) كلامه فيما للاحتجاج فيه (٤) مدخل.
стр. 1102
الكتاب الثالث في الإجماع، ومباحثه
стр. 1103
الكتاب الثالث في الإجماع
قوله: "الكتاب الثالث في الإجماع، وهو اتفاق مجتهدي الأمة".
أقول: قدم الإجماع على القياس، لكونه قطعي الدلالة، أو لكونه يقع أصلًا في القياس.
وهو لغة: العزم، والإتفاق مطلقًا (١).
واصطلاحًا: اتفاق مجتهدي هذه الأمة في عصر من الأعصار على أي أمر كان (٢).
стр. 1104
فبقيد الاتفاق، خرج قول مجتهد منفرد في عصره، إذ لا يعد ذلك إجماعًا.
وبقوله: "بعد وفاته" (١) الإجماع في زمنه، فإنه ليس بحجة من حيث إنه إجماع.
وبقوله: "في عصر" يدفع شرطية الاتفاق من أول وفاته إلى آخر الدهر، وفي أي أمر، يدخل الأحكام مطلقًا، فرعية، أو أصلية، عقلية، أو لغوية.
والاعتراض: بأن مجتهدي جمع، وأقله ثلاثة، فيلزم منه أن لا يكون إجماع الاثنين حجة.
والجواب: بأن لفظ مجتهد عام - لأنه مفرد مضاف، فيشمل الاثنين أيضًا، ويخرج الواحد بقيد الاتفاق - يستلزم بطلان تعاريف المتقدمين والمتأخرين، لوجود لفظ الجمع فيها.
والحق: أن هذا من عموم المجاز الذي يعم المعنى الحقيقي، والمجازي، وهو مطلق العدد، أو الاثنان ألحقا بالجمع قياسًا، أو التقدير جميع من يوجد من جنس المجتهدين.
وبقيد الاجتهاد، خرج المقلد، فلا تعتبر موافقته.
"واعتبر قوم وفاق العوام مطلقًا" أي في المسائل المشهورة، والخفية، مثل دقائق الفقه.
стр. 1105
وقيل: في المشهور دون الخفي (١). وفائدته - عند القائل به - صحة [إطلاق (٢) قولهم: أجمعت الأمة على كذا، لا أنه إذا خالف العامي يقدح في كونه حجة، ونسبه المصنف إلى] (٣) الآمدي (٤).
وقالت طائفة: الأصولي الذي ليس بفقيه يعتبر في الإجماع على المسائل الفقهية لتوقف الفروع على الأصول (٥)، والحق: خلافه لأنه عامي بالنظر إلى المجمع عليه (٦).
стр. 1106
وبقيد المسلمين، خرج المكفر ببدعته.
وأما هل يشترط عدالة المجتهد، أم لا؟ فمبني على اشتراط العدالة في الاجتهاد، والصحيح عدمه.
وثالث الأقوال: يعتبر وفاقه في حق نفسه، حتى إذا خالفهم، لم يكن إجاعهم حجة عليه.
ورابع الأقوال: إن بيَّن مأخذه اعتبر: لأنه قول بدليل، وإلا فلا اعتبار به (١).
стр. 1107
ويعتبر جميع المجتهدين هو الصحيح (١). وقيل: لا يقدح خروج واحد. وقيل: اثنين (٢)، وقيل: ثلاثة، وأزيد إلى حد التواتر.
وقيل: إن كان المخالف شهيرًا بالاجتهاد (٣) / ق (٩٥/ ب من أ) كمخالفة ابن عباس في مسألة العول (٤).
стр. 1108
وقيل: يضر المخالف، وإن كان واحدًا، لكن في أصول الدين لعلو قدره، دون سائر العلوم (١).
وقيل: مع المخالفة مطلقًا حجة، اعتبارًا بالأكثر، ولا يسمى إجماعًا (٢).
ثم بإضافة المجتهد إلى الأمة، علم عدم اختصاصه بالصحابة، خلافًا للظاهرية، استبعادًا منهم أن أهل الشرق، والغرب، تتفق على حكم، وأما الصحابة، فكانوا مجتمعين، مضبوطين (٣).
стр. 1109
وعلم من قيد الوفاة: أن في زمنه صلى الله عليه [وسلم] (١) لا ينعقد، إذ لا اعتبار بقولهم، عند قوله، وما لا قول له فيه مردود غير مشروع (٢).
وعلم اعتبار التابعي، مع الصحابة: لأنه من مجتهدي الأمة في ذلك العصر (٣)، وإن بلغ رتبة الإجتهاد - بعد اتفاقهم - ينبني وفاقه على اشتراط انقراض العصر، إن شرط اعتبر، وإلا فلا، وهذا هو المذهب المنصور (٤).
وعلم أن إجماع أهل مدينة رسول الله ﷺ ليس بحجة (٥). ولا أهل
стр. 1110
البيت (١)، ولا الخلفاء الأربعة (٢)، ولا الشيخين (٣)، ولا أهل الحرمين، ولا أهل المصرين: الكوفة، والبصرة، لأنهم ليسوا بجميع مجتهدي الأمة.
стр. 1111
وأن المنقول بالآحاد حجة؛ لأن الإجماع دليل شرعي كالسنة، فلا يحتاج في نقله إلى عدد التواتر، وهذا مختار الآمدي، والإمام (١).
والأكثر على اشتراط التواتر في نقله؛ لأن الإجماع قطعي، فلا يثبت بخبر الآحاد (٢).
قوله: هو الصحيح في الكل في الستة المذكورة. ومعناه: أصحاب تلك المقالات لا يشترطون في النقل التواتر، بل الصحيح عندهم قبول النقل آحادًا.
احتج من ذهب: إلى أن أهل المدينة يحتج بإجماعهم بقوله ﷺ : "المدينة كالكير تنفي خبثها" (٣)، والخطأ خبث، فيكون منفيًا عنهم.
стр. 1112
الجواب: لم يدل على عصمتهم للإجماع على وقوع الخطأ منهم، فيحمل على المدح بأنها بلدة مباركة، فاضلة (١).
ومن ذهب: إلى أن إجماع أهل البيت حجة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] (٢) والخطأ رجس.
الجواب: خطأ المجتهد (٣) / ق (٩٦/ ب من ب) ليس برجس، بل مثاب عليه.
ومن ذهب: إلى أن إجماع الخلفاء الأربعة حجة: "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ" (٤).
стр. 1113
والخلفاء: هم الأربعة، لأن الملك - بعدهم - صار عضوضًا.
الجواب: لا يدل على انتفاء الخطأ عنهم، وإنما رغب في سلوك طريقهم.
ومن ذهب: إلى أن اتفاق الشيخين حجة، بقوله: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر، وعمر" (١)، فإنه يدل على انتفاء الخطأ. والجواب: المنع بما تقدم.
ومن ذهب: إلى أن اتفاق الحرمين، أو المصرين حجة، فلانتشار الصحابة فيهما، وكذا في المصرين.
الجواب: لا كلام في إجماع الصحابة حيث كانوا، إنما الكلام فيما إذا لم يوجد جميع المجتهدين في العصر.
قوله: "وأنه لا يشترط عدد التواتر".
стр. 1114
أقول: لا يشترط - في الإجماع - عدد التواتر: لأن الأدلة الدالة على حجية الإجماع مثل: "لا تجتمع أمتي على الضلالة" (١)، و"لا تزال
стр. 1115
طائفة من أمتي قائمة على الحق" (١)، ونظائرهما لا إشعار فيها بقيد التواتر، خلافًا للإمام (٢).
والعجب: أن الإمام - في البرهان - نقل المذهب الصحيح الذي عليه الجمهور عن الشيخ أبي إسحاق الإسفراييني مع أدلته، ولم يزيف أدلته، وقال بخلافه!
وأما إذا لم يكن في العصر إلا مجتهد واحد، فليس قوله حجة، لعدم صدق التعريف عليه.
وقيل: حجة، وهو القياس، نظرًا إلى الدليل السمعي (٣).
стр. 1116
وهل يشترط انقراض العصر، لانعقاد الإجماع؟ الحق أنه لا يشترط.
وقال أحمد، وابن فورك، وسليم الرازي / ق (٩٦/ أمن أ): يشترط (١).
لنا - على المختار -: أنه قول الأمة، فصار حجة قاطعة، فلا وجه لتوقفه فالقول بذلك لا دليل له.
قالوا: ربما اطلع واحد منهم على خبر يخالف.
قلنا: بعيد خفاؤه على جملة المجتهدين، ولو سلم، يترك، لأنه ظني لا يقاوم القاطع، كما لو انقرضوا، ووجد الخبر.
قالوا: فلا يجوز رجوع المجتهد عن اجتهاده، إذا لاح له دليل.
قلنا: يجب عليه الرجوع، ولا قدح في الإجماع.
стр. 1117
قوله: "انقراضَهم كُلِّهم"، منصوب مفعول "شرطوا" وقوله: "أو غالبِهم، أو علمائهم" معطوفان على المجرور، أي من قال: إن العامي معتبر شرط انقراض الكل، والذي لم يعتبره شرط انقراض العلماء، والذي يقول: بانقراض الغالب، هو الذي لا يقدح مخالفة النادر عنده في الإجماع.
هذا حاصل كلامه، وعليه شراح كلامه (١). وليس بسديد: لأنه يلزم منه أن المذكورين من أحمد، وابن فورك، وسليم، مختلفون في المسألة بعضهم شرط موافقة العامي، وبعضهم لا يبالي بمخالفة النادر، وليس الأمر كذلك، إذ لم ينقل عن أحد منهم ما لزم من هذا الكلام، مع أن الكلام في حجية الإجماع قبل الانقراض، وقد تقدم عن المصنف: أن من شرط وفاق العامي إنما شرطه في إطلاق الأمة لا في الحجية، فتأمل!
وقيل: [لا ينعقد] (٢) في السكوتي لضعفه، بخلاف القولي.
стр. 1118
وقيل: ينعقد فيما لا مهلة فيه، مثل قتل النفس، واستباحة الفروج.
وقيل: إن كان الباقي أقل من عدد التواتر، فلا اعتبار بهم، وأما إذا كان الباقي عدد التواتر، فإنهم إذا رجعوا لم يبق الإجماع حجة (١).
وقد عرفت الجواب عن الكل بأن أدلة حجية الإجماع لا فرق فيها بين صورة، وصورة.
وإذا قلنا: إن الانقراض ليس بشرط، فكما انعقد صار حجة، ولا يحتاج إلى مدة.
وفرق الإمام بين القاطع والظني، أي: إذا كان سند الإجماع قطعيًا، ومات المجمعون بعده بلحظة، فهو حجة، وأما إذا كان ظنيًا، فلا (٢).
والجواب: ما تقدم من الأدلة السمعية الدالة على عصمة أهل الإجماع مطلقًا.
وبقيد الأمة، علم عدم حجية إجماع الأمم السابقة: لأن العصمة من خواص هذه الأمة، وفي الأدلة تصريح بذلك (٣).
стр. 1119
وإن قلنا: بأن قولهم حجة بناء على أن [شرع] (١) من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد ناسخ، لكن ليس في قوة الإجماع.
والإجماع لا يكون إلا عن سند من الدلائل الشرعية (٢)، إذ القول بدون السند باطل: لأنه يوجب التشريع بعد صاحب الشرع.
قيل: إذا كان عن سند، فما فائدة الإجماع؟ أجيب: بأن فائدته رفع الخلاف.
قوله: "وأنه قد يكون عن قياس".
стр. 1120
أقول: قد تقدم، - منا، وسيأتي من كلام المصنف -: أنه لا بد للإجماع من مستند، فذلك المستند قد يكون قياسًا: لأنه أحد الأدلة الشرعية (١).
ومنع الظاهرية تارة الجواز، وأخرى الوقوع (٢)، قيل: منع ذلك الجواز، أو الوقوع مطلقًا، وقيل: هما في الخفي، دون الجلي (٣).
وقد علمت: أن الأدلة على حجية الإجماع لا تفرق بين سند، وسند، مع أنه قد وقع الإجماع عن القياس مثل: إمامة أبي بكر، قالوا: "رضيك لديننا، أفلا نرضاك/ ق (٩٧/ أمن ب) لدنيانا" (٤).
стр. 1121
وكذا تحريم شحم الخنزير ثابت إجماعًا، قياسًا على لحمه (١)، وكذا وقوع الفأرة في الشيرج (٢) قياسًا على السمن (٣).
стр. 1122
ثم أهل العصر المجمعون إما أن يكون إجماعهم بعد سبق خلاف، أم بدونه، ولا خلاف في الأول، وأما الثاني: فلا يخلو إما أن لا يكون الخلاف مستقرًا كالإجماع على قتل مانعي الزكاة، في خلافة الصديق (١) / ق (٩٦/ ب من أ) ﵁، فذلك جائز خلافًا للصيرفي منا، وإذا جاز لأهل العصر ذلك جاز لمن حدث بعدهم، إذ لا فرق بين إجماعهم، وإجماع من بعدهم (٢).
وأما إذا استقر الخلاف برهة من الزمان، فهل يجوز الإتفاق على أحد القولين؟ منعه الإمام، وجوزه الآمدي مطلقًا سواء كان المستند قاطعًا، أم لا، أي: مستند اختلافهم (٣).
стр. 1123
وقيل: إن كان قاطعًا، فلا يجوز، وإلا يجوز.
والحق: أن من لم يشترط انقراض العصر جوزه بعضهم، ومنعه آخرون.
ومن اشترط الانقراض، فلا خلاف في جوازه عندهم، لأن الانقراض لما كان شرطًا في الإجماع، وهم لم ينقرضوا، فلا إجماع منهم على ذلك الخلاف، إذ لا يتم اتفاقهم على ذلك الخلاف إلا بموتهم.
وما نقله المصنف من الإمام، من عدم الجواز، ومن الآمدي من الجواز الصواب عكسه.
قال الإمام - في المحصول -: "اتفاق أهل العصر على أحد القولين منهم من جعله إجماعًا، وهو المختار: لأن الصحابة اختلفوا في الإمامة، ثم اتفقوا" (١).
стр. 1124
هذا في العصر الأول، الذين فرض استقرار خلافهم، وأما الذين نشؤوا بعدهم، وهم أهل العصر الثاني، هل يجوز منهم الاتفاق على أحد قولي العصر الأول، مع تطاول الزمان؟ فيه خلاف.
ذهب الأشعري، وأحمد، والإمام الغزالي، إلى امتناعه (١)، وهو مختار المصنف، تمسكًا بالعادة، إذ هي قاضية بأنه لو كان دليل على بطلان أحدهما لاطلع عليه أهل العصر الأول. وهذا كما ترى مجرد استبعاد.
قيل: لو وقع ذلك لوقع التعارض بين الإجماعين، ولا تعارض بين القطعيين، وإنما يقع التعارض لأن أهل العصر الأول أجمعوا على جواز العمل بكل منهما، وأهل العصر الثاني على أحدهما فقط.
الجواب: أهل العصر الأول لم يسوغوا العمل بكل منهما، بل كل طائفة تسوغ القول الذي تقول به، ومثله ليس من الإجماع في شيء.
стр. 1125
والحق الذي لا محيد عنه أنه جائز، بل واقع، لاختلاف الصحابة في بيع أمهات الأولاد، مع إجماع مَن بعدهم على عدم الجواز (١)، لكنه قليل جدًا.
وقد علم من تعريف الإجماع أن أقل ما قيل، مجمع عليه كدية الكتابي عند الشافعي، فإنه قيل: كدية المسلم، وقيل: نصفه، وقيل: ثلثه (٢)،