لنا - على المختار -: إجماع الصحابة على العمل به من غير نكير، وشاع ذلك وذاع حتى كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: "اعرف الأشباه والنظائر، وقس الأمور برأيك" (١). وحديث عمر حيث سأل عن قبلة الصائم، فقال: "أرأيت لو تمضمضت، ثم مججته، أكنت شاربه! ؟ " (٢). وحديث معاذ حيث ذكر بعد الكتاب، والسنة رأيه، وقرره عليه.
стр. 1157
وحديث الخثعمية، المشهور (١)، فإنه قاس ﷺ دين الله على دين العباد، بالطريق الأولى/ ق (٩٩/ أمن ب) فكان قياسًا جليًا.
وبالجملة الأحاديث الدالة على مشروعيته متواترة المعنى، والآيات الدالة عليه. وإن كان دلالتها ظاهرة، والأصول لا تثبت بالظواهر، إلا أنها من حيث الجملة قطعية الدلالة.
стр. 1158
منها: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، والاعتبار، رد الشيء إلى نظيره، ومنها: ردًا على منكري البعث: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا/ق (٩٩/ أمن أ) قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١]، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨, ٧٩] , ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ [الفرقان: ٤٤].
وبالجملة: جميع ما في القرآن من التشبيهات، والاستعارات لا يخلو عن إلحاق فرع بأصل في حكم بعلة جامعة، فالمتأمل لا يتوقف في حجية القياس.
المانع - عقلًا -: لا يؤمن الغلط، فيجب تركه.
قلنا: لا خطر لأنه إما مصيب، فله أجران، أو مخطئ، فواحد.
المانع - شرعًا -: النصوص كافية. الجواب: المنع.
المجوز في الجلي - وهو ما قطع فيه بعدم الفارق بين الأصل، والفرع، أو ما يكون الحكم في الفرع أولى -: يؤمن فيه الغلط، بخلاف الخفي. الجواب: هو جواب المانع عقلًا.
الحنفية: لا يعقل المعنى في الحدود، والكفارات، وتعقله شرط القياس.
الجواب: منع ذلك في الجميع، فيلحق الفرع بالأصل، حيث عقل، كقياس النباش على السارق في وجوب القطع، بجامع أخذ مال الغير من الحرز بخفية.
стр. 1159
وكفى دليلًا إجماع الصحابة على إلحاق حد شارب الخمر حين تشاوروا، فقال علي: "إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فأرى عليه حد المفتري" (١). وعليه انعقد الإجماع (٢).
стр. 1160
قالوا: قوله: "ادرؤوا الحدود بالشبهات" دليل واضح لأن القياس ظني بلازمة الشبهة.
قلنا: معارض بخبر الواحد، والشهادة. فإن الحدود تثبت بهما إجماعًا، مع وجود الشبهة فيهما.
القائل: بحجيته اضطرارًا في واقعة لا يوجد فيها، احتمال الغلط قائم في القياس، فحيث لا واقعة على الوصف المذكور، لا فائدة مع احتمال الضرر.
الجواب: دلائل الحجية لا تفرق بين قياس وقياس، والفائدة تحرير المسألة لوقت الحاجة.
القائل: بعدم جريانه في الأسباب، والشروط، والموانع، الوصف الذي هو سبب، أو شرط، أو مانع لو شاركه غيره في معناه، لكان السبب هو القدر المشترك وإذا لم يشاركه لا إلحاق هناك، وهذا مختار الآمدي، وابن الحاجب، والشارح المحقق (١).
стр. 1161
واختار المصنف: جريان القياس فيها: لأن أدلة القياس عامة، ولأن الأشياء المذكورة من قبيل الأحكام الوضعية، فلا بد من الجريان فيها، ولا إلحاق إلا حيث يوجد به الاشتراك.
قولكم: إذا وجد يكون هو العلة، ممنوع، إذ ربما كانت في الأصل منصوصة دون الفرع، كالزنى مع اللواط، فإن الأول له أصل يشهد له.
والحق: إن إثبات هذا على وجه التحقيق بعيد.
القائل: بعدم جوازه في أصول العبادات كالصلاة إيماء قياسًا على القعود بعلة العجز، هذه الأصول مما تتوفر الدواعي على نقلها، لو كان مشروعًا لنقل.
الجواب: ما تقدم من عدم تفرقة الأدلة.
القائل: بالعدم في الجزئي الذي لم يشهد له أصل، كضمان الدرك، فإنه لا يعقل ضمان ما لم يجب.
الجواب: خولف في ذلك للضرورة حفظًا على الحقوق، وعبارة المصنف تساعد هذا المعنى، فإنه ذكره في سياق المذاهب المزيفة، وإذا كان المنع من القياس الجزئي الحاجي مزيفًا يكون خلافه صحيحًا، ومثال ذلك بضمان الدرك غير صحيح لأنه ليس من القياس الحاجي في شيء، بل هو مستثنى من القياس للضرورة.
القائل: في العقليات لا يصح: لأن العقل كاف، ولأن العقل أحكامه قطعية، والقياس ظني.
стр. 1162
الجواب: ما تقدم من عموم أدلة القياس من غير فرق، والدليل العقلي ربما يكون إمارة (١) / ق (٩٩/ ب من أ).
القائل: بعدم جوازه في النفي الأصلي بأن يبحث المجتهد، فلم يجد دليلًا عليه، ثم وجد شيئًا آخر يشبه الأول، فهل يجب البحث عنه، أو يقاس على الأول، فلا يبحث عنه؟ لهم فيه خلاف، مختار المصنف جوازه، وهو الظاهر إذ لا فارق بينه، وبين سائر الأقيسة.
لا يقال: العدم الأصلي أزلي كيف يعلل؟ لأنا نقول: العلل الشرعية. معرفات. فتكون إمارات، بل الدليل العقلي يجوز تاخره عن المدلول كالعالم للصانع.
قوله: "إلا في العادِيَّة".
أقول: هذه أمور تمنع القياس - ذكرها المصنف بعد كونه دليلًا يظن جريانه مطلقًا - منها: العاديات، كأقل الحيض، وأكثره (٢)، فلا يجري فيها القياس، لأن شرط القياس أن يكون الأصل معقول المعنى، والخِلْقِيَّة عطف تفسير للعادية.
стр. 1163
ومنها: جميع الأحكام، فإن منها ما لا يعقل فيها المعنى، فلا وجه للقياس، كما تقدم (١).
ومنها: الأصل المنسوخ لا يقاس عليه لخروجه عن صلاحية القياس (٢)، وكان الأولى تأخير هذا ليذكره مع شروط الأصل لأنه منها.
стр. 1164
ومنها: نص الشارع (١) / ق (٩٩/ ب من ب) على العلة في صورة ليس ذلك أمرًا بالقياس، بل فائدته ثبوت الحكم معللًا، فإنه أوقع في النفس. . وقيل: أمر به مطلقًا. وقيل: في الترك دون الفعل، كما إذا قال: حرمت الخمر لإسكارها، احتياطًا، وفرارًا من المفسدة (٢).
стр. 1165
قوله: "وأركانه أربعة".
أقول: القياس مركب من أمور أربعة (١): الأول الأصل، وهو المقيس عليه، أي: محل الحكم المشبه به كالخمر الذي شبه به النبيذ في الحرمة.
وقيل: حكم المشبه به.
وقيل: دليل الحكم كالنص الدال على حرمة الخمر (٢).
стр. 1166
وأما الفرع، فعلى الأول محل الحكم المشبه (١) إلى المقيس، وعلى الثاني حكمه، ولا يمكن القول: بأن الفرع دليل الحكم في المشبه، لأن دليله هو القياس.
ولما كان الأصل ما يبتنى عليه الشيء، فالمعاني المذكورة كلها محتملة إلا أن الأقرب ما قدمه المصنف: [لأنه] (٢) عرف الفقهاء في [نصب] (٣) الخلاف، وتحرير المباحث على ذلك.
وإذا علم معنى الأصل - وقد ثبت حجية القياس مطلقًا - فلا يحتاج إلى دليل دال على جواز القياس على ذلك الأصل بشخصه، أو نوعه، بل حيث كان المعنى معقولًا، للقياس فيه مجال، وكذا لا حاجة في إثبات العلة
стр. 1167
على اتفاق الأمة على وجود العلة في الأصل، بل حيث استنبطها المجتهد له القياس (١).
قوله: "الثاني حكم الأصل".
أقول: الركن الثاني من الأربعة حكم الأصل، وله شروط: منها أن لا يكون ثبوته بالقياس، إذ لو كان كذلك. فإما أن تكون العلة متحدة في القياسين، كما إذا قاس السفرجل على التفاح في كونه ربويًا [بعلة] (٢) الطعم، وحكم التفاح ثابت بالقياس على البر، فلا فائدة في الواسطة، بل يقاس على البر ابتداء، وإن لم تتحد العلة فيهما، فلا تعقل التعدية (٣).
стр. 1168
مثاله: ما إذا قاس الجذام (١) في كونه عيبًا يفسخ به البيع، فيفسخ به النكاح كالرتق (٢). فإذا منع كون الرتق مما يمنع به البيع.
أجاب المستدل: بأنه مفوت للاستمتاع، كالجب (٣)، فهذه العلة ليست موجودة في الجذام.
قيل: ولا يجوز أن يكون حكم الأصل ثابتًا بالإجماع إلا أن يعلم النص الذي استند عليه الإجماع. وليس بشيء: لأن الإجماع أقوى الأدلة دلالة. فلا وجه لذلك القول، إلا أن يتوهم أن الإجماع ربما استند إلى القياس، وقد علم أن حكم الأصل لا يجوز أن يكون ثابتًا بالقياس.
стр. 1169
والجواب: أن ثبوت الحكم في المجمع عليه إنما هو بالإجماع / ق (١٠٠/ أمن أ) لا بسنده ولو فرض كون سنده الكتاب (١)، والسنة.
وبعض الشارحين (٢) حار في الأمر، فأتى بكلام لم يفهمه، هو ولا غيره قال: "نعم يحتمل أن يكون الإجماع عن قياس، ويدفع بأن كون حكم الأصل حينئذ عن قياس مانع في القياس، والأصل عدم المانع".
[ومنها: كون حكم الأصل معتبرًا فيه القطع، واليقين، فلا يمكن الإلحاق به لأن القياس لا يفيد القطع (٣) على ما تقدم في أول الكتاب من أن الفقه من الظنون] (٤).
ومنها: كون حكم الأصل شرعيًا. إذا استلحق المجتهد حكمًا شرعيًا، فإنه لا يتصور إلحاق الشرعي بغيره عقليًا كان أو لغويًا، وأما إذا كان القياس لغويًا، أو عقليًا عند القائل بهما، فلا مانع. فلو قال - في
стр. 1170
النبيذ -: شراب مشتد، فيوجب الحد، كما يوجب الإسكار، أو كما يسمى خمرًا. كان خلفًا من القول.
ولو قال: شراب مشتد، قذف بالزبد، فيلحق بماء العنب، الموصوف بما ذكر، فيسمى خمرًا، أو يلحق به في الإسكار، كان جائزًا عند القائل بهما (١).
ومنها: كونه غير فرع (٢)، إذا لم يظهر للوسط - على تقدير كونه فرعًا - فائدة، وهذا تكرار في كلامه بلا فائدة، لأنه قد تقدم أن شرط حكم الأصل أن لا يكون ثابتًا بالقياس.
стр. 1171
وقد نقل (١) عن المصنف الجواب: بأنه: يجوز إذا كان فائدة ذلك بأن نقيس التفاح على الزبيب في الطعم، والزبيب على التمر في الطعم والكيل، والتمر على الأرز في الطعم والكيل والتقوت، والأرز على البر في الطعم والكيل والقوت الغالب، ولو قيس ابتداء التفاح على البر ربما منع كون الطعم علة وهذا تخيل منه: لأن الذي يمنع كون مجرد الطعم علة متي سلم قياس التفاح على الزبيب؟ وكون قياس الزبيب على التمر صحيحًا لا يستلزم صحته.
ومنها: أن لا يكون معدولًا عن سنن القياس، بأن لا يكون معقول المعنى، إما بأن يخرج عن قاعدة مقررة كشهادة خزيمة، وبيع العرايا (٢)، فإن المستثنى من القاعدة لا يصلح أن يكون أصلًا يقاس عليه، فلا تكون
стр. 1172
شهادة الصديق ﵁ مثل شهادة خزيمة. وإن كان أعلى منه اتفاقًا. أو شرع ابتداء، كالقسامة (١)، إذ تحليف المدعي خمسين يمينًا خارج
стр. 1173
عن سنن اليمين، وإنما فعل ذلك تغليظًا في حقن الدماء، وإلا لم يتعذر للأعداء القتل بغير مشهد الشاهدين، ولا للأشرار الذين لا يزعهم وازع/ ق (١٠٠/ أمن ب) التقوى الحلف عليه، حلفة واحدة، فروعي الجهتان.
ومنها: أن لا يكون دليله شاملًا لحكم الفرع، وإلا لا مزية لأحدهما على الآخر، فلا يتصور أصالته.
مثاله: قياس الذرة على البر في عدم جواز التفاضل، فإذا منع في الأصل فنقول: قال رسول الله ﷺ : "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا يدًا بيد سواء بسواء" (١).
стр. 1174
ومنها: كون الحكم في الأصل متفقًا عليه، إما مطلقًا، أو بين الخصمين، وإنما شرط إجماع الخصمين: لأنه إذا منعه يحتاج المستدل إلى إثباته، فيوجب التطويل، ونشر الجدال (١).
وقيل: لا يشترط، وإلا لامتنع الاستدلال بمقدمة قابلة للمنع، وإليه ذهب الشيخ ابن الحاجب (٢)، وربما يفرق بين المقدمة، والحكم الشرعي. وعلى الأصل المذكور، وهو كونه متفقًا عليه بين الخصمين، هل يشترط اختلاف الأمة فيه؟ قيل: يشترط، وإلا يكون مجمعًا عليه، فلا يتأتى للباحث منعه، وليس بشيء، إذ حجة منعه ليس أمرًا ضروريًا.
قوله: "فإن كان متفقًا بينهما".
стр. 1175
أقول: من شروط حكم الأصل أن لا يكون القياس مركب الأصل، أو الوصف. مثل الأول: قول الشافعي - في العبد المقتول عدوانًا -: لا يقتل به الحر كالمكاتب لأنه متفق عليه. فيقول الحنفي: العلة في المكاتب ليس كونه (١) / ق (١٠٠/ ب من أ) عبدًا، بل جهالة المستحق من السيد والورثة لاحتمال العجز، وأداء النجوم، فإذا كان المستدل شافعيًا، فالخصم بين أمرين، إما أن يمنع وجود العلة في الفرع، وهو الجهالة، أو يمنع حكم الأصل، وهو عدم قتله بالمكاتب إن أثبت العلة كونه عبدًا، وعلى التقديرين لا يتم القياس.
وإنما سمي هذا مركب الأصل: لأن كل واحد من الخصمين ركب علته على حكم الأصل المتفق عليه (٢).
ومثال الثاني: أن يقال - في تعليق الطلاق قبل الدخول -: تعليق، فلا يصح، كما إذا قال: زينب التي أتزوجها طالق، فالخصم بين أمرين، منع علة الأصل، أي: يقول: لا تعليق في الأصل. بل هو تنجيزي، أو منع حكم الأصل إن ثبت أنه تعليق، وعلى التقديرين لا يتم القياس، وإنما سمي مركب الوصف تميزًا بينه وبين الأول، فالحكم والوصف هنا متفق عليه،
стр. 1176
وهذا عند الأصوليين، وإما عند أهل الخلاف يقبلان: لأن المنع لا يوجب البطلان (١)، غايته أنه يحتاج إلى إثبات العلة بوجه من الوجوه المعتبرة.
ولو سلم الخصم العلة، واعترف بأنها علة حيث وجدت، وأثبت المستدل وجودها في الأصل، أو سلم وجودها في الفرع بعد الاتفاق على وجودها في الأصل ارتفع النزاع، واتضح الاستدلال. هذا إذا اتفقا على حكم الأصل، فإن لم يتفقا على ذلك، ولكن قصد المستدل إثبات حكم الأصل، ثم إثبات العلة، فالأصح صحة ذلك، وقبوله.
والحق: أن في هذا الكلام تناقضًا، وتكرارًا، فلأنه قدم أن من شرط الحكم في الأصل أن يكون متفقًا عليه، هو المختار عنده، وقد سلم هنا أنه لا يشترط ذلك، بل يجوز اختلافهما فيه، لأن الأصل الذي هو محل الحكم ليس متفقًا عليه. فالحكم [بالأولى] (٢). وأما التكرار فظاهر مما ذكرنا.
ولا يشترط النص على أن الحكم في الأصل معلل، ولا أن العلة فيه كذا، إذ لا ضرورة في ذلك، بل المجتهد يستنبطها. بمسالكها، كما سيأتي (٣).
стр. 1177
قوله: "الثالث: الفرع، وهو المحل".
أقول: الثالث من أركان القياس الفرع المشبه كالنبيذ، أو حكمه كالحرمة، وقد تقدم أنه لا يجوز حمل الفرع على دليل الحكم.
ومن شروط الفرع: وجود العلة المعتبرة في الأصل بتمامها فيه من غير نقصان، وإنما عدل عن عبارة ابن الحاجب، وهي: "تساوي الفرع في العلة لعلة الأصل" (١)، لايهامه عدم جواز الزيادة، مع أنها لا تضير، كما في قياس ضرب الوالدين على التأفيف (٢).
وهذا كلام قليل الجدوى: لأن مختار ابن الحاجب، - وتبعه المصنف - أن مفهوم الموافقة ليس من القياس في شيء، بل فهم المعنى إنما هو بحسب اللغة، فلا قدح فيما فعله ابن الحاجب، ولا نفع، فيما فعله المصنف (٣).
стр. 1178
قال إمام الحرمين - في البرهان -: "صار معظم الأصوليين إلى أن هذا ليس معدودًا من القياس" (١):
قال الغزالي - في المستصفى بعد تسمية هذا قياسًا لعدم توقفه على فكر واستنباط -:
"وأما إذا كان المسكوت مساويًا للمنطوق، فربما اختلفوا في تسميته قياسًا" (٢).
وقال الإمام - في المحصول -: "شرط الفرع أن يوجد فيه علة الأصل من غير تفاوت البتة، لا في الماهية، ولا في الزيادة والنقصان" (٣). ويتفرع - على وجود العلة بتمامها في الفرع - تقسيم القياس إلى القطعي، والظني؛ لأن العلة إن كانت قطعية/ ق (١٠١/ أمن أ) في الأصل كالإسكار فالقياس قطعي (٤)، وإلا فظني.
وقد يقال: قد اتفق القوم على أن المسائل الاجتهادية ظنية، فما وجه التوفيق؟
стр. 1179
فنقول: لا تنافي بين [كون] (١) حكم الأصل ظنيًا مستفادًا من خبر الآحاد، مع الإجماع على أن علة (٢) / ق (١٠٠/ ب من ب) حكمه كذا، فإلحاق حكم الفرع بحكم الأصل لتلك العلة معلوم الصحة قطعًا، وإن كان الحكمان ظنيين.
والظني: قياس الأدون، كقياس التفاح على البر في الطعم، فالعلة المعتبرة بتمامها موجودة في الفرع، والأدونية إنما هي بالنظر إلى باقي الأوصاف الصالحة للعلية الموجودة في الأصل كالكيل، والقوت الغالب.
واعلم أن المساواة المعتبرة بين علة الفرع، وعلة الأصل، أعم من أن تكون في عين العلة، كما في الإسكار الجامع بين النبيذ، والخمر، أو في جنس العلة، كما في قياس القصاص في الأطراف على قصاص النفس، بجامع الجناية فيهما، إذ أحد الأمرين كاف في تعدية الحكم (٣).
قوله: "وتقبل المعارضة فيه".
أقول: المعارضة في الفرع بما يقتضي نقيض الحكم، مثل أن يقول المعارض: ما ذكرته من الوصف، وإن اقتضى ثبوت الحكم في الفرع، فعندي وصف آخر يقتضي نقيضه.
стр. 1180
وقد اختلفوا في قبولها، والمختار القبول: لأن مجرد الدليل لا يفيد ما لم ينتف المعارض.
وقيل: لا يقبل: لأنه قلب، وخروج مما قصداه من معرفة صحة نظر المستدل في دليله إلى أمر آخر هو معرفة صحة نظر المعترض في دليله.
الجواب: ليس مقصود المعترض إثبات نقيض الحكم حتى ينقلب المنصب، بل هدم دليل المستدل، وقصوره على صلاحية الاستدلال به، فكأنه قال: عليك أيها المستدل بإبطال ما أبديته ليسلم دليلك، وكيف يمكنه الاستدلال على نقيض الحكم، ودليله معارض بدليل المستدل؟
مثاله: المسح ركن، فيسن تثليثه، كما في الوجه، فيقول المعارض: مسح، فلا يسن تثليثه، كما في الخف، والتيمم، لا إذا استدل على خلاف الحكم. فإنه لا تنافي، فلا تقبل المعارضة.
مثاله: اليمين الغموس قول يأثم قائله، فلا يوجب الكفارة، كما في شهادة الزور، فيقال: قول مؤكد للباطل، فيوجب التعزير، كما في شهادة الزور.
وزاد المصنف على ابن الحاجب الضد (١)، ومثلوه بما إذا قيل: الوتر واجب: لأنه واظب عليه رسول الله ﷺ كالتشهد، فيقول المعارض: مؤقت بوقت صلاة من الخمس، فلا يجب، بل يستحب، كسنة الفجر.
стр. 1181
والحق: أنه لا حاجة إليه: لأن إقامة الدليل على نقيض الحكم يستلزم أحد الأضداد، وإن لم يكن متعينًا: لأنه إذا نفى سنية التكرار في المسح يلزم أحد الأحكام الباقية من الإباحة، أو الوجوب، أو الحرمة، أو الكراهة.
وإذا أثبت المعارض علية الوصف الذي أبداه بمسلك من مسالك العلة، طريقُ دفعِه ما سيأتي في الاعتراضات.
وهل يقبل الترجيح بوجوهه على ما يأتي في باب الترجيح؟ المختار قبوله: لأنه إذا ترجح وجب العمل به لوجوب العمل بالراجح إجماعًا. وإذا كان الترجيح مقبولًا، فهل يجب الإيماء إليه في الدليل ابتداء؟
قيل: يجب: لأن الدليل لا يتم بدونه، فكأنه جزء العلة، والصحيح خلافه، إذ لا حاجة إليه ابتداء.
ومن شروط الفرع: أن لا يقوم قاطع على خلافه في الحكم، لأن القياس لا يقاوم (١) / ق (١٠١/ ب من أ) القاطع، وكذا خبر الواحد عند الأكثيرين لأنه مقدم على القياس، كما تقدم في بحث السنة.
قوله: "وليساوي الأصل".
стр. 1182
أقول: قد تقدم أن من شروط الفرع المساواة، فيما يقصد من عين العلة، أو جنسها، فأشار إلى أن مساواة حكم الفرع حكم الأصل يجب فيما يقصد من العين، أو الجنس (١).
أما العين، فكالقصاص بالمثقل على القصاص بالمحدد (٢)، فإن الحكم في الفرع هو القتل، وهو حكم الأصل.
واعلم أنهم إذا قالوا: عين العلة، أو عين الحكم أرادوا الوحدة النوعية لاستحالة وجود الواحد الشخصي في محلين.
وأما المساواة في جنس الحكم مثل قياس إثبات الولاية على الصغيرة في النكاح على إثبات الولاية المتفق عليها في المال، وولاية النكاح، والمال متحدان جنسًا، وهو نفاذ (٣) التصرف، وليست [عينها] (٤) لاختلاف حقيقة المتصرف فيه، فإذا خالف حكم الفرع حكم الأصل فسد القياس.
стр. 1183
مثاله: استدلال الشافعي على أن ظهار الذمي يوجب الحرمة (١)، كالمسلم، فيقول الحنفي: الحرمة متناهية بالكفارة، والحرمة في الذمي مؤبدة لأنه ليس من أهل الكفارة (٢).
والجواب: بالمنع، أي: لا نسلم أن الذمي ليس من أهل الكفارة.
قوله: "منصوصًا بموافق".
أقول: من شروط الفرع أن لا يكون حكمه منصوصًا عليه بنص موافق لأن وجود النص يغني عن القياس لتقدمه عليه (٣)، خلافًا لمن يجوز قيام دليلين على مدلول واحد، فإنه يجتمع عنده النص، والقياس على حكم واحد (٤).
стр. 1184
والتحقيق: أنه إن أراد أن طائفة جوزت قيام الدليلين بمعنى أن كلًا منهما يفيد العلم بالمدلول، فهذا / ق (١٠١/ أمن ب) غير معقول لأنه تحصيل الحاصل.
وإن أراد إيضاحًا، واستظهارًا، فلم يخالف فيه أحد، ألا تراهم يقولون: الدليل على المسألة الإجماع، والنص، والقياس (١)، وأما إذا كان النص مخالفًا، فقد علمت أنه مقدم على القياس (٢).
ومن شروطه - أيضًا - أن لا يتقدم على حكم الأصل، كقياس الوضوء على التيمم في وجوب النية، فإن التعبد بالتيمم، متأخر عن الوضوء، فلو ثبت به ثبت حكم شرعي بلا دليل، إذ الفرض أنه لا دليل
стр. 1185
عليه سوى القياس نعم لو قيل: ذلك إلزامًا صح (١)، كما قال الشافعي للحنفية: طهارتان أنى يفترقان (٢)، هكذا قيل، وفيه نظر: لأن الحنفية ليس عندهم في المسألة قياس حتى يلزموا، ولا الشافعي قائل بالقياس، بل وجوب النية فيهما إنما ثبت بقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات"، وقوله: "وجوزه الرازي عند دليل آخر" (٣) مما لا وجه له، إلا أن يكون القياس استظهارًا وإيضاحًا؛ لأنه محال أن يعلم شيء بدليلين إلا على ما بيناه،
стр. 1186
وذلك لا يخالف أحد فيه، واستنادهم في ذلك على تأخر معجزاته عن ثبوت نبوته ليس بشيء إذ المعجزات المتأخرة ليست مثبتة للنبوة، بل هي إما لمعاند لم يقنع بنوع منها، أو لطالب مسترشد لم يسبق له رؤية معجزة، أو إظهارًا لكرامته بتكاثر معجزاته، ولهذا ترى من كان منهم أعظم شأنًا كان أكثرهم معجزة، وأنور برهانًا، ولو كان الدليل الأخير مثبتًا كان المفضول منهم أحرى بتلك المعجزات.
ولا يشترط في حكم الفرع أن يكون أصله في الجملة ثابتًا بنص، وثبت تفاريعه، وتفاصيله بالقياس (١)، خلافًا / ق (١٠٢/ أمن أ) لقوم زعموا ذلك منهم أبو هاشم.
قائلين: لولا ثبوت ميراث الجد في الجملة لما جاز توريثه مع الأخوة قياسًا (٢)، وهذا باطل: لأن الأقيسة من الصحابة إلى آخر المجتهدين ثابتة من غير تفصيل واعتبار زيادة.
стр. 1187
ولا يشترط - أيضًا - انتفاء نص، أو إجماع يوافق القياس (١)، خلافًا للغزالي، والآمدي (٢).
وقد عرفت أنه الصواب: إذ لو كان القياس مسبوقًا بنص، أو إجماع لم يكن له وجه إلا الاستظهار لا تحصيل الحكم، وإن شئت زيادة التحقيق، قلت: دلائل الفقه أمارات، ومعرفات، ولا شك أن الأمارات تفيد الظن، والظن قابل للشدة والضعف، فلا مانع من توارد الأمارات والعلامات.
وكذلك الدلائل العقلية، المفيدة للقطع، واليقين، إن قلنا: إن اليقين قابل للشدة والضعف، كما هو المذهب المنصور في زيادة الإيمان، أي: نفس التصديق، نعم لو كانت الدلائل عللًا، مؤثرات في الإيجاد لاستحال الإيجاد مرتين، ولكن لا مؤثر بهذا المعنى سوى الله تعالى، وقولهم في باب القياس: علل مؤثرة يريدون بذلك اعتبار الشارع إياها لا التأثير بالمعنى بالمذكور.
стр. 1188
باب العلة
قال: "الرابع: العلة".
أقول: لما فرغ من الأصل، والفرع شرع في بيان الوصف الجامع بينهما (١)، فنقل له تعاريف مزيفة، واختار تعريفه بأنه المعرف للحكم، أي: علامة له حيث وجدت، وجد الحكم، كالإسكار للحرمة (٢)، فعلى هذا الحكم مضاف إلى العلة، خلافًا لأبي حنيفة، فإنه مضاف إلى النص عنده، لأن النص يدل على الحكم صريحًا، والعلة مظنونة (٣).
стр. 1189
قال الغزالي - في المستصفى -: "هذا نزاع لا تحقيق تحته، فإنا لا نعني بالعلة إلا باعث الشارع على الحكم (١)، فالتحريم في الخمر بالنص، لكن إضافة الحكم إليه تعلل بالشدة".
وقيل: العلة: المؤثر بذاته، وهذا على أصل الاعتزال من أن الحسن والقبح لذات الشيء (٢).
وقال الغزالي: "العلة - عند الفقهاء - ما نصبه الشارع علامة على الحكم" (٣).
الآمدي: هي الباعث على الحكم لا الأمارة المجردة (٤)، وقال: قول الشافعية: حكم الأصل ثابت بالعلة يريدون أنها باعثة عليه، ولم يرتض المصنف ذلك ونقل عنه أشد الإنكار، وقال: لا باعث لله على فعل، إذ أفعاله لا تعلل، وما وقع في عبارة الفقهاء من أنها علة باعثة، معناها باعثة للمكلف على الامتثال (٥).
стр. 1190
وهذا كلام لا وجه له من وجوه:
الأول: أن الأشاعرة، وإن لم يقولوا: بأن فعله معلل بالغرض (١)، لكنهم مطبقون على أن أفعاله مشتملة على حكم، ومصالح لعباده لا تحصى.
الثاني: أن قوله: "المراد بالباعث، باعث المكلف على الامتثال"، كلام مخترع لم يسبقه أحد إليه، وكيف نطبق قول الغزالي: لا نعني بالعلة إلا باعث الشارع، على ما ذكره.
الثالث: أن الحق - في المسألة تعليل فعله تعالى بالغرض عند الأشعري -: هو عدم وجوب تعليل كل فعل منه لا سلبه عن جميع أفعاله، ولذلك شرع الحدود، والكفارات، وبهذا يندفع الإشكال عن نصوص كثيرة، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٣٢]، ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨].
وما يقال: لو كان فعله لغرض لزم الاستكمال، باطل: لأن الغرض عائد إلى العباد، لا إليه، فلا استكمال، وسيأتي في (٢) / ق (١٠٢/ ب من أ) كلام المصنف ما يدل على اعترافه به معنى، وإن لم يقل به صريحًا.
стр. 1191
والعلة قد تكون دافعة، لا رافعة، كالعدة، فإنها تدفع حل النكاح من غير (١) / ق (١٠١/ ب من ب) الزوج، ولا ترفع الحل، كما في وطء الشبهة، فإن عدة الشبهة لا ترفع الزوجية، أو بالعكس، كالطلاق، فإنه يرفع الحل الحاصل، ولا يدفع الوارد بعد العدة، أو تجمع الأمرين، كالرضاع، فإنه مانع من النكاح، وإن طرأ قطع النكاح، إذا وجد بشروطه (٢). وهذا كلام لا مساس له بالمقام، إنما أورده زيادة في الإفادة، وإلا فالقياس ليس مشروطًا بشيء منها.
قوله: "وصفًا حقيقيًا".
أقول: إلحاق الفرع بالأصل يتوقف على وجود الجامع بينهما ولكن الأمر المهم معرفة الوصف الجامع، إذ ما من شيئين إلا وبينهما اشتراك من وجه، وإن كان في الوجود، فتميز ما يصلح عما لا يصلح، معترك الانظار، حتى قال بعض الأفاضل (٣): ماهية القياس في العلة، وما عداها
стр. 1192
شرائط ليست أركانًا، والمصنف ذكر أن من شرطه أن يكون وصفًا حقيقيًا، وهو ما لا يتوقف تعقله على تعقل غيره، كالطعم مثلًا، ولا بد وأن يكون ظاهرًا، حتى لو كان خفيًا لا يناط الحكم به، كالرضا في البيع، وسائر العقود، ولذلك نيط بصيغ العقود، وأن يكون منضبطًا، احترازًا من الظاهر الغير المنضبط، ولذلك نيط الحكم بالسفر دون المشقة، وإن كانت ظاهرة في السفر، لأن مراتبها بحسب الأشخاص والأحوال غير مضبوطة (١).
أو لا يكون حقيقيًا، بل عرفيًا مطردًا، كالشرف، والخسة، فإنها من الأمور النسبية إذ الشريف خسيس بالنسبة إلى من هو أشرف منه، لكن مطرد، لا يختلف باختلاف الأوقات، فاعتبر في الكفاءة (٢).
وكذلك: يجوز تعليل الحكم الشرعي بالأمر اللغوي، إذا جوز القياس في اللغة، مثل تعليل حرمة النبيذ بكونه مسمى بالخمر قياسًا على المشتد من ماء العنب، هذا مقصود المصنف (٣).
стр. 1193
وقد قال الإمام في المحصول: "اتفقوا على أنه لا يجوز التعليل بالاسم مثل تعليل تحريم الخمر، بأن العرب سمته خمرًا، لأنا نعلم بالضرورة أن لا أثر لهذا، وإن أريد كونه مخامرًا للعقل، فذاك راجع إلى المعنى" (١).
ويجوز أن يكون حكمًا شرعيًا، مثل تعليل جواز رهن المشاع بجواز بيعه.
وقيل: لا يجوز: لأن الحكم معلل، فكيف يكون علة (٢)؟
الجواب: لا مانع من ذلك: لأن العلة معناها المعرف، ويجوز أن يكون أحد الحكمين معرفًا للآخر، بل يجوز أن يكون كل منهما معرفًا لصاحبه.
وقيل: يجوز في الشرعي دون الحقيقي، كإثبات الحياة في الشعر قياسًا على اليد في أن كلًا منهما يحرم بالطلاق، ويحل بالنكاح.
والجواب: ما تقدم، وكون الحقيقي متقدمًا، لا يمنع كون المتأخر علة لأنها المعرف والعلامة، فلا مانع من التأخر.
стр. 1194
وكذلك: يجوز التعليل بالمركب من عدة أمور، كتعليل القصاص بالقتل العمد العدوان، بلا شبهة، إذ المعرف للشيء، كما يكون بسيطًا، يكون مركبًا.
وقيل: لا يجوز ذلك: لأن كل واحد من تلك الأجزاء إذا لم [يكن] (١) صالحًا، فالمجموع كذلك (٢)، وقد يورد مثله على الخبر المتواتر.
والجواب: أن للهيئة الاجتماعية تأثيرًا لا يوجد في الآحاد، كما في طاقات الحبل، وأجزاء العشرة، والإمام الغزالي لم ينقل في ق (١٠٣/ أمن أ) جوازه خلافًا (٣)، لكن الإمام - في المحصول - أطنب في البحث، ولظهور فساد قول المخالف أعرضنا عن ذلك الإطناب (٤).
وقيل: يجوز أن يكون مركبًا بشرط أن لا يزيد على خمسة أوصاف، حكى الإمام عن الشيخ الشيرازي سبعة، وقال: "لا أعرف لهذا الحصر حجة" (٥).
стр. 1195
قوله: "ومن شروط الإلحاق بها".
أقول: من شروط الوصف الجامع أن يكون مشتملًا على حكمة باعثة للمكلف على الامتثال، وتكون شاهدة لربط الحكم بالعلة، مثل حفظ النفوس، فإنه الحكمة في نوط وجوب القصاص بعلته إلى هي القتل العمد، العدوان، وهذه العلة هي الباعثة للمكلف على الامتثال، فيقاس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد لاشتراكهما في العلة المشتملة على الحكمة (١).
وإذا تقرر وجوب الاشتمال على الحكمة، فالمانع لعلية الوصف ما يكون مخلًا بحكمتها، كالدين، فإنه وصف وجودي يخل لحكمة ملكية النصاب التي هي علة وجوب الزكاة، لأن الحكمة هي الاستغناء، والمدين ليس مستغنيًا لأن ماله مرصد لوفاء الدين، وهذا المثال صحيح عند من يجعل الدين مانعًا.
هذا، وقد علمت أن الباعثة عند المحققين ما تشتمل على حكمة مقصودة للشارع من شرع الحكم من تحصيل مصلحة، أو دفع مفسدة، وأن ما ذهب إليه المصنف تكلف بلا فائدة (٢).