← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 132415

الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (1 869 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

الكتاب السابع في الاجتهاد، والتقليد

стр. 1437

الكتاب السابع في الاجتهاد قوله: "الكتاب السابع في الاجتهاد". أقول: هذا آخر الأبواب، ولا يخفى وجه تأخيره عن سائر المباحث. والاجتهاد -لغة-: من الجهد، وهو الطاقة، وبذل الوسع (١). واصطلاحًا: ما ذكر وهو استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل الظن بحكم شرعي (٢). ومعنى الاستفراغ: بذل الطاقة بحيث لا يمكن المزيد، فهو بمنزلة الجنس.

стр. 1438

وقولنا: الفقيه احتراز عن استفراغ غير الفقيه (١). وقولنا: لتحصيل الظن يخرج القطعيات إذ لا اجتهاد فيها. وقولنا: الحكم الشرعي يخرج ما ليس بحكم شرعي كبذل الوسع [لطلب] (٢) غيره من الأحكام. والمصنف وإن لم يصرح بالحكم الشرعي لكنه أراده، وإنما اكتفى عن ذكره بلفظ الفقيه، لأن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية، لا يقال: الفقيه قد بذل الوسع في استخراج الأحكام اللغوية مثلًا فلا يدل ذكره على الحكم الشرعي، لأنا نقول: أراد الفقيه من حيث إنه فقيه، واستخراجه لسائر الأحكام ليس من تلك الحيثية. قوله: "والمجتهد الفقيه". أقول: يريد أنه قد علم من التعريف ركنا الاجتهاد، وهما المجتهد، والمجتهد فيه، وهما الفقيه، والحكم الشرعي، فأخذ في بيان شروط الفقيه، فقال: هو البالغ، أي: الواصل حد التكليف.

стр. 1439

العاقل: وفسره، بأنه ذو ملكة، وهي الهيئة الراسخة، كما سبق في تعريف الفقه يدرك بتلك المعلوم ما من شأنه أن يعلم وإلا فالعلم بالمعلوم محال، فالعقل على هذا هو تلك الملكة. وقيل: هو نفس العلم، وقد نقل عن الشيخ الأشعري. وقيل: هو الضروري منه. وقيل: نور في بدن الإنسان مثله مثل الشمس في ملكوت الأرض. والحق: أنه مغاير للعلم، وهو قوة يدرك بها المغيبات، كما يدرك بالبصر المشاهدات، وإطلاقه على العلم تسامح، أو أريد به مصدر عقل يعقل عقلًا (١)، فإنه بمعنى العلم، والإدراك، وليس الكلام فيه، بل الكلام في تلك القوة المودعة التي لا تنفك عن الإنسان نومًا، ولا يقظة. وشرطه: أن يكون فقيه النفس (٢)، أي: شديد التيقظ، والفطنة، فإن الاستنباط بدونه بعيد جدًا، إذ لا رتبة بعد النبوة وراء هذه الرتبة.

стр. 1440

وإن كان منكرًا للقياس، فإنه لا يسلب ذلك عنه اسم الفقه هذا ما اختاره بعض الفقهاء. والحق: ما اختاره القاضي أبو بكر، وإمام الحرمين (١) أنهم لا يعدون فقهاء، لأنهم منكرون ركنًا من أركان الشريعة. وفرق بعضهم بين القياس الجلي، والخفي، وقال: منكر الجلي منه لا يسمى فقيهًا بخلاف الخفي. ويكون عارفًا بالدليل العقلي، معناه -على ما ذكره الغزالي والإمام (٢) - هو أن يعلم البراءة الأصلية، وأنَّا مكلفون به إلى أن [يرد] (٣) ناقل عن تلك البراءة من نص، أو إجماع، أو غيرهما. ويكون متوسطًا في اللغة، لأن أدلة الشرع من الكتاب، والسنة عربيان، فلا يمكن الاستدلال بهما إلا بعد معرفة اللغة، وعلم العربية من النحو، والصرف لأن إفادة المعنى بدونهما مستحيل

стр. 1441

وأما معرفة الأصول -يريد به أصول الفقه- وهو عندي ليس بشرط إذ الشافعي كان مجتهدًا، ولم يكن هناك هذا العلم مدونًا. ولو أدرج البلاغة في العربية كان أولى، مع أنها ليست شرطًا في المجتهد أيضًا، لأن جمهور المجتهدين كانوا متبحرين في الاجتهاد، مع أنه لم يكن هناك هذا مدونًا، بل كونه ذا طبع مستقيم كاف. وشرطه: أن يكون عارفًا من الكتاب، والسنة بما يتعلق بالأحكام، وليس يلزمه حفظ المتون (١). قيل: الآيات المحتاج إليها خمس مئة. وكذلك يعرف من السنة ما يتعلق بالأحكام. قال والد المصنف: "ليس المجتهد من له الدرجة الوسطى، بل من له ملكة في العلوم المذكورة، ويكون محيطًا بمعظم قواعد الشرع بحيث يحصل له قوة يدرك بها مقاصد الشارع" (٢). وهذا مأخوذ من كلام الإمام الغزالي.

стр. 1442

قال -في المستصفى-: "أحد الشرطين في المجتهد أن يكون محيطًا بمدارك الشرع متمكنًا من استثارة الظن بالنظر فيها، وتقديم ما يجب تقديمه" (١). فإن قوله: متمكنًا معناه ذو ملكة له قوة الأخذ، والرد والقبول. ومن شروط الاجتهاد كونه خبيرًا بمواقع الإجماع، لكن ليس لكونه مجتهدًا، بل لكون اجتهاده سالمًا، إذ الاجتهاد الواقع على خلاف الإجماع السابق ونقله عن والده، وليس له ذلك خاصة، بل هو ظاهر كلام الإمام، والغزالي (٢). قال الإمام في المحصول: "ينبغي أن يكون عالمًا بمواقع الإجماع، حتى لا يفتي بخلافه" (٣). والإفتاء: هو إيقاع الاجتهاد الذي قاله والده. ومن شروط الإيقاع على الوجه الصحيح معرفة الناسخ والمنسوخ لئلا يفتي بالمنسوخ (٤). وكذا أسباب النزول، لأنه يفيد قوة في فهم المراد، ويبعث على النظر في الأحكام.

стр. 1443

وكذا العلم بشرط المتواتر، والآحاد، وامتياز الصحيح من الضعيف، ومعرفة الرواة ليعلم المقبول من المردود (١)، ويعول في ذلك على قول أئمة الحديث كالإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والدارقطني (٢)، وأبي داود لأن في زمننا يتعذر الوقوف على حالهم إلا بالواسطة، والمذكورون أولى من يقلد. قوله: "ولا يشترط علم الكلام". أقول: يريد ليس من شرط المجتهد في نفسه، ولا في إيقاع الاجتهاد معرفة علم الكلام، وهذا مأخوذ من كلام الغزالي (٣)، وهو مبني على جواز

стр. 1444

التقليد في العقائد، وليس هذا بصحيح. وكذا لا يشترط معرفة الفروع الفقهية. وقيل: يشترط، والمراد بها المسائل الفرعية التي استخرجها غيره، فلا دور كما توهم (١). وفائدة الاشتراط (٢) زيادة البصيرة، والإحاطة بما أجمع عليه. وكذا المذكورة، والحرية، لأن الحكم على النساء بنقصان العقل (٣) باعتبار الغالب. وأما الحرية فلأن ملاك الأمر هو العلم، وربما يخص اللَّه عبدًا مملوكًا بفطنة وقَّادَة يجمع مع خدمة السيد العلوم التي بها يحصل الاجتهاد. ولا

стр. 1445

تَرِد الشهادة، والقضاء، لأن أمرهما مبني على الاحتياط، وكذا لا تشترط العدالة فيما يرجع إلى الاجتهاد. قال الغزالي: العدالة شرط للاعتماد عليه لا للاجتهاد (١). ويجب البحث عن المعارض، فينظر في العام هل له مخصص، أم لا؟ وفي المطلق هل له مقيد، أم لا؟ وفي النص هل له ناسخ؟ وإذا وجد (٢) في كلام الشارع لفظًا صريحًا للاستنباط ينظر هل معه قرينة صارفة، أم لا؟ ويكفي البحث إلى أن يغلب على ظنه وجودها، أو عدمها (٣)، وينبغي أن يكون هذا على الوجه الأولى، والأليق، وإلا قد سبق أن الاستدلال بالعام قبل البحث عن المخصص هو المختار عندنا. ثم لفظ المجتهد يطلق على معنيين آخرين.

стр. 1446

أحدهما: المجتهد في المذهب، وهو من التزم مذهب مجتهد، وحذق فيه، وأتقن أصول ذلك الإمام، ونصوصه، وأحاط إحاطة تامة بمجتهداته، فإذا وجد نص إمامه يمشي عليه، فإن لم يجد خرَّج على تلك الأصول. ودُونَ هذا المجتهد في الفتيا، وهو المتبحر في مذهب إمامه بحيث يقدر على ترجيح أحد قولي إمامه، ولكن لا يقدر على التخريج (١). قوله: "والصحيح جواز تجزؤ الاجتهاد". أقول: قد اختلف في تجزؤ الاجتهاد. وهو أن ينال شخص رتبة الاجتهاد في باب من الأبواب، كالفرائض مثلًا، ومسألة واحدة من المسائل، بأن يحصل من العلوم المحتاج إليها في ذلك الباب، أو في تلك المسألة (٢).

стр. 1447

اختار المصنف جوازه لصدق حد المجتهد عليه في ذلك القدر. وليس من لوازم الاجتهاد الإحاطة بجميع المآخذ، ولا هو مأخوذ في تعريفه (١). والاستدلال بأن مالكًا سئل في أربعين مسألة، فقال -في ست وثلاثين-: لا أدري، ليس بتام، لأن المراد بالعلم بتلك المآخذ هو الملكة التي يمكنه -بعد التوجه، وارتفاع الموانع- تحصيل المقصود بها. ولا نسلم أن مالكًا لم يكن بتلك المثابة، بل أعلى كعبًا من ذلك. قيل: إن لم يكن محيطًا بالمآخذ، فكل ما قدر جهله به يمكن أن يكون متعلقًا بتلك المسألة، فكيف يحكم بدونه؟ . الجواب: أن ذلك لا يقدح في غلبة ظنه بأن كل ما يتعلق بالمسألة حاصل عنده (٢). قوله: "وجواز الاجتهاد للنبي ﷺ ".

стр. 1448

أقول: اختلف في جواز الاجتهاد له ﷺ ووقوعه، قيل: لا يجوز مطلقًا، وقيل: يجوز في الآراء، والحروب (١)، المختار الوقوع مطلقًا (٢).

стр. 1449

لنا: قوله ﵊: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي" (١). وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧]، عوتب على الإذن للمنافقين بعد استئذانهم (٢). وأخذ الفداء من الأسرى يوم بدر (٣)، ولا يعاتب إلا على ما لم يكن بوحي.

стр. 1450

قالوا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] صريح في نفي الاجتهاد. قلنا: [إذا] (١) أذن له في الاجتهاد، فهو بالوحي. قالوا: لو أجاز له الاجتهاد لجاز مخالفته، لأن المجتهد فيه في معرض الظنون، وما لا قطع فيه يجوز مخالفته. الجواب: المنع من جواز المخالفة مطلقًا، كما إذا انعقد الإجماع على المجتهد فيه، فإنه لا يجوز مخالفته، فكذا اجتهاده من باب الأولى. قالوا: لو جاز له الاجتهاد لما توقف في حادثة. الجواب: جواز الاجتهاد له مشروط بعدم النص. قالوا: يقدر على اليقين، فلا يجوز له العمل بالظن. الجواب: منع قدرته على اليقين في الحال، وبعده لا اجتهاد، مع أن العمل بالظن جائز، مع القدرة على اليقين، لجواز التحري في الأواني، وإن كان على جانب (٢) البحر.

стр. 1451

وإذا وقع منه الاجتهاد. فالصواب: أنه لا يخطئ في الاجتهاد (١)، لأنه معصوم مؤيد من عند اللَّه، ما نطق به وحي، فكيف يكون خطأ؟ ويرد الإشكال على ما استدلوا به من قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: ٤٣]، وقوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧]، لأن العتاب لا يكون إلا على [مخالفة ما يجب اللهم] (٢) (٣)، إلا أن يقال (٤): ما وقع عليه العتاب أمور تتعلق به، لا دخل للتشريع فيها، والكلام فيه، فيجمع بين الكلامين.

стр. 1452

قوله: "وأن الاجتهاد جائز". أقول: قد اختلف في جواز الاجتهاد في زمنه ﷺ . قيل: لا يجوز لإمكان الاطلاع على الحكم منه (١). وقيل: جائز بإذنه، قيل: صريحًا، وقيل: ولو سكوتًا عن المنع بعد (٢) العلم به. وقيل: جائز للبعيد عنه للضرورة، ودفع الحرج (٣). وقيل: للولاة خاصة لكثرة مباشرتهم الأحكام، فاحتياجهم (٤) أوفر، ثم القائلون بالجواز، منهم منع الوقوع مطلقًا. وقيل: لم يقع من الحاضر، وقيل: بالوقف.

стр. 1453

والحق: جوازه، ووقوعه (١). لنا - على الوقوع قضية سعد بن معاذ (٢) في بني قريظة (٣) حين حكم، فقال: "حكمت بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم".

стр. 1454

فقال رسول اللَّه ﷺ : "لقد حكمت بحكم الملك" (١). وقضية أبي بكر في غزوة حنين (٢) حين قتل أبو

стр. 1455

قتادة (١) مشركًا، وأخذ سلبه غيره، فلما طلبه أبو قتادة، فقال القرشي: سلبه عندي، فأرضه عني يا رسول اللَّه، فقال أبو بكر: لا ها اللَّه، إذ لا يعمد على أسد من أسد اللَّه يقاتل عن اللَّه ورسوله، فيعطيك سلبه (٢). والدال على الوقوع [دال] (٣) على الجواز.

стр. 1456

قوله: "مسألة المصيب في العقليات واحد". أقول: قد اختلف في أن كل مجتهد مصيب أم لا. والحق: أن الأمر مختلف في العقليات، والشرعيات ففي العقليات واحد، وهو من صادف الواقع، ومن لم يصادف مخطئ آثم، وإن بالغ في تدقيق النظر وبذل المجهود. وذلك العقل مثل: حدوث العالم، وبعثة الرسل. وأما نافي الإِسلام كله، أو بعضه مخطئ آثم كافر (١). قال الجاحظ، والعنبري (٢) لا يأثم المجتهد، أي: مطلقًا كافرًا كان أو مسلمًا (٣).

стр. 1457

وقيل: بل إن كان مسلمًا، وهذا هو الظاهر، ونقل عن العنبري أن كل مجتهد في العقليات مصيب (١). فإن قلت: يكفي أن يقول: نافي الإِسلام كافر، فإنه إذا كان كافرًا يكون مخطئًا آثمًا. قلت: إنما ذكر الخطأ ردًا على العنبري بقوله: "كل مجتهد مصيب وإن كان كافرًا". وذكر الإثم ردًا على الجاحظ في قوله: "وإن كان كافرًا لا يأثم". لنا -على المختار-: الإجماع قبل ظهور المعاندين على قتل الكفار، وقتالهم، وأنهم من أهل النار من غير تفرقة بين المجتهد، والمقلد منهم. قالوا: تكليفهم بنقيض اجتهادهم تكليف بما لا يطاق، وهو غير واقع اتفاقًا. قلنا: مثله ليس تكليفًا بالمحال الذي اتفقوا على عدم وقوعه، إذ هو ما لا يتصور وقوعه عادة كالطيران، وحمل الجبل، وما كلفوا به هم هو الإِسلام، وهو أمر ممكن في ذاته، بل معتاد معروف وقوعه.

стр. 1458

وقوله: "أما المسألة التي لا قاطع فيها". أقول: ما تقدم كان متعلقًا بالاجتهاد في القطعيات العقليات أما الفروع الفقهية، فقال الشيخ الأشعري، والقاضي أبو بكر، وأبو يوسف، ومحمد من أصحاب (١) أبي حنيفة، وابن سريج منا: كل مجتهد، فيها مصيب. قال ابن الحاجب: والقول بهذا مروي عن الأئمة الأربعة (٢). ثم قال الأولان الشيخ، والقاضي: حكم اللَّه فيها تابع لظن المجتهد، فما ظنه، فهو حكم اللَّه في حقه، وحق مقلديه، والباقون على أن في كل واقعة شيئًا لو حكم اللَّه لم يحكم إلا به، وهؤلاء يقولون: المجتهد مصيب في اجتهاده مخطئ في الحكم، وربما قالوا: مخطئ انتهاء لا ابتداء، وتعلم أن هذا كلام ركيك مضطرب لا حاصل له. والحق -عند الجمهور-: أن حكم اللَّه واحد (٣)، وكل مجتهد مأمور بطلبه فإن صادفه، فله أجران، وإلا فله أجر واحد، وعلى قول

стр. 1459

الجمهور لا دليل على الحكم المذكور، بل هو مثل الكنز من صادفه، فهو له. والصحيح أن عليه أمارة، وأن المجتهد مكلف بإصابة الحكم لإمكان الإصابة بواسطة تلك الأمارة. وإذا أخطأ لم يأثم للحديث المذكور (١). وقيل: يأثم، لأنه أخطأ الإصابة المأمور بها (٢) وهذا قول باطل معارض للحديث، بل انعقد الإجماع على خلافه. هذا حكم الفرع الذي لا قاطع فيه.

стр. 1460

أما إذا كان فيه قاطع كالنص، والإجماع، فإما أن يقصر المجتهد في طلبه، أو لا. فإن قصر كان آثمًا، وإن لم يقصر، فالصحيح أنه لا يأثم ولكنه مخطئ. والمصيب فيها واحد اتفاقًا (١)، وهو الذي أصاب ما هو حكم اللَّه في نفس الأمر. لنا -على المختار- وهو أن المصيب واحد لا بعينه -لا دليل على كون كل واحد مصيبًا، والأصل عدمه، فيجب تركه، ويلزم منه تصويب واحد غير معين، وإلا لزم تخطئة الكل وهو باطل إجماعًا.

стр. 1461

ولنا -أيضًا- لو كان كل مجتهد مصيبًا لزم الجمع بين النقيضين، لأن المجتهد إذا غلب على ظنه الإباحة في المسألة مثلًا، فلو حصل القطع بأنّه حكم اللَّه في حقه لزم القطع بالمظنون، لأن القطع بذلك الحكم المظنون مستمر مع ذلك الظن، والفرض استمرار ظنه إذ لو زال ظنه وجب عليه الرجوع إلى ما [تعين] (١) إليه ظنه، وإذا استمر القطع، مع ذلك الظن لزم أن يكون المظنون معلومًا مقطوعًا، وهذا خلف. لا يقال: هذا مشترك الإلزام، لأنه يرد على القائلين: بأن المصيب واحد. بيان ذلك: أن الإجماع منعقد على وجوب اتباع الظن وما [دل] (٢) عليه الإجماع قطعي، فيكون المظنون مقطوعًا به. لأنا نقول: الظن، والقطع لم يتواردا على محل واحد، بل القطع متعلق بوجوب العمل، والظن بالحكم، فأين هذا من ذاك؟ ! قالوا: لو كان المصيب واحدًا - وأنتم تقولون: إن المخطئ يجب عليه العمل بموجب ظنه، فنقول: إما أن يجب عليه، مع بقاء الحكم الذي في نفس الأمر في حقه، أو مع زواله، وكلاهما باطل. أما الأول: فلاستلزامه ثبوت الحكمين في حقه، ولا شك أنهما نقيضان، فيلزم الجمع بين النقيضين، وهو محال.

стр. 1462

وأما الثاني: فلأنه يلزم منه أن يكون العمل بالخطأ واجبًا، وبالصواب محرمًا، وهو محال أيضًا. الجواب: اختيارنا القسم الثاني، وهو زوال الحكم الأول. قولك: محال ممنوع ألا ترى أنه إذا كان في المسألة نص، أو إجماع، ولم يطلع عليه المجتهد يجب عليه مخالفته، مع أنه خطأ مخالف للواقع، فما نحن فيه أولى، وأجدر، إذ لا قاطع. قالوا: قال ﷺ : "بأيهم اقتديتم اهتديتم" (١)، فيدل على أن كلًا من الصحابة مصيب فيما ذهب إليه، وإلا لم يكن الاقتداء به اهتداء.

стр. 1463

قلنا: هدى لأنه بذل وسعه في طلب الحق، وأتى بما وجب عليه، فلا ينافي وقوع الخطأ في رأيه؛ لأنه غير معصوم اتفاقًا. قوله: "مسألة لا ينقض الحكم". أقول: ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز نقض حكم الحاكم في المسائل الاجتهادية، وهي الأحكام الشرعية التي أدلتها ظنية (١). لا من الحاكم بها، ولا من الغير إذ لو جاز نقضه جاز نقض النقض وهلم جرًا، فتفوت فائدة نصب الحاكم لفصل الخصومات، إلا إذا خالف نصًا قاطعًا، أو إجماعًا، أو ظاهرًا جليًا (٢)، وإن كان ذلك الظاهر الجلي

стр. 1464

قياسًا (١) ينقض اتفاقًا؛ لأنه مخالف للدليل الشرعي. وكذا ينقض إذا أدى اجتهاده إلى حكم، وخالفه تقليدًا لغيره: لأنه مخالف للإجماع على وجوب العمل بموجب ظنه (٢). وكذا ينقض فيما إذا حكم مقلد بخلاف نص مقلده، ولم يقلد غيره، بل حكم استقلالًا: لأنه مخالف للإجماع على أن المقلد لا يستقل بالقول (٣).

стр. 1465

وأما إذا قلد غير إمامه، فينبني على جواز مخالفة المقلد إمامه، فمن جوزه لا ينقض، ومن لم يجوز ينقض، هذا على وفق ما قرره ابن الحاجب (١)، والمصنف قيد بما لا يجوز تقليد غير إمامه فيه، وسيأتي تفصيل ذلك. ولو تزوج المجتهد بغير ولي اجتهادًا منه، ثم لاح له دليل عدم الجواز، فالأصح أنها تحرم عليه لبطلان اجتهاده (٢). وقيل: إذا لم يحكم به حاكم، فإنه لا يجوز نقض حكمه، وينبغي أن يكون هذا هو الصواب إذ لا موجب لنقض (٣) حكمه، وكذلك الحكم في العامي إذا تغير اجتهاد إمامه (٤).

стр. 1466

ويجب على المفتي إذا تغير اجتهاده في المسألة التي أفتى بها أن يُعلِم المستفتي بذلك ليكف عن العمل بها. وإن عمل هو، أو المستفتي بمسألة لم ينقض ذلك المعمول، لأن الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد، وهذا إذا كان القول الثاني في محل الاجتهاد (١). وأما إذا كان نصًا قاطعًا، ينقض الأول قطعًا. وكذا لا يضمن المتلف بافتائه إذا تغير اجتهاده. وهذا -أيضًا- مفروض فيما لا قاطع فيه، وأما إذا تغير لقاطع يضمن لتقصيره (٢).

стр. 1467

قوله: "مسألة يجوز". أقول: هل يجوز أن يقال -لنبي أو عالم-: احكم بما شئت، فإنك مصيب أم لا؟ وهذه المسألة تعرف بمسألة التفويض (١). الجمهور على جوازه، وعدم الوقوع، أما الجواز، فلأنه ليس محالًا لذاته قطعًا، ولا لغيره أيضًا إذ الأصل عدم المانع. قيل: جهل العبد بالمصلحة مانع إذ ربما اختار ما يكون المصلحة في خلافه. قلنا: الكلام في الجواز لا في الوقوع، وجواز انتفاء المصلحة هو مذهب أهل السنة، ولئن سلمنا استلزام المصلحة لا نسلم جهله بها، لأنه

стр. 1468

عند الأمر يلهم ما فيه المصلحة، فتكون المصلحة لازمة لما يختاره، ونقل عن الشافعي التردد، وقيل: في الجواز (١)، وقيل: في الوقوع. وقيل: يجوز للنبي دون العالم؛ لأن رتبته تقصر عن (٢) ذلك. وأما عدم الوقوع، فلأنه لم يدل عليه دليل. قالوا: قوله: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك" (٣) دليل واضح على أنه مفوض إليه. والجواب: أنه لا يدل على المقصود بل ربما قاله وحيًا. قالوا: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ﴾ [آل عمران: ٩٣]. وتحريمه (٤) لا يتصور إلا بتفويض التحريم إليه.

стр. 1469

الجواب: لا نسلم أنه لا يتصور التحريم إلا بالتفويض، بل ربما كان بدليل ظني اجتهادًا. قالوا: لما أمر الناس بالحج سأله الأقرع بن حابس (١)، أكل عام؟ فقال: "لو قلت لوجب" (٢).

стр. 1470

فقد دل على أن الأمر كان إليه في ذلك. الجواب: أنه لا توجد قضية تصلح دليلًا للوقوع نصًا فيه، بل كلها ظواهر لا يمكن (١) إثبات قاعدة علمية بها. وفي تعليق الأمر باختيار المأمور خلاف. قيل: لا يجوز لما بين طلب الفعل، والتخيير من المنافاة. وقيل: يجوز ويكون التخيير دليلًا على عدم الجزم في الطلب، والظاهر هذا إذ لا مانع عقلًا، ولا نقلًا (٢)، بل في الحديث ما يدل على وقوعه حيث قال: "صلوا قبل المغرب". ثم قال: "لمن شاء" (٣). * * *

стр. 1471

باب التقليد قوله: "مسألة التقليد أخذ المذهب". أقول: لما فرغ من الاجتهاد شرع في مقابله وهو التقليد (١)، وعرفه: بأنه أخذ المذهب من غير معرفة دليله (٢)، فالأخذ جنس، والمذهب فصل

стр. 1472

يخرج الأخذ بغير المذهب من الأقوال، والأفعال، والمذهب يعم القول والفعل. وقوله: "من غير معرفة دليله" فصل آخر يخرج المجتهد. قال ابن الحاجب: "الرجوع إلى الرسول، وإلى الإجماع، والعامي إلى المفتي، والقاضي إلى البينة ليس بتقليد لقيام الحجة" (١) أي: كل واحد منها دليل شرعي في حق الأخذ به. قال المصنف -في شرحه-: "قد تسمى هذه الصور تقليدًا لا سيما رجوع العامي إلى قول المفتي" (٢). ولذلك غير تعريف ابن الحاجب من غير حجة إلى قوله: "من غير معرفة دليله" فالأخذ بها عنده مقلد.

стр. 1473

ثم الحق: أن من لم يبلغ رتبه الاجتهاد ليس له إلا التقليد (١). وقيل: لا يجوز له التقليد إلا بعد الوقوف على مأخذ المجتهد وظهور حجته عنده (٢). ومنع الأستاذ التقليد في القواطع، وسيأتي الكلام عليه في بحث العقائد. وقيل: لا يقلد العالم، وإن لم يكن مجتهدًا؛ لأن له صلاحية أخذ الحكم من الدليل، وهذا كلام مردود لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].

стр. 1474

وأما من بلغ رتبة الاجتهاد لا يجوز له التقليد -وعليه الجمهور- مطلقًا، سواء كان ذلك في واقعة ظن الحكم فيها، أو كان بصفات الاجتهاد بحيث لو توجه إليه لقدر على الاستنباط لأنه الأصل، ولا يجوز العدول عنه ما أمكن (١). وقيل: إذا لم يظن الحكم في الحال يجوز له العدول، وإليه ذهب الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه (٢)، وسفيان الثوري (٣).

стр. 1475

وقيل: يجوز للقاضي لاحتياجه إلى فصل الخصومات دون غيره. وقيل: يجوز تقليد الأعلم دون المساوي وإليه ذهب الإمام محمد بن الحسن. وقيل: يجوز فيما يفوت لو اشتغل بالاجتهاد دون غيره، وهذا مختار ابن سريج. وقيل: فيما يخصه دون ما يفتي به غيره (١).
следующие страницы →