← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 132415

الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (1 869 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

(أ)

стр. 142

(أ)

стр. 143

(أ)

стр. 144

نماذج من نسخة (ب) (ب)

стр. 145

(ب)

стр. 146

(ب)

стр. 147

(ب)

стр. 148

(ب)

стр. 149

(ب)

стр. 150

جاء على الصفحة الأولى (١): هذا الكتاب المسمّى: "بالدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع" تصنيف الحبر الإمام، والعلامة الهمام، أفضل المتأخرين، وأفضل المحققين، عضد الملة، سعد الأمة، كشاف الغمة (٢)، شريف المعاني الشيخ شهاب الدنيا والدين أبي العباس أحمد الكوراني، قاضي قضاء عساكر الروم، أسبغ الله ظلاله، وأدام فضله وأفضاله آمين. شهاب أضاء العلم والدين للورى ... ونور سناه في الحقائق ساطع بدور العاني في مطالع سعدها ... بإحيائه طول الليالي طوالع فمن كان أعمى عن مناقب فضله ... فذي البينات الواضحات اللوامع

стр. 151

القسم التحقيقي

стр. 152

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين وعليه نتوكل (١) الحمد لله الذي شيد بمحكمات كتابه أركان الشريعة الغراء، وسدّد بمسندات السنن الشهباء فروع الحنيفية السمحاء، أمر من امتطى غارب الاستنباط باتباع سبيل المؤمنين (٢)، ونهى الواقفين دون ذلك عن الانسلاك في مسالك المعتبرَين، والصلاة على من اختص في مضمار البلاغة بجمع الجوامع، وامتاز بغرر (٣) المعجزات (٤) في المبادئ والمقاطع، وعلى من جاد -في إرسال مصالحه- بالأموال والأبدان، وفاز بشرف الاستصحاب، والاستحسان، والتابعين لهم بإحسان إلى انصرام الزمان.

стр. 153

وبعد: فإن العلوم على تكثُّر فنونها، وتَشعُّب شجونها أرفع المطالب، وأنفع المآرب. وعلم أصول الفقه أعلاها شأنًا، وأسناها مكانًا (١)، إذ هو مبنى الفقه الذي به تعبَّد سيد المرسلين، وحث على تحصيله في الكتاب المبين: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]. ولعمري إنها منقبة لا يخفى مكانها، ومكرمة يتجلى شأنها، ولقد أكثر السلف والخلف فيه من التصانيف المعتبرة، مطولة ومختصرة، وبذلوا الوسع غايته، وبلغوا الجد نهايته، ثم إني وجدت كتاب "جمع الجوامع"- الذي ألفه العلامة المحقق، والحبر المدقق، قاضى القضاة تاج الملة والدين عبد الوهاب

стр. 154

السبكي، ألبسه الله حلل الغفران، وأسبل عليه شآبيب الرضوان- أجمع للقواعد، وأوسع للفرائد والفوائد، مع سلاسة تراكيبه، ورشاقة أساليبه، ولم يقع له شرح يكشف عن مخدراته نقابها، ويستخرج الصعاب عن شعابها (١)، ولم يزل يختلج في خلدي أن أضع له شرحًا يوضح مشكلاته، ويظهر معضلائه، ويبين مجملاته، وكان يعوقني عن ذلك اشتغال البال، واضطراب الحال، إذ التقدير كان يسيرني تارة إلى الغرب، وأخرى إلى الشرق، وآونة إلى الطول، وأخرى إلى العرض، كأنما أنا مرحل ومرتحل، موكل بفضاء الأرض أذرعه، إلى أن يسر الله، -وله الحمد- الحلول بأشرف بلاد الأرض المقدسة (٢)، التي هي على تقوًى من الله مؤسسة (٣)،

стр. 155

وقرت العين بجمال المسجد الأقصى، وكان ذلك المقصد الأقصى، فقلت -لعمري- إن هذه ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ (١) ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (٢)، فلما انزاحت عني الغصة، وانجابت لي الفرصة شددت بلا ريث مظنة العزم، ورأيت ذلك غاية الحزم (٣)، فشرعت في شرح له يميط لثام مخدراته، ويزيح ختام كنوزه ومستودعاته، أنقح فيه الغث من السمين، وأميز السين من الشين (٤)، أورد الحجج على وجه تتبختر اتضاحًا، وأترك الشبهة تتضاءل افتضاحًا، أطنب حيث يقتضى المقام، وأوجز إذا اتضح المرام، أشيد في كل ذلك القواعد، وأضم إليها ما ظهر (٥) لي من الفوائد في ضمن تراكيب رائقة، وأساليب فائقة، وسوف تقر بما فيه عين كل لبيب، ويفوز (٦) منه ببغيته كل أريب، وسميته: "بالدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع" ولما:

стр. 156

كانت الأعمال بالنيات (١)، وقريبًا كل [ما هو] (٢) آت، نويت به الثواب يوم النشور لا الثناء في دار الغرور، والله يتولى السرائر، وهو أعلم بالضمائر، وبالله أعتصم، عليه اعتمادي ضارعًا متوكلًا. قوله: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ نحمدك (٣) إلى آخره". أقول: اختار الجملة المضارعية على غيرها؛ لإرادة الاستمرار التجددي باستعانة المقام (٤)، كقول الشاعر: بعثوا إليَّ عريفَهم يتوسَّم (٥)

стр. 157

أي: يحدث التوسم شيئًا فشيئًا؛ أي: نذكرك بأوصافك الحسنى شيئًا فشيئًا، وإلى ما ذكرنا يشير قوله ﷺ : "لا أُحصي ثناءً عليك" (١)، إذ الإحصاء: هو العَدُّ، ويلزمه ذلك، ولو اختار الاسمية- كما اختارها غيره (٢) لكان لائقًا بالمقام (٣) أيضًا، إذ هي تفيد الاستمرار الثبوتي بمعونة المقام لكن أراد نسبة الحمد إلى نفسه صريحًا، والحمد ليس عبارة عن قول القائل: الحمد لله، بل هو الوصف بالجميل الاختياري على قصد التبجيل،

стр. 158

فقولنا: الوصف بمنزلة الجنس (١)، وقولنا: بالجميل يخرج ما ليس بجميل من الأوصاف كالذم، والهجاء، وقولنا: الاختياري يخرج المدح عند المحققين، وقولنا: على قصد التبجيل يخرج الاستهزاء والشكر -أيضًا- ليس قول القائل: الشكر لله، بل هو فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعمًا على الشاكر أعم من أن يكون قولًا باللسان، أو عملًا، وفعلًا بالأركان، أو اعتقادًا ومحبة بالجنان، فبين الحمد، والشكر عموم وخصوص من وجه (٢)، إذ بحسب المتعلق الحمد أعم لجواز تعلقه

стр. 159

بالفضائل (١)، والفواضل (٢)، وبحسب المورد أخص: لاختصاص مورده باللسان وحده، والشكر بالعكس إذ موارده ثلاثة: اللسان، والجنان، والأركان (٣) قال: أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا (٤) ومتعلقه خاص إذ يكون على الفواضل، والمزايا المتعدية لا غير، هذا محصل ما هو دائر بين القوم في أوائل الكتب (٥). ثم هنا تحقيق آخر يجب التنبه له، وهو أن ما ذكر من معنى الحمد والشكر هو معناهما اللغوي (٦)، وأما معناهما الحقيقى -بحسب عرف

стр. 160

المحققين من علماء الأصول-: هو أن الحمد فعل ينبئ عن تعظيم المنعم (١)، وحذف هنا قيد كونه منعمًا على الحامد بخلافه في الشكر، حيث كان معتبرًا هناك، فبينهما عموم وخصوص مطلق (٢). والشكر: صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه وأعطاه إلى ما خُلق لأجله: كصرف البصر إلى المبصرات، والسمع إلى المسموعات، وكذلك جميع الحواس، والقوى، والآلات، ولا يخفى عليك النسبة بين هذا المعنى، والمعين اللغوي للحمد والشكر (٣).

стр. 161

ثم هنا إشكالات يجب إيرادها وحلها: الأول: أنا لما قيدنا الجميل بالاختياري -في المعنى اللغوي للحمد- خرج الوصف بالصفات الذاتية من أن يكون حمدًا، لكونها قديمة (١)، وكل اختياري حادث، وقد يجاب: بأن تلك الصفات تقع محمودًا بها في مقابله، أو اختياري: هو محمود عليها، فيدخل في المحمودية، وهو كاف، وليس بشيء إذ في مقام الحمد لا يجب ملاحظة المحمود عليه، بل الحق: أن الوصف الاختياري أعم من أن يكون بالذات أو بالواسطة، وتلك الصفات -وإن لم تكن بالذات- اختيارية، لكن آثارها اختيارية: كآثار الإرادة، والقدرة، والحياة. فإن قلت: إذا وُصف الجواد بجوده لكونه جوادًا، فيكون المحمود عليه والمحمود به متحدين، وهما غيران ضرورة (٢). قلت: يُكتفى -حينئذ- بالمغايرة الاعتبارية، ولا غَرْوَ في ذلك. الإشكال الثاني: أنه أتى بكاف الخطاب مع الحمد، وكان المناسب الاسم الظاهر -أعني كلمة الجلالة أو غيرها من أسمائه الحسنى- إذ العبد

стр. 162

يجب عليه أن يستقصر نفسه في مقام الحمد، ويستبعدها عن عز ساحة حضرته تعالى وتقدس، وبصيغة الغَيبَة ورد -أيضًا- التعليم من الله تعالى لعباده في كلامه القديم في مواضع شتّى (١)، ولم يقع العدول عنه قطُّ، فلو كان الخطاب لائقًا لسوَّغه في موضع ما. قلت: لمّا أوقع الحمد هنا في مقابلة النعم التي لا يمكن عدها وإحصاؤها، فضلًا عن إمكان الإتيان بشكرها، وتأمل في مُولي تلك النعم، جليلها وحقيرها، عاجلها وآجلها، ظاهرها وباطنها، معقولها ومحسوسها، قاصرها ومتعديها، ورآها فائتة الحصر توجه بشراشره (٢) إلى ذلك المولي

стр. 163

الحقيقي، فقال: يا من استغرق الحامدون في بحار نعمه نحمدك، فكان بمقتضى البلاغة الإتيان بالكاف واجبًا لا يجوز العدول عنه عند من له ذوق سليم. الإشكال الثالث: عدل عن همزة المتكلم وأتي بالنون، مع أنه في مقام العجز والاستقصاء، فالمناسب انفراده عن الغير ليكون أقرب إلى المقصود. والجواب: إنما عدل إلى نون الجمع لنكتة سرية، وهي أنّا لمّا قدمنا أنه أوقع الحمدَ في مقابلة تلك النعم الفائتة الحصر، أدرج نفسه في جماعة الحامدين من الملائكة، والإنس، والجن، وكل من يتأتى منه الحمد: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (١)؛ ليكون أبلغ في المرام، وأقضى لحق المقام، فكأنه قال: يا من هذا شأنه نحمدك كلنا معاشر الحامدين بكل محامدك، أي: بكل أوصافك الجميلة، وإن لم نحط بها علمًا، وهذا نهاية درك العارف في مقام الحمد. وظهر لك -من هذا التحقيق- أن ما قيل (٢): إنما ذكر نون العظمة لإظهار ملزومها الذي هو نعمة من تعظيم الله له بتأهيله للعلم امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، مما لا يلتفت إليه، وليس له معنًى صحيح، مع قطع النظر عن هذا المقام، وما قيل (٣): من أن المراد بقوله:

стр. 164

"نحمدك" إيجاد الحمد لا ما سيوجد أسفل من ذلك؛ إذ الإيجاد فعل الله -تعالى وتقدس- لا فعل الحامد؛ إذ الآتي بالفعل غير الموجد كما يظهر بداهة في الزنى والقتل. وقوله: "لا ما سيوجد" مما لا معنى له، إذ المضارع إما حقيقة في الحال مجازًا في الاستقبال، فلا إشكال في نحمدك، أو هو مشترك بينهما إذ لم يذهب (١) أحد إلى العكس ولا يشك أحد في أن العاقل إذا قال في مقام الحمد: نحمدك، لم يرد أني الآن لا أشتغل بحمدك، ولكن سأفعله، وأمثال هذه الأشياء الواهية لا ينبغي أن نتعرض لها، ولكن تحقيق معنى الحمد لمّا كان من المطالب السَّنِية، والمهمات الدينية كان بذل النصح فيه من الواجبات التي لا يستغنى عنها، وقد ذكروا (٢) من أمورًا أُخر لا مساس لها بالمقام، ولا هي معاني صحيحة -أيضًا- عدلنا عنها مخافة التطويل، وقد أنبأت الشجرة عن الثمرة (٣). والله أعلم. قوله: "على نعم". جمع نعمة، وهي العطية، فالحمد والشكر صادقان في هذه المادة، ولا حاجة إلى جعل النعم بمعنى الإنعامات، كما فعل بعض القاصرين (٤).

стр. 165

قوله: "يؤذن الحمد بازديادها". إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]، والإيذان بمعنى العلم اليقيني؛ إذ الملازمة (١) قطعية، وازداد: متعدٍّ ولازم كأصله (٢)، وقد ذكر بعض الشراح (٣) كل ما في هذا المقام لا تعلُّقَ له بالمقصود فاجتنبه. قوله: "ونصلي على نبيك محمد". أقول: جاء في بعض التفاسير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] أي: لا أذكر إلا وذكرك مقرون بذكري (٤)، فلهذا جرت عادة المصنفين بالصلاة بعد الحمد، وأيضًا لمّا كان شكر المنعم واجبًا عقلًا

стр. 166

[عند المعتزلة] (١) ونقلًا [عندنا] (٢)، وشَكَرَ المنعم الحقيقي أردف شكره بشكر المنعم المجازي، إذ النِّعم الواصلة إلينا من الله -تعالى- في الدنيا والآخرة، إنما هي بواسطته ﷺ ، وزاده شَرفًا وتعظيمًا، فلمّا أثنى على المنعِم الحقيقى أراد الثناء على المنعِم المجازي. والصلاة -لغة- الدعاء: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (٣) أي: ادع لهم، والدعاء يلزمه التعظيم، فإن من دعوت له فقد عظمته، فأُطلق الملزوم، وأُريد اللازم (٤)، فيكون مجازًا مرسلًا (٥)، أي: ونعظم نبيك

стр. 167

بأن نقول: يا إلهنا صل عليه؛ أي: عظّمه وبجِّله، وإضافة النبي لتعظيم المضاف، ومحمد عطف بيان، أو بدل، والنبي: ذكر من بني آدم أُوحى إليه بشرع، وقولنا: ذكر أَولى من قولهم: إنسان للإجماع (١) على عدم استثناء الأنثى من بني آدم، وهو أعم مطلقًا من الرسول: لاختصاصه بالكتاب، أو بتغيير بعض الأحكام، وهو فعيل بمعنى الفاعل، أو المفعول: ويجوز فيه الهمزة، والواو، فعلى الأول: من النبأ، وعلى الثاني: من النبوة، والوجه في الكل واضح (٢). قوله: "هادي الأمة لرشادها، وعلى آله وصحبه، ما قامت الطروس والسطور لعيون الألفاظ مقام بياضها وسوادها". أقول: الهادي اسم فاعل من الهداية، وهي الدلالة إلى ما يوصل إلى المطلوب، سواء وصل به، أو قصر ولم يصل، كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]. وقيل: الهداية وجدان المطلوب. وليس بشئ إذ وجدان المطلوب هو الاهتداء لا الهداية.

стр. 168

وعند أهل الحق الهداية قسمان: عامة: وهي الدلالة المذكورة، وخاصة: وهو خلق الاهتداء (١) لقوله: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢). والأمة هنا بمعنى الجماعة، وأمَّته على قسمين: أمة الدعوة، وأمة الإجابة، والمراد أمة الدعوة، إذ هو مرسل إلى الناس كافة، ولكن منهم من اهتدى، ومنهم من ضل، والرشاد ضد الغيّ: وهو مصدر بمعنى الفاعل، أي: أمر ذي رشد وهو دين الإسلام، والصراط المستقيم. والآل: أصله الأهل، وقيل: الأوْل، وخص استعماله -بعد القلب- بذَوي الشرف، والخطر بخلاف أصله، وآله ﷺ بنو هاشَم وبنو المطلب، وقيل: أقاربه الأدنون، وقيل: كلُّ مؤمن تقيّ آله (٣). والصحب: اسم جمع للصاحب كركب، وراكب،

стр. 169

والصحابي: من حضره وهو مؤمن ولو ساعة (١)، والطروس: جمع طرس، وهو الورق، والسطور: جمع سطر مصدر سطرت؛ أُريد به المفعول. وما قيل (٢): إن عطف السطور على الطروس عطف الجزء على الكل غلط فاحش؛ لأن الطروس هو الورق الذي هو محل السطر، وليس الحالُّ جزء المحلّ، وتفسير عيون الألفاظ بمعاني الألفاظ (٣) أفحش: إذ لا دلالة على المعنى بوجه من الوجوه، بل عيون الألفاظ نقوش الكتابة، وهو إشارة إلى ما ذكره بعض المحققين (٤) من أن اللفظ له وجود في التكلم، ووجود في الكتابة، ووجود في الذهن -عند القائل به- ووجود في اللوح المحفوظ، ولا شك أن نقوش الكتابة يشتمل على بياض الطرس، وسواد السطر، إذ نقش الكتابة مركب منهما، فبياض الطرس وسواد السطر عرضان (٥) قائمان بالمحلَّين قيامًا حقيقيًا، والمحلّان قائمان مقام بياض

стр. 170

نقوش الكتابة وسوادها قيامًا مجازيًّا: لاشتمال المُحل على الحالِّ، فالضمير في بياضها وسوادها راجع إلى الألفاظ على ما حققناه، ورجوع الضمير إلى الطروس والسطور -كما فعله بعض الشارحين (١) - لا صحة له؛ إذ التقدير حينئذ: ما قامت الطروس والسطور مقام بياض الطروس والسطور، وقيام الجوهر (٢)، وهو الطرس مثل مقام البياض الذي هو عَرَض قائم به مما لا يقول به ذو عقل. هذا والتقييد بمثل هذه الأمور الحادثة الفانية كقولهم: "ما غرَّد القُمْريُّ" (٣)، "ما رنحت عذبات البان ريح صبا" (٤) وكما فعله المصنف مما يفيد الدوام بحسب العرف (٥)، ثم في الطروس

стр. 171

والسطور صنعة بديعية، وهو قلب البعض (١)، وفي الألفاظ استعارة (٢) مكنية، وإضافة العيون تخييلية، وذكر البياض ترشيح. قوله: "ونضرع إليك [-في منع الموانع- عن إكمال "جمع الجوامع" الآتي من فنَّي الأصول بالقواعد القواطع، البالغ من الإحاطة بالأصلين (٣) مبلغ ذوي الجد والتشمير، الوارد من زهاء مائة مصنف منهلًا يروي ويمير، المحيط بزبدة ما في شرحيَّ على المختصر والمنهاج، مع مزيد كثير"] (٤). أقول: الضراعة: هي الخضوع والتذلل؛ أي: نسألك خاضعين ضارعين أن تمنع وتدفع الموانع عن إكمال هذا الكتاب الذي هو "جمع الجوامع"، والجوامع: جمع جامع على خلاف القياس، أو جمع جامعة على القياس،

стр. 172

والفن: هو النوع، وأفانين الكلام: أنواعه، وإضافته إلى الأصول من إضافة العام إلى الخاص، وهو ظاهر، وما قيل (١): إنه من إضافة المسمى إلى الاسم، فليس بشئ، والأصول: أصول الفقه، وأصول الدين (٢) لإطلاقه وإن وجد لفظ الفن مثنًى -كما قيل (٣) -، فالأمر أوضح، وتحقيق معنى الأصول يأتي عن قريب في تعريف العلم، والقواعد: جمع قاعدة، والقاعدة أمر كلي (٤) ينطق على جزئيات (٥) تعرف أحكامها منه كقولنا:

стр. 173

كل أمر للوجوب، فهي قاعدة كلية (١)، فإذا أردنا أن نعرف أحكام الجزئيات قلنا: أقيموا الصلاة أمر، وكل أمر للوجوب، فأقيموا الصلاة للوجوب، ثم قد تطلق القاعدة، وقد تقيد، فيقال: معنا قاعدة كلية، فمنهم من قال: إنما تذكر الكلية مع القاعدة تأكيدًا، وليس بشيء إذ ليس الموضع موضع تأكيد، بل التحقيق أن القاعدة تارة تشتمل على جزئيات صِرفة، وتارة على قواعد، وتحت تلك القواعد تكون الجزئيات، فيطلق على الثانية القاعدة الكلية لاشتمالها على الأمور الكلية، والقطعية تارة تكون بالنظر إلى متن الدليل كآيات الكتاب (٢)، والأحاديث المتواترة والإجماع المنقول تواترًا، وتارة بالنظر إلى الدلالة، وإن كان المتن ظنيًّا، وتارة بالنظر إلى وجوب العمل كمظنون المجتهد، فإنه قطعي للعمل إذ لا يجوز له العدول عنه، فعلى هذا جميع القواعد قطعية، ولا حاجة إلى دعوى التغليب (٣) كما فعله بعضهم (٤)؛ لأن التغليب مجاز لا يرتكب إلا عند تعذر الحقيقة،

стр. 174

والزهاء ممدود ومقصور بمعنى القدر، وعلى المد اقتصر صاحب "المشارق" (١). قوله: "وينحصر إلى قوله: الكلام في المقدمات". أقول: أي وينحصر "جمع الجوامع" في مقدمات، وسبعة كتب، انحصار الكل (٢) في الأجزاء (٣) كانحصار البيت في السقف والجدران؛ إذ

стр. 175

الانحصار قد يكون للكلي في جزئياته كانحصار الكلمة في الاسم، والفعل، والحرف، وما ذكر بعض الشراح (١) في تمثيل انحصار الكل في الأجزاء كانحصار الكلام في الاسم، والفعل، والحرف، فليس بشئ إذ الحرف لا يقع جزءًا من الكلام. فإن قلت: كيف يصح الانحصار على الوجه الذي ذكرته، مع اشتمال الكتاب على علم الكلام، وخاتمة في التصوف؟ قلت: تلك المباحث الكلامية لم يذكرها قصدًا، بل لَمَّا ذكر في آخر الكتاب مباحث الاجتهاد، وانجرَّ كلامه إلى بحث التقليد استطرد الكلام في علم الكلام، وهل التقليد جائز فيه أم لا؟ وذكر خاتمة في التصوف لأدنى مناسبة، ويدل على ذلك إفراد لفظ الفن في النسخ المعتبرة كما قدمناه، ثم وجه الضبط -في الحصر المذكور- أن ما ذكره في الكتاب: إما مقصود بالذات، أو يتوقف عليه المقصود؛ إذ ما لا يكون مقصودًا ولا موقوفًا عليه -مستدرك- لا يجوز ذكره، والمقصود بالذات إما مباحث الأدلة، وهي الكتاب والسنة، والإجماع والقياس والاستدلال، فوضع لها خمسة كتب، وإما مباحث ترجيح بعض الأدلة على بعض، فوُضِعَ له كتاب سادس، وإما مباحث المقصود الأصلى، وهي مباحث الاجتهاد وما يتعلق به من مباحث الإفتاء والتقليد، فوُضِعَ له كتاب سابع، وما لا يكون مقصودًا بالذات ويكون موقوفًا عليه هو المقدمات

стр. 176

المذكورة (١)، وهي أمور تذكر أمام المقصود لارتباط بين المقصود وبينها، وهي على قسمين: ضروري: لا يجوز الشروع بدونه عقلًا، وهو أمران: تصور العلم المشروع فيه بوجه، والتصديق بفائدة ما، وقسم آخر غير ضروري: وهو ما عدا هذين الأمرين، بل يوجب زيادة بصيرة في المطلب، وليس منحصرًا في قدر معلوم. واعلم أن الحصر في [أمثال] (٢) هذه الأمور استقرائى، يقلل الانتشار، ويسهل الأمر على الطالب، ومن رام حصرًا عقليًّا فقد ركب شططًا.

стр. 177

الكلام في المقدمات

стр. 178

الكلام في المقدِّمات قوله: "أصول الفقه". أقول: لما ذكر أن كتابه يشتمل على الأصول الآتي بالقواعد القواطع، واشتاقت نفس السامع إلى ذلك المؤلف الموصوف، فاستشرف للسؤال عنه، فأغنى السائل عن السؤال، وقال: أصول الفقه كذا، فأخذ بتعريفه. واعلم أن حقيقة كل علم مسائله، ولا بد من أن نضبط تلك المسائل الكثيرهَ جِهَةَ الوحدة، فإن كل من طلب كثرة، وشَرع في تحصيلها من غير ضبط جهة الوحدة يقع في ورطة الحيرة، ومن تلك الجهة يؤخذ تعريفه، فإن كان ذلك الحد مسمًّى اسمه، فهو الحد (١)

стр. 179

الحقيقي، وإن كان مستلزمًا له، فهو الرسم، وإن شئت زيادة تحقيق، فاسمع لما يتلى عليك، فنقول: الماهية المعروفة على قسمين: حقيقية، واعتبارية؛ لأنها إما أن يكون لها تحقق في حد ذاتها- مع قطع النظر عن اعتبار المعتبر، أو لا؟ فالأولى: الحقيقية: كالإنسان، والمثلث (١)، والثانية:

стр. 180

الاعتبارية كالأصول، والفقه إذ الواضع لهما اصطَلَح على أمور، ووضع بإزائها ألفاظًا. ثم الماهية الحقيقية لا تخلو إما أن يكون الواضع -حينئذ- وضع اللفظ بإزائها متعلقه هو نفس الحقيقة، أو وجهًا واعتبارًا من اعتباراتها، فتعريف الماهية الحقيقية على الأول تعريف حقيقي، سواء كان بالذاتيات (١) كلها أو بعضها، أو بالعرضيات (٢) وحدها، أو بالمركب منها. وبالاعتبار الثاني تعريف اسمي، فالأول يفيد تصوير الماهية في الذهن، والثاني: يفيد تصوير مفهوم الاسم، فمنهم (٣) من اقتصر على هذا القدر، وحصر التعريف في القسمين، ومنهم (٤) من زاد قسمًا ثالثًا، وجعله تعريفًا لفظيًا كقولنا: الغضنفر الأسد، وهذا هو الحق إذ في التعريفين الأولين تحصيل
следующие страницы →