← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 132415

الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (1 869 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

الثالث: -وهو دون الأولين- عدم تأثير الوصف في الحكم وقسمه المصنف ثلاثة أقسام: الأول: أن يظهر عدم فائدة قيد اعتبره المستدل في العلة. مثاله: قول الحنفية -في المرتدين إذا أتلفوا ما لنا في دار الحرب-: هؤلاء مشركون أتلفوا المال في دار الحرب، فلا ضمان عليهم كالحربي، ودار الحرب وصف طردي عندهم، وعندنا، لأن من أوجب الضمان، أوجبه مطلقًا في دار الحرب وغيره. ومن لم يوجبه مطلقًا فلا فائدة في ذكره وهذا كالأول: لأن حاصله المطالبة بالتأثير، فعلى المستدل أن يثبت تأثيره. الثاني -من الأقسام الثلاثة-: أن لا يكون لذلك القيد تأثير، ولكن ضروري للمستدل اعتباره. مثاله: قوله في الاستدلال على وجوب عدد الأحجار في الاستنجاء: عبادة لم يتقدمها معصية يجب فيها العدد، كرمي الجمار، فالتقييد بعدم تقدم المعصية، وإن كان غير مؤثر، لكن ذكره ضروري لئلا ينقض بالرجم وهذا -أيضًا- راجع إلى الأول. الثالث: أن يكون له فائدة لا يضطر إليها المستدل. مثاله: الجمعة صلاة مفروضة، فلا تتوقف على إذن الإمام كسائر الفروض، فقيد الفرض حشو إذ لو حذف، -وقيل: كسائر العبادات- كان التعليل صحيحًا من غير انتقاض بشيء، لكن ذكر لقرب الشبه بين الفرضين.

стр. 1297

وفي كون ما ذكر مثل هذا الوصف قادحًا خلاف مبني على كون الضروري قادحًا، فإن اغتفر للمستدل ذكر الضروري، فهذا بالطريق الأولى إذ لا انتقاض هنا (١)، وإن لم يغتفر له ذلك، فهذا مثله. وقيل: يغتفر مطلقًا إذ لا انتقاض، غايته اشتمال كلامه على لغو. الرابع -من أقسام عدم التأثير-: عدم اطراده في الفرع الذي هو محل النزاع. مثاله -في ولاية المرأة على نفسها-: زوجت نفسها من غير كفو، فلا يصح، كما لو زوجت بغير كفو (٢). فالتزويج بغير كفو، وإن ناسب البطلان إلا أنه غير مطرد في الفرع لأن النزاع إنما هو فيمن زوجت نفسها مطلقًا بكفو، وبغيره، وهذا كالثاني، أي: كعدم التأثير في الأصل، فهي معارضة في علة الفرع، لأنه عارض كونه من غير كفو بمجرد التزويج من غير اعتبار الكفاءة. وهل يكون هذا قادحًا في العلية؟ بناه المصنف على جواز الفرض في الدليل مَن جوز ذلك قَبِله، ومن منع رده. والفرض: عبارة عن تخصيص بعض صور النزاع بالدليل كالمثال المذكور، فإن المدعي منع تزويج المرأة نفسها مطلقًا، والدليل على منعها من غير كفو.

стр. 1298

وفي التخصيص المذكور مذاهب: يجوز ذلك مطلقًا، واختاره المصنف: لأن السائل عن الكل سائل عن البعض، فإذا ثبت الحكم في البعض بعلة موجودة مناسبة، فقد أتى بدليل صحيح، غايته غير شامل لجميع الصور. وقيل: لا يجوز لأن الجواب لم يطابق السؤال. والثالث: يجوز إذا صح بناء غير محل الفرض عليه بجامع (١) بينهما. واعلم أن هذا الفرض إنما يصح إذا كان الوصف غير طردي عند المستدل كالكفاءة، وأما إذا اعترف بأنه طردي، فلا يجوز الفرض أصلًا، لأنه قائل ببطلانه، فلا يمكنه بناء الحكم عليه في شيء من الصور. قوله: "ومنها القلب". أقول: من القوادح القلب، وعرفه بأنه عبارة عن دعوى المعترض أن الذي استدل به المستدل عليه لا له على الوجه الذي أراده إن سلم أن ذلك الدليل صحيح تنزلًا. ولما قلنا: من جواز التنزل أمكن القلب مع تسليم صحة ما استدل به.

стр. 1299

وقيل: القلب (١) تسليم للدليل مطلقًا، لأن الأصل، والجامع متفق عليه بينهما إنما النزاع في ثبوت حكم الفرع به. وقيل: هو إفساد للعلة مطلقًا لأن الشيء الواحد لا يكون جامعًا بين الضدين، وهما حكم المستدل، والقالب (٢). وعلى المختار (٣) من جوز إمكان تسليم صحته، فهو معارضة مقبولة على تقدير التسليم قادح في العلية على تقدير عدمه. وقيل (٤): هو شاهد زور، كما يشهد لك يشهد عليك، فلا تكون معارضة لعدم كونه دليلًا من الطرفين.

стр. 1300

وليس هذا عين القول الذي حكاه المصنف بأن القلب إفساد للعلة على ما توهم: لأن هذا مبني على القول المختار القائل بجواز تسليم صحة ما استدل به، لتكون معارضة، فكأنه قال: لو كان تسليم الصحة شاهدًا عدلًا صلح معارضًا، لكن ليس كذلك، فلا يصلح عوض ذلك القول على منع العلية، ومرجع هذا على كونه معارضة بعد تسليم الصحة. قوله: "وهو قسمان". أقول: القلب من حيث هو قسمان: لأن القالب إما بصدد تصحيح مذهبه، أو بصدد إبطال مذهب الخصم الذي هو المستدل، والأول ضربان: أحدهما: أن يدل، مع ذلك على بطلان مذهب المستدل صريحًا، كقول الشافعي -مستدلًا-: بيع الفضولي باطل: لأنه بيع مال لا ولاية له عليه أصالة، ولا نيابة كشرائه. فيقال: تصرف في مال الغير بغير إذنه، فتلغو الإضافة، ويصح البيع كالشراء بغير الإذن، فانه يصح، ويقع عن نفسه وتلغو التسمية. الضرب الثاني: وهو الذي لا يدل على بطلان مذهب المستدل صريحًا مثل قول الحنفى -مستدلًا-: الاعتكاف لبث في محل مخصوص، فلا يكون قربة بنفسه كالوقوف بعرفة. فيقول الشافعي: لبث مخصوص، فلا يشترط فيه الصوم كالوقوف بعرفة.

стр. 1301

فالقالب قد أثبت مذهب نفسه، وهو عدم اشتراط الصوم فيه (١)، ودل على بطلان مذهب المستدل التزامًا، لأن الصوم لازم عند الحنفي للاعتكاف (٢). وإذا ثبت عدم اشتراط الصوم فيه انتفى اللازم وانتفاؤه يدل على انتفاء الملزوم. والثاني -من قسمي القلب-: وهو الذي لإبطال مذهب الخصم أيضًا ضربان: الأول: ما يدل عليه صريحًا مثل قول الحنفي -مستدلًا-: الرأس عضو من أعضاء الوضوء، فلا يكفى فيه المسح بأقل ما ينطلق عليه اسم المسح كالوجه. فيقول: فلا يقدر إذًا بالربع كالوجه (٣). والثاني: وهو الذي يدل على إبطال مذهبه التزامًا. قوله: بيع الغائب عقد معاوضة، فيصح مع الجهل بالعوض كالنكاح.

стр. 1302

فيقول الشافعي: فلا يشترط فيه الرؤية إذًا كالنكاح، فإن خيار الرؤية لازم للبيع عنده، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم. ويلتحق بهذا القسم الأخير نوع آخر من القلب يسمى قلب المساواة عند الجمهور خلافًا للقاضي ومن تابعه، مثاله: قول الحنفى -مستدلًا في الوضوء، أو الغسل-: هذه طهارة لا يشترط فيها النية، كالنجاسة، فإن طهارتها لا تتوقف على النية عند غسلها بمائع (١). فيقول الشافعي: فيستوي جامدها، ومائعها، كالنجاسة، فإن الجامد، والمائع فيها سواء، فلا يحتاج التيمم إلى النية، لأن المطهر الجامد كالمائع، فيلزم منه بطلان مذهب الخصم. ووجه المساواة ظاهر من المثال بلا ريب. قوله: "ومنها القول بالموجَب". أقول: ومن القوادح القول بالموجب (٢).

стр. 1303

وحاصله تسليم مدلول الدليل، مع بقاء النزاع، ومن تعريفه علم عدم اختصاصه بالقياس. بل يجري في سائر الأدلة، كما في الآية الكريمة (١) التي قدمها على تعريفه ولذلك قدمها. ويقع القول بالموجب على وجوه ثلاثة: الأول: أن يستدل المعلل بما يوهم إنتاج مطلوبة، أو لازمه، ولم يكن كذلك. كقول الشافعي: القتل بالمثقل قتل بما يقتل غالبًا، فلا ينافي القصاص كالإحراق. فيقول الخصم: أقول بذلك، ولا يلزم منه مطلوبك، إذ عدم المنافاة لا يستلزم الاقتضاء، ولا لازمه.

стр. 1304

الوجه الثاني: أن يستدل على إبطال ما توهم أنه مأخذ الخصم، ومبنى دليله. كقول الشافعي -في المثال المذكور-: التفاوت في الوسيلة لا يوجب التفاوت فيما يتوسل إليه من قتل، وقطع، وغيرهما، فيجب القصاص بالمثقل. فيقول الخصم: سلمنا ذلك، ولكن لا يلزم منه وجوب القصاص، لأن إبطال مانع لا يستلزم إبطال جميع الموانع ووجود الشرائط، والمقتضي، وثبوت الحكم موقوف على جميع ذلك. والمختار أن المعترض مصدق فيما ذكره من أن الذي أبطله المستدل ليس مأخذًا له، لأنه عدل مأمون في ذلك. وقيل: خصم لا يصدق إلا أن يبين له مأخذًا آخر. واعلم أن أكثر ما يقع القول بالموجب من هذا القبيل، لأنه كثيرًا ما يقع الاشتباه في مأخذ الأحكام لخفائها، بخلاف الأول، لأنه يقل فيه ذلك، لأن الغالب أن المستدل يحرر البحث بحيث لا ينتج كلامه غير مطلوبه. الوجه الثالث: من وجوه القول بالموجب-: أن يسكت المستدل عن صغرى مقدمتي دليله، والحال أنها غير مشهورة كقول الشافعي -في افتقار الوضوء إلى النية-: ما ثبت قربه فشرطه النية. فيقول المعترض: سلمنا ذلك، ومن أين لك أن الوضوء قربة؟ فلو صرح المستدل بالصغرى، أو كانت مشهورة لم يتأت القول بالموجب، بل يكون

стр. 1305

الاعتراض حينئذ بمنع الصغرى، ثم بعد الاعتراض بالقول بالموجب على المستدل أن يبين أن الذي أثبته هو مدعاه، أو مستلزم له في الصورة الأولى، أو يبين أن الصغرى صفة في الثالثة، أو أن الذي أبطله مأخذ الخصم في الثانية، فإن قام بما ذكرنا تَمَّ له ما أراد، وافزم الخصم، وإلا فقد انقطع (١). قوله: "ومنها القدح في المناسبة". أقول: من القوادح القدح في المناسبة (٢). وهو على أربعة أوجه: الأول: القدح في نفس المناسبة بإبداء مفسدة راجحة، أو مساوية لما مر من أن المختار انخرام المناسبة بالمفسدة الراجحة، والمساوية. ودفع هذا يكون بالمصلحة الراجحة، أي: بأن يبين أن المصلحة راجحة، إما إجمالًا بأن يقول المستدل: لولا المصلحة المذكورة لكان الحكم تعبديًا، وقد أبطلناه بأن الأحكام مشتملة على الحِكَم، والمصالح تفضلًا.

стр. 1306

وإما تفصيلًا بأن يقول في المسألة [المخصوصة] (١): ما ذكرتُه من المصلحة ضرورية، وما ذكرته أنت أمر حاجي، أو الذي ذكرته قطعي، وذاك ظني إلى غير ذلك من وجوه الترجيح. مثاله: إذا قال المستدل: التخلي للعبادة أفضل لما فيه من تزكية النفس. فيقال: لا نسلم إذ يفوت معه إضعاف تلك المصلحة من إيجاد الولد، وكسر الشهوة، وكف النظر عن المحرمات. فيقول: هذه وإن كانت واحدة، صورة لكن أرجح من تلك المصالح كلها، لأنها لحفظ الدين، وتلك لحفظ [النسل] (٢). الوجه الثاني: القدح في إفضاء الحكم إلى المصلحة وفي عبارتهم تسامح، لأن الإفضاء من شروط الوصف المناسب ولذلك كان هذا الاعتراض (٣) راجعًا إلى القدح في المناسبة مثاله: قول المستدل: حرمة محارم الزوجة بالمصاهرة على التأبيد للحاجة إلى ارتفاع الحجاب، والتحريم مؤبدًا يفضي إلى رفع الفجور لانقطاع الطمع الباعث على النظر والهم. فيقال: التحريم على الوجه المذكور أكثر إفضاء إلى الفجور، لأن النفوس مجبولة على الشغف بما منعت منه.

стр. 1307

والجواب (١): أن بالدوام، والتأبيد تصير المحارم كالأمهات، فلا يميل الطبع السليم إليهن (٢). الوجه الثالث: القدح في انضباط الوصف الذي يشتمل على مراتب متفاوتة كالحرج، والمشقة، فإنهما يختلفان بحسب الأشخاص، والأزمان، فلا يمكن تعيين القدر المقصود. والجواب: أنه إن ضبط عرفًا فذاك، وإلا يناط الحكم بالمظنة كالسفر في المشقة (٣). الرابع: أن يكون غير ظاهر كالرضا في العقود، والقصد في القتل، وسائر الأفعال. والجواب: ضبطه بصفة ظاهرة، ففى الرضا صيغ العقود، وسائر الأفعال بما يدل على القصد كاستعمال الجارح في المقتل في القتل (٤).

стр. 1308

قوله: "ومنها الفرق". أقول: من القوادح الفرق (١) بين الأصل والفرع بإبداء خصوصية في الأصل تكون شرطًا في الوصف الذي ادعى المستدل عليته، ولا توجد في الفرع (٢)، وهذا معنى المعارضة في الأصل أو بإبداء خصوصية في الفرع تكون مانعًا (٣). قال الآمدي: "المعارضة في الفرع تكون بما يقتضي نقيض حكم المستدل إما بنص، أو إجماع، أو بوجود مانع الحكم، أو بفوات شرطه،

стр. 1309

ولا بد من بيان تحققه، وطريق كونه مانعًا، أو شرطًا على طريق إثبات المستدل علية الوصف المعلل به" (١). وأما وجه كون الفرق معارضة في الأصل، والفرع هو أن إبداء الخصوصية في الأصل لما كان معارضة فيه وضم إلى ذلك بيان انتفائها في الفرع، فكان معارضة في الفرع أيضًا. أو يقال: إبداء المانع في الفرع معارضة فيه، وبيان انتفائه في الأصل دال على أن العلة ذلك الوصف مع انتفاء هذا المانع لا الوصف الذي ادعاه وحده، ولا شك أنه معارضة في الأصل. قال: والصحيح أنه قادح (٢) سواء قلنا: إنه معارضة في الأصل، أو في الفرع، أو فيهما إذ على جميع التقادير لا يتم القياس. وقيل: لا يقدح، لأنه استقل بالمناسبة، فهي علة أخرى، ولا تنافي بين العلل، وإلا لم يعتد به، وضعفه لائح. قال بعض الشارحين (٣): "الحق أن الفرق إن كان معارضة في الفرع، فهو قادح قطعًا، وإن كان في الأصل ابتنى على التعليل بعلتين، فمن منعه رآه قادحًا، وإلا لزم تعدد العلل، ومن جوزه لم يره قادحًا، لجواز تعدد العلل".

стр. 1310

قلت: هذا الكلام دليل على أنه لم يدر معنى القلب، لأنا قدمنا أن القلب إبداء خصوصية في الأصل هى شرط العلية، وأما أن تلك الخصوصية علة مستقلة، فلا قائل به. واعلم أنك إذا عرفت وجه قدح القلب في القياس عرفت أن ذلك قادح سواء جعل سؤالًا واحدًا، أو سؤالين. قوله: "وأنه يمتنع تعدد الأصول". أقول: القائلون بكون الفرق [قادحًا] (١) اختلفوا في جواز تعدد الأصل الذي يقاس عليه الفرع، والصحيح عدم جوازه، لأن الأصل الواحد كاف بالمقصود، والتعدد يوجب الانتشار، ولو جوزنا تعدد العلل. وقيل: يجوز لأنه أقوى لإفادته الظن (٢). ثم المجيزون افترقوا: بعضهم إذا فرق المعترض بين أصل واحد، وبين ذلك الفرع يكفيه في القدح، ولا يجب التعرض لسائر الأصول. وقيل: يجب التعرض للكل لأن المجموع في الحقيقة هو الأصل الملحق به لا كل واحد.

стр. 1311

والحق: التفصيل وهو أن ينظر في غرض المستدل، فإن كان قصده جعل تلك الأصول بمنزلة الواحد، بأن لم يعتبر جامعًا بين كل أصل، وذلك [الفرع] (١)، بل بين المجموع وبينه، فلا يجب القدح في كل واحد، لأن المجموع يبطل بإبطال جزء منه. وإن جعل كل واحد أصلًا ممتازًا لجامع، فلا يجدي القدح إلا في كل واحد، واحد. وإذا علم ذلك فجواب المستدل تابع لذلك إن كان المجموع أصلًا واحدًا، فلا بد من تصحيح كل جزء منه، وإلا يكفيه تصحيح أصل واحد. قوله: "ومنها فساد الوضع". أقول: من القوادح فساد الوضع (٢). وهو عبارة: عن كون القياس على وضع أي هيئة غير صالحة لترتب الحكم عليه، كما إذا كان المطلوب الإثبات، والقياس يقتضي النفي، أو

стр. 1312

بالعكس، أو يكون فيه خلل بحيث لا يترتب عليه لا المطلوب، ولا نقيضه، كما إذا كان الوصف طرديًا غير مؤثر. مثاله: إذا قال الحنفي: القتل جناية عظيمة لا يجب فيها الكفارة كما في سائر الكبائر (١). فيقال: كونه عظيمة يلائم الكفارة لا التخفيف بعدمها. وكما إذا قيل: الزكاة على التراخي لأنها وجبت للارتفاق، ودفع حاجة الفقير كالدية على العاقلة. فيقال: كونها لدفع الحاجة يناسب عدم التراخي. ومن فساد الوضع: كون الجامع في قياس المستدل قد ثبت اعتباره بنص، أو إجماع في نقيض ذلك الحكم، والوصف الواحد لا يثبت به النقيضان، وإلا لم يكن مؤثرًا لثبوت كل منها بدل الآخر. مثاله: قول الشافعي: مسح التيمم مسح قيس فيه التكرار (٢)، كالاستنجاء. فيقال: المسح لا يناسب التكرار، لأنه ثبت اعتباره في كراهة التكرار في المسح على الخف.

стр. 1313

وجواب المستدل في القسمين بتقرير كون الدليل صالحًا لترتب الحكم عليه بأن يكون للوصف جهتان، نظر المستدل فيه من إحدى الجهتين هذا في الأول. وأما في الثاني فبأن يمنع كون علته [تقتضي] (١) نقيض ما علق عليها، أو يسلم ذلك، ولكن يبين وجود مانع في الأصل. مثال الأول: الارتفاق، ودفع الحاجة في الزكاة، فإنهما جهتان مختلفتان. ومثال الثاني: أن يقول: المانع من التكرار في الخف خوف فساده. واعلم أن القسم الأخير من فساد الوضع يشبه النقض من حيث تخلف الحكم عن الوصف المدعى عليته، إلا أن هنا الوصف يثبت نقيض الحكم، وفي النقض لا تعرض لذلك، أي: لإثباته به، وإن كان الوصف موجودًا. ويشبه القلب من حيث إنه إثبات نقيض الحكم بعلة المستدل إلا أنه يفارقه من حيث إن في القلب إثبات النقيض بأصل آخر. ويشبه القدح في المناسبة (٢) من حيث إنه ينفى مناسبته للحكم لمناسبته لنقيضه إلا أنه لا يقصد هنا بيان عدم مناسبة الوصف للحكم، بل بيان بناء نقيض الحكم عليه في أصل آخر.

стр. 1314

قوله: "ومنها فساد الاعتبار". أقول: من الأسولة (١) فساد الاعتبار (٢)، وهو عدم صحة الاحتجاج بالقياس لقيام النص (٣)، أو الإجماع (٤) على خلافه.

стр. 1315

وقد تقدم أن القياس في مقابلة النص، والإجماع باطل. قال المصنف: وفساد الاعتبار أعم من فساد الوضع لصدقه حيث يكون القياس على الهيئة الصالحة لترتب الحكم عليه (١). وهذا سهو، بل هذا مباين لفساد الوضع، لأن القياس هناك ليس بصحيح في نفسه، إما لكونه ليس على الهيئة الصالحة، أو لكونه مستلزمًا نقيض الحكم، وهنا القياس صحيح غايته معارض بأقوى منه.

стр. 1316

حتى لو عورض ذاك النص بقى القياس سالمًا عندهما. وللمعترض تقديم فساد الاعتبار على سائر الاعتراضات وتأخيره عنها. وعندي أنه يجب تقديمه، لأنه أقوى لدلالته على بطلان القياس بخلاف غيره، فإنه إما مطالبة لتصحيح الدليل أو معارضة له. وإذا علم حقيقته، فالجواب عنه بوجوه: منها: الطعن في السند إن كان قابلًا، كالإرسال، والانقطاع، وتكذيب الأصل الفرع فيه، وكون الراوي غير عدل. ومنها: منع ظهوره، فيما قصده المعترض كمنع عموم ما استدل به، أو مفهومه، أو الإجمال فيه. ومنها: دعوى التأويل، أي: هو محمول على غير ظاهر بدليل يرجحه على ظاهره، أو بالقول بالموجب، بأن يقول: ولئن سلمنا ما تقوله لكن مدلوله لا ينافي حكم القياس، أو يعارضه بنص آخر فيسلم له القياس. لا يقال: فللمعترض أن يعارض المستدل بنصين، فلا يتم له ما رامه: لأنا نقول: النص الواحد يعارض النصوص كشهادة الاثنين، مع الأربعة. لا يقال: فعلى هذا يلزم أن يعارض نص المعارضة نص المستدل، وقياسه: لأنا نقول: إجماع الصحابة قائم على خلافه: لأنهم كانوا عند تعارض النصوص يرجعون إلى القياس.

стр. 1317

وهذا معنى قول بعض الأفاضل (١): "المناظر تلو الناظر". والحاصل: أن الترجيح إنما يكون عند اختلاف جنس الحجة، وله وجوه أخر من الترجيح ما تخفى على من أتقن المباحث السالفة واللاحقة. قوله: "ومنها منع علية الوصف". أقول: من الاعتراضات منع علية الوصف المدعى كونه (٢) علة. قال ابن الحاجب: "هذا من أعظم الأسولة المتوجهة على القياس" (٣). وجه ذلك: أن العلية قَلَّ ما تكون قطعية، فيظهر وجه السؤال ولتكثير مسالك العلة تتعدد طرق الانفصال عنها، وعلى كل واحد تتوجه أبحاث تكثر القيل، والقال. وقد اختلف في قبوله، والأصح قبوله، وإلا لكان كل وصف طردي صالحًا للعلية، فيؤدي إلى التلاعب (٤).

стр. 1318

قيل: ليس القياس إلا إلحاق فرع بأصل لجامع، وقد حصل، فلا تكلف بغير ذلك. قلنا: لا نسلم ذلك مطلقًا، بل لجامع علم، أو ظن عليته اتفاقًا، ولم يوجد جامع كذلك. قيل: الطرق الدالة على عدم كون الوصف علة من كونه طرديًا، وإبداء وصف آخر، وغيرهما معلوم بين أهل الجدل، فلو وجد المعترض شيئًا من ذلك لأبداه. وحيث عجز، فلا وجه لمطالبته [المستدل] (١) إقامة الدليل على علية الوصف (٢). الجواب: يستلزم (٣) قولكم هذا أن كل صورة عجز المعترض عن إبطالها، فتكون صحيحة بلا برهان، وليس كذلك، حتى إثبات حدوث العالم، وقِدم الصانع اللذين هما من أشكل المسائل لا يصح دليلهما بمجرد عجز المعترض عن إبطاله، بل لا بد من صحة الترتيب في الدليل، ووجه دلالته. وإذا ثبت أن المطالبة صحيحة فلا بد من إثبات العلة بأحد مسالكها.

стр. 1319

قوله: "ومنه وصف العلة". أقول: من المنع مطلقًا منع كون الوصف الذي يدعيه المستدل قيدًا للعلة كذلك، بل بحذفه من الاعتبار (١). مثاله: قول الشافعي -في إفساد الصوم بالجماع-: تجب الكفارة، لأنها شرعت للزجر عن الجماع المحذور في الصوم كالحد فإنه شرع للزجر عن الجماع زنى. فيقال: لا نسلم قيد الجماع، بل إنما شرعت لمطلق الجناية على الصوم، وتحصل تلك الجناية بأنواع الإفطار عمدًا. والجواب -عن هذا- ببيان خصوصية الجماع، واعتبارها، نقول: رتب الشارع في قضية الأعرابي الكفارة على الجماع، وترتيب الحكم على الوصف دال على عليته. قال المصنف: "وكأنَّ المعترض ينقح المناط" لأنه تقدم أن تنقيح المناط حذف الخصوصية عن الاعتبار اجتهادًا، ونوط الحكم بأعم، والمستدل يحقق المناط أي يبين خصوصية الوصف، واعتبارها. وإنما ذكر لفظة "كأنَّ" لأن تنقيح المناط ليس وظيفة المعترض، لأنه من مسالك العلة، فهو وظيفة المستدل، ولأن تحقيق المناط ليس إثبات

стр. 1320

الخصوصية، بل تقرير العلة، وتحقيقها في صورة النزاع ككون النباش سارقًا. قوله: "ومَنعُ حُكمِ الأصل". أقول: من المنوع المتوجهة منع حكم الأصل (١)، وكان الأولى تقديمه على حكم العلة كما لا يخفى (٢)، وفي كونه لمجرده، قطعًا للمستدل خلاف. المختار عند الجمهور، ومنهم المصنف لا يكون قطعًا. وقيل: قطع له. وقيل: إن كان ظاهرًا بحيث يعرفه أكثر الفقهاء، وإن كان خفيًا فلا، واختاره الأستاذ.

стр. 1321

وقال الغزالي: "هذا ليس أمرًا شرعيًا، ولا عقليًا فالرجوع إلى عرف بلد المناظرة إن عدّوه [قطعًا] (١) كان قطعًا، أو لا فلا" (٢). واختلف النقل عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي نقل ابن الحاجب، واتَّبعه المصنف أن هذا المنع لا يسمع من المعترض؛ لأن المستدل يقول: أنا قد بينت على أصل صحيح عندي، وهذا كلام بعيد. والحق على ما في الملخص (٣) من أنه يسمع، هذا تفصيل المذاهب. لنا -على مختار المصنف-: أنه يسمع، ولا ينقطع المستدل. أما إنه يسمع، فلأن انتفاء حكم الأصل قادح في الاستدلال واستنباط الحكم، وليس دعوى المستدل صحته مفيدًا لصحته، ولزوم الخصم الاعتراف بدون دليل. وأما كونه ليس قطعًا، فلأن غاية ذلك الاعتراض أنه منع مقدمة من مقدمات القياس كمنع العلية، والنقض، والقلب، وغيرها، فأي فرق بين مقدمة، ومقدمة؟ قالوا: انتقال من إثبات حكم الفرع إلى إثبات حكم الأصل (٤)، والانتقال أشد عيوب المناظرة.

стр. 1322

قلنا: حيث لا يكون بينهما ملاءمة كمن تكلم في نجاسة الكلب ثم انتقل إلى مسألة الفرس، والخنزير، فإنه قادح، وأما إذا شرع في مسألة تتعلق بالكلب، ثم انتقل إلى أحواله وصفاته لا يعد قادحًا. وعلى هذا الذي قلنا من أنه يسمع، ولا ينقطع، فعليه إقامة الدليل على وجود الحكم في الأصل، ولا يكون منقطعًا، وعلى تقدير إقامته الدليل. المختار أن المعترض لا يكون منهزمًا، بل له أن يعود باعتراض آخر، وآخر إلى أن ينقطع، أو يغلب. واستدل المصنف على هذا بأنه ربما اعترض [بسبعة] (١) اعتراضات ولاء (٢). بأن يقال: لا نسلم حكم الأصل في قياسك، فلا يصح، ولئن سلمنا أن حكم الأصل ما ذكرت، لكن لا نسلم كونه مما يقاس عليه، سلمنا ذلك لكن لا نسلم أنه معلل بل تعبدي، سلمناه لكن لا نسلم أنه معلل بالوصف المشترك بين الأصل وذلك الفرع، سلمنا كونه علة، لكن وجوده في الأصل ممنوع.

стр. 1323

سلمنا ذلك لكن غير متعد، بل قاصر، سلمناه لكن ليس موجودًا في الفرع. هذه [سبعة] (١) اعتراضات ثلاثة منها، وهي الأولى متعلقة بالأصل، وثلاثة تليها متعلقة بالعلة، والاعتراض الأخير بالفرع. وللجواب عنها طريقان: إما أن يدفع الأخير وحده، فإنه كاف، أو يأتي عليها على الترتيب المذكور واحدًا بعد واحد، ويتفرع على هذا جواز إيراد المعارضة، سواء كانت من جنس واحد كأن يقول المعترض: دليلك منقوض بكذا، وبكذا. أو جنسين كأن يقول: منقوض بكذا، ومعارض بكذا. وعلى تقدير الاختلاف إما مترتبة بأن يقتضى اللاحق تسليم السابق كالمعارضة، مع منع وجود الوصف في الأصل، فإن المعارضة موقوفة عليه: لأنها أقامت الدليل على خلاف ما أقام عليه الخصم. أو غير مترتبة كالنقض، أو القلب، مع منع التأثير، فعلى جواز الأول اتفاق أهل النظر، وفي اختلافها مع عدم الترتيب، الجمهور على الجواز، ومع الترتيب على عدم الجواز.

стр. 1324

وأشار المصنف إلى أن المختار جوازه، ورد ما توهموه مانعًا بأن تسليمه تقديري؛ أي: ما قلتم: لا يجوز، لأن التسليم اعتراف ببطلانه، فلا وجه لعده اعتراضًا، وتقديمه ليس كذلك، بل ذلك يقدح لو كان اعترافًا حقيقة، وأما على وجه التنزل فلا. قوله: "ومنها اختلاف الضابط". أقول: من الأسولة دعوى اختلاف الضابط في الأصل والفرع (١)، وإنما كان قادحًا، لأن تساوى الفرع والأصل في العلة شرط كما تقدم (٢). مثاله: قياس شهادة الزور في القتل على الإكراه في القصاص. فيقال: المعنى الموجود في الإكراه ليس موجودًا في شهادة الزور، وإذا اختلف الضابط لم يلزم من اعتباره في الأصل اعتباره في الفرع، فللشارع اعتبار أحدهما دون الآخر.

стр. 1325

والجواب عن هذا بوجهين: أحدهما: الضابط هو القدر المشترك كالتسبب في المسألة المذكورة [فإنه] (١) موجود فيهما من غير تفاوت. ثانيهما: بيان أن إفضاء الضابط في الفرع إلى المقصود، مثل إفضائه في الأصل، أو أزيد. ولا يحصل الجواب بإلغاء التفاوت بأن يقال -في المثال المذكور-: التفاوت ملغى في القصاص لمصلحة حفظ النفس، بدليل أنه يقتل العالم بالجاهل. وتقدم الفرق بين [قطع] (٢) الأنملة المزهق للروح، وحز الرقبة، وإنما لم يكن مثله جوابًا، لأن إلغاء مانع واحد لا يوجب إلغاء جميع الموانع، ألا ترى أنه لم يلغ التفاوت بالحرية. قوله: "والاعتراضات راجعة إلى المنع، وإلى مُقدِّمِها". أقول: المشهور أن الاعتراض إما مانع، أو معارضة. وذلك: لأن غرض المستدل إثبات مدعاه، وذلك يتوقف على صحة مقدمات دليله، وعلى عدم دليل آخر معارض لدليله، كما أن من أراد إثبات حق على غيره لا بد له من بينة عادلة، وأن لا تكون معارضة بأخرى مثلها.

стр. 1326

قال المصنف: بل الاعتراضات كلها راجعة إلى المنع. لأن المعارضة منع للعلة عن الجريان، وهذا الذي قاله ليس معنى المعارضة، بل لازم معناه، لأن المعارضة -كما هو المسطور في كتب الخلاف-: عبارة عن إقامة الدليل على خلاف ما أقام عليه الخصم (١) ويلزم منه منع جريان العلة، والأمر في هذا سهل. قوله: "ومقدِّمها"، بكسر الدال يريد به الاستفسار (٢)، لأنه طليعة المنوع ليس داخلًا فيها. وهذا ما قاله بعض المتأخرين: إنه ليس سؤالًا (٣).

стр. 1327

والصواب خلافه: لأنه طلب فهم المراد، فهو أول المقامات (١). وهو وإن كان واحدًا لكن بعد التأمل لا سؤال أعم منه، لأنه يرد على تقرير المدعى، وعلى جميع المقدمات، وعلى جميع الأدلة، لكن شرطه أن لا يكون تعيينًا مفوتًا لمقصود المناظرة، إذ كل لفظ فسرته لا بد وأن تفسره بلفظ آخر، وهلم جرا، ولذلك قال القاضى أبو بكر: "لا يحسن الاستفهام إلا لدى الإبهام"، ولذلك [أيضًا] (٢) قيده المصنف بقوله: "حيث غرابة، أو إجمال". وإذا ثبت أنه سؤال مقبول، فعلى المستدل البيان، أم على المعترض؟ قيل: على المستدل: لأنه المحتاج إلى الإثبات الذي لا يتم بدونه، والحق (٣) أنه على المعترض إذ يكفي المستدل أن يقول: الغرابة والإجمال خلاف الأصل: لأن وضع الألفاظ للبيان. وإذا قلنا -بناء على الصحيح-: إن على المعترض البيان، فإذا بين أن اللفظ يطلق على المعنيين لا يكلف الزيادة على ذلك من إثبات

стр. 1328

التساوي في الإجمال، وإن كان الإجمال لا يحصل إلا به، لأنه لو كلف ذلك لطال الكلام، وسقط مقصود المناظرة، فاغتفر ذلك في حقه. مثال ذلك: إذا قال المكره: مختار فيجب عليه القصاص فيقال: ما معنى المختار؟ فإنه يقال للراغب في الشيء وللقادر عليه. أو يقول: بَانَ بذلك بطلانه. فيقال: ما معنى بان؟ لأنه يكون تارة بمعنى ظهر، وتارة بمعنى انفصل. ومثال الغرابة: ما إذا قيل: الأُيَّل (١) حيوان لم يُرض (٢) لا تؤكل فريسته كالسِّيْد (٣). فيقال: ما معنى الأيل، وما معنى السيد (٤).

стр. 1329

وجواب الاستفسار ببيان ظهوره فيما قصده، إما بالنقل عن أهل اللغة، أو في العرف العام كذا، أو الخاص، أو بقرائن الأحوال، أو يفسده بما يحتمل لغة. قيل: وربما لا يحتمل. والصواب خلافه: لأنه يصير من جنس اللعب، فتخرج المناظرة عن وضعها من طلب إظهار الحق. وهنا طريق آخر ربما استعمله بعض أهل الجدل بأن نقول -بعد بيان المعترض-: الأصل عدم (١) الإجمال، أو أنه ظاهر فيما قصدت، لكونه غير ظاهر في غيره. والحق: أن هذا ليس جوابًا: لأن المعترض بذل مجهوده في بيان الإجمال، فلو كان هذا القدر جوابًا لم يكن للمناظرة فائدة، والمصنف نقل الخلاف مجردًا عن الاختيار. قوله: "ومنها التقسيم". أقول: من الاعتراضات التقسيم، وهو كون اللفظ المورد في الدليل دائرًا بين أمرين، أو أكثر (٢)، فيمنع الذي يتوهم كونه محصل المقصود، ويسكت عن الآخر؛ لأنه لا يضره، أو يتعرض لعدم صلاحية ذلك للعلية.

стр. 1330

قيل: لا يقبل هذا السؤال، لأن منع أحد محتملي كلام المستدل لا يمنع مطلوبه، إذ ربما لا يكون هذا المحتمل مراده. والمختار قبوله، إذ بإبطال ذلك [يتعين] (١) الباقي، وربما لا يمكنه إتمام الدليل به، فله مدخل في هدم الدليل، ولكن لقبوله شرط، وهو أن يكون منعًا لما يلزم المستدل بيانه. مثاله: ما إذا قال في الصحيح الحاضر: إذا فقد الماء، وجد سبب التيمم، وهو تعذر الماء، فيجب التيمم. فيقال: ما المراد بتعذر الماء أمطلقًا سبب؟ أم في السفر، أو المرض؟ الأول ممنوع، والثاني لا يجديك نفعًا. والجواب -عن هذا السؤال-: بأمور: الأول: أن يبين أن اللفظ دال على المعنى الذي أراده، إما لغة بالنقل عنهم، أو وُجد الاستعمال، والأصل فيه الحقيقة، أو عرفًا أي عرف كان، أو عُلم بالقرائن عقلية، أو لفظية. هذا كلام المصنف على ما ذهب إليه الشارحون (٢).

стр. 1331

وعندي أن هذا الكلام سهو منهم: لأن التقسيم نوع من المنع وارد على علية ما ادعاه علة لحكم الأصل. غايته: أن هذا المنع يشتمل على الترديد، فيكون أخص من مطق المنع. فالجواب إنما يكون بإثبات عليته بأحد المسالك العلية، والذي ذكره المصنف هنا هو ما ذكره في جواب الاستفسار. وإن كنتَ في ريب فتأمل في المثال المذكور، أو في قوله: الملتجئ إلى الحرم وجد منه سبب استيفاء القصاص، وهو القتل العمد العدوان، فيجب استيفاؤه. فيقال: يُستوفى مع المانع، أو بدونه؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم، ولكن لما قلت: إن الحرم ليس بمانع؟ ثم انظر في أجوبة المصنف كيف تستقيم؟ قوله: "ثم المنع". أقول: لما فرغ من الاعتراضات الواردة على القياس شرع يبين اصطلاحات أهل الجدل (١).

стр. 1332

قال: إذا شرع المعلل في نمَل المذاهب -ما دام ناقلًا- لا يتوجه إليه المنع، فإذا اختار قولًا، أو مذهبًا توجه إليه المنع، وهذا على وجهين: إما قبل تمام الدليل، أو بعده، فالأول، أي: المنع قبل تمام الدليل مناقضة، وهي: منع مقدمة بعينها سواء كان مع السند، أو بدونه، فإذا منع مقدمة، فعلى المستدل إثباتها، فإن أقام المعترض دليلًا على انتفاء تلك المقدمة، فالحق أنه لا يسمع منه: لأنه منصب المستدل، فلو مكن منه يقع الخبط في البحث. وما قيل: من أنه يسمع منه بعد إقامة المستدل الدليل على تلك المقدمة سهو: لأنه إما أن يسلم دليله فتم له ما رامه، أو يمنع مقدمة من مقدمات هذا الدليل، فعلى المستدل إثباتها، وهكذا. والثاني -وهو المنع بعد تمام الدليل-: إما منع للدليل بتخلف الحكم في صورة وهو النقض الاجمالي، أو مع تسليم الدليل بأن يقول: وإن دل دليلك على ما ذكرت، ولكن عندي ما ينفيه، وهذا يسمى معارضة، وحينئذ يكون المعترض مستدلًا.

стр. 1333

ثم وظيفة المستدل الدفع لما يورد عليه من المنوع، إلى أن ينهزم المعترض [بانتهاء الأمر إلى ضروري لا يمكن إنكاره، أو يقيني يكون مشهورًا لا يمكن الخلاف فيه] (١) أو يقف على منع يعجز المستدل عن إبطاله، فينقطع. قوله: "خاتمة: القياس من الدين". أقول: القياس أحد الأدلة المتفق عليه (٢). فكونه من الدين (٣)، ومما يتعبد به لا ينبغى أن يُخالَف فيه (٤). وما يقال: إن الدين ما كان مستمرًا، والقياس ليس مستمرًا يعني أنه قد لا يحتاج إليه.

стр. 1334

أو أنه قد ينعدم بانعدام المجتهدين فَيَرِد على كلا الوجهين السنة. وهو جزء من أجزاء أصول الفقه، خلافًا لإمام الحرمين (١) هذا نقل المصنف (٢) والذي في البرهان في أول باب القياس خلاف هذا. فإنه قال: "الأصل الذي يسترسل على جميع الوقائع القياس، فهو إذن أحق الأصول باعتناء الطالب" (٣). ولا شك أنه يريد به أصل الفقه (٤)، إذ هو ليس من أصول الدين حقيقة إجماعًا.

стр. 1335

وحكم المقيس (١) دين اللَّه بناء على أن القياس أصل، ودليل شرعي في مسائل دينية، ولا يصرح بأنه قول اللَّه، ولا رسوله: لاحتمال الخطأ على المجتهد. وهو فرض كفاية، مع كثرة المجتهدين، وإذا انفرد واحد فيصير عليه فرض عين (٢).
следующие страницы →