وعندي أن هذا الكلام سهو منهم: لأن التقسيم نوع من المنع وارد على علية ما ادعاه علة لحكم الأصل.
غايته: أن هذا المنع يشتمل على الترديد، فيكون أخص من مطق المنع.
فالجواب إنما يكون بإثبات عليته بأحد المسالك العلية، والذي ذكره المصنف هنا هو ما ذكره في جواب الاستفسار.
وإن كنتَ في ريب فتأمل في المثال المذكور، أو في قوله: الملتجئ إلى الحرم وجد منه سبب استيفاء القصاص، وهو القتل العمد العدوان، فيجب استيفاؤه.
فيقال: يُستوفى مع المانع، أو بدونه؟
الأول ممنوع، والثاني مسلم، ولكن لما قلت: إن الحرم ليس بمانع؟
ثم انظر في أجوبة المصنف كيف تستقيم؟
قوله: "ثم المنع".
أقول: لما فرغ من الاعتراضات الواردة على القياس شرع يبين اصطلاحات أهل الجدل (١).
стр. 1332
قال: إذا شرع المعلل في نمَل المذاهب -ما دام ناقلًا- لا يتوجه إليه المنع، فإذا اختار قولًا، أو مذهبًا توجه إليه المنع، وهذا على وجهين: إما قبل تمام الدليل، أو بعده، فالأول، أي: المنع قبل تمام الدليل مناقضة، وهي: منع مقدمة بعينها سواء كان مع السند، أو بدونه، فإذا منع مقدمة، فعلى المستدل إثباتها، فإن أقام المعترض دليلًا على انتفاء تلك المقدمة، فالحق أنه لا يسمع منه: لأنه منصب المستدل، فلو مكن منه يقع الخبط في البحث.
وما قيل: من أنه يسمع منه بعد إقامة المستدل الدليل على تلك المقدمة سهو: لأنه إما أن يسلم دليله فتم له ما رامه، أو يمنع مقدمة من مقدمات هذا الدليل، فعلى المستدل إثباتها، وهكذا.
والثاني -وهو المنع بعد تمام الدليل-: إما منع للدليل بتخلف الحكم في صورة وهو النقض الاجمالي، أو مع تسليم الدليل بأن يقول: وإن دل دليلك على ما ذكرت، ولكن عندي ما ينفيه، وهذا يسمى معارضة، وحينئذ يكون المعترض مستدلًا.
стр. 1333
ثم وظيفة المستدل الدفع لما يورد عليه من المنوع، إلى أن ينهزم المعترض [بانتهاء الأمر إلى ضروري لا يمكن إنكاره، أو يقيني يكون مشهورًا لا يمكن الخلاف فيه] (١) أو يقف على منع يعجز المستدل عن إبطاله، فينقطع.
قوله: "خاتمة: القياس من الدين".
أقول: القياس أحد الأدلة المتفق عليه (٢).
فكونه من الدين (٣)، ومما يتعبد به لا ينبغى أن يُخالَف فيه (٤).
وما يقال: إن الدين ما كان مستمرًا، والقياس ليس مستمرًا يعني أنه قد لا يحتاج إليه.
стр. 1334
أو أنه قد ينعدم بانعدام المجتهدين فَيَرِد على كلا الوجهين السنة.
وهو جزء من أجزاء أصول الفقه، خلافًا لإمام الحرمين (١) هذا نقل المصنف (٢) والذي في البرهان في أول باب القياس خلاف هذا.
فإنه قال: "الأصل الذي يسترسل على جميع الوقائع القياس، فهو إذن أحق الأصول باعتناء الطالب" (٣).
ولا شك أنه يريد به أصل الفقه (٤)، إذ هو ليس من أصول الدين حقيقة إجماعًا.
стр. 1335
وحكم المقيس (١) دين اللَّه بناء على أن القياس أصل، ودليل شرعي في مسائل دينية، ولا يصرح بأنه قول اللَّه، ولا رسوله: لاحتمال الخطأ على المجتهد.
وهو فرض كفاية، مع كثرة المجتهدين، وإذا انفرد واحد فيصير عليه فرض عين (٢).
стр. 1336
وينقسم باعتباره القوة، والضعف إلى جلي وخفي (١)، الجلي منه: ما قطع بنفي الفارق فيه، أو كان احتمال الفارق فيه ضعيفًا.
والخفى خلافه، وهو ما كان احتمال الفارق فيه قويًا كقياس القتل بالمثقل على المحدد.
وقيل: الجلي ما ذكر أولًا، والخفي قياس الشبه، والواضح ما بينهما.
وقيل: الجلي قياس الأولى مثل قياس الضرب على التأفيف في الحرمة، والواضح المساوي كقياس إحراق مال اليتيم على أكله في التحريم، والخفي ما كان دونه كقياس التفاح على البر في الربا، كما تقدم تحقيقه سابقًا.
وقياس العلة: ما صرح فيه بالعلة مثل حرمت النبيذ كالخمر للإسكار.
وقياس الدلالة: ما يكون الجامع فيه لازم العلة (٢).
стр. 1337
كما إذا قيس تحريم النبيذ على الخمر بعلية الرائحة اللازمة عادة للشدة المطربة، وهى ليست علة اتفاقًا، أو يكون الجامع أثرًا من آثار العلة كما إذا قيل: القتل بالمثقل يأثم فاعله، فيجب فيه القصاص كالقتل بالمحدد، فالإثم ليس علة، بل أثر من آثارها، أو يكون حكمًا من أحكامها كان يقال: تقطع الجماعة بواحد كما يقتلون به بجامع وجوب الدية عليهم حيث كان غير عمد.
ووجوب الدية حكم العلة التى هي القطع في الصورة الأولى والقتل في الثانية، وهو في الحقيقة استدلال بأحد موجبي الجناية من القصاص، والدية، الفارق بينهما العمد على الآخر.
والفاء في عبارة المصنف دالة على تفاوت مراتب القياس في الثلاثة المذكورة (١)، فالأول أولى من الثاني، والثاني أولى من الثالث.
وإذا جمع بين الأصل والفرع بنفي الفارق، فهو القياس في معنى الأصل كقياس البول في الإناء، وصبه في الماء على البول فيه، بجامع أن لا فارق بينهما في مقصود المنع الثابت (٢)، بقوله ﷺ : "لا يبول أحدكم في الماء الراكد" (٣).
стр. 1338
الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع
تأليف
الإمام شهاب الدين أحمد بن إسماعيل الكوراني
(٨١٢ هـ - ٨٩٣ هـ)
تحقيق
د/ سعيد بن غالب كامل المجيدي
[الجزء الرابع]
(ح) الجامعة الإسلامية، ١٤٢٨ هـ.
فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر
المجيدي، سعيد بن غَالب كَامِل
الدُّرَر اللوامع فِي شرح جمع الْجَوَامِع للكوراني/ سعيد بن غَالب كَامِل المجيدي - الْمَدِينَة النورة، ١٤٢٨ هـ.
٢٨٨٠ ص؛ ١٧ × ٢٤ سم
ردمك: ٢ - ٥٨٠ - ٠٢ - ٩٩٦٠
١ - أصُول الْفِقْه
أ - العنوان
ديوي ٢٥١
٣٦٢٠/ ١٤٢٨
رقم الْإِيدَاع: ٣٦٢٠/ ١٤٢٨
ردمك: ٢ - ٥٨٠ - ٠٢ - ٩٩٦٠
جَمِيع حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للجَامعة الإسْلاميَّة بِالْمَدِينَةِ المنوَّرة
стр. 1342
الكتاب الخامس في الاستدلال
стр. 1343
الكتاب الخامس في الاستدلال
قوله: "الكتاب الخامس في الاستدلال، وهو دليل ليس بنص، ولا إجماع، ولا قياس" (١).
أقول: لما فرغ من الأدلة المتفق عليها شرع في المختلف فيها، وهو الاستدلال، ويطلق -لغة- على طلب الدليل.
واصطلاحًا: على إقامة الدليل (٢) أي دليل كان من نص، أو إجماع، أو غيرهما.
وعلى أخص منه، وهو إقامة الدليل حال كونه ليس نصًا، ولا إجماعا، ولا قياسًا، وهذا مقصود الكتاب.
ولتقدم معرفة هذه الثلاثة في الأبواب السابقة صح تعريف الاستدلال بها.
стр. 1344
قال الآمدي: وما سماه بعضهم: الاستدلال، وجعله بابًا خامسًا، فحاصله: يرجع إلى التمسك بمعقول النص، أو الإجماع، وكذا شرع من قبلنا، وقول الصحابي، ونحو ذلك فراجعة إلى الأربعة، وإلا فلا دخل للرأي في إثبات الأحكام الشرعية، وإنما أفردوه بابًا لكونه جاريًا في تلك الأبواب كلها.
كما يقال: هذا حكم دل عليه القياس، وكل ما دل عليه القياس فهو حكم شرعي، فهذا حكم شرعي.
وكما إذا قيل: ما ذكرته معارض بالإجماع، وكل معارض بالإجماع باطل، في ذكرته باطل، وقس على هذا.
قال المصنف -تفريعًا على التعريف المذكور-: يدخل فيه القياس الاقتراني، كما ذكرنا (١).
وهو قياس مؤلف من قضيتين متى سلمتا لزم عنهما لذاتهما قول آخر، أي: قضية أخرى تكون نتيجة لهما، كما في المثالين المذكورين. والاستثنائي يكون في الشرطيات، ففى المتصلات، كما يقال: إن كان هذا إنسانًا، فهو حيوان، لكنه ليس بحيوان ينتج أنه ليس بإنسان، أو أنه إنسان ينتج أنه حيوان،
стр. 1345
فاستثناء عين الأول ينتج عين الثاني، واستثناء نقيض الثاني ينتج نقيض المقدم، وعين الثاني لا ينتج عين الأول لاحتمال كونه عامًا، ولا يلزم من إثبات العام إثبات الخاص كما في المثال المذكور، فإن الحيوان لا يستلزم وجود الإنسان، وكذا نقيض الإنسان لا يستلزم نقيض الحيوان لوجوده في الفرس، وفي المنفصلات: العدد إما زوج، أو فرد، لكنه زوج ينتج أنه ليس بفرد، أو فرد ينتج أنه ليس بزوج، مثاله -في الشرعيات-: الضب إما حرام، أو حلال لكنه حلال: لأنه أكل على مائدته ﷺ ، فليس بحرام (١).
مثال آخر: صيد المُحْرِم إما حرام، أو حلال لكنه حرام لأنه نهي عنه (٢)، فليس بحلال، ولهذا تفاريع كثيرة ليست مقصودة تركناها خوف الإطالة.
стр. 1346
وقياس العكس: ما يستدل به على نقيض المطلوب، ثم يُبْطَل، فيصح المطلوب كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فإنه استدل على حقية القرآن بإبطال نقيضه، وهو وجدان الاختلاف فيه، فتأمل (١)!
قوله: "وقولنا: الدليل يقتضى أن لا يكون كذا".
أقول: أراد بعد تعريف الاستدلال إيراد أنواع منه، فبدأ بالدليل الملقب بالنافي عندهم، كما يقول الشافعي: نكاح المرأة إذلال، وإرقاق لها، والإنسانية تنافي ذلك إظهارًا لشرف الإنسان، إلا أنا خالفنا ذلك فيما إذا صدر عن الولي، لكمال عقله، ودقة نظره، وهذا مفقود في المرأة، فوجب إبقاء الدليل على مقتضاه (٢).
ومنه انتفاء الحكم لانتفاء مدركه.
стр. 1347
تقريره: أن الحكم الشرعي لا يمكن ثبوته من غير دليل، إذ لو ثبت لزم المحال، وهو وقع تكليف ما لا يطاق، لأن ذلك الحكم لا بد وأن يكون متعلقًا بأفعال المكلفين، كما تقدم في أول الكتاب.
وقد فرض أنه لا دليل له يعرفه، ولا معنى للمحال إلا ما لا يمكن تعلق قدرة العبد به عادة، ولو كان له دليل إما النص، أو الإجماع، أو القياس، وقد سبرنا، فلم نجد من ذلك شيئًا. أو لا نتعرض للسبر، بل نقول: شيء من النص، والإجماع، والقياس غير موجود، إذ الأصل العدم، والأصل بقاء ما كان على ما كان، وهذا النفى حكم شرعي، لأنه مستفاد من دليل شرعي هو انتفاء مثبت الحكم الذي علم من الدين ضرورة حيث لا دليل، لا حكم لما قدمناه من لزوم المحال.
والاعتراض بأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود ليس بشيء، لأن كلامنا في أنه لا حكم أصلًا للَّه وراء الأحكام الخمسة، فإنا قاطعون بأن لا حكم سواها.
وكذا قولهم: وجد المقتضي، أي: السبب، فيوجد المسبب، ووجد المانع، فينتفي الحكم، أو فقد الشرط، فلا يوجد الحكم، فإنهم كثيرًا ما يقولون مثله.
قيل: ليس بدليل، بل دعوى دليل؛ لأنه بمثابة قوله وجد الدليل، فيوجد الحكم.
стр. 1348
وهذا الكلام ليس بدليل على وجود الحكم اتفاقًا، وإنما الدليل ما يستلزم الحكم، وهو السبب الخاص، أو وجود المانع الخاص، أو [عدم] (١) الشرط الخاص.
وقيل: بل هو دليل، وهو مختار المصنف إذ لا معنى للدليل إلا ما يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، وهو كذلك.
وإذ بنينا على هذا.
فقيل: استدلال مطلقًا: لأنه ليس [بنص، ولا إجماع، ولا قياس فالحد منطبق عليه.
وقيل: استدلال إن ثبت وجود السبب، أو المانع، أو فقد الشرط] (٢) بغير الثلاثة.
وإلا فهو من قبيل ما ثبت به إن نصًا، أو إجماعًا، أو قياسًا وهذا مختار المحققين (٣): لأنك تقول: هذا حكم وجد سببه، وكل ما وجد سببه فهو موجود.
فكبرى القياس -وهى قولنا: كل ما وجد سببه، فهو موجود- قطعية لا يخالف فيها أحد، فالمحتاج إلى البيان صغرى القياس، وهي قولنا: هذا حكم وجد سببه، فمثبت الصغرى هو مثبت الحكم.
стр. 1349
[فإن كان ذلك المثبت غير النص، والإجماع، والقياس، فالحكم مثبت بالاستدلال، وإن كان بأحد الثلاثة، فالحكم مثبت به] (١).
فإن قلت: إذا كان المحتاج إلى البيان هى الصغرى، وقد أثبت الحكم فيها بأحد الثلاثة في فائدة ضمها إلى الكبرى واستخراج النتيجة؟
قلت: فائدة ذلك العلم بالحكم من وجهين من حيث الخصوص في الصغري، والعموم في الكبرى، ولأن ذلك الحكم المثبت في الصغرى إذا علم اندراجه في قاعدة لم يخالف فيها أحد، وتطابقت الآراء على قبولها كانت النفس إلى قبولها أميل.
قوله: "الاستقراء".
أقول: من الأدلة الاستقراء، وهو الاستدلال بثبوت الحكم في الجزئي على ثبوته في الكلي (٢)، وهو على قسمين:
إما تام: وهو الذي يتبع جميع جزئياته كقولك: كل جسم مؤلف (٣)، لأن هذا الجسم مؤلف، وذاك أيضًا، إلى آخر الأجسام.
стр. 1350
أو ناقص: إذا كان أكثريًا كقولك: كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضغ، فإن الإنسان هكذا، والفرس، والجمل بخلاف التمساح فإنه يحرك الفك الأعلى، فالأول قطعي، والثاني ظني، ويسميه الفقهاء: إلحاق الفرد بالأعم الأغلب.
والفرق بين القياس المنطقي، والقياس الأصولي، والاستقراء هو أن القياس المنطقي استدلال بثبوت الحكم في الكلي لإثباته في الجزئي.
وفي القياس الأصولي: الاستدلال بثبوت الحكم في جزئي لإثباته في جزئي آخر مثله لجامع كما سبق تفصيله، وفي الاستقراء: الاستدلال بثبوت الحكم في الجزئي لإثباته في الكلي عكس القياس المنطقي.
وبعضهم (١) قد خبط في هذا المقام خبطًا فاحشًا، فذكر أن الاستقراء التام هو القياس المنطقي.
ثم قال: "والفرق بين القياس الأصولي، والاستقراء الناقص، بأن الحكم في الناقص بمجرد ثبوته في أكثر جزئياته" (٢)، وهذا كلام من لم يتقن القواعد العلمية.
وقد بينا لك الفرق، فتمسك به، وعفى عليه بالنواجذ يخلصك عن هذه الأوهام.
стр. 1351
قوله: "قال علماؤنا: استصحاب العدم الأصلي".
أقول: من الأدلة المختلف فيها بين الأئمة الأربعة الاستصحاب (١).
قال به الشافعي، ونفاه الحنفية (٢).
ومعناه: أن الحكم الفلاني كان، ولم يظن عدمه، وكلما وجد ولم يظن عدمه، فهو مظنون البقاء.
ولا بد -أولًا- من تحرير محل النزاع، فنقول: محله هو الحكم الشرعي لا النفي الأصلي، ولذا تقول الحنفية: الاستصحاب يصلح دافعًا لا مثبتًا، فحياة المفقود تصلح حجة في دفع الإرث عنه لا في إثبات الإرث له.
стр. 1352
فعلى هذا كان يجب على المصنف ترك لفظ علمائنا، أو ترك العدم الأصلي (١)، والعموم، والنص، فإنه لا خلاف فى الثلاثة، بل الخلاف فيما دل الشرع على ثبوته لوجود سببه سابقًا، كقول الشافعية -في الخارج من غير السبيلين-: من خرج منه كان متطهرًا، أو الأصل البقاء حتى يثبت معارضًا، والأصل عدمه.
قوله: "وقيل في الدفع دون الرفع"، إشارة إلى ما نقلناه عن الحنيفة، ولكن مقابلته بقوله: "مطلقًا" ليس بحسن، لأن قوله: "مطلقًا" إشارة إلى عدم الخلاف فيما دل الشرع على ثبوته.
فقوله -بعد ذلك-: "وقيل" يشعر بأن الخلاف من الشافعية، كما أن قوله -بعده-: "وقيل: بشرط أن لا يعارضه ظاهر" خلاف الشافعية.
هذا ولنرجع إلى شرح الكتاب، فنقول: [قيل] (٢): حجة بشرط أن لا يعارضه ذلك الأصل ظاهر، فالحكم للظاهر سواء كان غالبًا، أو لا،
стр. 1353
وهو أحد قولي الشافعي (١) في تعارض الأصل، والظاهر.
وقيل: إنما اعتبر الظاهر إذا كان له سبب يضاف إليه، كما إذا بال ظبي في ماء بلغ قلتين، فوجده متغيرًا، فإنه يحتمل أن يكون لطول المكث، والظاهر أنه بالبول، وعليه نص الشافعي، وتبعه الأصحاب (٢) وفصل المصنف القول فيه بأنه إن قرب العهد سقط الأصل لقوة السبب، كما إذا وجد الماء متغيرًا بعد بول الظبي من غير تراخي زمان طويل بخلاف ما إذا طال الزمان فإنه يبعد إضافته إليه، فيرجع إلى رعاية الأصل (٣).
стр. 1354
لنا -على حجية الاستصحاب-: أن ما تحقق وجوده، أو عدمه في حال، ولم يظن طرو معارض يزيله ظنُّ بقائه ضروري، ولولا بقاء هذا الظن لما حسن من العقلاء مراسلة الإخوان إلى البلاد النائية.
ولنا -أيضًا-: الشك في الزوجية ابتداء يوجب حرمة الاستمتاع، بخلاف طرو الشك في الدوام، ولا فارق إلا استصحاب عدم الزوجية في الأولي، واستصحاب الزوجية في الثانية.
فلولا اعتباره لزم استواء الحالين تحريمًا، وجوازًا وهو خلاف الإجماع.
قالوا: الأحكام الشرعية لا تثبت إلا بأدلة منصوبة من قِبل الشارع، وهي منحصرة في النص، والإجماع، والقياس اتفاقًا، ومحل النزاع ليس منه، فيكون مردودًا.
قلنا: ذاك في إثبات الحكم ابتداء، والكلام في ظن البقاء، ولو سلم، الحصر ممنوع، بل هناك دليل رابع فيه النزاع.
قالوا: ثانيًا، لو صح ما ذكرتم لقدمت بيِّنة النفي على الإثبات، وهو باطل اتفاقًا.
الجواب: بينة النفي إذا عارضها بينة الإثبات لا تفيد الظن ليتأيد ذلك الظن بالأصل الذي هو الاستصحاب، بل لا ظن يحصل إلا ببينة المثبت؛ لأنه يبعد غلطه بأن يظن المعدوم موجودًا بخلاف النافي؛ لأنه ينفى الوجود بناء على عدم علمه.
стр. 1355
قال: "ولا يحتج باستصحاب حال الإجماع في محل الخلاف"، يريد أن الإجماع إذا انعقد على حكم في حال من الأحوال، ثم تغير ذلك الحال، فوقع الخلاف.
قيل: يكون حال الاجماع معتبرًا جريًا على قاعدة الاستصحاب، وبه قال الصيرفي، وابن سريج، والآمدي (١)، ولم يرضه المصنف: لأن الأحكام تختلف باختلاف الأحوال والأوضاع.
قوله: "فعُرِف أن الاستصحاب".
أقول: هذا تفريع على ما تقدم، أي: قد علم أن محل النزاع إنما هو في ثبوت الحكم الشرعي في ثاني الحال لوجوده في الأول لعدم وجدان المغير.
وأما ثبوته في الأول معللًا بثبوته الآن، كما يقال: هذا الكيل لم يكن على عهده ﷺ .
стр. 1356
فيقال: بلي، لأن الأصل موافقة الماضي للحال، فمثله استصحاب مقلوب لا يعد دليلًا، وقد يقال -في الاستدلال بالمقلوب- لو لم يكن الثابت اليوم ثابتًا أمس، لكان غير ثابت في الأمس إذ لا واسطة بين الثبوت وعدمه.
وإذا غير الثابت أمس يلزم عدم ثبوته اليوم استصحابًا للعدم، وليس كذلك لأنه ثابت الآن، فيلزم ثبوته أمس ويرد المنع على مقدمتين منه.
فيقال: قولك: يلزم من عدم ثبوته أمس عدم ثبوته اليوم، ممنوع إذ الفرض أنه ثابت اليوم.
وقولك: إذا ثبت اليوم يلزم ثبوته أمس ممنوع، بل ثبت اليوم، ولا يلزم ثبوته أمس، وعدم ثبوته فيه لا يقدح إلا باستصحاب ذلك العدم، وقد عرفت دفعه (١).
قوله: "مسألة لا يُطالَب النافي بالدليل".
أقول: النافي للشيء الذي عُلِمَ انتفاؤه لكل أحد بالضرورة، بأن علم ذلك حسًا، تواترًا، فلا حاجة إلى الدليل (٢)، وهو ظاهر، وإن لم يكن ذلك
стр. 1357
الانتفاء ضروريًا يطالب بالبيان؛ لأنه يدعي أمرًا غير مسلم عند الخصم، فلا بد من إثباته.
وعلى عبارة المصنف مؤاخذة، وهو أن يقال:
دعواه الضرورة لا تسقط عنه المطالبة لأن دعوى (١) الضرورة في محل النزاع لا تسمع.
وبما حررناه تندفع المؤاخذة [فتأمله] (٢).!
قوله: "ويجب الأخذ بالأقل".
قد تقدمت المسألة في الإجماع السكوتي، وإنما أعادها لئلا يتوهم أنه أهملها (٣).
стр. 1358
قوله: "وهل يجب الأخذ بالأخف"؟
أقول: ذهب بعض الأصوليين إلى أن الأخذ بالأخف من طرق الاستدلال [واجب] (١) لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
وذهب بعضهم إلى أن الأخذ بالأثقل واجب؛ لأنه أحوط، وأكثر ثوابًا.
وقيل: لا يجب الأخذ بشيء، بل يجوز لعدم دليل الوجوب (٢)، والأقوال المذكورة تجري في المذاهب، والروايات، والاحتمالات التي تتعارض أماراتها (٣).
قوله: "مسألة اختلف هل كان".
стр. 1359
أقول: اختلف في أنه ﷺ هل كان قبل البعثة متعبدًا (١)، أي: مكلفًا، من تعبده اتخذه عبدًا؟ فيه مذاهب: قيل: لم يتعبد بشيء من الشرائع (٢).
وقيل: تعبد، وعلى هذا، فقيل: شرع نوح، وقيل: إبراهيم، وقيل: موسي، وقيل: عيسى (٣)، وقيل: بما ثبت أنه شرع (٤).
стр. 1360
وقيل: بالوقف، وإليه مال إمام الحرمين، والغزالي، والآمدي (١) واختاره المصنف لتعارض أدلة الطرفين (٢).
واختار ابن الحاجب أنه كان متعبدًا لتظافر الأحاديث "كان يتحنث بغار حراء" (٣)، "كان يطوف" ونظائرهما.
وأجاب عن أدلة الطرفين (٤).
والعجب من المصنف أنه ذكر -في شرح المختصر- أن الأحاديث التي ادعاها ابن الحاجب لم أحفظ منها سوى حديث التحنث بحراء (٥).
стр. 1361
وقد ثبت في البخاري أن الحمس، وهم قريش، كانوا يقفون بمزدلفة، ورسول اللَّه ﷺ يقف بعرفة (١).
واعلم أن الخلاف إنما هو فيما فيه التقليد جائز، وأما أصول الدين، فلم يكن فيها مقلدًا لأحد.
وقوله: "وتأصيلًا وتفريعًا" منصوبان على التمييز من اختيار الوقف، والمعنى لم نقل: بأنه كان متعبدًا، ولا لم يكن متعبدًا أصلًا.
وإن قلنا: إنه كان متعبدًا لا نفرع على إثبات التعبد التعيين بشرع.
وما ذكرناه إنما هو قبل النبوة، وأما بعده.
المختار: أنه لم يكن متعبدًا بشيء من الشرائع قال اللَّه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
وقول إمام الحرمين، وابن الحاجب: كان يتعبد بما لم ينسخ على أنه موافق لا متابع، حاصله ما ذكرناه من عدم التعبد (٢).
стр. 1362
قوله: "مسألة حكم المنافع، والمضار".
أقول: قد مر في أول الكتاب أن لا حكم في الأشياء قبل البعثة، بل الأمر موقوف إلى ورود أمر الشارع، إنما الكلام هنا في الأشياء بعد ورود الشرع (١).
فنقول: الأشياء إما ضارة، أو نافعة.
стр. 1363
فالأصل في المنافع الحل لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، ذكره في معرض الامتنان، فيدل على المطلوب دلالة واضحة.
والمضار الحرمة لقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (١) أي: في شريعتنا، فيدل على [عدم] (٢) جواز تناول الضار.
قال والد المصنف: يستثنى من هذا الأصل أموالنا، فإن الأصل فيها التحريم، واستدل عليه بالحدلِث الصحيح: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم" وإنما صدر منه هذا الكلام لذهوله عن محل النزاع، لأن محله إنما هو في شيء لم يرد به نص من الشارع، فإن الأصل فيه ذلك.
стр. 1364
وأما إذا عارضة نص، فلا كلام، ألا ترى إلى حديث معاذ حين قال: "إنا لمؤاخذون بما تتكلم به ألسنتنا؟ " فقال: "ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم" (١).
فإن معاذًا كان فهم أن ما لا ضرر فيه مباح على العموم.
قال الإمام في المحصول: إذا نهانا اللَّه عن بعض الانتفاعات [إنما يكون ذلك] (٢) لرجوع الضرر فيها إلى مجتاح آخر، إما في الحال، أو في الاستقبال، لكن ذاك على خلاف الأصل، فثبت أن الأصل في المنافع الإباحة (٣)، هذا خلاصة كلامه.
قوله: "مسألة: الاستحسان قال به أبو حنيفة".
стр. 1365
أقول: القول بالاستحسان (١) مشهور عن الحنفية، ونقل عن الحنابلة أيضًا.
والحق: أنه لم يتعين محل النزاع بين الخصوم إلى يومنا، لأنهم أطلقوه لمعاني بعضها مقبول اتفاقًا، وبعضها مردود اتفاقًا، وأنا أحكى ما ذكره المصنف، مع زيادات وقفت عليها.
الأول: قولهم: هو دليل ينقدح في نفس المجتهد (٢)، ويعسر عليه التعبير عنه.
فنقول: ما معنى انقداحه؟
إن كان معناه: تحقق عند المجتهد بدليل أنه حكم اللَّه يجب العمل عليه اتفاقًا.
стр. 1366
ولا عبرة بعجزه، لأن العجز يضير في المناظرة لا في النظر، وإن كان معناه: أنه تصوره، وهو شاك فيه فمردود اتفاقًا.
الثاني: قولهم: هو العدول عن قياس إلى آخر أقوى، ولا نزاع في هذا لأحد.
الثالث: قولهم: هو العدول عن الدليل إلى العادة (١)، كشرب الماء من السقاء بلا تعيين مقداره، ودخول الحمام، مع السكوت عن مقدار الأجرة، ومقدار المكث.
فنقول: ما المراد بالعادة؟
إن أردت جريانه في زمانه، فهو ثابت بالسنة، وإن أردت في زمان الصحابة، أو من بعدهم من غير نكير، فهو إجماع منهم، وإن كان شيئًا غير هذا، فهو مردود اتفاقًا.
الرابع: قولهم: الاستحسان دليل يقابل القياس الجلي، وهو حجة لأنه ثبت بالدلائل التي هي حجة بالإجماع وتلك الدلائل إما النص مثل السلم، والإجارة، فإن القياس الجلي دال على عدم الصحة، وإنما ترك بالأثر.
стр. 1367
وإما الإجماع كالاستصناع، فإنه خلاف القياس الجلي وجوز إجماعًا.
وقيل: هو قياس خفى قوي الأثر يقابل قياسًا لم يكن قوي الأثر.
قلنا: جميع ذلك راجع إلى الأدلة الأربعة، فإن وجد دليل لم يندرج تحت شيء من ذلك، فمن سماه استحسانًا، فقد شَرَّع (١)، أي: وضع الشريعة بعد النبوة، فإن استحله كفر، أو لا فكبيرة.
وأما قول الشافعي: "أستحسن أن لا تنقص المتعة (٢) عن ثلاثين درهمًا"، "واستحسن أن يترك للمكاتب (٣) شيء" ونحوهما (٤)، فليس من
стр. 1368
الاستحسان (١) الذي هو أصل وراء الأصول الأربعة، كما أن الاستصحاب الذي قال به ليس أصلًا برأسه.
قوله: "مسألة قول الصحابي".
أقول: لا نزاع في أن مذهب الصحابي ليس حجة على صحابي آخر، إنما الخلاف في حجيته على غيره (٢)، والحق أنه ليس حجة (٣).
стр. 1369
قال المصنف -ناقلًا عن والده-: حجة في التعبدي الذي ليس للقياس فيه مجال.
لما روي أن عليًا ﵁ صلى في ليلة ست ركعات كل ركعة فيها ست سجدات.
قال الشافعي: لو صح عن عليّ أنه فعل لقلت به (١).
وهذا في الحقيقة ليس محل النزاع، لأن (٢) الكلام فيما يقوله الصحابي برأيه، وما لا مجال للرأي فيه هو في المعنى حديث مرفوع.
وإذا لم يكن قوله حجة، فهل يجوز تقليده، أم لا؟
الحق: أنه لا يجوز؛ لأنهم وإن كانوا مجتهدين، لكن لم تدون أقوالهم، ومذاهبهم، فلم يوثق بما ينقل عنهم، كذا صرح به إمام الحرمين (٣).
стр. 1370
وقيل: قوله حجة فوق القياس، فإذا تعارض قدم عليه.
قيل: هذا قوله القديم، وإليه ذهبت الحنفية (١).
فعلى هذا إذا اختلف صحابيان، فكان قولاهما كالدليلين يقدم أحدهما بالترجيح.
وقيل: حجة دون القياس، وعلى هذا هل يخصص العموم به؟
قولان لأصحابنا من غير ترجيح.
أما جوازه، فلأنه دليل شرعي، فالقياس يقتضي أن يخص به، وأما عدمه، فلأن الصحابة كانوا يتركون أقوالهم إذا بلغهم دليل عام.
وقيل: حجة إن انتشر، ولم يخالف، قيل: هذا -أيضًا- منقول عن القديم.
وقيل: إن خالف القياس، فهو حجة، وإلا فلا؛ لأنه لا يخالف القياس إلا لدليل أقوي، فالحجة في الحقيقة هو ذلك الدليل الذي خالف القياس لأجله.
وقيل: حجة إن انضم إلى قول الصحابي قياس يقربه، كما قال الشافعي -في البراءة من العيوب-: إذا باع حيوانًا بشرط البراءة من العيوب يبرأ عن عيب لا يعلمه.