ويقدم بظهور طريق الرواية كالسماع على الإجازة، والسماع من غير حجاب على السماع حجابًا كما قدمت رواية القاسم (١) بن محمد على رواية الأسود (٢) عن عائشة ﵂ في أن زوج (٣)
стр. 1402
بريرة كان عبدًا: لأن القاسم محرم لها بخلاف الأسود فلا يخاطبها كفاحًا (١).
وبكونه من أكابر الصحابة، رُوي أن مذهب علي ﵁ كان تحليف الراوي سوى الصديق ﵄.
والمراد بالكبر علو المنزلة علمًا، وفقهًا.
ولذلك يعد ابن عباس، وعائشة ﵃ من أكابر الصحابة (٢)
стр. 1403
ولذلك قدموا رواية عائشة في صحة صوم الجنب على رواية أبي هريرة (١).
وبكونه ذكرًا، فإنه مقدم على المرأة خلافًا للأستاذ (٢) أبي إسحاق. والحق ما قاله الأستاذ (٣)، لأن المعتبر في هذا الباب العدالة، والفقه، ولا ريب أن فقه عائشة يفوق كثيرًا من الصحابة.
وقيل: يختلف باختلاف الأحكام، ففي أحكام النساء تقدم النساء وفي أحكام الرجال يقدم الرجال، وبكونه حرًا لشرف الحر (٤)،
стр. 1404
وبكونه متأخر الإسلام، فيقدم خبره على متقدم الإسلام (١)، وقيل: بالعكس (٢).
مثال الأول: تقديم تشهد ابن عباس (٣) على تشهد ابن مسعود (٤).
стр. 1405
ووجه العكس: أن المتقدم قد دامت صحبته إلى آخر الوقت.
والجواب: أن قول المتأخر نص لا يحتمل المتقدم بخلاف المتقدم إذ ربما سمعه سابقًا.
وتقدم رواية المتحمل بعد البلوغ لاعتنائه بالضبط، واحترازه من الكذب (١).
وبكونه غير مدلس، وهذا الكلام في تدليس لا يسقط الرواية (٢) وبكونه منفردًا باسم على المشهور باسمين، فإنه ربما شاركه في أحدهما ضعيف (٣)، وبكونه مباشرًا للواقعة، ولهذا قدم الشافعي رواية أبي رافع (٤)
стр. 1406
في نكاح رسول اللَّه ﷺ ميمونة، وهو حلال، وبنى بها وهو حلال (١).
وقال: كنت رسولًا بينهما.
وقد روى ابن عباس أنه تزوجها، وهو محرم (٢).
стр. 1407
وبكونه صاحب الواقعة كما روت ميمونة: تزوجني رسول اللَّه ونحن حلال (١)، فقدم على رواية ابن عباس (٢)، وعن سعيد بن المسيب (٣) أن ابن عباس وهم في تلك القضية (٤).
стр. 1408
وبكونه يروي بلفظه، والآخر بمعناه (١).
وبكون الراوي الأصل لم يكذب الفرع، فإنه يقدم على رواية من كذبه شيخه (٢)، وكون الحديث في الصحيحين، فإنه يقدم على ما ليس فيهما، لأن الأمة قد تلقتهما بالقبول (٣).
قوله: "والقول".
أقول: هذا شروع في الترجيح نظرًا إلى المتن ويقع ذلك بأمور أيضًا:
стр. 1409
فيقدم قوله ﷺ على ما فعله (١): لأن دلالة القول أقوى من دلالة الفعل، ولاحتمال كون الفعل من خواصه.
ويقدم فعله على تقريره، لأن دلالة التقرير مختلف فيه، ولاحتمال عدم اطلاعه على حقيقة الحال (٢).
وبفصاحته (٣) إذ لا يصدر منه إلا الفصيح.
стр. 1410
لا يقال: فيجب أن يكون ما يروى بلفظ غير فصيح مردودًا، لأنا نقول: ربما رواه بلفظ نفسه، فيكون نقلًا بالمعنى.
وقيل: الأفصح يقدم على الفصيح (١)؛ لأنه ﷺ كان أفصح الناس، والحق عدم التقديم بذلك، لأن كونه أفصح الناس لا يستلزم المداومة على الأفصح؛ لأنه كان يخاطب العرب بقدر لغاتهم، وأفهامهم.
وبكونه يروي زيادة لا يرويه الآخر، كتقديم رواية التكبير في العيد سبعًا (٢) على رواية الأربع (٣).
стр. 1411
وبكونه لغة قريش، وبكونه لغة أهل الحجاز على لغة غيرهم (١). وبكونه رواية المدني على رواية الكى لتأخره، والمراد بالمدنيات ما وقعت بعد الهجرة سواء كانت بالمدينة أو بغيرها حتى ولو بمكة لحديث: "إن أموالكم وأعراضكم" وإن كان بالمسجد الحرام (٢).
وبكونه مشعرًا بعلو شأنه، فإنه يقدم على غيره، لأن ظهور أمره، وعلو شأنه كان متأخرًا، فيظن تأخره بخلاف غير المشعر فإنه خال عن هذا الظن (٣).
وبكونه مذكورًا، مع علته كقوله: "من بدل دينه فاقتلوه" مع قوله: "لا تقتلوا النساء، والصبيان".
فيحمل الثاني على الحربيات: لأن ذكر العلة يدل على الاهتمام. وبكون علته متقدمة في الذكر على المتأخرة؛ لأنه دال على ارتباط الحكم بها، هذا ما قاله الإمام في المحصول (٤).
стр. 1412
وعكسه النقشواني (١) بأن العلة إذا كانت متأخرة بعد ذكرها لا التفات للنفس إلى غيرها، بخلاف المتقدمة، فإنها إن لم تكن شديدة المناسبة ربما يتردد الذهن بعد الحكم (٢).
وبكونه مشتملًا على التهديد نحو: "من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم" (٣).
стр. 1413
وبكونه مشتملًا على التأكيد نحو: "أيما امرأة نكحت بغير ولي فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل". فيقدم على حديث مسلم: "الأيم أحق بنفسها من وليها"، إذ المؤكد يدل على كونه مهتمًا به (١).
وبكونه عامًا مطلقًا على الوارد لسبب، فإن بعض العلماء ذهب إلى أن الوارد لسبب خاص به، وهذا فيما عدا صورة السبب، وأما في السبب، فلا، لأنا إن قلنا: إنه يختص به فظاهر، لأن الخاص مقدم على العام، وإن قلنا: بعمومه، وهو المختار لأن دلالته على ما ورد فيه أقوى، ولذلك لم يجز التخصيص بالنسبة إليه كما تقدم (٢).
وبكونه عامًا شرطيًا كمن، وما، وأي، على النكرة المنفية لاشتماله على التعليل، مع العموم (٣).
وقيل: بالعكس لقوة دلالة (٤) المنفية على العموم.
стр. 1414
والأول: مختار ابن الحاجب (١) أيضًا.
وسوى إمام الحرمين بينهما (٢). وتقدم النكرة المنفية على باقي صيغ العموم مما يدل بالقرينة، كالجمع المحلَّى، والمضاف، لا بد من هذا القيد للاتفاق على أن لفظ "كل" مقدم عليها (٣).
ويقدم الجمع المحلَّى على من، وما غير شرطيتين، ولا بد من هذا القيد، وإلا تناقض كلامه، وتقدم هذه المذكورة على اسم الجنس المعرف باللام والإضافة لاحتمال العهد (٤).
وما لم يخص من العام يقدم على ما خص لقوته (٥) واختار المصنف عكسه، وهو المختار، لأن المشهور أنه ما من عام إلا وخص منه البعض، وإذا خص تطمئن النفس إليه أكثر (٦).
стр. 1415
والأقل تخصيصًا أولى لأن كثرة التخصيص تضعفه (١).
وتقدم دلالة الاقتضاء على دلالة الإشارة، والإيماء، لأنها مقصودة للمتكلم دون الإشارة، ولتوقف صدق المتكلم، أو حجة الملفوظ به، فيه بخلاف الإيماء.
والإشارة، والإيماء يقدمان على المفهومين، أما على الموافقة، فلأن دلالة الإشارة، والإيماء في محل النطق والمنطوق مرجح، وأما على المخالفة، فلكونها مختلفًا فيها (٢).
والموافقة تقدم على المخالفة، لكونها متفقًا عليها (٣).
وقيل: بالعكس (٤): لأن المخالفة تفيد تأسيسًا (٥)، والموافقة تأكيدًا، والتأسيس مقدم.
стр. 1416
والحق: أن هذا كلام فاسد: لأن كلا المفهومين من قبيل التأسيس.
قوله: "والناقل عن الأصل".
أقول: هذا شروع في الترجيح باعتبار مدلول الخبر، فيقدم الخبر الناقل عن البراءة الأصلية على المقرر لها لاشتماله على الزيادة، وهو إثبات حكم لا يمكن إدراكه إلا بالشرع (١).
مثاله: حديث "من مس ذكره فليتوضأ" يقدم على حديث: "هل هو إلا بضعة منك" (٢)؟
стр. 1417
ويقدم المثبت على النافي (١) لزيادة العلم.
وقيل: النافي يقدم للبراءة الأصلية.
وقيل: سيان لرجحان كل من وجه.
وقيل: يقدم النافي إلا في العتاق، والطلاق، لأن الأصل عدمهما.
وقيل: مثبت العتاق، والطلاق يقدم.
وقيل: لا تعارض بين الفعلين ليحتاج إلى الترجيح، فيحمل على وقوع كل واحد في حالة (٢).
ويقدم النهى على الأمر لأن دفع المفاسد يقدم على جلب المصالح (٣)
стр. 1418
ويقدم الأمر على الإباحة لأن الأصل في كلام الشارع التكليف إما فعلًا، أو تركًا، والمباح لا تكليف فيه (١).
والخبر المشتمل على التكليف يقدم على الأمر، والنهي، لأن معنى الطلب فيه أبلغ كما علم في موضعه (٢).
ويقدم خبر الحظر على خبر الإباحة احتياطًا (٣).
وقيل: بالعكس لأن الأصل نفي الحرج (٤).
стр. 1419
وقيل: سيان لترجيح كل واحد من وجه (١).
ويقدم ما يقتضى الوجوب على مقتضى الندب احتياطًا، وكذا تقدم الكراهة عليه لدفع اللوم (٢)، ويقدم الندب على الإباحة لاشتماله على التكليف المورث للثواب.
وقيل: بالعكس لموافقته الإباحة الأصلية (٣).
ويقدم الخبر النافي للحد على المثبت (٤): لأن الحدود تدرأ بالشبهات، ولأن فيه يسرًا، وعدم الحرج.
стр. 1420
وقيل: بالعكس: لأن المثبت له زيادة علم (١).
ويقدم ما يعقل معناه على غيره: لأنه أدعى إلى الانقياد وأفيد (٢). ويقدم ما يدل على الوضعي على ما يدل على الحكم التكليفي، لأن الوضعي لا يتوقف على الفهم، والتمكن من الفعل.
وقيل: عكسه، لأن الأحكام التكليفية أكثر، ولأنها مناط الثواب والعقاب (٣).
قوله: "والموافق دليلًا آخر".
أقول: هذا شروع في ترجيح الخبر بالأمور الخارجية فيقدم الخبر لموافقته دليلًا آخر (٤).
стр. 1421
وليس هذا -مع قوله يقدم بكثرة الأدلة- تكرارًا (١)، لأن ذلك في الحكم، وهذا في نفس الخبر، وإنما قدم بالموافقة لاعتضاده به.
وكذا يقدم ما وافق مرسلًا، أو قول صحابي.
أو أهل المدينة، أو الأكثر لقوة الظن بهذه الأشياء، وإن لم يكن حجة (٢).
وقيل: لا يقدم لعدم الحجية، وليس كذلك إذ ليس يلزم من عدم الاستقلال عدم التقوية.
وقيل: إن كان الصحابي الموافق له مزية يرجح به، وإلا فلا، كزيد (٣)
стр. 1422
في الفرائض لقوله [ ﷺ ] (١): "أفرضكم زيد" (٢)، وقيل: إن كان الموافق أحد الشيخين أبو بكر، وعمر، فإنه يقدم به مطلقًا.
وقيل: يقدم بأحدهما إذا لم يخالفه معاذ في الحلال والحرام، وزيد في الفرائض، وعلى في القضاء لقوله ﷺ : "أفرضكم زيد، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وأقضاكم علي".
стр. 1423
قال الشافعي: يرجح موافق زيد في الفرائض إن كان له قول فيها، فإن لم يوجد لزيد قول، فيرجح بقول معاذ إن كان له قول، فإن لم يوجد له قول، فالموافق لعلي (١).
قوله: "والإجماع على النص".
أقول: هذه المسائل في ترجيح الإجماع على النص، وترجيح بعض الإجماعات على بعض.
فيقدم الإجاع على الكتاب، والسنة لكونه قطعيًا (٢)، ولأمنه من النسخ، والتأويل، والتخصيص.
وإذا تعارض إجماعان قدم الأسبق، فالأسبق، فيقدم إجماع الصحابة على التابعين، والتابعين على تابعيهم الأقرب إلى زمنه ﷺ ، فالأقرب.
стр. 1424
ويقدم إجماع وافق فيه العوام على غيره، لأن بعضهم اعتبر موافقة العوام (١)، وإن لم يقبل به المصنف هناك، ولا مؤاخذة عليه، لأن العوام، وإن لم يعتبروا في أصل الإجماع، ولكن ليس كل شيء لا يعتبر أصالة لا يعتبر تبعًا كما قدمنا (٢).
ويقدم الإجماع المنقرض عصره على غيره للاتفاق على حجيته بخلاف الثاني.
وكذا يقدم إجماع لم يسبق بخلاف على المسبوق به للخلاف فيه كما تقدم، وقيل: بالعكس، وقيل: هما سواء (٣).
ويجب أن يحمل تعارض الإجماعين على ما إذا كانا ظنيين، وأما إذا كانا قطعيين، فقدم علم سابقًا أن لا تعارض بين القطعيات (٤). قال بعضهم (٥): من قال: بأنه لا تعارض بين الإجماعين، إذا كانا قطعيين، قوله ممنوع، فإن التعارض في نفس الأمر مستحيل سواء كانا ظنيين، أم قطعيين، وبحسب الظن ممكن في القطعي وغيره (٦).
стр. 1425
وهذا كلام باطل، لأنا قد قدمنا أن التعارض المنفي بين القطعيات هو التعارض الذي يمكن معه الترجيح، وذلك يتصور في الظن؛ لأنه يقبل الزيادة.
وأما العلم اليقيني، فلا يتصور معه ذلك لعدم تفاوت مراتب العلم، به صرح الغزالي في المستصفى (١).
وقد قدمنا نحن تحقيق المسألة في قول المصنف: لا تعارض بين القطعي والظني.
وإذا تعارض متواتر أن أحدهما من الكتاب، والآخر من السنة، فلا ترجيح (٢) لعدم إمكانه كما تقدم، بل أحدهما ناسخ قطعًا، وإلا لزم التناقض في كلام الشارع.
وقيل: يقدم الكتاب لأنه أشرف.
وقيل: السنة لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وأما إذا اتفقا كالآيتين، أو السنتين، فهما سيّان بلا خلاف (٣).
стр. 1426
قوله: "ويرجح القياس".
أقول: هذا باب ترجيح الأقيسة بعضها على بعض فيقدم القياس بقوة دليل حكم أصله بأن يكون قطعيًا، وذلك الآخر ظنيًا (١). أو منطوقًا، ودليل الآخر مفهومًا.
ويقدم القياس بكونه (٢) على سنن القياس. أي: يكون فرعه من جنسه.
مثاله: أرش ما دون الموضحة (٣) ملحق بالوضحة، فتتحمله العاقلة، وهذا القياس أولى من قياس الحنفية ذلك على غرامات الأموال فلا تتحمله العاقلة.
стр. 1427
وإنما قدم لأن الجنس بالجنس أشبه، وشبه الشيء منجذب إليه (١). وإنما احتاج المصنف إلى تفسيره؛ لأنه قد تقدم أن شرط القياس أن يكون أصله على سنن القياس، فنبه على أن معنى سنن القياس هنا غير الذي سبق.
قوله: "والقطع بالعلة".
أقول: ما ذكره كان ترجيحًا للقياس بالنظر إلى دليل حكم الأصل، وهذا بالنظر إلى علته، فيقدم ما كانت علته قطعية على ما كانت علته ظنية، وإذا كانت ظنية في القياسين فما كانت عليته أغلب على الظن يقدم.
وتقدم ما كان مسلكها أقوى على الأضعف كالإجماع والنص (٢) على الآحاد، والظواهر.
стр. 1428
وتقدم ذات أصلين، أو أصول على ذات أصل واحد.
مثاله: تعليل الشافعي وجوب الضمان بيد المستام، فقال: علته أنه أخذه لحظ نفسه، وشهد له يد الغاضب ويد المستعير من الغاضب.
وقال أبو حنيفة: إنما يضمن، لأنه أخذه للتملك، ولا شاهد له في هذا.
وقيل: لا ترجح به (١)، وهذا القائل يمنع الترجيح بكثرة الأدلة كما سبق.
وقيل: إن كانت ذاتية تقدم لأنها إلزام بخلاف الحكمية.
وقيل: بالعكس، لأن الحكم بالحكم أشبه، كما إذا جعل العلة الحرمة، أو النجاسة، لأن رد الحكم إلى الحكم أولى، صرح به في المستصفى (٢). وتقدم بكونها أقل أوصافًا لأنها أسلم.
وقيل: بالعكس (٣)، لأن كثرة الأوصاف يوجب كثرة الشبه بالأصل. وتقدم بكونها تقتضي احتياطًا في الفرض، وإنما قيده بالفرض إذ
стр. 1429
لا احتياط في الندب (١)، وتقدم بعمومها في الأصل، كما إذا علل الربا في البر بالطعم، فإنه يجري في قليله وكثيره بخلاف ما إذا علل بالكيل، فإنه يختص بما يكال.
وتقدم -بالاتفاق- على تعليل أصلها؛ لأن المتفق عليه أقوى وبكثرة الأصول الموافقة لها، لشهادة تلك الأصول لها بالصحة (٢).
وتقدم بموافقة علة أخرى إن جوز التعليل بعلتين.
وقيل: لا تقدم، وإن جوزنا ذلك إذ لا اعتبار بكثرة الأدلة، وهذا فاسد لما تقدم (٣).
وما ثبت عليته بالإجماع يقدم على غيره، فإن لم يوجد الإجماع، فالنص، سواء كان الإجماع والنص قطعيين، أو ظنيين، فإن الإجماع مقدم، فإن لم يوجد النص (٤)، فالإيماء مقدم على سائر الطرق، فإن لم يوجد،
стр. 1430
فالسبر مقدم على المناسبة لإفادته ظن العلية، مع إلغاء المعارض بخلاف المناسبة إذ لم يلغ فيها المعارض (١).
فإن لم يوجد السير، فالمناسبة، لأن الشبه أعلاه أدنى من أدنى المناسب، فإن لم يوجد، فالشبه يقدم على الدوران (٢).
وقيل: النص يقدم على الإجماع، لأنه أصله.
وقيل: الدوران يقدم على المناسبة، لأنه يفيد الاطراد، والانعكاس بخلاف المناسبة (٣).
стр. 1431
ويقدم قياس المعنى على الدلالة لما تقدم من أن قياس المعنى مشتمل على العلة، وقياس الدلالة على لازمها (١).
ويقدم غير المركب على المركب، وإنما قال: إن قيل به، لأنه رجح في مباحث حكم الأصل أن مركب الأصل، والوصف لا يقبلان. وعكس الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وإنما قال به ورجحه لقوته باتفاق الخصمين على حكم الأصل فيه (٢).
ويقدم الوصف الحقيقي (٣)، لقوته، وعدم توقفه على شيء، ثم إن لم يوجد، يقدم العرفي، لأنه متفق عليه، ثم إن لم يوجد، فالشرعي، لكونه مختلفًا فيه، وإن عبر هناك بالحكم الشرعي، لأنه لا تنافي بين كونه حكمًا شرعيًا، وبين كونه وصفًا لحكم آخر شرعي.
ويقدم الوصف الوجودي على العدمي، كتعليل ربوية السفرجل بالطعم، فإنه وجودي، لا بكونه غير موزون، أو غير مكيل.
والبسيط من العدمي مقدم على مركبه للخلاف فيه، ولا منافاة بين كون الوصف عدميًا، وكونه حقيقيًا، لأن المراد من العدمي هو العدم المضاف كما سبق.
стр. 1432
وتقدم الباعثة على مجرد الأمارة لاشتمالها على الحكمة، وعدم الاختلاف في قبولها (١).
وتقدم المطردة المنعكسة على التي لا تنعكس، لأن الأولى أقوى (٢) وكذا تقدم المطردة فقط على المنعكسة فقط، لأن اعتبار الاطراد متفق عليه بخلاف الانعكاس.
وفي المتعدية، والقاصرة خلاف.
قيل: المتعدية تقدم، لأنها مجمع على قبولها (٣).
وقيل: القاصرة تقدم، لأن الخطأ فيها أقل، وإليه ذهب الأستاذ (٤).
وقيل: هما سواء، وهذا عند من لا يرى التعليل بعلتين، وأما من يرى ذلك، فالجمهور على تقديم المتعدية، وعندي أنه يجب القول بهذا، لأنه لم يخالف فيها أحد ممن يقول بالقياس، ولا مرجح أقوى من هذا.
стр. 1433
وإذا كانت إحدى العلتين كثيرة الفروع، والأخرى أقل نقل المصنف قولين، ولم يرجح، وهذا الخلاف مثل الخلاف في المتعدية، والقاصرة، فمن قدم المتعدية قدم كثيرة الفروع، ومن عكس هناك، فكذا هنا، لكن قول التساوي هنا ساقط (١).
قوله: "ويقدم الأعرف من الحدود".
أقول: لما فرغ من وجوه الترجيح في الأدلة ختم الباب بالترجيح في الحدود، قال: الحدود السمعية، أي: الشرعية، وإنما قيد بالسمعية احترازًا من العقلية (٢) إذ ليست مقصودة هنا، بل المراد حدود الأحكام.
فالأعرف منها يقدم على الأخفى، لكونه أفضى إلى المقصود، وبالذاتي على العرضي، لأنه إما يفيد الكنه كما في الحد التام أو الاطلاع على الجزء الأخص كما في الحد الناقص، والعرضي خال عنهما (٣).
стр. 1434
وما قيل (١): لأن الأول يفيد الكنه (٢) قصور من قائله، لأن عبارة المصنف أعم من الحد التام.
وما دل عليه مطابقة يقدم على ما دل التزامًا، أو تضمنًا، وهذا مبني على جواز (٣) استعمال الألفاظ الدالة بالالتزام في الحدود، وقد منعه الجمهور.
وكذا استعمال المشترك، والمجاز إلا إذا اشتهر المجاز بحيث لا يتبادر غيره (٤).
ويقدم أعم التعريفين على الأخص، لكثرة الفائدة، باشتماله على الزيادة.
وقيل: يرجح الأخص، لأنه متفق عليه، لأن القائل بالأعم قائل بالأخص من غير عكس (٥).
وما وافق من الحدين المعنى الشرعي، أو اللغوي يقدم على ما خالفهما، لأن المخالفة إنما تكون بالنقل عنهما، والأصل خلافه.
стр. 1435
ويرجح أحدهما برجحان طريق اكتسابه بأن يكون طريق أحدهما قطعيًا والآخر ظنيًا، وإنما كان كذلك، لأن الحدود السمعية مأخوذة من النقل، وقد علمت أن طرق النقل قابلة للقوة والضعف.
قال: والمرجحات (١)، لا تنحصر، نبه بذلك عند ختم الباب لئلا يتوهم الحصر (٢).
والعمدة في الترجيح غلبة الظن لموجب ما.
وقد تقدم في أثناء الأبحاث بعض، منها تقديم المجاز على المشترك، والمعنى الشرعي على العرفي، والعرفي على اللغوي، وتقديم بعض مسالك العلة على بعض، وغير ذلك (٣).
* * *
стр. 1436
الكتاب السابع في الاجتهاد، والتقليد
стр. 1437
الكتاب السابع في الاجتهاد
قوله: "الكتاب السابع في الاجتهاد".
أقول: هذا آخر الأبواب، ولا يخفى وجه تأخيره عن سائر المباحث.
والاجتهاد -لغة-: من الجهد، وهو الطاقة، وبذل الوسع (١).
واصطلاحًا: ما ذكر وهو استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل الظن بحكم شرعي (٢).
ومعنى الاستفراغ: بذل الطاقة بحيث لا يمكن المزيد، فهو بمنزلة الجنس.
стр. 1438
وقولنا: الفقيه احتراز عن استفراغ غير الفقيه (١).
وقولنا: لتحصيل الظن يخرج القطعيات إذ لا اجتهاد فيها.
وقولنا: الحكم الشرعي يخرج ما ليس بحكم شرعي كبذل الوسع [لطلب] (٢) غيره من الأحكام.
والمصنف وإن لم يصرح بالحكم الشرعي لكنه أراده، وإنما اكتفى عن ذكره بلفظ الفقيه، لأن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية، لا يقال: الفقيه قد بذل الوسع في استخراج الأحكام اللغوية مثلًا فلا يدل ذكره على الحكم الشرعي، لأنا نقول: أراد الفقيه من حيث إنه فقيه، واستخراجه لسائر الأحكام ليس من تلك الحيثية.
قوله: "والمجتهد الفقيه".
أقول: يريد أنه قد علم من التعريف ركنا الاجتهاد، وهما المجتهد، والمجتهد فيه، وهما الفقيه، والحكم الشرعي، فأخذ في بيان شروط الفقيه، فقال: هو البالغ، أي: الواصل حد التكليف.
стр. 1439
العاقل: وفسره، بأنه ذو ملكة، وهي الهيئة الراسخة، كما سبق في تعريف الفقه يدرك بتلك المعلوم ما من شأنه أن يعلم وإلا فالعلم بالمعلوم محال، فالعقل على هذا هو تلك الملكة.
وقيل: هو نفس العلم، وقد نقل عن الشيخ الأشعري.
وقيل: هو الضروري منه.
وقيل: نور في بدن الإنسان مثله مثل الشمس في ملكوت الأرض. والحق: أنه مغاير للعلم، وهو قوة يدرك بها المغيبات، كما يدرك بالبصر المشاهدات، وإطلاقه على العلم تسامح، أو أريد به مصدر عقل يعقل عقلًا (١)، فإنه بمعنى العلم، والإدراك، وليس الكلام فيه، بل الكلام في تلك القوة المودعة التي لا تنفك عن الإنسان نومًا، ولا يقظة.
وشرطه: أن يكون فقيه النفس (٢)، أي: شديد التيقظ، والفطنة، فإن الاستنباط بدونه بعيد جدًا، إذ لا رتبة بعد النبوة وراء هذه الرتبة.
стр. 1440
وإن كان منكرًا للقياس، فإنه لا يسلب ذلك عنه اسم الفقه هذا ما اختاره بعض الفقهاء.
والحق: ما اختاره القاضي أبو بكر، وإمام الحرمين (١) أنهم لا يعدون فقهاء، لأنهم منكرون ركنًا من أركان الشريعة.
وفرق بعضهم بين القياس الجلي، والخفي، وقال: منكر الجلي منه لا يسمى فقيهًا بخلاف الخفي.
ويكون عارفًا بالدليل العقلي، معناه -على ما ذكره الغزالي والإمام (٢) - هو أن يعلم البراءة الأصلية، وأنَّا مكلفون به إلى أن [يرد] (٣) ناقل عن تلك البراءة من نص، أو إجماع، أو غيرهما.
ويكون متوسطًا في اللغة، لأن أدلة الشرع من الكتاب، والسنة عربيان، فلا يمكن الاستدلال بهما إلا بعد معرفة اللغة، وعلم العربية من النحو، والصرف لأن إفادة المعنى بدونهما مستحيل