← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 132415

الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (1 869 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

الصورة (١): لأن النصوص على العموم بأن الشارع يراعى الكلي دون الجزئي، وأن حفظ الاسلام أمر كلي مقصود للشارع كثرة، وعليه الإجماع عصرًا بعد عصر إلا أن هذا ليس بقياس إذ ليس له أصل معين. وفي هذا القيد الأخير، وهو قوله: "إلا أن هذا ليس بقياس إذ ليس له أصل معين" اعتراف بحقية ما قاله الإمام، والآمدي، لأن المعلوم من الشريعة بلا خصوصية نص، أو قياس يستند إليه هو المرسل إذ ما لا دليل عليه شرعًا بوجه باطل قطعًا. هذا شرح كلام المصنف وفي ضبطه للمقام وتحرير المرام نوع خفاء. ونحن نضبط المقام بما لا مزيد عليه، ونورد الأقسام موضحة، مع أمثلتها فإن هذه المسألة من أمهات هذا العلم. اعلم أن المناسب ينقسم أولًا إلى أربعة أقسام: الأول المؤثر: وهو ما ثبت بنص، أو إجماع اعتبار عينه في عين الحكم، كتعليل الحدث بالمس (٢) الثابت بالنص، وكالولاية على الصغير في المال الثابت بالإجماع (٣).

стр. 1262

الثاني الملائم: وهو ما يكون اعتباره في محل الحكم بترتيب الشارع الحكم على وفقه فقط من غير ثبوت ذلك بنص، أو إجماع، لكن شرطه أن يثبت بنص، أو إجماع اعتبار عين ذلك الوصف في جنس الحكم. مثاله: حمل النكاح على المال في الولاية، فإن الصغر معتبر في جنس حكم الولاية إجماعًا، أو جنسه في عين الحكم، مثاله: حمل الحضر على السفر بعذر المطر في الجمع، فإن جنس الحرج معتبر في عين رخصة الجمع بالنص، أو جنسه في جنس الحكم كالجناية بأن يقال: القتل بالمثقل يوجب القصاص كالمحدد بجامع كون الجناية عمدًا عدوانًا. فالحكم جنس القصاص يشمل قصاص النفس، والأطراف، والوصف جناية العمد العدوان، وهي جنس يجمع جناية النفس (١) والأطراف وقد اعتبر جنس الجناية في جنس القصاص نصًا، وإجماعًا. الثالث الغريب (٢): وهو ما ثبت اعتبار عينه في عين الحكم، لمجرد

стр. 1263

ترتيب الحكم على وفقه، لكن لم يثبت اعتبار عينه في جنس الحكم، أو العكس، أو اعتبار جنسه في جنس الحكم بنص، ولا إجماع. مثاله: من بَتَّ طلاق زوجته في مرض الموت، لئلا ترث منه، يعارض بنقيض مقصوده كالقاتل عورض بذلك، والجامع كون كل من الفعلين محرمًا لغرض فاسد. هذا وإن كان له وجه مناسبة إلا أنه لم يشهد له أصل من نص، أو إجماع. الرابع المرسل: وهو ما لم يثبت اعتبار عينه في عين الحكم بوجه من الوجوه، وينقسم ثلاثة أقسام: ملائم، وغريب، ومعلوم الإلغاء. الملائم منه ما لم يثبت اعتبار عينه في عين الحكم بوجه، لكن علم اعتبار عينه في جنس الحكم أو جنسه في عين الحكم أو جنسه في جنس الحكم (١). والغريب: ما لم يثبت فيه شيء من ذلك، ولم يعلم إلغاؤه (٢).

стр. 1264

ومعلوم الإلغاء: ما لم يكن فيه شيء من ذلك، وعلم من الشارع إلغاؤه (١)، كإيجاب الصوم في كفارة إفساد الصوم على الملك دون الإعتاق كما فعله بعض العلماء، مع بعض الملوك، هذا وإن كان مناسبًا، لكن علم إلغاؤه بالإجماع. هذا وليعلم أن اعتبار العين في العين، أو في الجنس، أو اعتبار الجنس في العين، أو في الجنس معتبر إفرادًا، وتركيبًا، والتركيب ثنائيًا، وثلاثيًا، ورباعيًا، والجنس قريبًا، وبعيدًا، ومتوسطًا، كل ذلك متصور، ولكن شرح ذلك يحتاج إلى أمثلة يطول الكلام فيها فلا يليق بشرح هذا المختصر. وقد وقفتَ على تحقيق المقام، فعليك بضبطه يغنيك عن تطويل الكلام، وينجيك عن ظلمة الشكوك، والأوهام. قوله: "مسألة تنخرم المناسبة". أقول: قد اختلف في الحكم إذا ثبت لوصف مصلحي على وجه يلزم منه وجود مفسدة مساوية، أو راجحة على تلك المصلحة هل تنخرم المناسبة أم لا؟ المختار الانخرام، لأن العقل قاض بأنه لا مصلحة مع المفسدة، فإنك إذا قلت لصاحبك: بع هذا الفرس، فإنك إن لم تربح ما تخسر شيئًا، يعد هذا لغوًا من القول.

стр. 1265

ولو فعل المخاطب كان خارجًا عن حيز العقلاء (١). وأورد الصلاة في الدار المغصوبة، فإن صحتها تقتضى مصلحة، وحرمتها مفسدة، والمصلحة لا تزيد على المفسدة وإلا لما حرمت، فهي مساوية، أو راجحة، فلو كانت المناسبة تنخرم بالمفسدة لما صحت الصلاة إنما الكلام فيما إذا نشأتا من شيء واحد، فلو نشأتا من الصلاة وحدها لما صحت الصلاة، واللازم منتف اتفاقًا منا، ومنكم. بيان اللزوم: أن الصحة موافقة أمر الشارع، أو دفع وجوب القضاء. وعند تعارض المصلحة الباعثة على الأمر بالصلاة، والمفسدة الصارفة مساوية كانت، أو راجحة الأمر بها محال سواء انخرمت المناسبة، أم لا، وذلك: لأنهم، وإن اختلفوا في انخرام المناسبة، وبطلانها في الصورتين بمعنى عدم بقاء المصلحة إلا أنهم اتفقوا على بطلان مقتضاها، وعدم ترتب الحكم عليها. واعلم: أن جواب المستدل فيما إذا عورض بالمفسدة الراجحة، أو المساوية بالترجيح. مما يصلح مرجحًا نظرًا إلى أن ذلك المقام بخصوصه. وبالإجمال في الكل بأن يقول: لولا المصلحة التي ادعيتها لزم ثبوت الحكم بلا مصلحة، وهو باطل على رأي من شرط في العلة كونها باعثة، أو بعيد على قول من لم يشرط.

стр. 1266

قوله: "السادس الشبه". أقول: من مسالك العلة الشبه، وهو الوصف الذي يشبه المناسب، والطرد، ولذلك سمي شبهًا (١). ولم يعرفه المصنف لأنه لم يظفر بعبارة محررة في صناعة الحدود على ما قاله إمام الحرمين (٢). وعندي أنه يقال: وصف اعتبره الشارع في بعض الأحكام من غير مناسبة عقلية فيه. فيمتاز عن المناسب، فإن المناسبة فيه عقلية لازمة لذاته، وعن الطرد، لأن الشارع لم يعتبره في حكم من الأحكام، كالذكورة، والأنوثة، فإن الشارع قد اعتبرها في القضاء، والشهادة، ولم يعتبرها في البعض كالعتق في الكفارة، وأما الطرد، فلم يعتبره في شيء من الأحكام.

стр. 1267

كما لو قيل: الخل لا يرفع الخبث لأنه لا يبنى عليه القنطرة كالدهن، فإن الشارع ألغاه قطعًا. مثال الشبه: قول الشافعى ﵁: في إزالة الخبث طهارة تراد للصلاة، فلا بد من الماء، كالحدث، فإن المناسبة غير ظاهرة، لكن إذا نظر إلى اعتبار الشارع الطهارة بالماء في مس المصحف، أي: الوضوء له، وللصلاة والطواف ربما توقع في نفس المجتهد مناسبة بين كون إزالة الخبث طهارة تراد للصلاة، وبين الماء. قيل: ذلك الوصف إما مناسب، أو لا، والأول مجمع على قبوله، والثاني مجمع على رده، ولا ثالث. الجواب: منع الحصر، بل هناك ثالث كما يعلم من تعريفه. واعلم أن الشبه ثبت يحميع مسالك العلة إلا بالمناسبة فإن المناسب شرطه أن تكون مناسبته ذاتية، وشرط الشبه أن لا يكون مناسبته كذلك. قوله: "ولا يصار إليه". أقول: قد اتفقوا على أن قياس الشبه إنما يصار إليه عند من يقول به عند فقد قياس العلة. ثم القائلون به منهم من يقول به مطلقًا (١).

стр. 1268

ومنهم من اعتبر انضمام الضرورة إلى الحكم في واقعة لا يوجد فيها إلا ذلك الوصف الشبهي (١). ومنهم من شرط كون الفرع دائرًا بين أصلين يلحق بأكثرهما شبهًا وهو المنقول عن الشافعي، ونصه (٢) في الأم، وخالف من أصحابه الصيرفي، وأبو إسحاق الشيرازي، وآخرون في القول به لشبه الطرد (٣). ثم بناء على القول به أعلاه رتبة قياس علية الأشباه وهو أن يتردد فرع بين أصلين، فيلحق بأكثرهما شبهًا. مثاله: العبد المقتول تعتبر فيه القيمة بالغة ما بلغت، لأن شبهه بالمال أكثر من شبهه بالحر (٤).

стр. 1269

ثم الصوري كقياس الخيل على البغال، والحمير في عدم وجوب الزكاة لوجود الشبه الصوري (١). وقال الإمام الرازي: المعتبر في قياس الشبه حصول المشابهة بين الشيئين لعلة الحكم، أو مستلزمها سواء كان ذلك في الحكم، أو في الصورة عملًا بموجب الظن (٢). قوله: "السابع الدوران". أقول: سابع المسالك الدوران، وهو وجود الحكم عند وجود الوصف، وعدمه عند عدمه (٣)، ويقال له: الطرد، والعكس (٤).

стр. 1270

قيل: لا يفيد العلية بمجرده. وقيل: يفيد قطعًا (١). ومختار المصنف -وفاقًا للجمهور- إفادته الظن (٢). لنا -على مختاره- أن ترتب الحكم على ما له صلوح العلية وجودًا وانتفاءه عند انتفائه يوجب غلبة ظن العلية، وأورد الرائحة المخصوصة الموجودة في الخمر، فإنها موجودة حين كونه خمرًا مفقودة عند كونه عصيرًا. الجواب: قد اعتبر صلوح العلية، ولا صلاحية لتلك الرائحة بل للإسكار. وبما ذكرناه سقط جميع ما يورد من جواز كون الوصف ملازمًا للعلية، ومن كونه مجردًا عن الالتفات إلى غيره من الأوصاف وسائر المسالك لا تدل على العلية إذ كونه مشتملًا على صلوح العلية كاف في إفادة الظن. الغزالي: لا يفيد شيئًا (٣) لأن الإطراد هو أن لا يوجد الوصف بدون الحكم حتى لو وجد كان نقضًا، والنقض أحد المفسدات.

стр. 1271

ولا يلزم من انتفائه انتفاء سائرها، والعكس ليس بشرط في العلة. قلنا: عدم اشتراطه مبى على جواز التعليل بعلتين، وقد منعنا ذلك، ولو سلم، فالعلة مجموع الأمرين، ولا يلزم من عدم صلوح الأفراد عدم صلوح المجموع كما سبق مثله. قيل: الدوران موجود في المتضايفين، ولا علية. قلنا: لا يمنع ظن العلية غايته قاطع عارض ظنيًا يبطل في تلك الصورة. القائلون بإفادته قطعًا قالوا: لو دعي إنسان باسم مغضب له، ثم ترك، فلم يغضب، ثم دعى به فغضب، دل قطعًا على أنه العلة حتى الأطفال يعرفون ذلك. الجواب: الكلام فيما يصلح علة بمجرده، وفيما ذكرتم تجرده ممنوع، وفيه نظر: لأنه يلزم منه القدح في المجربات التي هي من الضروريات عند الجمهور. وإذا ثبت أنه يفيد الظن، فهل يشترط نفي ما هو أولى منه بالعلية أم لا يشترط؟ المختار: عدم الاشتراط لأنه لو لزمه ذلك للزم نفي سائر القوادح، وينتشر البحث، ويخرج الكلام عن الضبط.

стр. 1272

قال الغزالي: "إنما يجب ذلك على المجتهد إذ عليه تمام النظر لتحل له الفتوى" (١). هذا إذا لم يبد المعترض وصفًا آخر صالحًا للعلية، فلو أبداه، فإما أن يكون ما أبداه قاصرًا، أو متعديًا، فإن كان وصف المستدل متعديًا إلى فروع أكثر قدم أيضًا، وإن كان كل من الوصفين متعديًا إلى الفرع المتنازع فيه، فإن جوزنا التعليل بعلتين لا ضير، وإن منعنا يتوقف إلى الترجيم. قوله: "الثامن الطرد". أقول: ثامن المسالك الطرد، وقد عرفه بالمعنى المصدري وهو مقارنة الحكم للوصف. والأولى منه عبارة القاضي: هو الوصف الذي لا يناسب بالذات، وبالتبع (٢)، وذلك مثل ما لو قيل: الكلب حيوان له صوف يشبه الخروف، فيكون طاهرًا (٣). وكما تقدم من أن الخل لا تبنى عليه القنطرة، فلا يكون رافعًا للخبث. قال القاضي: من مارس الشريعة، وأجاز الطرد فقد استهزأ بالدين.

стр. 1273

قال فخر الإسلام البزدوي: من قال بالطرد أثبت الحكم بلا دليل (١)، ونقل المصنف كلامًا جامعًا حسنًا، وهو أن قياس المعنى مناسب، والمراد بقياس المعنى ما يكون مستدعيًا للحكم، ومؤثرًا فيه، وقياس الشبه تقريب، وقد تقدم ذلك وهو أن تكون مناسبة الوصف غير ذاتية، وقياس الطرد تحكم. وقيل: إن قارن الوصف الحكم في جميع صور الحكم أفاد العلية في صورة النزاع، وإليه ذهب الإمام في المحصول قائلًا: إنه قول كثير من الفقهاء (٢). والثالث: حجة مطلقًا. والرابع: يفيد المناظر (٣) دون الناظر، لأنه في مقام الدفع، والناظر في مقام الإثبات، وكم من شيء يصلح دافعًا، ولا يصلح مثبتًا. وزيفه الإمام في البرهان بأن الجدلي إنما يدفع بما هو حق عنده، أو عند خصمه لا بشيء قد اتفقا على بطلانه (٤). قوله: "التاسع تنقيح المناط".

стр. 1274

أقول: تاسع المسالك تنقيح المناط. المناط -اصطلاحًا-: ما ناط الشارع الحكم به من العلة الباعثة، وتنقيحه تلخيصه (١) بحذف ما يتوهم كونه فارقًا (٢) من الاعتبار، وتعميم العلة، كما في القتل العمد العدوان. فإن أبا حنيفة شرط فيه المحدد، فحذفه الشافعي عن الاعتبار وعممه في المثقل أيضًا. أو بالنظر في المحل، وجمع أوصافه، ثم حذف بعضها عن الاعتبار اجتهادًا، كما في قضية الأعرابي حين واقع في رمضان فأوجب عليه الكفارة. فيقول الشافعي: علة الكفارة إما وصف الوطء شرط صدوره عن الأعرابي، أو كون الموطؤة زوجية، أو كون الوطء واقعًا في القبل. ولا يصلح إلا الوطء مطلقًا، فإنه يوجب الجناية على الصوم وما عداه غير مناسب له. فإن قلت: أي فرق بين هذا المسلك بالمعنى الثاني ومسلك السبر؟

стр. 1275

قلت: الفرق هو أن في السبر يجب حصر الأوصاف الصالحة للعلية بأسرها وإلغاء (١) الكل سوى الذي يدعى عليته، وتنقيح المناط بالمعنى الثاني إنما يلاحظ فيه الأوصاف التي دل عليها ظاهر النص، فهو كالعام أخرج عنه البعض بالاجتهاد، والمخرج إنما هو متناول اللفظ لا غير. هذا وتحقيق المناط: هو إثبات الوصف (٢) المدعى عليته في الفرع بعد الاتفاق على أن العلة كذا كما في إلحاق النباش بالسارق بعد الاتفاق على أن العلة في السارق هو أخذ مال الغير من الحرز خفية. وتخريج المناط: قد سبق أنه استخراج المناسبة بين الوصف والحكم (٣). واعلم أن إثبات العلة في الفرع لا يلزم أن يكون بدليل قطعي كما يتبادر من لفظ تحقيق المناط.

стр. 1276

قوله: "العاشر إلغاء الفارق". أقول: عاشر المسالك إلغاء الفارق (١)، وهو أن ينظر السابر في الأوصاف، ثم يعين فارقًا تقديرًا (٢) إذ لا فارق في نفس الأمر، ويبطل كونه فارقًا بدليل إما قطعي، أو ظني. بأن يقول: لا يصلح علة لأنه طرد محض، أو قد علم إلغاؤه من الشارع. ويفارق السبر قياس العلة بأن المعين عند المستدل هو الوصف الجامع في السبر، وهنا المعين هو الفارق. مثاله: إلحاق الأمة بالعبد في العتق على ما ورد في الصحيح: "من أعتق شركًا له في عبد، وله مال يبلغ ثمن العبد، قوم عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه نصيبهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد [عتق] (٣) عليه ما أعتق" (٤)،

стр. 1277

إذ الفارق بين العبد والأمة إما أنوثة الأمة، أو كون العبد صالحًا للجهاد، والجماعات، وكل منهما ملغى في نظر الشارع؛ لأن المقصود خلاص النفس عن موت الرق. قوله (١): "خاتمة". أقول: ختم باب العلل بطريقين عدهما بعض الأصوليين علتين إحديهما تأتي القياس، وإمكان الإتيان به، مع علية الوصف المدعى عليته. فنقول: لو قيل: بعليته أمكن القياس، وإلا فلا. وهذا كلام مردود، لأن القياس لا وجود له بدون العلة فلو أثبتت بتأتي القياس كان دورًا. والحاصل: أن العلة ما لم تتحقق لا يمكن القياس، وتأتي القياس مع الوصف لا يصلح دليلًا على عليته. والثانية: عجز الخصم عن القدح في علية الوصف بوجه ما، وذلك، لأن الخصم ليس من ناظرك وحده، بل من يقدر مخالفًا، ويمكن أن يفسده مناظر آخر، وقياسهم هذا على المعجزة بأنها لما تساقط قوى المعارضين عن المقاومة، ثبت صدق المعجزة ليس بصحيح: لأن المعارضين بأسرهم عاجزون عن ذلك، فلا يتوهم، ولا يتصور قادح غيرهم (٢).

стр. 1278

الاعتراضات الواردة على القياس قوله: "القوادح". أقول: المستدل كالمحارب لا بد له من قوة، وآلة يستعين بها على الخصم، ثم قوته هى فطرته، وقابليته، وسلاحه مقدمات دليله، وكلما كان دليله أقوى كان غالبًا لا يغالب، لكن كما أن السلاح إنما يؤثر عند عدم معاوق، كذلك الدليل إنما يستلزم المطلوب إذا لم يعاوقه عائق. فالخصم له مقامات، مع المستدل (١): إما أن يقدح في مقدمة من مقدمات دليله إجمالًا، أو تفصيلًا، وإما أن يسلم صحتها، ولكن يعارضه بمثل دليله، فقد علم أن مرجع جميع الاعتراضات إلى المنع، والمعارضة.

стр. 1279

قوله: "منها تخلف الحكم". أقول: من شرط العلة الاطراد، وهو وجدان الحكم حيث وجد الوصف المدعى عليته، وعدمه يسمى نقضًا إجماليًا لعدم تعين المقدمة الممنوعة (١). وغايته: أن يقول: لو كان وصفك علة ما تخلف عنه الحكم (٢). والنقض معتبر (٣) مطلقًا عند الجمهور، وعزاه المصنف إلى الشافعي وقيل: لا يعتبر مطلقًا، بل يجعل من قبيل تخصيص العلة، وعزاه إلى الحنفية، وهو قول بعضهم (٤).

стр. 1280

قال فخر الإسلام البزدوي: "من أصحابنا من أجاز تخصيص العلل (١)، والتخصيص غير المناقضة، لأن النقض إبطال يقتضي سبق الفعل، كنقض البناء. والتخصيص بيان أن المخصوص لم يدخل، فلا يكون نقضًا". والصحيح عندهم قبوله، وأن نسبة عدم الحكم إلى عدم العلة لا إلى المانع ليكون مخصصًا. وقيل: لا يقدح في المستنبطة، لأن دليل المستنبطة اقتران الحكم فإذا انتفى بطل عليته، لعدم ثبوت الشيء بدون الدليل، بخلاف المنصوصة، فإن دليلها النص، وهو قائم في صورة التخلف. والجواب: أن اجتهاد المجتهد بمنزلة النص، والوصف لا بد له من مناسبة، مع الحكم، فلو كان صالحًا للعلية لما تخلف عنه. وقيل: لا يقدح في المنصوصة؛ لأن للشارع تاخير البيان إلى وقت الحاجة، بخلاف المجتهد حيث عين العلة (٢).

стр. 1281

فإذا تخلف الحكم ليس له أن يقول: أردت غير تلك الصورة وإلا ينسد باب المنع. والجواب: تخلف الحكم في صورة دليل عدم صلوح الوصف للعلية سواء كان طريق الثبوت النص، أو الاستنباط. وقيل: يقدح فيهما إلا إذا كان ذلك التخلف لمانع، أو فقد شرط للحكم، وعليه أكثر الفقهاء (١) لأن عدم الحكم إذا لم يكن لمانع، أو فقد شرط لا بد وأن يكون لعدم المقتضي، فلو كان الوصف علة لما تخلف عنه الحكم. وقيل: يقدح إلا أن يرد على جميع المذاهب كالعرايا، فإن جواز بيع العرايا، وارد على جميع الأقوال في ربا المطعوم، لأنها إما الطعم، أو القوت، أو الكيل، أو كونه مالًا، ومثله في الحقيقة كالمستثنى، والمعدول عن سنن القياس، وبه صرح في المحصول (٢). وقيل: يقدح في العلة المحرِّمة دون المبيحة، لأن التحريم خلاف الأصل بخلاف الإباحة.

стр. 1282

وقيل: يجوز في النص الظني إذا كان عامًا، بخلاف ما إذا كان قطعيًا، فإنه لا يمكن تخلف الحكم عنه. وكذا إذا لم يكن عامًا، بل خاصًا بمحل الحكم، لأنه لا يتصور التخلف، مع اختصاص الوصف بمحل الحكم. وقيل: يقدح في المستنبط إلا لمانع، أو فقد شرط، واختاره ابن الحاجب (١)، والدليل له ما تقدم من انتفاء الحكم إن لم يكن لمانع، أو فقد شرط، فلا بد وأن يكون لعدم المقتضي. والجواب هو الجواب. وقيل: إن كانت منصوصة بما لا يقبل التأويل، أو كان التخلف لمانع، أو فقد شرط، أو في معرض الاستثناء لم يقدح، وإلا قدح، وهو المختار عند الآمدي (٢). وعلى هذا، فالمنصوصة من غير احتمال التأويل، أو كان التخلف في المستنبطة والمنصوصة لمانع (٣)، أو فقد شرط، أو كان التخلف في معرض الاستثناء لا نقض.

стр. 1283

والمراد بالنص دليل الكتاب، والسنة مطلقًا، لا النص المصطلح، فلا يرد أن النص لا يقبل التأويل، ثم الخلاف في المسألة معنوي لا لفظي كما توهم (١). ويتفرع على ذلك بعض الأحكام: منها: التعليل بعلتين، ومنها: انقطاع المستدل، وانخرام المناسبة بالتخلف. أما كون التعليل بعلتين من فروع المسألة، فلأن التخلف نقض مطلقًا عند المصنف سواء كان لمانع، أو لا، فإذا حصل الحكم بعلة تمنع حصوله بعلة أخرى، فيكون نقضًا لتخلف الحكم عن العلة، هذا كلام المصنف في شرح مختصر ابن الحاجب (٢)

стр. 1284

وبعضهم (١) لما لم يفهم كلام المصنف هنا، ولا وقف على ما في شرح المختصر قال: تفريع هذه المسألة سهو؛ لأن الكلام في تخلف الحكم عن علته، وهذا من تخلف العلة عن الحكم (٢). ومع قطع النظر عن كلام المصنف، ما قاله هذا القائل غير معقول، لأن تخلف الشيء عن آخر يستلزم سبقه، ولا يتصور تقدم الحكم على العلة حتى تتخلف عنه. قوله: "وجوابه". أقول: على تقدير أن يكون التخلف قادحًا جوابه بوجوه: الأول: منع وجود العلة في صورة التخلف لفوات قيد مناسب بحسب اعتباره (٣). الثاني: منع انتفاء الحكم إذا لم يكن الانتفاء مذهبًا للمستدل، أو له، وللخصم (٤).

стр. 1285

الثالث: أن يبين مانعًا من ثبوت الحكم في صورة النقض (١)، وهذا إنما يستقيم عند من يجعل تخلف الحكم لمانع غير قادح. وإذا أجاب المستدل على الوجه المذكور، فليس للمعترض الاستدلال على وجود العلة في الصورة المذكورة، لأن الاستدلال ليس بمنصب له، فيلزم الانتقال، والانتشار (٢). وقيل: له ذلك، لأنه وإن كان في الصور مستدلًا، ففي المعنى مانع لعلية الوصف، ومبطل لها، فلو لم يمكن ذلك لم يتم مطلوبه. وهذا إنما يتمشى إذا كان جواب المستدل يمنع وجود العلة في صورة التخلف لا بانتفاء الحكم، أو بيان المانع (٣).

стр. 1286

وقال الآمدي: ليس له ذلك إن وجد له دليل آخر للقدح أولى من النقض، وإن لم يوجد يمكن (١) منه لإتمام مطلوبه (٢). وحكى ابن الحاجب مذهبًا آخر، وهو أنه يمكن ما لم تكن العلة حكمًا شرعيًا (٣)، بل أمر حقيقيًا، لأن الاشتغال بإثبات حكم شرعي آخر انتقال ظاهر، بخلاف غيره، فإن الانتقال فيه غير ظاهر. هذا في العلة نفسها أما لو استدل المستدل على وجود العلة في محل التعليل، بدليل موجود في محل النقض، فمنع المعترض وجود العلة في صورة النقض، فهل له أن يقول: دليلك على العلة منتقض؟ فالحق: أنه لا يسمع منه ذلك، لأنه انتقال من نقض العلة إلى دليلها. قوله: "والصواب"، تعريض بابن الحاجب حيث زعم أن القدح في دليل العلة قدح فيها (٤)، فلا يكون انتقالًا وهذا إنما يكون عند عدم الترديد. أما لو قال: أحد الأمرين لازم إما انتقاض العلة، أو دليلها كان مسموعا اتفاقًا إذ لا انتقال، غايته الاستظهار بزيادة الدليل. هذا الذي ذكرنا إذا كان جواب المستدل منع وجود العلة في صورة النقض.

стр. 1287

أما لو منع انتفاء الحكم الذي ادعاه الخصم (١) فإن كان انتفاء الحكم مجمع عليه، أو عند المستدل، فلا يسمع منه. وعندي في هذا نظر، لأن الباحث لا يلتزم مذهبًا، فيجب على الخصم إثبات ما منعه. وإذا لم يكن مجمعًا عليه، ولا مذهبه، فهل للمعترض الاستدلال على تخلف الحكم ثلاثة أقوال: له ذلك إتمامًا لمطلوبه (٢). الأصح ليس له ذلك إذ الاستدلال ليس منصبه (٣). الثالث: له ذلك ما لم يكن له طريق في القدح أولى من ذلك (٤). قوله: "ويجب الاحتراز". أقول: إذا قلنا: إن النقض قادح على ما هو المختار، فهل يجب الاحتراز عنه ابتداء أم لا يجب (٥)؟ .

стр. 1288

الأكثرون على عدم الوجوب، لأن ما يوجب الحكم هو الوصف، وقد أثبته بأحد مسالك العلية، فلا ضرورة له بغيره. ومختار المصنف التفصيل، وهو أن المستدل إما مناظر، أو ناظر، فيجب على الأول مطلقًا سواء كان من الصور المشهورة المستثناة أم لا، لأنه بصدد إلزام الخصم، ولا يمكن حصوله إلا بالمقتضي، وارتفاع المانع. وأما إذا كان ناظرًا، فلا يخلو إما أن يكون النقض بالمستثنيات المشهورة كالعرايا، فلا يجب الاحتراز عنه لأنه في حكم المذكور، لشهرته. وقيل: يجب عليه مطلقًا إذ ليس غير المذكور كالمذكور فتحسم مادة الشبهة. وقيل: لا يجب عليه في المستثنيات مطلقًا لأنها ليست محل النزاع. قوله: "ودعوى صورة معينة، أو مبهمة". لما كان النقض تخلف الحكم عن العلة، أورد بحث التناقض بين القضايا (١).

стр. 1289

وحاصله: أن الموجبة (١) الجزئية -سواء كان الحكم فيها على معين مثل زيد كاتب (٢)، أو على مبهم مثل إنسان ما كاتب (٣) - نقيضها السالبة (٤) الكلية مثل: لا شيء من الإنسان بكاتب، والعكس (٥) كذلك مثل: بعض الإنسان ليس بكاتب، أو زيد ليس بكاتب، يناقضها كل إنسان كاتب (٦).

стр. 1290

قوله: "ومنها الكسر". أقول: من القوادح الكسر، وعبر عنه الآمدي، وابن الحاجب بالنقض المكسور، وهو عبارة عن إسقاط بعض الأوصاف عن العلة إما مع إبداله بآخر، أم لا (١). فالأول: وهو إبداله بوصف، ثم نقضه كصلاة الخوف مثلًا. فنقول: صلاة يجب قضاؤها، فيجب أداؤها كما في حالة الأمن. فيقول المعترض: كونها صلاة لا أثر له في العلية، لوجوب قضاء الحج، والصوم أيضًا. فيبدل المستدل وصف الصلاة بالعبادة. فيقول: عبادة وجب قضاؤها، فيجب أداؤها فينقضه المعترض بصوم الحائض فإنها عبادة يجب قضاؤها ولا يجب أداؤها، أو بعد الإلغاء لا يبدل بوصف آخر، فيقول المعترض: لم يبق معك إلا قضاؤها، وليس كل ما وجب قضاؤه واجبًا أداؤه كصوم الحائض، فإن الأداء محرم عليها، مع وجوب القضاء، هذا شرح كلامه على ما قصده.

стр. 1291

والحق ما ذهب إليه الشيخ ابن الحاجب (١). فإن من يقول بأن الكسر قادح إنما يقوله، لأنه نقض في المعنى. توضيح ذلك: أن الحكمة المعتبرة وجدت في بعض الأوصاف في محل، وتخلف الحكم، فالتخلف هنا نظرًا إلى الحكمة، وفي النقض بالنظر إلى العلة. وإذا كان التخلف المذكور بحسب الحكمة في بعض الأوصاف فله أن يقول: العلة هي المجموع، وتخلفه عن البعض ليس من التخلف عن العلة في شيء إلا أن يبين إلغاء الباقي من الأوصاف بطريق من الطرق، فحينئذ يبطل علية المجموع، ويمكن التوفيق بين كلام المصنف، وكلامه بأن المصنف اعتبر إلغاء بعض الأوصاف، والنقض في البعض الآخر، فيخرج المجموع عن صلاحية العلة، وبه يقول ابن الحاجب، وإنما لم يقل بإبطاله إذا لم يلغ بقية الأوصاف، بل يبين وجود الحكمة في بعض الأوصاف، مع تخلف الحكم. مثاله: إذا قال: العاصي بسفره يقصر كغير العاصي بعلة المشقة، فينتقض بذي الحرفة الشاقة في الحضر لوجود الحكمة مع تخلف الحكم، وهو القصر. قال بعضهم (٢) -في شرح كلامه، وهو قوله: "الكسر إسقاط وصف من العلة، بأن يبين أنه ملغى بوجود الحكم عند انتفائه"-: ثم مثل

стр. 1292

لذلك بما مثلنا، ولم يدر أن المثال يناقض ما قاله، لأن في المثال المذكور الحكم منتف، مع وجود الحكمة التي هي المشقة في الحضر. وقد تقدم منه أن الكسر بيان إلغاء وصف من الاعتبار، مع وجود الحكم عند انتفائه، وإنما سموه نقضًا مكسورًا، لأنه بين النقض، والكسر، لأن الكسر وجود الحكمة بدون العلة، والحكم. فإن نظر إلى مجموع الأوصاف، وأن الحكمة وجدت في البعض بدون المجموع، والحكم فكسر للأوصاف. وإن نظر إلى تخلف الحكم عن ذلك البعض المشتمل على الحكمة، فهو نقض معنى لتخلف الحكم عن الحكمة الباعثة، هذا تحقيق هذا المقام بما لا مزيد عليه (١). قوله: "ومنها العكس". أقول: العكس انتفاء الحكم لانتفاء علته (٢)، وقد اختلف فيه، فشرط قوم في العلة العكس، ولم يشترطه آخرون.

стр. 1293

والحق: أنه مبني على جواز تعليل الحكم بعلتين، فمن جوزه لا يلزم عنده انتفاء الحكم لانتفاء الوصف لقيام الوصف الآخر مقامه. فإن ثبت وجود الحكم عند وجود الوصف، فيكون الوصف مطردًا أيضًا، كما كان منعكسًا، كان ذلك أبلغ في صلاحية الوصف علة لتلازمه، مع الحكم وجودًا وعدمًا. وقيل (١): معنى قوله: "أبلغ" أي: في العكسية. وقد بالغ في عكس المقصود، لأن الطرد ثبوت الحكم لثبوت الوصف، كما أن العكس (٢) انتفاؤه لانتفاء الوصف، فكل منهما مباين للآخر، فكيف يكون مقويًا له؟ والمراد بانتفاء الحكم العلم، أو الظن بانتفائه، إذ لا يلزم من انتفاء الدليل انتفاء المدلول في نفس الأمر، لأن العالم دليل الصانع، وحال عدمه كان الصانع موجودًا قطعًا، وهذا مبني على المذهب الحق، وهو أن بعض المجتهدين مصيب، وبعضهم مخطئ. ومن قال: كل مجتهد مصيب، وحكم اللَّه تابع لظن المجتهد، فعند انتفاء ظنه ينتفى الحكم. وقد مثل المصنف للعكس بقوله ﷺ حين تعجبوا في إتيان الشخص زوجته، ويؤجر على ذلك فقال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان له وزر؟

стр. 1294

قالوا: بلى قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال" (١). فقد أرشدهم في الحديث إلى أن الحكم ينتفى بانتفاء (٢) علته. وفيه نظر، لأن انتفاء الوزر لانتفاء الحرمة لا يستلزم ثبوت الأجر في الحلال، اللهم إلا أن يقال: مراده أن انتفاء الحكم، وهو الوزر، والأجر لانتفاء العلة، وهي الحرمة والحل، وشارحو كلامه لم يعترضوا عليه (٣). قوله: "ومنها عدم التأثير". أقول: من القوادح عدم التأثير، وهو عبارة عن إبداء المعترض في قياس المستدل وصفًا لا أثر له في إثبات الحكم (٤)، ومحله الوصف المناسب، فخرج قياس الشبه، لأن المناسبة غير معتبرة هناك، ولا يكون إلا في العلة المستنبطة غير مجمع عليها.

стр. 1295

وقسمة الجدليون أربعة أقسام مرتبة، وأفردوا لكل اسمًا لتمايز الأقسام. فأعلاها: إظهار عدم تأثير الوصف مطلقًا، بأن يكون وصفًا طرديًا، كما إذا علل عدم تقديم إذ إن الصبح بأنه لا يقصر كالمغرب. فيقال: عدم القصر لا تأثير له في عدم التقديم، لأنه لا مناسبة فيه، بل هو وصف طردي، ولذلك استوى ما يقصر من الصلاة، وما لا يقصر في عدم التقديم. وحاصله: مطالبة المستدل بإثبات علية ذلك الوصف، وهذا القسم يخص باسم عدم التأثير في الوصف. الثاني: -وهو دون الأول- إظهار عدم تأثير الوصف في ذلك الأصل استغناء عنه بوصف آخر، ويسمى عدم تأثير الوصف في الأصل. مثال ذلك: قول المستدل: بيع الغائب لا يصح، لكونه غير مرئي كالطير في الهواء. فيقول المعترض: كون الطير غير مرئي غير معتبر، لأن العجز عن التسليم كاف في عدم الصحة ضرورة استواء المرئي وغيره فيها. ومرجع هذا إلى المعارضة في العلة بإبداء علة أخرى للأصل، وهذا ليس مبنيًا على جواز التعليل بعلتين، كما توهمه بعضهم (١) إذ مع المعارضة لا علة أصلًا. وإذا رجحت علة المستدل، أو المعارض، فكانت هى العلة.

стр. 1296

الثالث: -وهو دون الأولين- عدم تأثير الوصف في الحكم وقسمه المصنف ثلاثة أقسام: الأول: أن يظهر عدم فائدة قيد اعتبره المستدل في العلة. مثاله: قول الحنفية -في المرتدين إذا أتلفوا ما لنا في دار الحرب-: هؤلاء مشركون أتلفوا المال في دار الحرب، فلا ضمان عليهم كالحربي، ودار الحرب وصف طردي عندهم، وعندنا، لأن من أوجب الضمان، أوجبه مطلقًا في دار الحرب وغيره. ومن لم يوجبه مطلقًا فلا فائدة في ذكره وهذا كالأول: لأن حاصله المطالبة بالتأثير، فعلى المستدل أن يثبت تأثيره. الثاني -من الأقسام الثلاثة-: أن لا يكون لذلك القيد تأثير، ولكن ضروري للمستدل اعتباره. مثاله: قوله في الاستدلال على وجوب عدد الأحجار في الاستنجاء: عبادة لم يتقدمها معصية يجب فيها العدد، كرمي الجمار، فالتقييد بعدم تقدم المعصية، وإن كان غير مؤثر، لكن ذكره ضروري لئلا ينقض بالرجم وهذا -أيضًا- راجع إلى الأول. الثالث: أن يكون له فائدة لا يضطر إليها المستدل. مثاله: الجمعة صلاة مفروضة، فلا تتوقف على إذن الإمام كسائر الفروض، فقيد الفرض حشو إذ لو حذف، -وقيل: كسائر العبادات- كان التعليل صحيحًا من غير انتقاض بشيء، لكن ذكر لقرب الشبه بين الفرضين.

стр. 1297

وفي كون ما ذكر مثل هذا الوصف قادحًا خلاف مبني على كون الضروري قادحًا، فإن اغتفر للمستدل ذكر الضروري، فهذا بالطريق الأولى إذ لا انتقاض هنا (١)، وإن لم يغتفر له ذلك، فهذا مثله. وقيل: يغتفر مطلقًا إذ لا انتقاض، غايته اشتمال كلامه على لغو. الرابع -من أقسام عدم التأثير-: عدم اطراده في الفرع الذي هو محل النزاع. مثاله -في ولاية المرأة على نفسها-: زوجت نفسها من غير كفو، فلا يصح، كما لو زوجت بغير كفو (٢). فالتزويج بغير كفو، وإن ناسب البطلان إلا أنه غير مطرد في الفرع لأن النزاع إنما هو فيمن زوجت نفسها مطلقًا بكفو، وبغيره، وهذا كالثاني، أي: كعدم التأثير في الأصل، فهي معارضة في علة الفرع، لأنه عارض كونه من غير كفو بمجرد التزويج من غير اعتبار الكفاءة. وهل يكون هذا قادحًا في العلية؟ بناه المصنف على جواز الفرض في الدليل مَن جوز ذلك قَبِله، ومن منع رده. والفرض: عبارة عن تخصيص بعض صور النزاع بالدليل كالمثال المذكور، فإن المدعي منع تزويج المرأة نفسها مطلقًا، والدليل على منعها من غير كفو.

стр. 1298

وفي التخصيص المذكور مذاهب: يجوز ذلك مطلقًا، واختاره المصنف: لأن السائل عن الكل سائل عن البعض، فإذا ثبت الحكم في البعض بعلة موجودة مناسبة، فقد أتى بدليل صحيح، غايته غير شامل لجميع الصور. وقيل: لا يجوز لأن الجواب لم يطابق السؤال. والثالث: يجوز إذا صح بناء غير محل الفرض عليه بجامع (١) بينهما. واعلم أن هذا الفرض إنما يصح إذا كان الوصف غير طردي عند المستدل كالكفاءة، وأما إذا اعترف بأنه طردي، فلا يجوز الفرض أصلًا، لأنه قائل ببطلانه، فلا يمكنه بناء الحكم عليه في شيء من الصور. قوله: "ومنها القلب". أقول: من القوادح القلب، وعرفه بأنه عبارة عن دعوى المعترض أن الذي استدل به المستدل عليه لا له على الوجه الذي أراده إن سلم أن ذلك الدليل صحيح تنزلًا. ولما قلنا: من جواز التنزل أمكن القلب مع تسليم صحة ما استدل به.

стр. 1299

وقيل: القلب (١) تسليم للدليل مطلقًا، لأن الأصل، والجامع متفق عليه بينهما إنما النزاع في ثبوت حكم الفرع به. وقيل: هو إفساد للعلة مطلقًا لأن الشيء الواحد لا يكون جامعًا بين الضدين، وهما حكم المستدل، والقالب (٢). وعلى المختار (٣) من جوز إمكان تسليم صحته، فهو معارضة مقبولة على تقدير التسليم قادح في العلية على تقدير عدمه. وقيل (٤): هو شاهد زور، كما يشهد لك يشهد عليك، فلا تكون معارضة لعدم كونه دليلًا من الطرفين.

стр. 1300

وليس هذا عين القول الذي حكاه المصنف بأن القلب إفساد للعلة على ما توهم: لأن هذا مبني على القول المختار القائل بجواز تسليم صحة ما استدل به، لتكون معارضة، فكأنه قال: لو كان تسليم الصحة شاهدًا عدلًا صلح معارضًا، لكن ليس كذلك، فلا يصلح عوض ذلك القول على منع العلية، ومرجع هذا على كونه معارضة بعد تسليم الصحة. قوله: "وهو قسمان". أقول: القلب من حيث هو قسمان: لأن القالب إما بصدد تصحيح مذهبه، أو بصدد إبطال مذهب الخصم الذي هو المستدل، والأول ضربان: أحدهما: أن يدل، مع ذلك على بطلان مذهب المستدل صريحًا، كقول الشافعي -مستدلًا-: بيع الفضولي باطل: لأنه بيع مال لا ولاية له عليه أصالة، ولا نيابة كشرائه. فيقال: تصرف في مال الغير بغير إذنه، فتلغو الإضافة، ويصح البيع كالشراء بغير الإذن، فانه يصح، ويقع عن نفسه وتلغو التسمية. الضرب الثاني: وهو الذي لا يدل على بطلان مذهب المستدل صريحًا مثل قول الحنفى -مستدلًا-: الاعتكاف لبث في محل مخصوص، فلا يكون قربة بنفسه كالوقوف بعرفة. فيقول الشافعي: لبث مخصوص، فلا يشترط فيه الصوم كالوقوف بعرفة.
следующие страницы →