باب التقليد
قوله: "مسألة التقليد أخذ المذهب".
أقول: لما فرغ من الاجتهاد شرع في مقابله وهو التقليد (١)، وعرفه: بأنه أخذ المذهب من غير معرفة دليله (٢)، فالأخذ جنس، والمذهب فصل
стр. 1472
يخرج الأخذ بغير المذهب من الأقوال، والأفعال، والمذهب يعم القول والفعل.
وقوله: "من غير معرفة دليله" فصل آخر يخرج المجتهد.
قال ابن الحاجب: "الرجوع إلى الرسول، وإلى الإجماع، والعامي إلى المفتي، والقاضي إلى البينة ليس بتقليد لقيام الحجة" (١) أي: كل واحد منها دليل شرعي في حق الأخذ به.
قال المصنف -في شرحه-: "قد تسمى هذه الصور تقليدًا لا سيما رجوع العامي إلى قول المفتي" (٢).
ولذلك غير تعريف ابن الحاجب من غير حجة إلى قوله: "من غير معرفة دليله" فالأخذ بها عنده مقلد.
стр. 1473
ثم الحق: أن من لم يبلغ رتبه الاجتهاد ليس له إلا التقليد (١).
وقيل: لا يجوز له التقليد إلا بعد الوقوف على مأخذ المجتهد وظهور حجته عنده (٢).
ومنع الأستاذ التقليد في القواطع، وسيأتي الكلام عليه في بحث العقائد.
وقيل: لا يقلد العالم، وإن لم يكن مجتهدًا؛ لأن له صلاحية أخذ الحكم من الدليل، وهذا كلام مردود لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
стр. 1474
وأما من بلغ رتبة الاجتهاد لا يجوز له التقليد -وعليه الجمهور- مطلقًا، سواء كان ذلك في واقعة ظن الحكم فيها، أو كان بصفات الاجتهاد بحيث لو توجه إليه لقدر على الاستنباط لأنه الأصل، ولا يجوز العدول عنه ما أمكن (١).
وقيل: إذا لم يظن الحكم في الحال يجوز له العدول، وإليه ذهب الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه (٢)، وسفيان الثوري (٣).
стр. 1475
وقيل: يجوز للقاضي لاحتياجه إلى فصل الخصومات دون غيره.
وقيل: يجوز تقليد الأعلم دون المساوي وإليه ذهب الإمام محمد بن الحسن.
وقيل: يجوز فيما يفوت لو اشتغل بالاجتهاد دون غيره، وهذا مختار ابن سريج.
وقيل: فيما يخصه دون ما يفتي به غيره (١).
стр. 1476
قوله: "مسألة إذا تكررت الواقعة".
أقول: إذا تكررت الواقعة للمجتهد، فلا يخلو الحال، إما أن يكون تجدد عنده ما يوجب الرجوع، أو لا، وعلى التقديرين إما ذاكرًا للدليل الأول، أو لا، فإن تجدد ولم يكن ذاكرًا للدليل وجب عليه تجديد النظر فيها قطعًا، وإن كان ذاكرًا للدليل، فلا حاجة إلى استئناف الاجتهاد، وإن لم يتجدد له ما يوجب الرجوع، فإن لم يكن ذاكرًا للدليل الأول وجب عليه النظر، إذ عند عدم تذكر الدليل لا ثقة بظنه، بخلاف ما إذا كان ذاكرًا، فلا حاجة إلى النظر والاجتهاد، لأنه سابقًا قد بذل وسعه في تحصيل ذلك الدليل، وهو حاضر عنده، فلا وجه لإعادة النظر (١).
قوله: "مسألة تقليد المفضول".
стр. 1477
أقول: إذا تعدد المجتهدون، واختلفوا في الفضل هل يجوز تقليد الأفضل، والمفضول، أم يتعين الأفضل؟ اختار القاضي أبو بكر، وابن الحاجب أن الأفضل لا يتعين (١) وعن الإمام أحمد، وابن سريج أنه يتعين (٢)، ويجب البحث عنه، كما يلزم المجتهد البحث عن أحوال الدلائل (٣).
قال الغزالي -في المستصفى-: "المختار جواز تقليد المفضول إذا لم يعتقد أن الأفضل غيره، فمن اعتقد أن الشافعي أفضل، والصواب على قوله أغلب، فليس له تقليد الغير بالتشهي" (٤). واختاره المصنف (٥).
стр. 1478
والدليل على جواز تقليد المفضول إجماع الصحابة، فإنهم كانوا يفتون مع تفاوت مراتبهم، ولم ينكر أحد على أحد وشاع ذلك.
وإذا جاز تقليد المفضول، أو جعلنا مناط الأفضلية اعتقاد المقلد، فلا وجه للبحث عن الأفضل.
وعلى مختار المصنف لو اعتقد عامي مفضولًا أفضل من الغير لا يجوز له تقليد غيره، وإن كان أفضل في نفس الأمر (١).
وأما إذا استويا علمًا، وترجح أحدهما بزيادة الورع، أو بالعكس، فالمرجح جانب العلم، لأنه العمدة في باب الاجتهاد، ولذلك لم تشترط العدالة في المجتهد.
وقيل: بل الورع، لأن قوله أثبت من قول غيره (٢).
وهذا الكلام على تقدير وجوب تقليد الأفضل، وأما على المختار، فلا يرجح اللهم إلا أن يحمل على الأولوية.
стр. 1479
وإذا وجب على المقلد اتباع مجتهد يكفيه أي مجتهد كان حيًا أو ميتًا (١).
ونقل عن الشافعي أن المذاهب لا تموت بموت أربابها، وهذا كلام في غاية القوة، لأن المعتبر في المجتهد هو العلم الذي خص به، وبعلمه يقتدى لا بشخصه إذ هو فرد من أفراد الناس.
والمصنف نقل عن الإمام عدم جواز تقليد الميت، وهذا كلام في غاية (٢) الإشكال، إذ الإمام شافعي المذهب، فكيف يكون شافعيًا، ولا يجوز تقليد الميت (٣)؟
стр. 1480
والحق: أن الإمام ذكر في المحصول في أول المقالة ما نسبه إليه المصنف، ثم في آخر الفصل ذكر الإجماع على جوازه في زمننا لانقطاع المجتهدين، وكأن المصنف لم يقف على آخر كلامه (١)، فجزم بأنه يمنع مطلقًا، وليس كذلك بل يفصل إن وجد الحي، فلا يجوز، وإن لم يوجد جاز إجماعًا.
وأغرب من كلام المصنف كلام بعض شراحه (٢) حيث يقول:
стр. 1481
"ومن تأمل كلام الإمام في المحصول علم أن الإمام يمنع التقليد مطلقًا، ومن فهم عنه خلاف ذلك، وعزاه إليه فقد غلط" (١).
وقد نقلنا لك كلام الإمام في المحصول آنفًا.
وقال -في موضع آخر من المحصول-: "مسألة الرجل الذي تنزل به الواقعة إن كان عاميًا صرفًا جاز له الاستفتاء، وكذا إن كان عالمًا لم يبلغ درجة الاجتهاد" (٢).
وقال في موضع آخر: "يجوز للعامى أن يقلد في فروع الشريعة خلافًا للمعتزلة" (٣).
وإنما غلط الشارح المذكور من كلام الإمام في المحصول حيث قال: "لا يجوز التقليد (٤) في أصول الدين لا للمجتهد، ولا للعامي" (٥). وهذا كلام حق لا مرية فيه، وسنحققه في موضعه على أحسن وجه، وأوضحه.
وقيل: يجوز تقليد الميت إن نقل عنه عارف بمذهبه، المطلع على أصول إمامه، المميز بين ما استمر عليه، وما لم يستمر عليه.
стр. 1482
قوله: "ويجوز استفتاء من عُرِف".
أقول: من عُرِف بالعلم، والعدالة، واشتهر أمره بحيث بلغ حد التواتر لا كلام في جواز الاستفتاء منه (١).
وأما ما ظن به ذلك بأن رآه المستفتى معظمًا بين الناس، منتصبًا للفتوى، والناس يستفتونه جاز الاستفتاء منه اتفاقًا إن لم يكن قاضيًا (٢).
وكذا إن كان قاضيًا على الأصح (٣).
وقيل: لا يفتي القاضي في المعاملات اكتفاء بقضائه فيها، وعن القاضي شريح (٤): أنا أقضي ولا أفتي.
стр. 1483
وأما المجهول علمًا، أو عدالة، فالمختار عدم جواز تقليده (١)، لأن ظاهر حاله لا دلالة على العلم والعدالة، والأصل عدمهما.
وأما إذا كان ظاهر العدالة، فالأصح الاكتفاء بذلك، والأصح في المجهول الذي أريد الاستفتاء منه وجوب البحث عن حاله. وقيل: يكفي الاستفاضة بين الناس، وهو الراجح في الروضة (٢)، والقوي دليلًا إذ الظن كاف في هذا، فكيف بالاستفاضة (٣)؟
стр. 1484
وإذا قلنا: يجب البحث، يكفيه خبر الواحد (١) بعلمه، وعدالته (٢)، وقيل: لا بد من الاثنين (٣).
وللعامي أن يسأل المفتى عن مأخذه لزيادة الطمأنينة، لكن على وجه الاسترشاد لا على وجه العناد (٤)، وإذا كان السؤال على وجه الاسترشاد يجب (٥) على المفتى بيانه له إن لم يكن خفيًا يقصر فهمه عنه، ويعتذر إليه في الخفي بأن مدركه خفي.
قوله: "مسألة يجوز للقادر".
أقول: من لم يبلغ درجة المجتهد المطلق له مراتب:
أحدها: أن يبلغ درجة الاجتهاد المقيد، وهو الذي يعد من أصحاب الوجوه، فالأصح جواز الإفتاء له.
стр. 1485
قال المصنف -في شرح المختصر-: "والذي أظنه قيام الإجماع على إفتائه" (١).
وقيل: لا يجوز لعدم وصف الاجتهاد فيه.
وثالث الأقوال: الجواز عند عدم مجتهد آخر (٢).
الثانية: من لم يبلغ رتبة أصحاب الوجوه، ولكنه فقيه النفس، حافظ للمذهب، قادر على تقريره، غير أنه لم يبلغ في الاستنباط تلك الرتبة، فله الافتاء أيضًا.
ورابع الأقوال: يجوز له الإفتاء، وإن لم يكن قادرًا على التفريع، والترجيح، لأنه ناقل مذهب إمامه.
قال المصنف في شرح المختصر-: "الثالثة من لم يبلغ هذا المقدار، ولكنه يحفظ واضحات المسائل، ومشكلاتها غير أنه عنده ضعف في تقرير الأدلة، فعليه الإمساك فيما يغمض فهمه مما لا نقل عنده فيه، وليس هذا هو الذي حكيا فيه الخلاف، لأنه لا اطلاع له على المآخذ، وكل هؤلاء غير العوام.
стр. 1486
أما العامي إذا عرف حكم مسألة بدليلها، فليس له الفتيا بها وقيل: يجوز.
وقيل: إن كان نقليًا جاز.
وقيل: إن كان دليلها من الكتاب، والسنة جاز، وإلا فلا (١).
وأما العامي الذي عرف حكم مسألة من المجتهد، ولم يدر دليلها، فليس له أن يفتى، ورجوع العامي إليه إذا لم يلق سواه أولى من الارتباك في الحيرة، وكل هذا فيمن لم ينقل عن غيره، فإذا نقل العامي أن فلانًا أفتاني بكذا لم يمنع، من هذا القدر" (٢).
وإنما نقلنا كلامه لاشتماله على فوائد قد خلا المتن عنها، ولم تكن في شروحه.
قوله: "ويجوز خلو الزمان".
أقول: اختلف في جواز خلو الزمان عن المجتهد (٣)، والحق جوازه.
стр. 1487
لنا على الجواز: أنه ممكن ولم يدل دليل على امتناعه، ولقوله ﷺ : "إن اللَّه لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْق عالمًا اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا، فافتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" (١).
قيل: معارض بقوله: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق".
стр. 1488
الجواب: ليس نصًا في المجتهدين، بل قيل هم أهل الحديث، أو المجاهدون (١)، ولئن سلمنا لم يدل على عدم الجواز، بل على عدم الوقوع (٢).
ولو سلم فدليلنا أظهر، وقد تقدم أنه يقدم بالظهور، ولو سلم غايته التعارض، فيرجع إلى الأصل. وهو عدم المانع من الجواز.
وقال ابن دقيق العيد (٣) "يجوز في آخر الزمان عند تعطل الشرائع وتزلزل قواعد الدين"، وهذا ليس بشيء إذ الكلام في حال رواج الشريعة، والأحكام.
стр. 1489
وأقول: لو ادعى الإنسان وقوع الخلو عن المجتهد يجب أن لا يخالفه أحد، لأن مثل إمام الحرمين، والغزالي لم يُعدّ من أصحاب الوجوه فضلًا عن رتبة الاجتهاد، ومن بعدهما لا يلحق غبارهما إلا أن ابن دقيق العيد كان يزعم الاجتهاد لنفسه، فأظهر كلامًا مخيلًا لا حاصل له.
قوله: "إذا عمل العامي بقول مجتهد".
أقول: العامي إذا عمل بقول مجتهد في حادثة، فليس له الرجوع عنه إجماعًا (١).
وإنما الكلام فيما إذا أفتى، ولم يعمل.
فقيل: يلزم العمل، لأن قول المفتي في حقه كالدليل في حق المجتهد.
وقيل: يلزم إذا شرع فيه، لأن الشروع ملزم.
стр. 1490
وقيل: يلزمه إن التزم.
وقيل: يلزمه إذا وقع في نفسه صحته.
وقيل: إن لم يوجد مفت آخر يلزمه، وإلا فلا (١).
والحق هذا، واختار النووي ﵀ (٢)، هذا الذي ذكرنا في اتحاد الحادثة.
أما إذا اختلفت الحادثة الأصح عند المصنف الجواز وإليه ذهب ابن الحاجب (٣).
وقيل: لا يجوز مطلقًا.
وقيل: يجوز في عصر الصحابة، والتابعين، وأما بعد تقرير المذاهب فلا يجوز، وإليه ميل إمام الحرمين (٤).
ومن لم يبلغ رتبة الاجتهاد، فهل عليه التزام مذهب مجتهد معين؟ .
стр. 1491
اختار المصنف وجوبه عليه (١)، وقيل: لا يجب (٢).
وإذا قلنا: بوجوبه.
فهل يختار أي مجتهد كان، أم يجب تقليد الأفضل في اعتقاده؟
قال: يجب عليه تقليد الأفضل (٣)، أو المساوي بناء على ما اختاره سابقًا من وجوب اعتقاد الأفضلية، أو التساوي، ولكن الأولى أن يسعى
стр. 1492
في الأرجح ليظهر وجه الاختيار (١)، وليس هذا مخالف لما تقدم من عدم وجوب البحث، لأن الأولوية لا تستلزم الوجوب.
ثم إذا التزم مذهبًا هل له الخروج عنه أقوال:
أحدها: لا يجوز، لأنه بعد التزامه صار كالدليل بالنظر إلى المجتهد.
والثاني: يجوز، واختاره الرافعي (٢).
стр. 1493
الثالث: التفصيل بين ما عمل به، وما لم يعمل.
فإن عمل لا يجوز له تقليد غيره، وإلا فلا منع منه (١).
وحيث جوزنا له الخروج، فشرطه أن لا يتتبع الرخص، بأن يختار من كل مذهب ما هو الأهون عليه.
قال النووي: "والذي يقتضيه الدليل أن له أن يستفتى من شاء، لكن بشرط أن (٢) لا تلقط الرخص" (٣) وقال به أبو إسحاق المروزي، أي: جوز تتبع الرخص.
وقيل: لم يصح عنه هذا، بل الذي صح عنه: من فعل ذلك يفسق، وهذا يدل على أنه كبيرة عنده، فكيف يمكن القول منه بالجواز؟ وهذا الذي يظن بمثل ذلك الحبر الإمام.
* * *
стр. 1494
مباحث تتعلق بعلم الكلام
стр. 1495
باب في مسائل أصول الدين
قوله: "مسألة اختلف في التقليد في أصول الدين".
أقول: لما ذكر مباحث التقليد في الفروع ناسب ذكر التقليد في الأصول، أي: أصول الدين، والمراد بأصول الدين المسائل الاعتقادية التي لا تتوقف على كيفية عمل (١) كوجود الصانع (٢)، وحدوث العالم، وهي التي تسمى: علم الكلام.
ولنقدم جملة مما يتعلق به ليفيد بصيرة الطالب، ونجعله مسائل:
стр. 1496
الأولى: تعريفه:
علم الكلام: علم يعرف به القواعد الشرعية الاعتقادية المكتسبة من الأدلة اليقينية (١) سواء توقفت على الشرع أم لا، وسواء كانت مطابقة لنفس الأمر، أم لا، لأن الخصم كالمعتزلي، والكرامي، وإن بدعناه لا نخرجه عن علماء الكلام.
فعلى هذا المراد بالشرعي، ما نسب إلى الشرع في الجملة، فخرج علم اللَّه، وعلم الرسول، لأنه ليس من الأدلة، ودخل علم الصحابة بتلك العقائد، لأنه من الأدلة اليقينية، وإن لم يكن هذا العلم مدونًا إذ ذاك.
قال صاحب المواقف: "هو علم يقتدر معه على إثبات القواعد الدينية بإيراد الحجج، ودفع الشبه" (٢).
ويعلم منه أن استحضار جميع القواعد ليس شرطًا. بل يكون عنده من المآخذ، والشرائط ما يكفيه في استحضار العقائد.
الثانية: موضوعه:
وقد تقدم في أول الكتاب أن تمايز العلوم في ذاتها بتمايز الموضوعات.
стр. 1497
فموضوع علم الكلام قيل: ذات اللَّه تعالى من حيث الصفات، والأفعال، لأن موضوع كل علم ما يبحث في ذلك العلم عن أحواله، ولما كان بحث الأصولي عن قدم الذات، ووجوب الوجود، وأنه فاعل بالاختيار، مرسل للرسل إلى غير ذلك، كان موضوعه الذات من تلك الحيثية (١).
وأورد عليه بأن علم الكلام كما يبحث فيه عن أحوال الذات، فكذا يبحث فيه عن أحوال الممكنات من حيث صدورها، واستنادها إليه تعالى، فلا بد من ضمها إليه، فزادها بعضهم، وهو صاحب (٢) الصحائف (٣).
وأورد عليه بأن كثيرًا من مباحث علم الكلام لا يلاحظ فيها الاستناد إليه تعالى مثل المعدوم ليس بشيء، والحال ليس بثابت، فعدل
стр. 1498
بعضهم إلى أن موضوعه الموجود من حيث هو موجود على قانون الإسلام (١)، وهذا مختار الغزالي (٢).
وأورد عليه البحث عن المعدوم، والحال، فإنه لا وجود، مع أن البحث عنهما من مسائل الكلام.
وأجيب بأنا لا نسلم أنها من مسائل الكلام، بل إنما أوردت تتميمًا للمقصود إذ الأشياء تتضح بمقارنة أضدادها.
ولما كان تلك المباحث متكثرة، ودعوى الاستطراد تتميمًا للمقصود لا يخلو عن تكلف، اختار المتأخرون (٣) كون موضوعه المعلوم ليشمل الموجود، والمعدوم، والواجب، والممكن من غير شائبة كلفة.
الثالثه: مسائله هي القواعد الشرعية الاعتقادية النظرية.
وقولنا: النظرية يخرج الضروري، أي: ما علم من الدين ضرورة، فلا يكون من علم الكلام، كما أن الأحكام الفروعية التي صارت من ضروريات الدين لا تعد من الفقه.
الرابعة: غايته، وغاية علم الكلام إحكام العقيدة (٤)، بحيث لا تزلزلها شبه المبطلين، وغاية هذه الغاية الفوز بمرضاة اللَّه، والأمن من عقابه.
стр. 1499
الخامسة: شرفه، ورتبته، فهو أشرف العلوم، لأن شرف العلم بشرف موضوعه، وغايته (١).
وقد علمت أن موضوعه أشرف الأشياء لاشتماله على ذاته تعالى، وأحواله.
وغايته: الفوز برضا اللَّه، والأمن من عقابه.
السادسة: وجه التسمية بعلم الكلام، إما (٢) لأن مسألة الكلام أشهر مسائله، وكثر الخلاف فيها، حتى قتل فيها أئمة كثيرون، فسمي العلم به تسمية للشيء بأشهر أجزائه.
وإما لأن الماهر فيه يقتدر على الكلام في الاستدلالات، ودفع الشبه.
وإما لأن هذا العلم عند المسلمين في مقابلة المنطق للفلاسفة، فسمي به تمييزًا بينهما.
وإما، لأنه أول ما دون كانت مسائله مصدرة بلفظ: الكلام في كذا، الكلام في كذا (٣).
стр. 1500
فإن قلت: إذا كان أشرف العلوم، فكيف طعن فيه السلف ومنعوا من الاشتغال به (١)؟
стр. 1501
قلت: ذلك محمول على ما إذا أراد به التعصب، وإفساد عقائد المسترشدين، أو ترجيحًا لما يقوله أهل الضلال (١)، وإلا ما يقوي الإيمان، ويزيح عنه شبه المبطلين، لا يخفى حسنه في الدين، كيف وتعلمه معدود من فروض الكفاية، وقد دون في كتب الفروع أنه من فروض الكفاية.
وعن الشيخ الأشعري أن إيمان المقلد لا يصح، ولما كان بظاهره يستلزم عدم صحة إيمان العوام، الذين ليسوا بقادرين على] (٢) الاستدلال دفعه القشيري (٣)، بأن هذا لم يصح نقله عن الشيخ (٤).
стр. 1502
قال المصنف: والتحقيق أن التقليد إن كان أخذ القول من الغير بغير حجة، مع احتمال شك، أو وهم، فلا يكفي في الإيمان، وإن كان جزمًا خاليًا عنهما، فيصح، وبه يجمع بين قول الأشعري وغيره.
وإن شئت تحقيق المسألة بما لا مزيد عليه، فاسمع لمقالتنا، اعلم أن أهل السنة كلهم من قال بإيمان المقلد، ومن لم يقل به متفقون على أن مقابل التقليد هنا هو الاستدلال بالأثر على المؤثر، وبالمصنوع على الصانع، ولا يلزم في هذا الاستدلال الاقتدار على إيراد الحجج، ودفع الشبه لو اعترض عليه مبتدع، بل ذلك من فروض الكفاية التي يقوم بها في كل ناحية عالم متبحر.
إنما المراد بالاستدلال مجرد الانتقال من الأثر إلى المؤثر على ما نقل عن الأعرابي (١).
стр. 1503
"البعرة تدل على البعير، وآثار الأقدام على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، فكيف لا يدلان على الصانع الخبير؟ " (١) فإذا كان معنى الاستدلال ما ذكرنا، ولا يحتاج فيه إلى تحرير الأدلة، ودفع الشبه، لم يوجد بين المسلمين مقلد قط. إذ أجهل من يتصور فيهم كالرعاة، وسكان البوادي إذا رأى شيئًا عجيبًا موثقًا يقول: سبحان من خلقه، وهذا استدلال منه على موجد العالم، وإذا كان هذا حال أجهلهم، فكيف بمن نشأ بين العلماء، والوعاظ، ولازم الجماعة والجمعة؟
قال المولى المعظم التفتازاني -في شرح المقاصد-: "ليس الخلاف في هؤلاء الذين نشؤوا في ديار الإسلام من الأمصار، والقرى، والصحارى، ولا الذين يتفكرون في خلق السموات، والأرض (٢)، واختلاف الليل، والنهار (٣)، فإن هؤلاء كلهم أهل النظر، والاستدلال، بل في من نشأ على شاهق جبل، ولم يتفكر في ملكوت السموات، والأرض، وأخذه إنسان، وأخبره بما يجب عليه اعتقاده وصدقه بمجرد إخباره من غير
стр. 1504
تفكر، وتدبر (١)، فهذا مجمل كلام الأشعري" (٢) وبه يستقيم ما ورد في الأخبار والآثار من قبول الإيمان من العوام؛ لأنه لا يصدق على أحد منهم اسم المقلد.
وما ذكره المصنف من التحقيق ليس بشيء، لأن الجزم الخالي عن الدليل الموجب قابل للزوال، وليس من العلم اليقيني في شيء، بل ذلك يسمى بالاعتقاد الذي هو قسيم العلم.
стр. 1505
وقوله: "خلافًا لأبي هاشم" ليس، كما ينبغي لأن أبا هاشم إنما يقول: بوجوب الاستدلال بمعنى تحرير الدلائل، ودفع الشبه، صرح به التفتازاني في شرح المقاصد (١).
قوله: "فليجزم عقده بأن العالم محدث".
أقول: هذا تفريع على اختياره من الاكتفاء بالجزم، أي: إذا علمت ما ذكرنا فالواجب على المكلف الجزم بحدوث العالم، وقد نبهناك على فساده (٢).
والعالم ما سوى اللَّه تعالى من الممكنات يشمل الأعراض، والجواهر، وليس اسمًا لجميع ما سواه من حيث الجميع وإلا لم يصح جمعه، بل هو للقدر المشترك بين الكل.
وكثيرًا ما يطلق، ويراد به الثقلان، أي: الإنس، والجن، مثل: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٣) "سيدة نساء العالمين" (٤).
стр. 1506
والإحداث: إخراج الشيء من العدم إلى الوجود، فقبل الوجود العالم ممكن، ولا يوصف بالحدوث إلا باعتبار المآل، وبعده يوصف بالحدوث، والإمكان.
وعلة احتياج العالم إما الإمكان، وإليه ذهب الفلاسفة، أو الحدوث مطلقًا، أو مع الإمكان، أو بشرطه مذاهب لأهل الحق. والحدوث: هو الوجود بعد العدم، وعند الفلاسفة ينقسم إلى قسمين: إلى حدوث زماني: كحدوث زيد، وعمرو.
وإلى حدوث ذاتي: كحدوث الأفلاك، فإنها قديمة بالزمان، وإن كانت حادثة بالذات (١).
وهذا مبني على أن الباري تعالى موجب لا اختيار له في صنعه بل صنعه لازم له كالضوء للشمس.
وعند أهل الحق فاعل بالاختيار، والقدرة، والإرادة وصنع المختار لا [يجوز أن] (١) يكون قديمًا، قال بعض الشارحين (٢): "عندنا القديم ينافي الاحتياج، فلا يجوز افتقار القديم إلى المؤثر" وهذا غلط منه، لأن صفاته تعالى محتاجة إلى ذاته، مع كونها قديمة.
والصواب: أن يقال: محتاجة إلى المؤثر، لكن غير محتاجة إلى الغير إذ الصفات ليست غير الذات.
قوله: "وله صانع وهو اللَّه الواحد".
أقول: قولنا: العالم مُحدَث دعوى لا بد لها من دليل، والدليل على ذلك أنه موجود بعد العدم.
فوجوده إما من ذاته، فيلزم قدمه، لأن ما للشيء بالذات لا يفارقه وهو باطل للاتفاق على حدوثه.
ولأنه متغير، وكل متغير حادث، فلا بد، وأن يستند وجوده إلى موثر فينتقل الكلام إلى ذلك المؤثر.
فنقول: إما حادث، أو قديم، فإن كان حادثًا، فيحتاج إلى مؤثر آخر، وهلم جرًا.
стр. 1509
فإما أن تعود السلسلة إلى الأول فدور، أو تذهب إلى غير النهاية فتسلسل، وكلاهما باطل (١).
فلا بد من انتهائه إلى مؤثر غير محتاج إلى غيره، وهو اللَّه تعالى، هذا في ثبوته.
وفي (٢)(٣) توحيده نقول: لا شريك له في ألوهيته، ولا جزء له، ولا يشبه شيئًا من الأشياء.
وتحقيق الكلام في هذا المقام أن نقول: لا جزء له بحسب الماهية، لأنه لا يجانس شيئًا حتى يحتاج إلى الفصل، فلا جزء له عقلًا.
стр. 1510
ولا بحسب الخارج، لأنه لو كان مركبًا في الخارج لزم إمكانه لاحتياجه إلى أجزائه، وكل محتاج ممكن (١)، وقد ثبت أنه واجب لا ممكن (٢).
ولا بحسب المقدر لأنه من خواص الأجسام، وقد أبطلنا كونه جسمًا لاحتياجه إلى الأجزاء، والمكان كما سيأتي.
ولا يشبه شيئًا، لأن ما عداه حادث، والقديم لا يشبه الحادث.
فإن قلت: مذهب المتكلمين أن الوجود لفظ مقول على الوجودات بالتواطئ، وأفراد المتواطئ متشابهة كأفراد الإنسان.
قلت: الوجود ليس أمرًا محققًا في الخارج، ولا جزءًا عقليًا في الأشياء الموجودة، بل الوجود المطلق، وهو الكون في الأعيان، يطلق على الوجودات الخاصة قولًا عرضيًا (٣).
وأما وجوده الخاص تعالى، فهو عين ذاته في الخارج على ما ذهب إليه الشيخ الأشعري من أن وجود كل شيء عينه (٤)، ولو كان زائدًا في