← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 132415

الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (1 869 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

ولا عبرة بعجزه، لأن العجز يضير في المناظرة لا في النظر، وإن كان معناه: أنه تصوره، وهو شاك فيه فمردود اتفاقًا. الثاني: قولهم: هو العدول عن قياس إلى آخر أقوى، ولا نزاع في هذا لأحد. الثالث: قولهم: هو العدول عن الدليل إلى العادة (١)، كشرب الماء من السقاء بلا تعيين مقداره، ودخول الحمام، مع السكوت عن مقدار الأجرة، ومقدار المكث. فنقول: ما المراد بالعادة؟ إن أردت جريانه في زمانه، فهو ثابت بالسنة، وإن أردت في زمان الصحابة، أو من بعدهم من غير نكير، فهو إجماع منهم، وإن كان شيئًا غير هذا، فهو مردود اتفاقًا. الرابع: قولهم: الاستحسان دليل يقابل القياس الجلي، وهو حجة لأنه ثبت بالدلائل التي هي حجة بالإجماع وتلك الدلائل إما النص مثل السلم، والإجارة، فإن القياس الجلي دال على عدم الصحة، وإنما ترك بالأثر.

стр. 1367

وإما الإجماع كالاستصناع، فإنه خلاف القياس الجلي وجوز إجماعًا. وقيل: هو قياس خفى قوي الأثر يقابل قياسًا لم يكن قوي الأثر. قلنا: جميع ذلك راجع إلى الأدلة الأربعة، فإن وجد دليل لم يندرج تحت شيء من ذلك، فمن سماه استحسانًا، فقد شَرَّع (١)، أي: وضع الشريعة بعد النبوة، فإن استحله كفر، أو لا فكبيرة. وأما قول الشافعي: "أستحسن أن لا تنقص المتعة (٢) عن ثلاثين درهمًا"، "واستحسن أن يترك للمكاتب (٣) شيء" ونحوهما (٤)، فليس من

стр. 1368

الاستحسان (١) الذي هو أصل وراء الأصول الأربعة، كما أن الاستصحاب الذي قال به ليس أصلًا برأسه. قوله: "مسألة قول الصحابي". أقول: لا نزاع في أن مذهب الصحابي ليس حجة على صحابي آخر، إنما الخلاف في حجيته على غيره (٢)، والحق أنه ليس حجة (٣).

стр. 1369

قال المصنف -ناقلًا عن والده-: حجة في التعبدي الذي ليس للقياس فيه مجال. لما روي أن عليًا ﵁ صلى في ليلة ست ركعات كل ركعة فيها ست سجدات. قال الشافعي: لو صح عن عليّ أنه فعل لقلت به (١). وهذا في الحقيقة ليس محل النزاع، لأن (٢) الكلام فيما يقوله الصحابي برأيه، وما لا مجال للرأي فيه هو في المعنى حديث مرفوع. وإذا لم يكن قوله حجة، فهل يجوز تقليده، أم لا؟ الحق: أنه لا يجوز؛ لأنهم وإن كانوا مجتهدين، لكن لم تدون أقوالهم، ومذاهبهم، فلم يوثق بما ينقل عنهم، كذا صرح به إمام الحرمين (٣).

стр. 1370

وقيل: قوله حجة فوق القياس، فإذا تعارض قدم عليه. قيل: هذا قوله القديم، وإليه ذهبت الحنفية (١). فعلى هذا إذا اختلف صحابيان، فكان قولاهما كالدليلين يقدم أحدهما بالترجيح. وقيل: حجة دون القياس، وعلى هذا هل يخصص العموم به؟ قولان لأصحابنا من غير ترجيح. أما جوازه، فلأنه دليل شرعي، فالقياس يقتضي أن يخص به، وأما عدمه، فلأن الصحابة كانوا يتركون أقوالهم إذا بلغهم دليل عام. وقيل: حجة إن انتشر، ولم يخالف، قيل: هذا -أيضًا- منقول عن القديم. وقيل: إن خالف القياس، فهو حجة، وإلا فلا؛ لأنه لا يخالف القياس إلا لدليل أقوي، فالحجة في الحقيقة هو ذلك الدليل الذي خالف القياس لأجله. وقيل: حجة إن انضم إلى قول الصحابي قياس يقربه، كما قال الشافعي -في البراءة من العيوب-: إذا باع حيوانًا بشرط البراءة من العيوب يبرأ عن عيب لا يعلمه.

стр. 1371

قال: إنما قلته تقليدًا لعثمان ﵁ (١). وقيل: قول الشيخين حجة دون غيرهما لقوله ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر، وعمر". وقيل: قول الخلفاء الأربعة لقوله: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" وروي عن الشافعي ما عدا عليًا. وأولى ما يقال -في توجيه ذلك-: أن عليًا ﵁ كان قد اشتغل بالحروب، ورحل إلى العراق، وتفرقت الصحابة، عنه، بخلاف من قبله، فإنهم كانوا إذا وقعت لهم شبهة استشاروا الصحابة. كما فعل أبو بكر ﵁ في ميراث الجدة (٢)، وعمر في طاعون الشام (٣).

стр. 1372

هذا وأما ما وافق الشافعي فيه قول صحابي كزيد في الفرائض أو عثمان في مسألة براءة العيوب، فلموافقة اجتهاده، إذ قد اشتهر عنه أنه قال: كيف احتج بقول من لو عارضته لحججته (١). وأيضًا الاتفاق على أن المجتهد لا يجوز له التقليد مطلقًا صحابيًا كان، أو غيره (٢). قوله: "الإلهام". أقول: مما يتوهم أنه حجة شرعية الإلهام.

стр. 1373

وهو إلقاء [المعنى] (١) المشتمل على الخير في روع الإنسان بطريق الفيض لا السماع (٢)، وهذا أمر محقق نقلًا وعقلًا، أما نقلًا فلما ورد في الحديث: "إن للملك [تغلبًا] (٣) أي: لمة (٤) وللشيطان لمة، أما لمة الملك فإيعاد بالخير، وأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر" (٥) ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨] (٦).

стр. 1374

ولقوله: "إن روح القدس نفث في روعي لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها" (١). وإنما الكلام في كونه حجة على الغير، أو على نفسه، فالصواب أنه إن كان من معصوم مؤيد حجة مطلقًا، وإن كان من غيره فلا. وما ورد في الأحاديث مثل: "استفت قلبك، وإن أفتاك الناس (٢) وأفتوك" (٣).

стр. 1375

وقوله: "كان فيمن قبلكم مُحَدَّثون (١)، فإن كان في هذه الأمة محدث فهو عمر" (٢). وأمثاله فهو محمول على الكرامة (٣) الذي نحن قائلون بها (٤). وأما أنه يدل على أنه دليل شرعي فلا. وأما كونه محققًا عقلًا، فلأن كل أحد يجد في نفسه خواطر الخير من الحج، والصوم، وغيرهما بلا ريب، بل قَلَّ ما يخلو وقت منها.

стр. 1376

وقول الصوفي: [إنه] (١) أُلْهِم كذا فهو حجة. بدعة، وضلالة لا يلتفت [إليه لأنه تشريع بعد النبوة، فيجب على كل مسلم ردع الصوفي القائل هذا الكلام، فإنه يفسد عقائد العوام] (٢) وإنما ترك المصنف المصالح المرسلة (٣) لأنه علم إلغاؤها من باب القياس حيث ذكر أن الوصف المرسل لا يصلح علة (٤). قوله: "خاتمة".

стр. 1377

أقول: هذه فائدة ذكرها تبرعًا ليس لها تعلق بأصول الفقه، لأن أصول الفقه أدلته (١). فالبحث فيها لا يكون إلا فيما هو دليل الفقه إما اتفاقًا، أو اختلافًا قال القاضي حسين: مبنى الفقه على أربع قواعد: الأولى: أن الشك الطارئ لا يرفع حكم اليقين السابق. مثاله: الشك في الحدث بعد يقين الطهارة، فالحكم للطهارة (٢). الثانية: الضرر يزال (٣).

стр. 1378

مثاله: يجب ضمان المتلفات، ورد المغصوب، وإطعام الجائع الواقع في المخمصة، ونصر المظلوم. الثالثة: المشقة تجلب التيسير (١). مثاله: جواز القصر، والجمع، والفطر في السفر، ومن الأمثال إذا ضاق الأمر اتسع. الرابعة: تحكيم العادة (٢)

стр. 1379

مثاله: أقل الحيض، وأكثره، وفي باب الأطعمة الرجوع إلى [العرف] (١) فيما لا نص فيه. وزاد بعضهم خامسة، هي قولهم: المأمور بمقاصدها (٢) فيدل على وجوب النية في الطهارة، وهذه مأخوذة من قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (٣)، ولعل القاضي إنما تركها لكونها مستفادة من صريح الحديث وعامة في جميع القواعد. * * *

стр. 1380

الكتاب السادس في التعادل والتراجيح

стр. 1381

الكتاب السادس: في التعادل والتراجيح قوله: "الكتاب السادس في التعادل، والتراجيح". أقول: قد سبق منا أن الدليل على المطلوب إنما يستلزمه إذا سلمت مقدماته من القوادح، ولم يعارضه مثله، أو أقوى منه، فلذلك جرت العادة بوضع باب آخر بعد ذكر الأدلة لما يعرف به دفع المعارض (١). ثم التعارض (٢) إنما يتصور في الظنيات؛ لأن القطعيات لو تعارضت

стр. 1382

ثبت مقتضاها، فيلزم جمع النقيضين (١). وكذا لا تعارض بين ظني، وقطعي لسقوط الظن في مقابلة القطع (٢)، فانحصر الترجيح في الظنيين.

стр. 1383

والظنيان إما منقولان كالنصين، أو معقولان كقياسين، أو منقول، ومعقول كنص، وقياس. قال المصنف: لا تعارض في الظنيات أيضًا في نفس الأمر على الصحيح، وإنما قيده بنفس الأمر لأن التعارض بالنظر إلى المجتهد واقع لا يمكن إنكاره (١). وتحقيق المسألة: أن اليقين لما كان غير مجامع لاحتمال النقيض، فلا يمكن ترجيحه؛ لأنه فرع احتمال النقيض. قال الغزالي: "لا ترجيح لعلم على علم، فإذا تعارض نصان قاطعان، فلا سبيل إلى الترجيح، بل إن كانا متواترين، فالمتأخر ناسخ إن علم التاريخ، وإلا لا بد وأن يكون أحدهما ناسخًا" (٢).

стр. 1384

وقد علم من كلامه أن المنفي من القطعيات ليس التعارض مطلقًا، بل تعارض يمكن معه الترجيح، لأن النسخ لا يمكن بدون التعارض، فالتعارض المبحوث عنه هو ما يمكن الترجيح معه. وأما في نفس الأمر بأن يرد من الشارع دليلان من غير نسخ (١)، يوجب أحدهما الوجوب، والآخر الحرمة، هذا غير جائز؛ لأنه يتناقض كلامه (٢) وهو منزه عن ذلك. فإذا تعادل النصان -عند الجمهور- ولا مرجح بوجه. قيل: بالتخيير بينهما (٣). وقيل: بالتساقط، كما في البينتين، وهو المختار (٤)، وإن لم يشر إليه المصنف. أو الوقف فيهما (٥). والفرق بين الوقف، والتساقط أن في الوقف لم يجب الرجوع إلى الغير، بل ربما يظهر له مرجح بعد، وفي التساقط يجب العدول عنهما، والرجوع إلى الغير.

стр. 1385

والرابع: إن وقع التعادل في الواجبات، فالتخيير إذ لا يمتنع التخيير في الواجبات كخصال الكفارة (١)، وفي غير الواجبات التساقط. قال بعض الشارحين (٢): "قول المصنف: وإن توهم التعادل، أحسن من قول غيره: وإن ظن. لأن الظن للطرف الراجح، ولا يوجد ذلك" (٣). وأقول: عبارة المصنف فاسدة، والصواب ما قاله غيره، لأن وهم التعادل لا يوجب توقف المجتهد (٤)، لأن الوهم يكون في الطرف المرجوح، فلا ينافي ظن المجتهد الواجب اتباعه، بل إذا ظن الحكم من أمارة، -وإن

стр. 1386

كان وهم الصحة في الأمارة الأخرى- يجب عليه الفتوي، والعمل بما ظن صحته، وهذا مما لا يخالف فيه [أحد] (١). قوله: "وإن نقل عن مجتهد قولان". أقول: إذا نقل قولان عن مجتهد، فإما أن يعلم تاخر أحدهما أو لا، فإن علم ذلك، فالمتأخر مذهبه، وإن لم يعلم التأخر، فإن أشعر أحدهما بالرجحان عنده كما إذا قال: أشبه القولين، أو أقيسهما فذاك مذهبه، وإن لم يوجد شيء من ذلك، فيدل على استواء الاحتمالين (٢) عنده، وإنما يقع ذلك؛ لأنه ينظر في الأمارة، فيغلب على ظنه الحكم بمقتضاه، ثم يظفر بدليل آخر ينافي تلك الأمارة، فيكون عنده مرجحًا، فيقول بمقتضاه، ثم يبدو له ما يوجب تعادل الأمارتين فيكون القولان في رتبة واحدة. قال بعض الشارحين (٣): "قوله: في المسألة قولان يحتمل أن يريد احتمالين على سبيل التجويز لوجود أمارتين متساويتين ولا يريد بهما مذهبين لمجتهدين". وهذا سهو لأنا نقطع بأن الشافعي إذا قال: في المسألة قولان لم يرد قول غيره من المجتهدين، كيف، ولم تنقل أقوال الصحابة، وتنقل أقوال غيرهم؟ ! فهما قولان له لكنه توقف لما ذكرنا.

стр. 1387

وقد وقع للشافعي هذا النوع من التردد في ستة عشر، أو سبعة عشر موضعًا (١)، وذلك يدل على نباهة شأنه علمًا ودينًا. أما علمًا: فلأنه قد أشبع النظر في الدلائل، والأمارات حتى أوجب عليه التوقف، ولو اغتر باول ما يبدو له، وصمم، ومضى على ذلك لم يقع له التوقف. وأما دينًا: فلأنه لم يبال بإظهار التردد، والتوقف من قدح طاعن في ذلك، ونسبته إلى قصور النظر في استنباط الأحكام، وقد عابه بذلك بعض القاصرين جهلًا منهم بما ذكرنا. ثم القولان المذكوران، وهما اللذان لا ترجيح فيهما لا صريحًا، ولا إشعارًا، فعن الشيخ أبي حامد ما خالف فيه أبا حنيفة أرجح؛ لأنه لم يخالفه إلا وقد اطلع على مأخذ أقوى من أخذه. وقال القفال: الموافق أولى (٢)؛ لأنه ما وافقه إلا لما ظهر له من قوة مأخذه. قال المصنف: الأصح الترجيح بالنظر.

стр. 1388

قال بعض الشارحين (١): ما قاله المصنف هو الأولى مما قاله النووي من الترجيح لموافقة أبي حنيفة؛ لأن الكثرة تفيد في النقل لا في الدليل، وقوة الاجتهاد بقوة دليله. وإن شئت تحقيق المقام بما لا مزيد عليه، فاستمع لمقالتنا: اعلم أن هذا الموضع فيه شبه لا بد من التنبه لها: الأولى: أن مخالفة أبي حنيفة إنما ذكرت مثالًا، وكذلك شأنه مع مالك، وأحمد. الثانية: أنه قد توهم بعضهم أن موافقته لأبي حنيفة يقتضى السبق على المخالفة، وليس بلازم؛ لجواز أن تكون المخالفة سابقة ثم يطلع على دليل يوجب موافقته. الثالثة: أن ما قاله النووي في الترجيح بالموافقة (٢) ليس مقصورًا على قولي الشافعي إذا كانا متساويين، بل أعم من ذلك. ألا ترى أنه قال: الجمع وإن كان أصح القولين عن الشافعي، فعدمه أولى لموافقة قول أبي حنيفة. الرابعة: أن ما قاله هذا الشارح من الرد عليه بأنه ترجيح في المذهب بالكثرة كالرواية -وفرق بين الرواية، والاجتهاد، إذ الرواية مبناها النقل

стр. 1389

ومبنى الاجتهاد قوة الدليل - غير وارد عليه: لأن مراده أن دليلي المجتهدين متعاضدان في قوة الدلالة بخلاف حالة الانفراد، وهذا كلام في نهاية الحسن، وسيصرح المصنف بأن تعاضد الدليلين من المرجحات. الخامسة: أن قول المصنف واختياره: الترجيح بالنظر، لا يكاد يصح، لأن الترجيح على ما في شروحه (١) -وهو ظاهر عبارته- إنما هو من الشافعي. وكذا قوله: وإن وقف، أي: الشافعي، فالوقف، أي: نحن نتوقف، فلا نقول: برجحان شيء منهما، وهذا كلام غير منتظم، لأن وضع المسألة إنما هو في قولين نقلًا عنه من غير ترجيح، فاختلف فيها بأن الموافقة، أو المخالفة هل ترجح أو لا؟ فلا وجه لهذا الكلام. لا يقال: لعله أراد أن ما رجحه الشافعي هو المرجح، ولا عبرة بالموافقة، والمخالفة. لأنا نقول: وضع المسألة فيما لا ترجيح منه، وما كان فيه ترجيح قد تقدم أنه المرجح سواء كان ترجيحًا صريحًا، أو إشارة، هذا كله إذا كان للشافعي في المسألة بعينها قول، أو قولان. فإن لم يكن له فيها قول، فإن كان له في نظيرتها قول، والحق الأصحاب المسألة أبي ليس فيها قول بنظيرتها - فذلك يسمى قولًا مخرجًا للشافعي في الأصح.

стр. 1390

وقيل: لا ينسب إليه هذا القول لاحتمال ثبوت فرق عنده بين المسألتين لم نقف عليه، والمذهب خلاف ما قاله هذا القائل. وإذا نسب إليه لا ينسب إليه مطلقًا لئلا يلتبس، فيظن أنه نص منه، بل بقيد أنه قوله المخرج (١). وإذا تعارض نصه في صورتين متشابهتين، فاختار في أحديهما خلاف ما اختاره في الأخرى ينشأ اختلاف الطرق، فمن الأصحاب من يخرج في كل صورة قولًا له على نظيرتها، فيبقى في كل صورة قولان: منصوص، ومخرج. ومنهم من يبدي فارقًا بين الصورتين، ويقرر كل نص على مقتضاه. قال بعض الشارحين (٢): "وهذا هو منشأ الخلاف في أن القول المخرج هل ينسب إليه؟ " وهذا سهو منه، لأن الخلاف في أن المخرج هل ينسب إليه؟ إنما هو عند القائل بالتخريج، ومن لم يقل بالتخريج لا قول عنده حتى يقال: ينسب أو لا ينسب. فلا وجه لجعل مخالفته منشأ للخلاف في جواز النسبة، فتأمل.! قوله: "والترجيح".

стр. 1391

أقول (١): الترجيح له طرق متكثرة شرع بعد تحرير المبحث بذكرها، فبدأ بتعريف الترجيح (٢)، فقال: هو تقوية أحد الطريقين، أي: المتعارضين بما سيذكره مفصلًا. ثم الجمهور على أن العمل بالراجح واجب معلومًا كان أو مظنونًا، وخالف القاضي أبو بكر، وأبو عبد اللَّه البصرى من المعتزلة (٣)، إلا أن القاضي يقول: أنا أقول بالترجيح القطعي كتقديم النص على القياس، وأبو عبد اللَّه يقول: الترجيح الظني لا اعتبار به بل الواجب إما الوقف، أو التخيير، وكلاهما ملزم بالاجماع على أن الظن الغالب يقدم، وإن الظنون تتفاوت. قوله: "ولا ترجيح". أقول: قد تقدم أن التعارض القابل للترجيح لا يكون في القطعيات لعدم التفاوت في المعلوم، بل إن تعارض نصان، وعلم التأريخ فالمتأخر ناسخ.

стр. 1392

فقول المصنف: لعدم التعارض، يريد به التعارض القابل للترجيح، وإلا فالنسخ لا يمكن بدون التعارض، فإن نقل تأخر القطعي بطريق الآحاد يعمل به، ويجعل ذلك المتأخر ناسخًا للمتقدم، لأن الأصل دوام المتأخر من غير معارض هذا معنى كلامه. وتعليله ليس بسديد، لأن المخالف يقول، لا نقبل نقل المتأخر آحادًا، لأنه يفضي إلى إسقاط المتواتر بالآحاد. فالجواب: بأن الناسخ قطعي المتن، غايته أن التأخر ظني، وبذلك لم يصر النص ظنيًا مع إجماع الصحابة ومن بعدهم على الاكتفاء بنقل الآحاد في التأخر. وأما ذاك التأخر مظنون دوامه ليس له دخل في الجواب ولا منعه أحد. ثم الأصح عند الشافعي الترجيح بكثرة الأدلة (١): لأنك قد عرفت أن الأدلة المتعارضة أمارات تفيد الظن، ولا ريب أن الظن له مرات (٢).

стр. 1393

فما يفيده الدليلان أقوى مما يفيده دليل واحد. وكذلك يرجح بكثرة الرواة (١) بعلة ما ذكرناه في الأدلة. والاعتراض بالشهادة (٢) ساقط، لأن الأصل في الشهادة أن لا تكون حجة لاحتمال الخطأ، والكذب، وإنما اعتبرت لضرورة دفع الخصومات،

стр. 1394

فلو رجحت بكثرة العدد، فكان لدى التعارض كل من كان عدد شهوده ناقصًا يستمهل القاضي في الإتيان بعدد آخر، فيطول القيل، والقال، ويعود على أصل الشهادة بالنقض، وهو عدم فصل الخصومات. هذا واضح فيما إذا اختلف العددان كثرة، واستويا في سائر الصفات وأما إذا كانت الصفات المرجحة في العدد القليل أكثر منها في العدد الكثير، فللمحدثين هناك خلاف هل المرجح العدد، أم كثرة الصفات (١)؟

стр. 1395

وميل إمام الحرمين إلى اعتبار الصفات، ولذلك قال: "لو روى جمع حديثًا، وروى الصديق ما يعارضه كانت الصحابة لا تؤثر على رواية الصديق شيئًا" (١). قوله: "وأن العمل بالمتعارضين". أقول: يريد أن المصير إلى الترجيح إنما يكون إذا لم يمكن الجمع ولو بوجه (٢). ولو قدم هذا البحث على المسألة السابقة كان أولى كما لا يخفي، لأن الترجيح بالأدلة وكثرة الرواة إنما يكون إذا تعذر الجمع. مثال ما أمكن الجمع فيه قوله ﷺ : "أيُّما إهاب دبغ فقد طهر". مع قوله: "لا تنتفعوا بالميتة بإهاب ولا عصب" (٣). فيحمل هذا على قبل الدباغ جمعًا بين الدليلين لأنه أولى من إهمال أحدهما.

стр. 1396

وإذا أمكن الجمع، وتعارض الكتاب، والسنة. قيل: يقدم الكتاب لحديث معاذ، فإنه قدم الكتاب فيه. وقيل: السنة؛ لقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] والحق عدم الفرق، واختيار الجمع. مثاله قوله ﷺ : "هو البحر الطهور ماؤه الحل ميتته". مع قوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فإنه يدل على حرمة لحم الخنزير البحري، والحديث الأول يدل على حله، فيحمل الخنزير على البري، لتبادره لدى الإطلاق (١). فإن تعذر الجمع، فإما أن يتاخر أحدهما عن الآخر، ويعلم التأريخ، فالمتأخر ناسخ، وإن لم يعلم التاريخ رجع إلى غيرهما لتعذر العمل، هذا إذا

стр. 1397

علم تأخر أحدهما (١)، فإن علم تقارنهما، والمفروض تعذر الجمع، فالترجيح، فإن لم يوجد شيء من طرق الترجيح فالتخيير (٢)، وإن جهل التأريخ، ولم يعلم السبق، ولا التقارن، والحكمان قابلان للنسخ وجب الرجوع إلى غيرهما لاحتمال كل منهما أن يكون هو المنسوخ، وإن لم يمكن النسخ، فالتخيير كما في التقارن (٣). هذا وفي كلامه نظر من وجهين: الأول: أن التقارن بين المتنافيين لا يتصور في كلام الشارع؛ لأنه تناقض لا يليق بمنصبه، بل دائمًا أحدهما متأخر إلا أنه ربما يجهل التأريخ. الثاني: قوله: "إن تعذر الجمع في التقارن، والجهل بالتأريخ"، مما لا وجه له؛ لأنه قد تقدم من كلامه أن المصير إلى الترجيح إنما هو بعد تعذر الجمع، فيصير تقدير كلامه: إن تعذر الجمع، وتقارنا، فالتخيير إن تعذر الجمع. فالصواب حذفه، هذا اٍ ذا لم يكن أحد النصين أعم من الآخر مطلقًا، أو من وجه، فإن كان كذلك، فقد سبق ذلك في باب التخصيص.

стр. 1398

قوله: "مسألة يرجح بعلو الإسناد وفقه الراوي". أقول: ترجيح الخبر يكون بوجوه: الأول: حال الراوي، فيرجح بكثرة الرواة، وقد تقدم، وبعلو سنده: لقلة الواسطة، فيقل احتمال الخطأ (١) ولذلك ترى أهل الحديث يباهون به. وبفقه الراوي: سواء كانت الرواية باللفظ، أو بالمعنى؛ لأن الفقاهة صفة توجب المزية: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. وكالفقاهة: اللغة، والنحو لأن العالم بهما يتحفظ مواقع الدليل فالاعتماد عليه أقوى. وبورعه، وحسن ضبطه، وفطنته، وشدة تيقظه إذ كل من هذه الثلاثة يغلب جانب الصدق بلا شبهة (٢).

стр. 1399

وإن شئت تحقيق ذلك قابل رواية مالك، والشافعي بمن عاصرهما تجد بونا بعيدًا (١). وإن كان الراوي المرجوح الذي ليس فيه تلك الصفات قد روى باللفظ، وصاحب تلك الصفات بالمعنى، وبيقظته، فيرجح على غيره وهي قريبة من الفطنة، وحسن الاعتقاد، فإنه يقوى جانب الصدق، وشهرة عدالته، ومن عرف عدالته بالاختبار قدم على من عدل بالتزكية إذ ليس الخبر كالعيان، وبكثرة المزكين؛ لأنه يصير كالمشهور بالعدالة. وتقدم رواية معروف [النسب] (٢) على مجهوله (٣). وقيل: مشهوره يقدم على غيره إذ الشهرة فيه كالشهرة في العدالة، واختاره ابن الحاجب، والبيضاوي (٤)، ولم يرضه المصنف. والحق: ما قاله المصنف: لأن النسب ليس من أوصاف تعتبر بالذات في الراوي.

стр. 1400

وكونه معروف النسب كاف (١) في دفع رذالته. ويقدم من زكى صريحًا على من عرفت تزكيته بالحكم على وفق شهادته، وقدم البيضاوي العمل بالرواية على التعديل صريحًا (٢)، ومن نقل لفظ المروي على من نقله في الجملة أعم من اللفظ، والمعنى لمزيد الاعتناء من الأول، ومن ذكر السبب على من لم يذكره لزيادة علمه بالواقعة (٣)، ومن يروي من حفظه على الذي يروي عن كتابه لأنه عدل لا يكذب (٤). [وقوله] (٥) على النبي شيئًا ما قاله نسيانًا، بعيد، والكتاب يمكن الزيادة فيه بخط يشابهه، وكذا سقط ما يقال (٦): "إذا كان الكتاب محفوظًا بخط ضابط هو أوثق من الحفظ"، وإنما سقط ذلك لأن حفظ الكتاب على وجه لا يطلع عليه إلا هو، وضبطه بخط لا يمكن أن يشابه قليل جدًا.

стр. 1401

ويقدم بظهور طريق الرواية كالسماع على الإجازة، والسماع من غير حجاب على السماع حجابًا كما قدمت رواية القاسم (١) بن محمد على رواية الأسود (٢) عن عائشة ﵂ في أن زوج (٣)

стр. 1402

بريرة كان عبدًا: لأن القاسم محرم لها بخلاف الأسود فلا يخاطبها كفاحًا (١). وبكونه من أكابر الصحابة، رُوي أن مذهب علي ﵁ كان تحليف الراوي سوى الصديق ﵄. والمراد بالكبر علو المنزلة علمًا، وفقهًا. ولذلك يعد ابن عباس، وعائشة ﵃ من أكابر الصحابة (٢)

стр. 1403

ولذلك قدموا رواية عائشة في صحة صوم الجنب على رواية أبي هريرة (١). وبكونه ذكرًا، فإنه مقدم على المرأة خلافًا للأستاذ (٢) أبي إسحاق. والحق ما قاله الأستاذ (٣)، لأن المعتبر في هذا الباب العدالة، والفقه، ولا ريب أن فقه عائشة يفوق كثيرًا من الصحابة. وقيل: يختلف باختلاف الأحكام، ففي أحكام النساء تقدم النساء وفي أحكام الرجال يقدم الرجال، وبكونه حرًا لشرف الحر (٤)،

стр. 1404

وبكونه متأخر الإسلام، فيقدم خبره على متقدم الإسلام (١)، وقيل: بالعكس (٢). مثال الأول: تقديم تشهد ابن عباس (٣) على تشهد ابن مسعود (٤).

стр. 1405

ووجه العكس: أن المتقدم قد دامت صحبته إلى آخر الوقت. والجواب: أن قول المتأخر نص لا يحتمل المتقدم بخلاف المتقدم إذ ربما سمعه سابقًا. وتقدم رواية المتحمل بعد البلوغ لاعتنائه بالضبط، واحترازه من الكذب (١). وبكونه غير مدلس، وهذا الكلام في تدليس لا يسقط الرواية (٢) وبكونه منفردًا باسم على المشهور باسمين، فإنه ربما شاركه في أحدهما ضعيف (٣)، وبكونه مباشرًا للواقعة، ولهذا قدم الشافعي رواية أبي رافع (٤)
следующие страницы →