← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 132415

الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (1 869 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

أقول: إذا تقرر أن المعارضة ما هي، وصح قبولها فخلاص المستدل، وإتمام دليله بوجوه: الأول: منع وجود الوصف كما إذا عارض علية طعم البطيخ بالكيل، فنقول: لا نسلم كونه مكيلًا. وسند المنع الاتفاق على أن العبرة بزمنه ﷺ [ومنها: القدح بكونه خفيًا، أو غير منضبط] (١). ومنها: مطالبته بالتأثير بأن يقال: لم قلت: إن الكيل مؤثر؟ وإنما يسمع هذا من المستدل إذا كان مثبتًا للعلة بالمناسبة، أو الشبه. وأما إذا أثبت بالسبر فلا: لأن الوصف يدخل في السبر لمجرد الاحتمال. ومنها: أن يبين اعتبار وصفه في صورة مستقلًا بظاهر نص أو إجماع. مثاله: إذا عورض علية الطعم بالكيل. نقول: قد ثبت اعتباره في قوله: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء". وكما إذا قال: يهودي تنصَّر أو بالعكس يقتل؛ لأنه بدل دينه كالمرتد، فيعارض بالكفر بعد الإيمان. فنقول: قد اعتبر بالنص في موضع آخر علية الوصف، وهو التبديل مطلقًا لقوله: "من بدل دينه فاقتلوه".

стр. 1227

وهذا إنما يقبل لو لم يتعرض للتعميم، وأما إذا تعرض له وقال: فإذا ثبت ربوية كل مطعوم، واعتبار كل تبديل للحديث لم يسمع: لأن ذلك إثبات للحكم بالنص لا بالقياس، وليس من تعميم القياس في شيء. واعلم أن عطف القدح في الوصف عَلَّ المنع من عطف الخاص على العام؛ لأن القدح منع مقدمة معينة مثل منع كون الوصف ظاهرًا أو منضبطًا، ويسمى عند المناظرين نقضًا تفصيليًا. والمنع قد يكون بنقص إجمالي، كما يقول المعارض: دليلك ليس بتام، وهذا يحتمل أن يكون لعدم الوصف رأسًا، أو لخفائه، مع وجوده، أو لخلل آخر في مقدمة من المقدمات المعتبرة في الوصف، ولذلك لم يُعدِ المصنف حرفَ الجر بخلاف الثالث، والرابع لاستقلال كل منهما، ولهذا أعاد الجار. وبعض الشارحين (١) غفل عن رجوع القدح إلى المنع، فجعله طريقًا عامًا، مع أنه ذكر أن المراد قدح خاص: لأن المنع أيضًا قدح، وله خبط كثير في هذا الموضع أعرضنا عنه. قوله: "ولو قال: ثبت الحكم". بمعنى لو قال المستدل -في جواب المعارضة-: قد ثبت الحكم عند انتفاء وصفك، هل يكون ذلك جوابًا صحيحًا؟ فيه تفصيل.

стр. 1228

وهو أن الوصف الذي اعتبره إن كان موجودًا في تلك الصورة، فما قاله جواب لوجود الانعكاس في وصفه دون وصف المعارض فتبطل عليته. وأما إذا لم يكن وصفه موجودًا لا يكون جوابًا: لأنه كما تبطل علية وصف المستدل تبطل علية وصفه أيضًا لعدم الانعكاس. وهذا مبني على ما اختاره من عدم جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين وقيل: لم يكف مطلقًا سواء كان معه وصفه، أو لا، لأن الحكم في تلك الصورة ربما كان معللًا بالوصف الآخر. والحق أنه يكفى، لأن المعترض لم يعتبر ذلك علة، والمستدل قد أثبت علية ما ذكره من غير مانع. وعند (١) المصنف أنه ينقطع في الصورة التي لا يوجد وصف المستدل فيها: لأنه إما أن يشترط الانعكاس، أو لا، فإن شرط فواضح، لأنه وجد الحكم بدونه، فلا انعكاس، وإن لم يشترط، فلأن إيرادها للقدح في وصف المعارض قادح في وصفه أيضًا. ومحصل كلامه أن القدح في أحدهما قدح في الآخر، وإذا قدح في وصف نفسه فقد اعترف ببطلانه. وأقول: هذا وهم منه، لأن المستدل قد أثبت علية الوصف، ومعارضة المعارض لم تبطل علية ذلك الوصف، غايته التوقف.

стр. 1229

فإذا بطل علية وصف المعارض بوجود الحكم في تلك الصورة، فقد زال ذلك القدر من التوقف المانع العارض للدليل. وقد سلم المصنف أن الانعكاس فرضناه غير مشروط. وبعض الشارحين (١)، قد زعم أن عبارة ابن الحاجب ظاهرة في المذهب الثاني، وأنه ليس جوابًا، سواء وجد وصف (٢) المستدل في تلك الصورة، أم لا، ونقل عبارة ابن الحاجب وهى قوله: "ولا يكفي إثبات الحكم في صورة دونه" (٣)، ولم يدر أن عبارته صريحة في فساد ما نسبه إليه: لأن قوله لا يكفى بدونه، دال على أنه كاف معه دلالة، لا يتوقف فيها أحد. وقوله: "ولو أبدى المعترض" إلى آخره. أقول: إذا عدم وصف المعارض في صورة، وأبدى وصفًا آخر في تلك الصورة خلفًا عنه يسمى تعدد الوضع: لأن التعليل في أحدهما بالباقي على وضع، أي: مع قيد، وفي الآخر مع وضع آخر، أي: قيد آخر، ويزول فائدة إلغاء المستدل وصف المعارض، لوجود خلفه، ويستمر البحث إلى أن يبدي وصفًا يعجز المستدل عن إلغائه، أو يلغي جميع ما أبداه، فتكون الهزيمة في معركة النظر على المعترض.

стр. 1230

مثال ذلك: ما يقول الشافعي: أمان العبد صحيح: لاحتوائه الإسلام، والعقل، وهما مظنتان لبذل الأمان. فيول المعترض: معارض بالحرية، فإنها مظنة فراغ القلب الملائم للنظر والرأي، فالحرية جزء العلة. فيقول المستدل: لو كانت الحرية معتبرة لما صح أمان العبد المأذون، مع أنه صحيح اتفاقًا. فيقول المعترض: إذن السيد بدل عن الحرية، لكون العبد حينئذ فارغ القلب فيما يتصدى له. قال المصنف: إلغاء المستدل الخلف معتبر إلا في صورتين: إحداهما: دعوى القصور بأن يقول: ما أبديته علة قاصرة، فإنه لا يقبل هذا الإلغاء، لأن العلة القاصرة معتبرة، أو إذا سلم وجود المظنة، ثم زعم ضعف المعنى، كما إذا سلم أن الردة علة القتل. فيقول المعترض: قيد الرجولية معتبر لأن الرجل مظنة الإقدام على قتال المسلمين. فيقول المستدل: الرجل مظنة، ولكن لم تعتبر تلك المظنة، وإلا لم يقتل المرتد المقطوع اليدين لأنه أضعف من النساء، وإنما لم تقبل منه، لأنه سلم المظنة إلى اعتبرها الشارع في ربط الأحكام، وضعف المعنى غير قادح. ألا ترى أن السفر لما كان مظنة المشقة نيط به الرخص، وترفه الملوك لا يمنع تلك الرخص.

стр. 1231

وقول المصنف: "بغير دعوى قصوره" مبني على مذهبه، والأولى حذفه، لأن الكلام في إلغاء وصف المعارض، وما هو الطريق فيه مطلقًا، وأما إذا لوحظ مذهب المستدل فللحنفي أن يلغى وصف المعارض بأنه قاصر. قوله: "ويكفي رجحان". أقول: إذا رجح المستدل وصفه على وصف المعارض بوجه من وجوه الترجيح، هل يكفيه ذلك؟ الصحيح عند المصنف كفايته بناء على عدم جواز العلتين كما اختاره، فإذا لم يجز العلتان، وقد ترجح وصفه، فلا مانع إذ المرجوح ساقط في مقابلة الراجح. وفيه نظر: لأنه لا مانع من الجزئية، لأن رجحان بعض الأجزاء جائز، وإن قلنا: لا يجوز التعدد، لكن ربما كانت العلة مركبة. قوله: "وقد يُعتَرَض". أقول: قد يعترض على المستدل بعد تسليم اتحاد ضابط الأصل، والفرع باختلاف الحكمة، والمصلحة في الأصل، والفرع، كما إذا قيس اللائط على الزاني في كونه مولج فرج في فرج محرم، فيحد. فيقال: الحكمة مختلفة، فإنها في الزنى اختلاط النسب، وفي اللواط رذالة الفعل، ودناءه الطبع. والجواب -عن هذا الاعتراض-: بحذف خصوص الأصل عن الاعتبار، كما يقال: خصوص الزنى ملغى، فالعلة هى القدر المشترك أو يبين أن وجود الحكمة في الفرع هى حكمة الأصل، مع زيادة، إذ في الزنى اختلاط النسب يؤدي إلى ضياع المولود، وفي اللواط إلى الهلاك بالكلية.

стр. 1232

قوله: "وأما العلة إذا كانت وجود مانع". أقول: تعليل الحكم العدمى بالوصف الوجودي، مثل تعليل عدم وجوب القصاص على الأب بمانع الأبوة، وتعليل عدم وجوب الرجم بمانع وجود العزوبة، فلا يلزم وجود المقتضى عند المصنف تبعًا للإمام. وهذا مبنى على جواز تخصيص العلة صرح بذلك الإمام في المحصول (١). وأما إذا منع ذلك لا يجوز، بل لا يعقل فضلًا عن وقوعه. استدل الجمهور على عدم جوازه: بأن عدم الحكم عند عدم المقتضى إنما هو لفقدان الموجب، لأنه لا يعقل المانع إلا إذا تحقق الموجب (٢). فإن قيل: يجوز أن يكون كل منهما علة بناء على جواز ترادف الدليلين على مدلول واحد، وتعليل حكم بعلتين. قلنا: ليس ذاك مختار المصنف (٣).

стр. 1233

مسالك العلة قوله: "مسالك العلة". أقول: الوصف الذي نيط به الحكم له مسالك صحيحة وأخرى فاسدة، شرع يبين تلك المسالك، وقدم الصحيحة لأنها المقصودة. فمنها: الإجماع، وإنما قدمه لأنه قطعي الدلالة (١)، ثم الإجماع قد يكون قطعيًا بأن نقل متواترًا، أو انعقد في عصر المستدل، وقد يكون ظنيًا بأن نقل آحادًا، أو كان سكوتيًا، أو يكون اعتبار الوصف قطعيًا لكن وجوده يكون في الأصل، أو الفرع ظنيًا، أو يدعى الخصم وجود معارض في الفرع. مثال العلة المجمع عليها: الولاية على الصغيرة في المال معللة بالصغر إجماعًا، فيقاس عليه النكاح. قوله: "الثاني النص".

стр. 1234

أقول: ثاني المسالك النص (١) إما صريح وله مراتب: أقواها ما صرح فيه بالعلة مثل: فلعلة كذا، ودونه لفظ السبب مثل: لسبب كذا، ودونه لفظ لأجل (٢) كذا، ودونه كي (٣)، وإذن (٤). هذا ترتيب دل عليه كلامه، والأمثلة كثيرة، فتأملها. وإما ظاهر (٥)، وله -أيضًا- مراتب: أقواها اللام الظاهرة (٦)، وإنما تكون ظاهرة: لأنها قد تأتي لغير التعليل

стр. 1235

كالتمليك (١)، والتوقيت (٢)، ودونها المقدرة مع أن (٣)، وإن، إذ ليس لها رتبة الظاهرة، ودونها الباء نحو: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢، ٩٥]. ودونها الفاء، ولم تكن صريحة لمجيئها لمجرد العطف من غير علة (٤)، وهي في كلام الشارع أقوى من كلام الراوي، والراوي الفقيه أولى من غيره. وهذا ترتيب المصنف مشيًا على وفقه، وإن كان في بعضها خلاف، لأن الأمر في ذلك سهل لأن الكل مسالك صحيحة. ومن الظاهر "إنَّ" المشددة (٥) نحو: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾

стр. 1236

[نوح: ٢٧] (١)، وإذ نحو: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ [المائدة: ٢٠]، ومنه حروف تقدمت في بحث الحروف. قوله: "الثالث الإيماء، وهو اقتران الوصف". أقول: ثالث المسالك الإيماء، وإنما جعله مسلكًا مستقلًا، ولم يجعله من مراتب النص الغير الصريح تبعًا للإمام (٢). والأولى ما فعله ابن الحاجب (٣) تبعًا للغزالي (٤) من عده قسمًا من النص الغير الصريح: لأنه مأخوذ من النص بلا استنباط واجتهاد، كما يظهر لك من الأمثلة التي نوردها (٥). وقد عرف الإيماء: باقتران وصف بحكم لو لم يكن ذلك الوصف علة له لكان الشارع منزهًا عن إيراده، لعلو درجته عن الإتيان بما لا يناسب المقام.

стр. 1237

مثال الوصف: الوقاع في قول الأعرابي: "واقعت أهلي في رمضان". فقال في جوابه: "اعتق (١) رقبة" (٢)، فكأنه قال له: واقعت، فكفر. وقد تقدم أن الفاء ظاهرة في العلية، إلا أنها مقدرة، فكانت من الإيماء. فلو لم يحمل على العلية لخلا السؤال عن الجواب، وتأخر البيان عن وقت الحاجة. ومثال النظير: قصة الخثعمية لما سألته: إن أبي أدركته الوفاة، وعليه فريضة الحج، فإن حججت عنه أينفعه؟ فقال ﷺ : "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه ذلك؟ قالت: نعم، قال: فدين اللَّه أحق أن يقضى". السؤال عن دين اللَّه، والجواب بدين الآدمي الذي هو نظير الوصف الواقع في السؤال، فقد نبه على أصل القياس الذي هو حق الآدمي، والفرع الذي هو حق اللَّه، والعلة المشتركة وهى نفع قضاء الدين مطلقًا. قوله: "قيل: أو المستنبط".

стр. 1238

إشارة إلى ضعف قول من قال: إذا كان الوصف مستنبطًا، سواء كان الحكم الذي علل بالوصف مستنبطًا أيضًا، أم لا، فإنه من قبيل الإيماء، وهذا القول باطل، لأن مسلك الاستنباط قسم لمسلك النص والإجماع. نعم إذا كان الوصف صريحًا مثل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فإن الحل هو الوصف، والحكم مستنبط، وهو صحة البيع، فذاك إيماء. قوله: "كحُكْمِه بعد سماع وصف". أقول: يريد ضبط أنواع الإيماء، وهى خمسة: الأول: الحكم بعد سماع الوصف كما تقدم في قصة الأعرابي والخثعمية. الثاني: ذكر الحكم، مع وصف لو لم يكن علة لما كان لذكره وجه. كقوله -في بيان طهارة الهرة-: "إنها من الطوافين عليكم" أشار إلى أن علة الطهارة هو الطواف. الثالث: التفريق بين حكمين بصفة، مع ذكرهما أو ذكر أحدهما. مثال الأول: قوله: "للفرس سهمان، وللراجل سهم" (١).

стр. 1239

إذ ذكره للحكمين، مع الوصفين يدل على كونهما علتين، وإلا لكان ذكر الوصفين بعيدًا، واكتفى بوصف واحد مثل: "القاتل لا يرث"، إذ بعد تقرر الفرائض، وانضباط الورثة يعلم أن العلة لعدم الإرث هو القتل (١). أو يفرق بين حكمين بالشرط مثل: "إذا اختلف الجنسان بيعوا كيف شئتم" (٢)، فإن شرط الاختلاف لو لم يكن علة للجواز (٣)، لكان ذكره بعيدًا عن المقام.

стр. 1240

والغاية مثل قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، إذ لو لم يكن الطهر علة لحل القربان، لكان بعيدًا (١). وبالاستثناء مثل قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فإن التفرقة بين ثبوت النصف وعدمه، لو لم تكن لعلة العفو للانتفاء لكان بعيدًا. والاستدراك نحو قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، فلو لم يكن التعقيد علة المؤاخذة لكان ذكره بعيدًا (٢). ومن الإيماء (٣): ترتيبه الحكم على الوصف نحو: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، إذ لو لم تكن السرقة علة القطع كان بعيدًا ذكرها معه، وكذا: "لا يقضى القاضي وهو غضبان" وبالجملة حيث أشعر الوصف بالعلية.

стр. 1241

وكما إذا أوجب الشارع شيئًا، ثم نهى عن شيء ربما يفوت الواجب به، فيدل على عليته، وإلا لكان بعيدًا. مثل قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، فالمنع من البيع وقت النداء لو لم يكن -لأنه مظنة فوات الواجب- لكان بعيدًا (١). ثم مناسبة الوصف المومى إليه هل يشترط؟ ثلاثة مذاهب، ليست بشرط وهو مختار المصنف والأكثرين (٢): لأن معنى العلة المعرف للحكم. الثاني: شرط واختاره الغزالي: لأن تعليل الحكم من غير مناسبة -مثل: أكرم الجاهل، وأهن العالم- قبيح (٣).

стр. 1242

الثالث -وإليه ذهب ابن الحاجب (١) -: أن ما كان التعليل مفهومًا من المناسبة مثل: "لا يقضي القاضى وهو غضبان" شرطت، لأن عدم المناسبة فيما المناسبة شرط فيه تناقض. والحق: أن من اعتبر في العلة كونها باعثة مشتملة على الحكمة، ولم يجوز مجرد الأمارة بمعنى المعرِّف يلزمه القول بالمناسبة في جميع موارد العلة بمعنى أنها موجودة، وإن لم تكن ظاهرة، وأما من اكتفى بالمعرِّف، أي: الأمارة المجردة، فلا وجه لاعتبار المناسبة عنده. قوله: "الرابع السبر". أقول: رابع مسالك العلة السبر، والتقسيم (٢). والسبر -لغة-: الاختبار (٣) يقال -لحديدة الجراح-: سِبار: لأنه يقيس به عميق الجراحات.

стр. 1243

واصطلاحًا: حصر الأوصاف الموجودة في الأصل الصالحة في بادئ الرأي للعلية في الجملة. والتقسيم: إبطال بعضها، وهو ما عدا الصالح للعلية عنده واحدًا كان، أو أكثر. فإذا سبر الأوصاف، فمنع المعترض حصره، يكفيه في الدفع أن يقول: بحثت، فلم أجد سواها صالحًا، لأنه عدل متدين لم يقل ذلك إلا بعد غلبة ظنه الانحصار، لأن الأوصاف العقلية، والشرعية التي تصلح علة، قل ما يخفى عليه بعد البحث (١)، هذا شأن المجتهد في جميع مجتهداته، ظنه واجب الاتباع. فإذا ظهر بعد ذلك الظن ما كان خافيًا عليه ليس بمستنكر منه، ولا قادحًا ذلك في كونه عدلًا، صدوقًا. قال بعض الشارحين (٢): المجتهد يرجع إلى ظنه، معناه إذا حصل له الظن بشئ، فلا يكابر نفسه (٣)، هذا، وإذا علم حقيقة السبر، وما يجب فيه من اعتبار غلبة الظن، فلو كان الحصر قطعيًا، وكذا إبطال البعض، يكون

стр. 1244

التعليل بالباقي قطعيًا، وإن انتفى قطعية أحدهما لا يكون قطعيًا، لأن قطعية المدلول موقوفة على قطعية الدليل بجميع المقدمات من جميع الجهات. قوله: "وهو حجة عند الناظر، والمناظر". أقول: مختار الجمهور: أن السبر حجة مطلقًا (١): لأن المكلف به هو الظن، وقد حصل، والإجماع على وجوب العمل بظن المجتهد. وقيل: ليس بحجة على المناظر: لأنه خصم لا يحج بقول خصمه. الجواب: بعد ثبوت السبر وانقطاعه، لا يصلح خصمًا. وقيل: حجة مطلقًا إن ثبت بالإجماع كون حكم الأصل معللًا: لأن ما عدا وصفه قد أبطل، فلو بطل وصفه أيضًا لزم خطأ المجمعين، وهو محال، وهذا مختار إمام الحرمين (٢). وقيل: ليس بحجة مطلقًا، وهذا قول واضح البطلان، حكاه في البرهان عن بعض الأصوليين (٣).

стр. 1245

وإذا تم السبر بالحصر وإبطال غير الوصف المعتبر، فللمعترض أن يقول: هنا وصف آخر صالح لم يدخله في الأوصاف، لكن المستدل بهذا القدر لا يعد منقطعًا لأنه قد منع مقدمة من مقدمات دليله، ما لم يعجز عن إبطال علية ما أبداه المعترض، وسبر جميع الأوصاف إنما يحتاج إليه إذا لم يتفقا على إلغاء ما عدا وصفي المستدل والمعترض. وأما إذا اتفقا يكفي المستدل إبطال وصف المعترض وحده، ويتم له الظفر، إذ لا حاجة إلى التعرض إلى ما ليس علة عنده، ولا عند الخصم ليكون قادحًا في علته. قوله: "ومن طرق الإبطال (١) ". أقول: من الطرق الدالة على عدم علية الوصف بيان أن الوصف طردي، أي: من جنس ما علم إلغاؤه من الشارع، إما في جميع الأحكام كالطول، والقصر، فإنه لم يعتبره في حكم من أحكام الشرع. أو يعلم إلغاؤه في ذلك الحكم المعلل كالذكورة، والأنوثة في العتق إذ هي ملغاة فيه إجماعًا مع كونها معتبرة في بعض الأحكام كالشهادة، والقضاء (٢).

стр. 1246

ومن الطرق الدالة على الإبطال أن لا تظهر مناسبة الوصف المحذوف بعد البحث لانتفاء موجب العلية (١)، بخلاف الإيماء، لأنه لا يشترط فيه المناسبة، ويكفي في عدم ظهور المناسبة قول المستدل بحثت عنه، فلم أجد فيه ما يوهم مناسبته. فإن ادعى المعترض عدم المناسبة في المستبقى أيضًا، فليس للمستدل بيان مناسبته، لأنه انتقال من السبر إلى المناسبة، ولكن له ترجيح سبره على سبر المعترض لموافقته التعدية، وسبر المعترض قاصر، والقاصرة، وإن كانت علة لكن المختار أن المتعدية أرجح. قوله: "الخامس". أقول: خامس مسالك العلة المناسبة، وتسمى إخالة (٢) أيضًا، لأنه بالنظر إلى الوصف يخال، أي: يظن أنه علة. ويسمى استخراج تلك المناسبة من الأصل تخريج (٣) المناط.

стр. 1247

والحاصل: أنها تعيين العلة في الأصل لمجرد النظر في الأصل وإبداء مناسبة بين الوصف والحكم كالإسكار، فإنه مناسب لأن يناط به الحكم، وهو التحريم، إذ بالنظر في المسكر وحكمه، ووصفه يعلم أن الإسكار علة، وشرط اعتباره سلامته عن القوادح. ولا وجه لهذا الكلام، إذ جميع العلل كذلك مشروطة بالسلامة عن القادح. ويشترط تحقق الاستقلال بالسبر، ولا يكفي قوله: بحثت فلم أجد، كما في السبر، فإنه لا طريق له هناك سوى ذلك، بخلاف هنا، إذ له طرق ثبت بها المناسبة كما سيأتي. والمناسبة وصف ملائم لأفعال العقلاء عادة، أي: بحيث يقصده العقلاء في مجاري العادة. وقيل: ما يجلب نفعًا، أو يدفع ضررًا.

стр. 1248

وهذا في التحقيق راجع إلى الأول، لأن العقلاء لا يختارون إلا ما فيه تحصيل مصلحة، أو دفع مفسدة. وكلاهما إما لدني، أو غيره، والغير إما دنيوي، أو ديني (١). وقال أبو زيد (٢) من الحنفية: "المناسب ما لو عرض على العقول لتلقته بالقبول" (٣)، وهذا أيضًا راجع إلى الأول إلا أنه لا يمكن إثباته على الخصم، إذ له أن يقول: عقلي لا يتلقاه بالقبول، وتلقي عقلك ليس حجة عليَّ. والقول (٤) بأن ذلك من الخصم غير قادح (٥) سهو، لأن الوجدانيات لا تقوم حجة على الغير.

стр. 1249

وقيل: المناسب: وصف ظاهر منضبط يحصل من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصود الشارع من حصول مصلحة، أو دفع مفسدة. وهذا أيضًا راجع إلى الأول، لأن الوصف إذا كان بهذه الحيثية لا ريب في أنه يقصده العقلاء في مجاري العادات، ولو عرض على العقول لتلقته بالقبول، فالتعاريف كلها متقاربة. والقول بأن الوصف محمول على الغالب -إذ قد تكون العلة حكمًا- لا وجه له إذ كون العلة حكمًا قد يكون في الإجماع والنص، ولا يحتاج إلى ما ذكره إلا إذا وجدت صورة يكون المناسب فيها حكمًا. قوله: "فإن كان خفيًا". أقول: هذه تتمة للتعريف الأخير أي: إذا كان الوصف المذكور غير ظاهر، أو غير منضبط، نيط الحكم بوصف ظاهر منضبط يلازم ذلك الوصف، عقلًا أو عرفًا (١). مثال الخفي: القتل العمد العدوان، فإن وصف العمدية خفي، لأنه أمر باطن لا يدرك، فنيط الحكم بما يلازم في العرف من أفعال مخصوصة يقضي العرف عليها بكونها عمدًا، مثل: استعمال الجارح في القتل. ومثال غير الظاهر المشقة في السفر، فإنها مناسب، لأن يناط بها الرخص تحقيقًا، لكنها لا تنضبط، لأنها ذات مراتب تختلف بحسب

стр. 1250

الأشخاص، والأزمان، ولا يناط الحكم بالكل، ولا يمتاز البعض عن البعض على وجه منضبط، فنيط الرخص بما يلازمها، وهو السفر. قوله: "وقد يحصل المقصود من شرع الحكم". أقول: للمناسب تقسيمات باعتبار حصول المقصود من شرع الحكم، وباعتبار نفس المقصود، فالأول، أي: حصول المقصود من الحكم المشروع خمس أقسام (١): الأول: أن يحصل المقصود منه يقينًا، كالبيع، فإن المقصود منه الملك، أو الحل، وقد وجد يقينًا. الثاني: أن يحصل ظنًا كالقصاص للانزجار، فإن الممتنعين عن القتل أكثر من المقدمين عليه. الثالث: التساوي مثل: حد الخمر للزجر، فإن الممتنعين، والمقدمين متساويان، أو متقاربان. الرابع: أن يكون عدم الحصول أرجح كتزوج الآيسة لقصد الولد، فإن الولود في الآيسات قليل، فالتعليل بالأولين متفق عليه، وبالثالث، والرابع مختلف فيه.

стр. 1251

والأصح جوازه، لأن مجرد احتمال المقصود كاف، ألا ترى أن البيع لما كان مظنة الحاجة إلى التعاوض اعتبر مناسبًا، وإن كان عدم الحاجة راجحًا في بعض صوره، وكذا اعتبر السفر مناطًا للرخص، مع أن الملك المترفه الذي يُسارُ به بحيث لا يصيبه (١) ظمأ ولا نصب (٢)، ولا مخمصة (٣) لا مشقة عنده قطعًا. الخامس: أن يكون المقصود فائتًا بالكلية قطعًا سواء كان تعبديًا، أو لا. مثال الأول: إذا تزوج شخص بالشرق بامرأة بالمغرب، وعلم عدم تلاقيهما، فهل يلحقه الولد؟ الصحيح أنه لا يلحق، لأن اللحوق إنما يكون عند المظنة، وهي حصول النطفة في الرحم، وفي الصورة المذكورة، لا مظنة للقطع بعدم شغل الرحم. مثال الثاني: إذا اشترى جارية، وباعها في المجلس للبائع الأول، فالمقصود من الحكم الذي هو وجوب الاستبراء إنما هو براءة الرحم، وهو

стр. 1252

فائت قطعًا، فلا يعتبر ذلك المقصود في هذه الصورة عند الجمهور (١)، خلافًا للحنفية لاعتبارهم ظاهر العلة من غير التفات إلى الحكمة. والخلاف إنما هو في اعتبار المقصود لا في الحكم، لأنه متفق عليه، وهو وجوب الاستبراء في الصورة المذكورة، إلا أن الشافعية يقولون: الاستبراء فيه جانب التعبد غالب، ولذلك لو اشترى بكرًا من امرأة وجب الاستبراء. وعندي أن القول بالمظنة عند الشافعية معتبر كالسفر للمشقة، ولذلك يُجوِّزون الرخص للمَلِك المترفه المقطوع بعدم مشقته، فكذا يجب أن يقولوا هنا: بالانتفاء بالمظنة على ما نقل المصنف عن الغزالي وابن يحيى (٢) في شرائط العلة عند القطع بانتفاء الحكمة اكتفاء بالمظنة.

стр. 1253

قوله: "والمناسب إما أن يكون (١) في محل الضرورة". أقول: هذا ثاني تقسيمي المناسب نظرًا إلى المقاصد التي شرعت لها الأحكام، وهي ضربان: ضروري وغير ضروري فالضروري (٢) -أيضًا- قسمان: أصل، وملحق به، فالأصل، وهو أعلى المراتب الخمسة الضرورية التي روعيت في كل ملة، وهي مراتب أيضًا: فالأول: حفظ الدين بقتل الكفار (٣). ودونه: حفظ النفس بالقصاص (٤).

стр. 1254

ودونه: حفظ العقل بحد المسكر (١). ودونه: حفظ النسب (٢) بحدّ الزنى (٣). ودونه: حفظ المال بحد السرقة (٤)، وقطع الطريق (٥).

стр. 1255

وزاد المصنف سادسًا هو في رتبة الخامس وهو حفظ العرض بحد القذف (١) لما ورد في الأحاديث الصحاح المبالغة في تحريم العرض المقارن بتحريم الدماء (٢). والحق: أن قذف العرض ليس في رتبة تلك الخمسة المحفوظ عليها في كل ملة، وإن كان كبيرة شرع فيها الحد. والقول (٣) بأن القذف يؤدي إلى الشك في النسب (٤) غلط من قائله: لأن النسب الثابت شرعًا لا يتطرق إليه الشك بقول القاذف الفاسق.

стр. 1256

والملحق بالأصل الضروري كالحد على قليل من المسكر، لأنه يدعو إلى كثيره، فشرع الحد فيه تتميمًا، وتكميلًا (١)، إذ من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. وكحرمة البدعة، والعقوبة عليها في حفظ الدين، وكتحريم النظر، والمس في حفظ النسب، وكركوب الدابة بغير إذن صاحبها، والجلوس على بساطه في حفظ المال. وغير الضروري، إما حاجي، أو غيره، والأول إما أصل أو ملحق به. فالحاجي (٢) في نفسه أصالة كالبيع، والإجارة، والقِراض، والحاجي له مراتب تتفاوت شدة وضعفًا، ولذلك عطف على البيع بالفاء.

стр. 1257

وقد يكون في بعض الصور ضروريًا كالإجارة لتربية الطفل الذي لا أم له، وكشراء المطعوم، والملبوس، فإنه ضروري من قبيل حفظ النفس، ولذلك لم تخل عنه شريعة، فإطلاق الحاجي عليها إنما هو باعتبار الأغلب. ومكمل الحاجي مثل: خيار البيع للتروِّي، فإن المقصود من شرع البيع، وإن كان حاصلًا بدونه، لكن شرع تحاشيًا عن غبن المسلم، وكذا وجوب رعاية الكفاءة، ومهر المثل، إذا زوج الولي الصغيرة، فإن مقصود الزواج، وإن كان حاصلًا بدونهما، لكن وجودهما أشد إفضاء إلى الدوام، فهما من قبيل التكميل والتتميم. وغير الحاجي هو التحسيني (١) الذي ليس ضروريًا، ولا حاجيًا، لكن فيه تحسين، أي: سلوك منهج حسن (٢)، وهو -أيضًا- قسمان:

стр. 1258

ما لا يعارضه قاعدة من القواعد (١). مثل: سلب أهلية الشهادة (٢)، والقضاء من العبيد، وإن كانوا ذوي ديانة، وعدالة. وإنما كان كذلك جريًا على العادة بين العقلاء الكمل، فإن السيد إذا كان له عبدان: أحدهما متحلي بالفضائل، والآخر دونه، فالمستحسن

стр. 1259

عرفًا أن يولي الأفضل أفضل الأمور، ويراعي حالهما، وإن كان يمكن من كل منهما الإتيان بما أتى به الآخر. وما يعارضه قاعدة: مثل الكتابة (١)، فإنها مستحسنة في العادة للتوسل إلى فك الرقاب، لكن فيه خرم قاعدة فقهية، وهي: عدم جواز بيع الشخص ماله بماله. قوله: "ثم المناسب إن اعتبر بنص، أو اجماع". أقول: هذا هو التقسيم الثالث للمناسب بحسب اعتبار الشارع، فهو بهذا الاعتبار أربعة أقسام: مؤثر: وهو ما ثبت اعتباره بنص، أو إجماع. وملائم: وهو ما ثبت اعتباره لا بنص، وإجماع بل بترتيب الحكم عليه، لكن ثبت بنص، أو إجماع اعتبار عينه في جنس الحكم، وإن لم يعتبر على أحد الوجهين، أي: بنص، أو إجماع، ولا بترتيب الحكم على الوجه المذكور، فإن دل دليل على إلغائه، فلا يعلل به، لأن الشارع أسقطه عن الاعتبار، وإن لم يدل، فهو المرسل.

стр. 1260

وقد قبل مالك المرسل مطلقًا (١)، وقد اشتهر عنه القول بالمصالح المرسلة حتى جوز ضرب المتهم بالسرقة ليقر. وقريب من قوله ما ذهب إليه إمام الحرمين، مع إنكاره على مالك فيما قاله من قبول المرسل مطلقًا (٢). ورده الجمهور مطلقًا: لعدم ما يوجب قبوله، واعتباره. وقوم في العبادات، لأنه لا اعتبار فيها للمعاني بخلاف المعاملات، والحدود، والجنايات إذا ظهر فيها معنى مناسب، وهذا كلام باطل (٣). قال المصنف: وليس من المرسل المتنازع فيه ما وجدت فيه مصلحة ضرورية كلية قطعية، لأنها مما دل الدليل على اعتباره، فهي حق قطعًا. والغزالي إنما شرط القيود الثلاثة (٤) للقطع لا لأصل القول به، فإنه صرح بأن الظن القريب من القطع كاف في أصل القبول. وقول المصنف: "وليس منه مصلحة ضرورية كلية قطعية" رد على الإمام (٥)، والآمدي، ومن وافقهم، قائلًا باعتبار المرسل في هذه

стр. 1261

الصورة (١): لأن النصوص على العموم بأن الشارع يراعى الكلي دون الجزئي، وأن حفظ الاسلام أمر كلي مقصود للشارع كثرة، وعليه الإجماع عصرًا بعد عصر إلا أن هذا ليس بقياس إذ ليس له أصل معين. وفي هذا القيد الأخير، وهو قوله: "إلا أن هذا ليس بقياس إذ ليس له أصل معين" اعتراف بحقية ما قاله الإمام، والآمدي، لأن المعلوم من الشريعة بلا خصوصية نص، أو قياس يستند إليه هو المرسل إذ ما لا دليل عليه شرعًا بوجه باطل قطعًا. هذا شرح كلام المصنف وفي ضبطه للمقام وتحرير المرام نوع خفاء. ونحن نضبط المقام بما لا مزيد عليه، ونورد الأقسام موضحة، مع أمثلتها فإن هذه المسألة من أمهات هذا العلم. اعلم أن المناسب ينقسم أولًا إلى أربعة أقسام: الأول المؤثر: وهو ما ثبت بنص، أو إجماع اعتبار عينه في عين الحكم، كتعليل الحدث بالمس (٢) الثابت بالنص، وكالولاية على الصغير في المال الثابت بالإجماع (٣).

стр. 1262

الثاني الملائم: وهو ما يكون اعتباره في محل الحكم بترتيب الشارع الحكم على وفقه فقط من غير ثبوت ذلك بنص، أو إجماع، لكن شرطه أن يثبت بنص، أو إجماع اعتبار عين ذلك الوصف في جنس الحكم. مثاله: حمل النكاح على المال في الولاية، فإن الصغر معتبر في جنس حكم الولاية إجماعًا، أو جنسه في عين الحكم، مثاله: حمل الحضر على السفر بعذر المطر في الجمع، فإن جنس الحرج معتبر في عين رخصة الجمع بالنص، أو جنسه في جنس الحكم كالجناية بأن يقال: القتل بالمثقل يوجب القصاص كالمحدد بجامع كون الجناية عمدًا عدوانًا. فالحكم جنس القصاص يشمل قصاص النفس، والأطراف، والوصف جناية العمد العدوان، وهي جنس يجمع جناية النفس (١) والأطراف وقد اعتبر جنس الجناية في جنس القصاص نصًا، وإجماعًا. الثالث الغريب (٢): وهو ما ثبت اعتبار عينه في عين الحكم، لمجرد

стр. 1263

ترتيب الحكم على وفقه، لكن لم يثبت اعتبار عينه في جنس الحكم، أو العكس، أو اعتبار جنسه في جنس الحكم بنص، ولا إجماع. مثاله: من بَتَّ طلاق زوجته في مرض الموت، لئلا ترث منه، يعارض بنقيض مقصوده كالقاتل عورض بذلك، والجامع كون كل من الفعلين محرمًا لغرض فاسد. هذا وإن كان له وجه مناسبة إلا أنه لم يشهد له أصل من نص، أو إجماع. الرابع المرسل: وهو ما لم يثبت اعتبار عينه في عين الحكم بوجه من الوجوه، وينقسم ثلاثة أقسام: ملائم، وغريب، ومعلوم الإلغاء. الملائم منه ما لم يثبت اعتبار عينه في عين الحكم بوجه، لكن علم اعتبار عينه في جنس الحكم أو جنسه في عين الحكم أو جنسه في جنس الحكم (١). والغريب: ما لم يثبت فيه شيء من ذلك، ولم يعلم إلغاؤه (٢).

стр. 1264

ومعلوم الإلغاء: ما لم يكن فيه شيء من ذلك، وعلم من الشارع إلغاؤه (١)، كإيجاب الصوم في كفارة إفساد الصوم على الملك دون الإعتاق كما فعله بعض العلماء، مع بعض الملوك، هذا وإن كان مناسبًا، لكن علم إلغاؤه بالإجماع. هذا وليعلم أن اعتبار العين في العين، أو في الجنس، أو اعتبار الجنس في العين، أو في الجنس معتبر إفرادًا، وتركيبًا، والتركيب ثنائيًا، وثلاثيًا، ورباعيًا، والجنس قريبًا، وبعيدًا، ومتوسطًا، كل ذلك متصور، ولكن شرح ذلك يحتاج إلى أمثلة يطول الكلام فيها فلا يليق بشرح هذا المختصر. وقد وقفتَ على تحقيق المقام، فعليك بضبطه يغنيك عن تطويل الكلام، وينجيك عن ظلمة الشكوك، والأوهام. قوله: "مسألة تنخرم المناسبة". أقول: قد اختلف في الحكم إذا ثبت لوصف مصلحي على وجه يلزم منه وجود مفسدة مساوية، أو راجحة على تلك المصلحة هل تنخرم المناسبة أم لا؟ المختار الانخرام، لأن العقل قاض بأنه لا مصلحة مع المفسدة، فإنك إذا قلت لصاحبك: بع هذا الفرس، فإنك إن لم تربح ما تخسر شيئًا، يعد هذا لغوًا من القول.

стр. 1265

ولو فعل المخاطب كان خارجًا عن حيز العقلاء (١). وأورد الصلاة في الدار المغصوبة، فإن صحتها تقتضى مصلحة، وحرمتها مفسدة، والمصلحة لا تزيد على المفسدة وإلا لما حرمت، فهي مساوية، أو راجحة، فلو كانت المناسبة تنخرم بالمفسدة لما صحت الصلاة إنما الكلام فيما إذا نشأتا من شيء واحد، فلو نشأتا من الصلاة وحدها لما صحت الصلاة، واللازم منتف اتفاقًا منا، ومنكم. بيان اللزوم: أن الصحة موافقة أمر الشارع، أو دفع وجوب القضاء. وعند تعارض المصلحة الباعثة على الأمر بالصلاة، والمفسدة الصارفة مساوية كانت، أو راجحة الأمر بها محال سواء انخرمت المناسبة، أم لا، وذلك: لأنهم، وإن اختلفوا في انخرام المناسبة، وبطلانها في الصورتين بمعنى عدم بقاء المصلحة إلا أنهم اتفقوا على بطلان مقتضاها، وعدم ترتب الحكم عليها. واعلم: أن جواب المستدل فيما إذا عورض بالمفسدة الراجحة، أو المساوية بالترجيح. مما يصلح مرجحًا نظرًا إلى أن ذلك المقام بخصوصه. وبالإجمال في الكل بأن يقول: لولا المصلحة التي ادعيتها لزم ثبوت الحكم بلا مصلحة، وهو باطل على رأي من شرط في العلة كونها باعثة، أو بعيد على قول من لم يشرط.
следующие страницы →