والعلة قد تكون دافعة، لا رافعة، كالعدة، فإنها تدفع حل النكاح من غير (١) / ق (١٠١/ ب من ب) الزوج، ولا ترفع الحل، كما في وطء الشبهة، فإن عدة الشبهة لا ترفع الزوجية، أو بالعكس، كالطلاق، فإنه يرفع الحل الحاصل، ولا يدفع الوارد بعد العدة، أو تجمع الأمرين، كالرضاع، فإنه مانع من النكاح، وإن طرأ قطع النكاح، إذا وجد بشروطه (٢). وهذا كلام لا مساس له بالمقام، إنما أورده زيادة في الإفادة، وإلا فالقياس ليس مشروطًا بشيء منها.
قوله: "وصفًا حقيقيًا".
أقول: إلحاق الفرع بالأصل يتوقف على وجود الجامع بينهما ولكن الأمر المهم معرفة الوصف الجامع، إذ ما من شيئين إلا وبينهما اشتراك من وجه، وإن كان في الوجود، فتميز ما يصلح عما لا يصلح، معترك الانظار، حتى قال بعض الأفاضل (٣): ماهية القياس في العلة، وما عداها
стр. 1192
شرائط ليست أركانًا، والمصنف ذكر أن من شرطه أن يكون وصفًا حقيقيًا، وهو ما لا يتوقف تعقله على تعقل غيره، كالطعم مثلًا، ولا بد وأن يكون ظاهرًا، حتى لو كان خفيًا لا يناط الحكم به، كالرضا في البيع، وسائر العقود، ولذلك نيط بصيغ العقود، وأن يكون منضبطًا، احترازًا من الظاهر الغير المنضبط، ولذلك نيط الحكم بالسفر دون المشقة، وإن كانت ظاهرة في السفر، لأن مراتبها بحسب الأشخاص والأحوال غير مضبوطة (١).
أو لا يكون حقيقيًا، بل عرفيًا مطردًا، كالشرف، والخسة، فإنها من الأمور النسبية إذ الشريف خسيس بالنسبة إلى من هو أشرف منه، لكن مطرد، لا يختلف باختلاف الأوقات، فاعتبر في الكفاءة (٢).
وكذلك: يجوز تعليل الحكم الشرعي بالأمر اللغوي، إذا جوز القياس في اللغة، مثل تعليل حرمة النبيذ بكونه مسمى بالخمر قياسًا على المشتد من ماء العنب، هذا مقصود المصنف (٣).
стр. 1193
وقد قال الإمام في المحصول: "اتفقوا على أنه لا يجوز التعليل بالاسم مثل تعليل تحريم الخمر، بأن العرب سمته خمرًا، لأنا نعلم بالضرورة أن لا أثر لهذا، وإن أريد كونه مخامرًا للعقل، فذاك راجع إلى المعنى" (١).
ويجوز أن يكون حكمًا شرعيًا، مثل تعليل جواز رهن المشاع بجواز بيعه.
وقيل: لا يجوز: لأن الحكم معلل، فكيف يكون علة (٢)؟
الجواب: لا مانع من ذلك: لأن العلة معناها المعرف، ويجوز أن يكون أحد الحكمين معرفًا للآخر، بل يجوز أن يكون كل منهما معرفًا لصاحبه.
وقيل: يجوز في الشرعي دون الحقيقي، كإثبات الحياة في الشعر قياسًا على اليد في أن كلًا منهما يحرم بالطلاق، ويحل بالنكاح.
والجواب: ما تقدم، وكون الحقيقي متقدمًا، لا يمنع كون المتأخر علة لأنها المعرف والعلامة، فلا مانع من التأخر.
стр. 1194
وكذلك: يجوز التعليل بالمركب من عدة أمور، كتعليل القصاص بالقتل العمد العدوان، بلا شبهة، إذ المعرف للشيء، كما يكون بسيطًا، يكون مركبًا.
وقيل: لا يجوز ذلك: لأن كل واحد من تلك الأجزاء إذا لم [يكن] (١) صالحًا، فالمجموع كذلك (٢)، وقد يورد مثله على الخبر المتواتر.
والجواب: أن للهيئة الاجتماعية تأثيرًا لا يوجد في الآحاد، كما في طاقات الحبل، وأجزاء العشرة، والإمام الغزالي لم ينقل في ق (١٠٣/ أمن أ) جوازه خلافًا (٣)، لكن الإمام - في المحصول - أطنب في البحث، ولظهور فساد قول المخالف أعرضنا عن ذلك الإطناب (٤).
وقيل: يجوز أن يكون مركبًا بشرط أن لا يزيد على خمسة أوصاف، حكى الإمام عن الشيخ الشيرازي سبعة، وقال: "لا أعرف لهذا الحصر حجة" (٥).
стр. 1195
قوله: "ومن شروط الإلحاق بها".
أقول: من شروط الوصف الجامع أن يكون مشتملًا على حكمة باعثة للمكلف على الامتثال، وتكون شاهدة لربط الحكم بالعلة، مثل حفظ النفوس، فإنه الحكمة في نوط وجوب القصاص بعلته إلى هي القتل العمد، العدوان، وهذه العلة هي الباعثة للمكلف على الامتثال، فيقاس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد لاشتراكهما في العلة المشتملة على الحكمة (١).
وإذا تقرر وجوب الاشتمال على الحكمة، فالمانع لعلية الوصف ما يكون مخلًا بحكمتها، كالدين، فإنه وصف وجودي يخل لحكمة ملكية النصاب التي هي علة وجوب الزكاة، لأن الحكمة هي الاستغناء، والمدين ليس مستغنيًا لأن ماله مرصد لوفاء الدين، وهذا المثال صحيح عند من يجعل الدين مانعًا.
هذا، وقد علمت أن الباعثة عند المحققين ما تشتمل على حكمة مقصودة للشارع من شرع الحكم من تحصيل مصلحة، أو دفع مفسدة، وأن ما ذهب إليه المصنف تكلف بلا فائدة (٢).
стр. 1196
وقوله: "وأن يكون ضابطًا لحكمة"، تكرار لأنه تقدم كون الوصف منضبطًا مشتملًا على حكمة. بقي الكلام في نفس الحكمة، هل تجوز أن تكون العلة نفس الحكمة؟
فيه مذاهب ثلاثة: أحدها: الجواز مطلقًا، والثاني: عدمه مطلقًا، والثالث: إن كانت منضبطة/ ق (١٠٢/ أمن ب) جاز، وإلا فلا (١).
وظاهر كلام المصنف عدم الجواز مطلقًا، وعلل ذلك بعض شارحي (٢) كلامه: بأن الحكمة بمعنى المصلحة المقصودة لشرع الحكم، متأخرة عن الحكم في الوجود، فكيف يعرف الشيء بما لا يوجد إلا بعد وجوده؟
وهذا كلام باطل: لأن العلة بمعنى المعرف والعلامة لا تقتضي التقدم في الوجود، بل الدليل العقلي، كذلك، كالعالم للصانع.
стр. 1197
والحق: هو التفصيل، لأنها إذا كانت منضبطة، ونحن نعلم قطعًا أن قصد الشارع من شرعه الحكم هي تلك الحكمة، فإذا لم تنضبط يعدل إلى مظنتها، كالمشقة مع السفر، وأما إذا كانت منضبطة، فلا وجه للمنع.
ومن شروط العلة: أن لا تكون عدمًا في الثبوتي، كما هو المختار عند الآمدي خلافًا للإمام، وعكسه على ما في المتن سهو (١).
واعلم أن الصور الممكنة أربع: تعليل الثبوتي بالثبوتي، مثل حرمة الخمر بالإسكار، والعدمي بالعدمي، كعدم نفاذ التصرف لعدم العقل، والعدمي بالثبوتي، كعدم نفاذ التصرف للإسراف، وهذه الثلاثة مما لا نزاع فيها.
وعكس الأخيرة، وهو تعليل الثبوتي بالعدمي، هو محل النزاع:
الأكثرون على جوازه، ومختار المصنف -، وفاقًا للآمدي - عدم الجواز (٢).
стр. 1198
لنا - على مختار المصنف -: أن العدم المعلل به إما محض، أو مضاف، وكون الأول غير صالح واضح لأن نسبتها إلى الكل على السواء لا اختصاص له بمحل، وحكم، وما هذا شأنه لا يعقل كونه علة، وأما العدم المضاف إلى شيء، فلأن وجود ذلك الشيء، إما منشأ لمصلحة، أو مفسدة، أو لا يكون شيئًا منهما، وعلى الأول: لا يجوز أن يكون عدمه علة لاستلزامه تقوية (١) / ق (١٠٣/ ب من أ) تلك المصلحة.
وعلى الثاني: يكون عدم ذلك الأمر عدم مانع، وعدم المانع ليس من العلة في شيء، بل لا بد معه من وجود المقتضي.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون عدمه عدمًا للمانع، ومنشأ لمصلحة؟ تكون هي المقتضي لا بد لنفيه من دليل، وأما إذا لم يكن وجود الأمر منشأ مصلحة، ولا مفسدة، فإما أن يكون منافيًا لمناسب، أو لا، فإن كان الأول، فوجود ذلك الأمر يستلزم عدم المناسب لعدم جواز اجتماع المتنافيين، ولا بد أن يستلزم عدمه وجود المناسب، وإلا لارتفع النقيضان، فيكون عدم ذلك الأمر الوجودي مظنة لوجود المناسب فيصلح علة. لكنا نقول: لا يصلح: لأن المناسب الذي عدم الأمر الوجودي مظنته إن كان ظاهرًا، فهو العلة، ولا عبرة بالمظنة عند وجود العلة نفسها، وإن كان المناسب غير صالح لخفائه، فنقيضه أعني الوجودي الذي عدمه مظنه خفي، أيضًا، لأن النقيضين سيان في الجلاء، والخفاء، وفيه بحث من وجهين:
стр. 1199
الأول: قولكم: لا بد، وأن يستلزم عدم الأمر الوجودي، وجود المناسب، إنما يتم لو كانت العلل الشرعية مطردة وليس كذلك، كما سيأتي في كلامه ذلك.
الثاني: قولكم: النقيضان سيان جلاء وخفاء، ممنوع، لم لا يجوز أن يكون أحدهما أجلى بواسطة تكرره، وإلف النفس به؟ كيف، وقد تقرر أن الوجودات أجلى من العدمات! ؟
ولا شك أن أحد النقيضين عدم والآخر وجود، هذا، مع أنه لا فرق بين قولنا: علة الإجبار البكارة، وقولنا: علته عدم الإصابة، وكذلك علة الولاية على مال المجنون الجنون، أو عدم العقل، وكذلك كون المعجز معجز معلل بالتحدي، وانتفاء المعارض.
قولهم: انتفاء المعارض شرط لا جزء، قلنا: لو كان شرطًا لتعقل الإعجاز بدونه، وليس كذلك، ولا نعني بالجزء إلا هذا.
قوله: "والإضافي عدمي"، الوصف الإضافي: هو الذي يتوقف تعقله على تعقل وصف آخر، كالأبوة، والبنوة (١)، والإضافي بهذا المعنى عدمي عند المتكلمين.
قوله: "ويجوز التعليل بما لا يُطَّلَع على حكمته".
стр. 1200
أقول: التعليل بما لا يطلع على حكمته (١) جائز؛ لأن التعبدي ليس الذي لا حكمة فيه، بل ما لم يطلع على حكمته، ومن هذا يلزم أن الحكمة هي الباعثة للشارع على شرع الحكم، لا للمكلف على الامتثال، وهذا ما قلنا سابقًا: إن المصنف يعترف به معنى، وإن أنكره لفظًا (٢)، هذا إذا لم يقطع بنفي الحكمة، فإن قطع في مثل استبراء الصغيرة، فإن الاستبراء شرع لتيقن براءة الرحم، وهو مفقود في الصغيرة.
فقال الغزالي: الحكم للمظنة، والمظان لا يجب اطرادها، ألا ترى أن السفر لما كان مظنة المشقة نيط به الحكم، وهو جواز الفطر، والقصر، مع أن الملك المرفه في المحفة لا مشقة عليه.
وقال الجدليون: لا عبرة بالمظنة مع تحقق المئنة (٣)، والحق: الأول هو اللائق بالأصولي: لأن غرض ضبطه القواعد لا ملاحظة الأفراد.
والثاني بالجدلي: لأن بحثه إنما يكون في المسائل / ق (١٠٢/ ب من ب) الجزئية بنصب الخلاف فيها.
стр. 1201
قوله: "والقاصرة".
أقول: اختلف في جواز التعليل بالقاصرة (١)، منعه طائفة منهم أبو حنيفة ﵀ والحق: الجواز.
ومحل النزاع إنما هو غير المنصوصة والمجمع / ق (١٠٤/ أمن أ) عليها إذ بهما صحيح اتفاقًا، ونقل المصنف عن طائفة الخلاف (٢) مطلقًا.
стр. 1202
لنا - على المختار -: أن ظن المجتهد حاصل بأن الحكم لأجلها، ولا نريد بالصحة إلا ذلك، كما في المنصوص عليها.
قالوا: لم يرد نص من الشارع باعتبارها، ولا فائدة فقهية تتوقف عليها، فالقول بها لغو.
الجواب: إن قلتم: إن فائدة العلة إثبات الحكم في الفرع، فالحصر ممنوع، وإن قلتم: إن لا فائدة في ذلك رأسًا، فذلك خروج عن الإنصاف، بل هناك فائدتان:
إحداهما سرعة الإذعان، لأن النفوس إلى قبول الأحكام الجارية على العلل أميل منها إلى قبول التعبد البحت.
قال الغزالي: ولذلك شرع الوعظ، واستحب ذكر محاسن الشريعة (١).
الفائدة الثانية: أن العلة المتعدية إذا وجدت مع القاصرة لا يجوز إعمالها إلا بعد الترجيح، وزاد المصنف فائدة أخرى ذكرها الإمام في البرهان، وهي تقوية النص الدال على الحكم إذا كان ظاهر الدلالة على الحكم، فإنها تصونه عن التأويل (٢)، وأخرى نقلها عن والده، وهي حصول الأجر بإيقاع الفعل لأجلها، مع حصول الأجر بقصد الامتثال (٣).
стр. 1203
وعندي في هذا نظر: لأن امتثال الأمر في التعبدي أحمز، وأشق على النفس من المعلل، فزيادة الأجر أوفق بأصول الشرع لقوله ﷺ : "أفضل الأعمال أحمزها" (١)، وإذا كان العلة محل الحكم، أو جزءَه الخاص، أو وصفه اللازم لا يمكن التعدية، فهذه الثلاثة من فروع التعليل بالقاصرة لأنها لا توجد بدونها (٢).
مثال الأول: تعليل حرمة الربا في النقدين بكونهما نقدين.
ومثال الثاني: تعليل نقض الوضوء في الخارج من السبيلين بالخروج منهما.
ومثال الثالث: تعليل حرمة الربا في النقدين بكونهما قيم الأشياء، وقيد الجزء بالخاص، احتراز من الجزء العام، لأنه لا يكون علة إلا في المتعدية، وكان عليه أن يقيد اللازم - أيضًا - بالخاصة، لأن اللازم العام، كالجزء العام.
стр. 1204
قوله: "ويصح التعليل بمجرد الاسم اللقب".
أقول: اختلف في تعليل الحكم (١) بمجرد الاسم، كتعليل حرمة الخمر بكونه خمرًا. اختار المصنف - وفاقًا للشيخ أبي إسحاق الشيرازي - أنه يجوز ذلك. وخالفه الإمام على ما قدمنا، ونقل الاتفاق على ذلك (٢).
استدلوا على الجواز بقول الشافعي - في بول ما يؤكل لحمه -: نجس، لأنه بول كبول الآدمي (٣)، وكذا نقل الجواز عن الإمام أحمد (٤).
والحق: ما ذهب إليه الإمام من الاتفاق، على منع ذلك، لأنا قد قدمنا أن العلة لا بد من اشتمالها على الباعث، إما للشارع على شرع الحكم،
стр. 1205
أو للمكلف على الامتثال، ولا يعقل كون لفظ الخمر موضوعًا بإزاء عصير العنب المشتد، هو الباعث بأحد المعنيين، أي: للشارع، أو للمكلف، حتى لو فرض أنه لم يسم بذلك لانتفت الحرمة. وما نقلوه عن الشافعي من قياس بول ما يؤكل لحمه على بول الآدمي ليس العلة عنده أن بول الآدمي نجس عنده: لأن العرب سمته بالبول حتى لو سمته بشيء آخر لانتفى الحكم، بل لأن بول الآدمي قد ثبت نجاسته بالنص، وهذا بول مثله.
فقوله: لأنه بول فشابه بول الآدمي اقتصار في الكلام لوضوح المقام حتى لو قيل - للشافعي -: لم كان بول الآدمي نجسًا بالنص؟ لم يتصور أن يقول: لكون اسمه بولًا عند العرب، هذا في اللقب (١) / ق (١٠٤/ ب من أ) الخالي عن المعنى أما المشتق، فلا معنى للخلاف فيه، لإشعاره بعلية المشتق منه (٢)، وأما نحو الأبيض، والأسود من الصفات، فذلك من الشبه الصوري، وسيأتي الكلام عليه قبولًا، وردًا.
قوله: "وجوز الجمهور التعليل بعلتين".
أقول: ذهب الجمهور إلى جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين لا تتوقف إحداهما على الأخرى (٣).
стр. 1206
وقيل: لا يجوز (١).
ابن فورك، والإمام (٢): في المنصوصة دون المستنبطة، وهو مذهب القاضي (٣). وعكسه، وفي الجواز في المستنبطة دون المنصوصة ذكره ابن الحاجب (٤)، وتركه المصنف.
стр. 1207
إمام الحرمين: يجوز عقلًا لكن لم يقع (١).
وقيل: يجوز مع التعاقب دون الجمع، والصحيح - عند المصنف - الامتناع عقلًا مطلقًا (٢)، ومما يجب التنبه له أن الخلاف إنما هو في الواحد بالشخص: كقتل زيد بالردة، والزنى، وحدث عمرو باللمس، والمس، صرح بذلك الآمدي (٣).
لنا - على مختار المصنف - لو جاز تعدد العلل المستقلة، لكان كل واحدة منها مستقلة بالغرض غير مستقلة.
بيان ذلك: أنا قد فرضنا استقلالها بإثبات الحكم، وثبوته بغيرها ينافي الاستقلال.
ويرد عليه: أن معنى الاستقلال ليس ثبوت الحكم بها في الواقع، بل لو انفرد كانت كذلك.
стр. 1208
ولنا - أيضًا - لو لمس، ومس في آن واحد يلزم التناقض، وهو ثبوت الحكم بكل، وعدم ثبوته بشيء منهما؛ لأنه لو حصل بواحدة منهما امتنع الحصول بالأخرى، فالحصول بالكل مستلزم / ق (١٠٣/ أمن ب) لعدم الحصول (١).
ويرد عليه: أن ليس معنى الاستقلال الانفراد بالتأثير حال الاجتماع، بل بحيث لو انفردت كانت مستقلة، وهذه الحيثية لا تفارقها، وفي هذا نظر: لأن الاستقلال بهذا المعنى مجاز لا يصار إليه إلا بدليل.
ولنا - أيضًا - لو جاز توارد العلل المستقلة لزم اجتماع المثلين. إن وجدت معًا، أو تحصيل الحاصل إن تعاقبت، وكلاهما محال.
أما الأول: فلأنه يوجب اجتماع النقيضين: لأن المحل بكل منهما مستغن عن كل منهما، فيكون مستغنيًا عنهما غير مستغن، وهو اجتماع للنقيضين.
وإن تعاقبتا، والغرض تأثير كل منهما، وهو تحصيل الحاصل.
ويرد عليه: أن معنى الاستقلال هو كونهما بحيث لو انفردت كانت مؤثرة لا التأثير في الواقع: لأنه مشروط بارتفاع المانع، والمصنف اعتبر الاستقلال في الواقع، ولذلك حكم بالتناقض وجزم به.
وبما ذكرنا من معنى الاستقلال يظهر دليل الجمهور على الجواز، إذ اللمس، والمس، والبول، والمذي كل واحد بحيث لو انفرد لكان مستقلًا.
стр. 1209
فإن قلت: قد ذكرت أن الخلاف إنما هو في الواحد بالشخص، والقتل بالردة، والقصاص على زيد ليس واحدًا بالشخص:
لأن أحدهما حق الله، والآخر حق العبد.
قلت: تعدد الإضافة لا يوجب التعدد، ولذلك يضاف الحكم الواحد إلى أحد الدليلين تارة، وإلى الآخر أخرى.
المجوز في المنصوصة دون المستنبطة: أن المنصوصة صارت علة بنص الشارع، فلا بد من القول بها بخلاف المستنبطة، فلا تتعين، فيجعل المجموع علة.
ورد بأن نظر المجتهد كنص الشارع.
وعكس هذا، وهو الجواز في المستنبطة دون المنصوصة:
لأن المنصوصة قطعية، فلو تعددت لزم / ق (١٠٥/ أمن أ) المحال المذكور سابقًا، بخلاف المستنبطة، لجواز أن يكون المجموع هو العلة - عند الشارع -، وقد عرفت الجواب.
قال الإمام - في البرهان -: "نحن نقول: تعليل الحكم الواحد بعلتين ليس محالًا - عقلًا - نظرًا إلى المصالح الكلية، لكنه محال شرعًا، وإمكانه من طريق العقل في غاية الظهور، فلو كان ثابتًا شرعًا لوقع، ولو نادرًا على مر الدهور، وإذا كان الأمر على ذلك لاح كفلق الصبح أنه محال شرعًا" (١).
стр. 1210
ثم صحح هذا الدعوى بأن ما يتوهم فيه اتحاد الحكم، كالقتل، والحدث في المثالين المذكورين ليس كما يتوهم، بل الحكم فيه متعدد (١).
وجوابه: أنك إن أردت جواز التعدد لا يجديك نفعًا: لأنك في مقام الاستدلال، وإن أردت إقامة الدليل عليه أنى يتيسر لك ذلك! ! ؟
وقد علمت جواب من جوز التعاقب دون الاجتماع: لأن في الاجتماع يلزم التناقض مما تقدم من معنى الاستقلال هو كونها بحيث لو انفردت لاستقلت.
وتحرير هذه المسألة على هذا الوجه من نفائس الأبحاث.
قوله: "والمختار وقوع حكمين بعلة".
أقول: ما تقدم كان تعليل الحكم بعلتين، وهذا عكسه.
والمختار وقوع ذلك إن كان الوصف بمعنى الباعث، واتفاقًا إن اكتفى بكونه أمارة مجردة (٢)، وإذا ثبت الوقوع فالجواز أولى.
стр. 1211
لنا - على ذلك -: السرقة فإنها علة للقطع زجرًا له عن العود، وأمثاله عن الإتيان بمثل ما أتى، والتغريم جبرًا لصاحب المال.
وفي النفي: كحرمة الصلاة، والطواف، والصوم بالحيض.
قالوا: يلزم تحصيل الحاصل: لأن المصلحة الواحدة، قد حصلت بالحكم الواحد فلا يمكن تحصيلها ثانيًا بالحكم الآخر.
الجواب: يجوز تعدد المصالح كتعدد الأحكام كما ذكرنا في السارق، أو لا يحصل إلا بالحكمين كما في الزاني إذ الزجر التام لا يحصل إلا بالجلد، والتغريب، هذا إذا لم يكونا متضادين (١).
فأما إذا كانا متضادين (٢)، فعند قوم لا يجوز: لأن الشيء الواحد لا يناسب الضدين.
стр. 1212
الجواب: منع ذلك: لجواز تعدد الجهات فيهما.
قال الإمام: "تعليل المتضادين بعلة واحدة إنما يجوز، إذا كانا مشروطين بشرطين لا يجتمعان، وأما إذا جاز اجتماع الشرطين، فالتعليل محال: لأنهما إذا اجتمعا لم تكن العلة بأحدهما أولى من الآخر" (١).
قوله: "ومنها أن لا يكون ثبوتها متأخرًا".
أقول: من شروط العلة أن لا تكون متأخرة عن حكم الأصل سواء فسرت بالباعث، أو بالمعرف (٢): لأن الباعث، والمعرف لا يعقل تأخره، كما يقال: عرق الكلب نجس، كلعابه، فيمنع نجاسة لعابه.
فيقال: لأنه مستقذر (٣)، فإن الاستقذار يتوقف على النجاسة.
стр. 1213
وقد وقع - في شرح المولى المحقق (١) -: فيمنع كون عرقه نجسًا (٢)، وهو سهو.
والصواب: لعابه لأنه الأصل الذي وقع البحث فيه.
لا يقال: يجوز تعدد البواعث، والعلامات: لما تقدم، فيجوز التأخر عند وجود آخر: لأنا نقول: الكلام في انتفاء الباعث مطلقًا والمعرف رأسًا. ومن شروط العلة - أيضًا -: أن لا تعود على الأصل بالإبطال، أي: إبطال حكم الأصل المعلل بها، فإن بطلان الأصل يستلزم بطلان فرعه.
مثاله: قوله ﷺ : "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء"، وهذا يشمل القليل، والكثير (٣)، / ق (١٠٥/ ب من أ) وعلل الحنفية الحرمة بالكيل، فخرج القليل الذي لا يكال، فقد أبطل حكم الأصل، ولهم عن هذا اعتذار، وهو أن المساواة المذكورة في الحديث لا يمكن اعتبارها في المكيلات إلا بالكيل، فالأصل مقيد بالكيل معنى (٤).
فعللوه (١) / (١٠٣/ ب من ب) بدفع حاجة الفقير، فجوزوا دفع القيمة، فأفضى إلى إبطال الأصل، وهو وجوب الشاة، ولزم التخيير.
هذا، وأما عودها على الأصل بالتخصيص، فقولان للشافعي، نحو قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] فإنه علل الحكم بمظنة الاستمتاع الذي لا يخلو عادة عن خروج الخارج، فخرجت المحارم، وهذا أظهر قوليه.
والثاني: النقض عملًا بالعموم (٢).
وأما العود بالتعميم، فجائز اتفاقًا نحو: "لا يقضي القاضي، وهو غضبان" (٣)، فإنه معلل بتشويش الفكر، فيعم الغضب وسائر المشوشات (٤)
стр. 1216
ومن شروط العلة - إذا كانت مستنبطة -: أن لا تعارض بمناف في الأصل لا يوجد ذلك في الفرع (١).
وإنما قيد بالمستنبطة: لأن المنصوصة، أو المجمع عليها، إذا قارنها أخرى مثلها كالخؤولة، والعمومة في الرضاع، وكالمس واللمس في الوضوء [لا] (٢) تعارض بينهما: لأن الشرع قد جعل كل واحدة علة على حيالها، بخلاف مظنون المجتهد إذ بظهور أخرى مثلها يجب التوقف كالشهادة إذا عورضت بأخرى يجب التوقف فيها، حتى إذا ترجحت لا يحتاج إلى إعادة الدعوى: لأنها لا تبطل بالمعارض.
واعلم: أن هذا مبني على ما اختاره المصنف من عدم جواز تعدد العلل، وإلا فعند جوازها لا يعارض هذا في المعارض في الأصل.
أما في الفرع: بأن تثبت فيه علة أخرى توجب الحكم، بخلاف القياس. مثاله: مسح الرأس ركن في الوضوء يسن تثليثه كغسل الوجه، فيعارض بأنه مسح لا يسن تثليثه مثل التيمم، ومسح الخف، ومختار المصنف أن مثل هذا لا يوجب بطلان العلة، وقد تقدم من كلامه أن المعارضة في الفرع مقبولة، وأراد بذلك أنها تمنع القياس لا أنها تقدم في العلة.
стр. 1217
ومن شروط العلة: أن لا تخالف نصًا ولا إجماعًا: لأنهما مقدمان على القياس.
مثال النص، والإجماع (١) ما قيل (٢): إن الملك لا يعتق في إفساد صوم رمضان لسهولته عليه (٣)، بل يصوم، فإن هذا مخالف لهما (٤).
стр. 1218
ومن شروطها - إذا كانت مستنبطة -: أن لا تتضمن زيادة على الأصل، أي: حكمه (١): لأنها إنما تعلم، وتؤخذ من حكم الأصل، فلو أثبت بها حكم الأصل كان دورًا، بخلاف المنصوصة، فإنها تعلم بالنص، فلا مانع من إثبات الزيادة بها.
وبما ذكرنا تبين فساد ما اختاره المصنف من شرط المنافاة وفاقًا للآمدي (٢).
وسقط ما يوهم من بناء هذا على أن الزيادة على النص نسخ، وهو مذهب الحنفية (٣).
стр. 1219
ومن شروطها: تعيين الوصف المدعى عليته (١)، ولا يكتفى بمطلق الاشتراك في أي أمر كان، ولم يذكره أكثر الفضلاء لوضوح أمره.
ومنها أن لا تكون وصفًا مقدرًا بل محققًا.
كما نقول: جواز التصرف بالبيع، ونحوه معلل بالملك، والملك مقدر (٢) لا وجود له (٣).
فيقال: الملك وصف محقق اعتبره الشرع، وليس من لوازم المحقق أن يكون موجودًا محسوسًا كالعلم والقدرة / ق (١٠٦/ أمن أ) كما تقرر في علم الكلام.
стр. 1220
ومنها: أن لا يتناول دليلها حكم الفرع بعمومه أو خصوصه (١).
مثال الأول: قوله ﷺ : "الطعام بالطعام مثلًا بمثل" فإنه دال على أن الطعم هو العلة، فيتناول المطعومات على السواء، فلو قيس التفاح على البر كان تطويلًا بلا فائدة.
ومثال الخصوص ما ورد في الحديث: "من قاء، أو رعف فليتوضأ" (٢) فلو قيس الرعاف على الخارج من السبيلين، كان خاليًا عن الفائدة.
والحديث يرويه ابن جريج (٣) عن أبيه عن جده، عن رسول الله ﷺ ، وأبوه ليس له صحبة، فالحديث منقطع.
стр. 1221
فإن قلت: قد تقدم من كلامه أن شرط القياس أن لا يكون الفرع منصوصًا بموافق خلافًا لمُجَوِّزِ دليلين ثم قال: ولا يشترط انتفاء نص على ما يوافقه، وقد ذكر هنا أن من شرط العلة أن لا يتناول دليلها حكم الفرع بعمومه، أو خصوصه فما التوفيق، وما حاصل كلامه أولًا، وآخرًا؟
قلت: قد ذكر المصنف في شرح المختصر أن النص الدال على ثبوت الحكم في الفرع إن كان هو الدال على حكم الأصل بعينه، فالقياس باطل إذ ليس جعل أحدهما أصلًا، والآخر فرعًا أولى من العكس (١) لأن دلالة النص فيهما على السواء.
وإما أن يكون غيره بأن يرد نص يدل على ثبوت الحكم بخصوصه، ثم يوجد نص دال على أصل شاركه الفرع في علته، فهذا يبنى على أن ترادف الأدلة على مدلول واحد يجوز أم لا؟
стр. 1222
فالأكثرون على جوازه، وبهذا يظهر أن قوله: ولا يكون منصوصًا بنص موافق هو الذي يتناول الأصل والفرع نص واحد.
وما جوزه ثانيًا هو الذي يكون النص الدال على ثبوت الحكم في الفرع غير النص الدال على حكم الأصل، إلا أن تعليله في المتن لا يوافق مقصوده، لأن جواز الثالث وفاق لمجوزي دليلين، لا أن منع الأول خلاف لهم: لأن القياس في الأول باطل، فلا دليل إلا النص.
فلو قال: وشرط حكم الفرع أن لا يكون منصوصًا، ويجوز بنص وإجماع يوافقه، وفاقًا لمجوزي دليلين على مدلول واحد خلافًا للغزالي (١)، والآمدي، نسلم من هذا كله، واستقام كلامه من كل وجه.
هذا وأما قوله: "وأن لا يتناول دليلها حكم الفرع بعمومه، أو خصوصه"، كلام آخر ساقه في شرط العلة لا تعلق له بما سبق: لأنه من شروط العلة، وما تقدم من شروط حكم الفرع.
قوله: "والصحيح لا يشترط القطع بحكم الأصل".
أقول: هذه أمور شرطها بعضهم في العلة، والصحيح خلافه.
منها: أن يكون الحكم في المستنبطة مقطوعًا به، وليس بشيء: لأن أكثر الأقيسة أصولها ظنية (٢).
стр. 1223
ومنها: مخالفة مذهب الصحابي لأن مذهبه ليس بحجة من الحجج الشرعية (١).
ومنها: القطع بوجودها في الفرع، وهو باطل أيضًا (٢)، إذ القياس دليل ظني يكفي فيه وجود العلة بحسب ظن المجتهد، وهل يشترط انتفاء المعارض للعلة التي أبداها المستدل؟
الصحيح عند المصنف اشتراطه لابتنائه على جواز التعليل بعلتين، ومختاره عدم الجواز.
قوله: "والمعارض هنا".
أقول: قد تقدم في شروط الفرع قبول المعارضة، وقيد المعارض بما يقتضي نقيض الحكم، فأشار بقوله هنا إلى أن المعارض يطلق تارة (٣) بمعنى المنافي على ما تقدم، وأخرى بشرط عدم التنافي، بل بمعنى الوصف الصالح للعلية، كوصف المعارَض بفتح الراء، أي:
стр. 1224
المستدل فكلا الوصفين في الأصل مسلم، وإنما النزاع في الاعتبار، وجعله علة الحكم، ويظهر أثر ذلك في الفرع.
مثاله: التفاح إذا قيس على البر في الربا بعلة الطعم، فللمعترض أن يقول: جاز أن تكون العلة في الأصل الكيل، فلا يكون التفاح ربويًا، وله أن يدعي أن المجموع هو العلة.
وهل يلزم المعترض نفى الوصف الذي ادعى عليته عن الفرع؟
قيل: يلزم وإلا لثبت الحكم به في الفرع، وثم مقصود المستدل.
وقيل: لا يلزمه إذ قصده هدم ما ادعى المستدل استقلاله بالعلية، وهذا هو المختار عنده.
وقيل: إن فرق المعترض بين الأصل والفرع بأن قال بالربا في البر دون التفاح يلزمه ذلك، وإلا فلا، وإلى هذا ذهب ابن الحاجب (١). وما اختاره المصنف أظهر لأن القصد من المعارضة هدم دليل المستدل، وقد حصل، والتعرض لحكم الفرع زيادة استظهار. وفي عبارة ابن الحاجب لزوم بيان نفى الوصف (٢)، وحذف المصنف لفظ البيان ناقلًا عن والده أن النفي جاء لازمًا، ومتعديًا، فإذا كان لازمًا، فهو وصف الشيء المنفي، وإذا كان متعديًا، فهو فعل المعترض هكذا نقل عنه.
стр. 1225
وأنت خبير بأن لزوم البيان عند القائل بلزومه، لا يتفاوت سواء كان النفي فعل المعترض، أو وصف الشيء بمعنى الانتفاء: لأن كلًا منهما لا يصح بدون الدليل عند ذلك القائل.
وبعض الشارحين (١) زاد في كسر القارورة وقال: إذا كان النفي بمعنى الانتفاء، فالإثبات بمعنى الثبوت، فهما نقيضان، وإذا كان فعل المعترض، فيقابله الإثبات فهما ضدان.
وهذا كلام من لم يدر ما معنى الضد، والنقيض: لأن الضدين هما الأمران الوجوديان اللذان لا يجتمعان في موضوع واحد من جهة واحدة (٢). فالنفي بأي معنى أخذ لا يكون ضدًا لانتفاء الوجود فيه، بل كلا المعنيين من قبيل الإيجاب والسلب، فهما نقيضان.
ولم يرض بما خبط حتى زعم أن عبارة المصنف أحسن، وتفرع على ما ذكر عدم احتياج المعارض إلى أصل يبين اعتبار الوصف الذي أبداه: لأنه لا يدعى عليته استقلالًا ليحتاج إلى شهادة أصل لأن الاحتمال كاف.
وأيضًا فإن أصل المستدل أصله، كما إذا قال: العلة إما الطعم، أو الكيل، أو كلاهما، كما في البر، فلا معنى لمطالبته بأمر مسلم قد تحقق.
قوله: "وللمستدل".
стр. 1226
أقول: إذا تقرر أن المعارضة ما هي، وصح قبولها فخلاص المستدل، وإتمام دليله بوجوه:
الأول: منع وجود الوصف كما إذا عارض علية طعم البطيخ بالكيل، فنقول: لا نسلم كونه مكيلًا.
وسند المنع الاتفاق على أن العبرة بزمنه ﷺ [ومنها: القدح بكونه خفيًا، أو غير منضبط] (١).
ومنها: مطالبته بالتأثير بأن يقال: لم قلت: إن الكيل مؤثر؟ وإنما يسمع هذا من المستدل إذا كان مثبتًا للعلة بالمناسبة، أو الشبه.
وأما إذا أثبت بالسبر فلا: لأن الوصف يدخل في السبر لمجرد الاحتمال.
ومنها: أن يبين اعتبار وصفه في صورة مستقلًا بظاهر نص أو إجماع.
مثاله: إذا عورض علية الطعم بالكيل.
نقول: قد ثبت اعتباره في قوله: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء".
وكما إذا قال: يهودي تنصَّر أو بالعكس يقتل؛ لأنه بدل دينه كالمرتد، فيعارض بالكفر بعد الإيمان.
فنقول: قد اعتبر بالنص في موضع آخر علية الوصف، وهو التبديل مطلقًا لقوله: "من بدل دينه فاقتلوه".
стр. 1227
وهذا إنما يقبل لو لم يتعرض للتعميم، وأما إذا تعرض له وقال: فإذا ثبت ربوية كل مطعوم، واعتبار كل تبديل للحديث لم يسمع: لأن ذلك إثبات للحكم بالنص لا بالقياس، وليس من تعميم القياس في شيء.
واعلم أن عطف القدح في الوصف عَلَّ المنع من عطف الخاص على العام؛ لأن القدح منع مقدمة معينة مثل منع كون الوصف ظاهرًا أو منضبطًا، ويسمى عند المناظرين نقضًا تفصيليًا.
والمنع قد يكون بنقص إجمالي، كما يقول المعارض: دليلك ليس بتام، وهذا يحتمل أن يكون لعدم الوصف رأسًا، أو لخفائه، مع وجوده، أو لخلل آخر في مقدمة من المقدمات المعتبرة في الوصف، ولذلك لم يُعدِ المصنف حرفَ الجر بخلاف الثالث، والرابع لاستقلال كل منهما، ولهذا أعاد الجار.
وبعض الشارحين (١) غفل عن رجوع القدح إلى المنع، فجعله طريقًا عامًا، مع أنه ذكر أن المراد قدح خاص: لأن المنع أيضًا قدح، وله خبط كثير في هذا الموضع أعرضنا عنه.
قوله: "ولو قال: ثبت الحكم".
بمعنى لو قال المستدل -في جواب المعارضة-: قد ثبت الحكم عند انتفاء وصفك، هل يكون ذلك جوابًا صحيحًا؟ فيه تفصيل.
стр. 1228
وهو أن الوصف الذي اعتبره إن كان موجودًا في تلك الصورة، فما قاله جواب لوجود الانعكاس في وصفه دون وصف المعارض فتبطل عليته. وأما إذا لم يكن وصفه موجودًا لا يكون جوابًا: لأنه كما تبطل علية وصف المستدل تبطل علية وصفه أيضًا لعدم الانعكاس.
وهذا مبني على ما اختاره من عدم جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين وقيل: لم يكف مطلقًا سواء كان معه وصفه، أو لا، لأن الحكم في تلك الصورة ربما كان معللًا بالوصف الآخر.
والحق أنه يكفى، لأن المعترض لم يعتبر ذلك علة، والمستدل قد أثبت علية ما ذكره من غير مانع.
وعند (١) المصنف أنه ينقطع في الصورة التي لا يوجد وصف المستدل فيها: لأنه إما أن يشترط الانعكاس، أو لا، فإن شرط فواضح، لأنه وجد الحكم بدونه، فلا انعكاس، وإن لم يشترط، فلأن إيرادها للقدح في وصف المعارض قادح في وصفه أيضًا.
ومحصل كلامه أن القدح في أحدهما قدح في الآخر، وإذا قدح في وصف نفسه فقد اعترف ببطلانه.
وأقول: هذا وهم منه، لأن المستدل قد أثبت علية الوصف، ومعارضة المعارض لم تبطل علية ذلك الوصف، غايته التوقف.
стр. 1229
فإذا بطل علية وصف المعارض بوجود الحكم في تلك الصورة، فقد زال ذلك القدر من التوقف المانع العارض للدليل.
وقد سلم المصنف أن الانعكاس فرضناه غير مشروط.
وبعض الشارحين (١)، قد زعم أن عبارة ابن الحاجب ظاهرة في المذهب الثاني، وأنه ليس جوابًا، سواء وجد وصف (٢) المستدل في تلك الصورة، أم لا، ونقل عبارة ابن الحاجب وهى قوله: "ولا يكفي إثبات الحكم في صورة دونه" (٣)، ولم يدر أن عبارته صريحة في فساد ما نسبه إليه: لأن قوله لا يكفى بدونه، دال على أنه كاف معه دلالة، لا يتوقف فيها أحد.
وقوله: "ولو أبدى المعترض" إلى آخره.
أقول: إذا عدم وصف المعارض في صورة، وأبدى وصفًا آخر في تلك الصورة خلفًا عنه يسمى تعدد الوضع: لأن التعليل في أحدهما بالباقي على وضع، أي: مع قيد، وفي الآخر مع وضع آخر، أي: قيد آخر، ويزول فائدة إلغاء المستدل وصف المعارض، لوجود خلفه، ويستمر البحث إلى أن يبدي وصفًا يعجز المستدل عن إلغائه، أو يلغي جميع ما أبداه، فتكون الهزيمة في معركة النظر على المعترض.
стр. 1230
مثال ذلك: ما يقول الشافعي: أمان العبد صحيح: لاحتوائه الإسلام، والعقل، وهما مظنتان لبذل الأمان.
فيول المعترض: معارض بالحرية، فإنها مظنة فراغ القلب الملائم للنظر والرأي، فالحرية جزء العلة.
فيقول المستدل: لو كانت الحرية معتبرة لما صح أمان العبد المأذون، مع أنه صحيح اتفاقًا.
فيقول المعترض: إذن السيد بدل عن الحرية، لكون العبد حينئذ فارغ القلب فيما يتصدى له.
قال المصنف: إلغاء المستدل الخلف معتبر إلا في صورتين:
إحداهما: دعوى القصور بأن يقول: ما أبديته علة قاصرة، فإنه لا يقبل هذا الإلغاء، لأن العلة القاصرة معتبرة، أو إذا سلم وجود المظنة، ثم زعم ضعف المعنى، كما إذا سلم أن الردة علة القتل.
فيقول المعترض: قيد الرجولية معتبر لأن الرجل مظنة الإقدام على قتال المسلمين.
فيقول المستدل: الرجل مظنة، ولكن لم تعتبر تلك المظنة، وإلا لم يقتل المرتد المقطوع اليدين لأنه أضعف من النساء، وإنما لم تقبل منه، لأنه سلم المظنة إلى اعتبرها الشارع في ربط الأحكام، وضعف المعنى غير قادح.
ألا ترى أن السفر لما كان مظنة المشقة نيط به الرخص، وترفه الملوك لا يمنع تلك الرخص.