المذكورة (١)، وهي أمور تذكر أمام المقصود لارتباط بين المقصود وبينها، وهي على قسمين: ضروري: لا يجوز الشروع بدونه عقلًا، وهو أمران: تصور العلم المشروع فيه بوجه، والتصديق بفائدة ما، وقسم آخر غير ضروري: وهو ما عدا هذين الأمرين، بل يوجب زيادة بصيرة في المطلب، وليس منحصرًا في قدر معلوم.
واعلم أن الحصر في [أمثال] (٢) هذه الأمور استقرائى، يقلل الانتشار، ويسهل الأمر على الطالب، ومن رام حصرًا عقليًّا فقد ركب شططًا.
стр. 177
الكلام في المقدمات
стр. 178
الكلام في المقدِّمات
قوله: "أصول الفقه".
أقول: لما ذكر أن كتابه يشتمل على الأصول الآتي بالقواعد القواطع، واشتاقت نفس السامع إلى ذلك المؤلف الموصوف، فاستشرف للسؤال عنه، فأغنى السائل عن السؤال، وقال: أصول الفقه كذا، فأخذ بتعريفه.
واعلم أن حقيقة كل علم مسائله، ولا بد من أن نضبط تلك المسائل الكثيرهَ جِهَةَ الوحدة، فإن كل من طلب كثرة، وشَرع في تحصيلها من غير ضبط جهة الوحدة يقع في ورطة الحيرة، ومن تلك الجهة يؤخذ تعريفه، فإن كان ذلك الحد مسمًّى اسمه، فهو الحد (١)
стр. 179
الحقيقي، وإن كان مستلزمًا له، فهو الرسم، وإن شئت زيادة تحقيق، فاسمع لما يتلى عليك، فنقول: الماهية المعروفة على قسمين: حقيقية، واعتبارية؛ لأنها إما أن يكون لها تحقق في حد ذاتها- مع قطع النظر عن اعتبار المعتبر، أو لا؟ فالأولى: الحقيقية: كالإنسان، والمثلث (١)، والثانية:
стр. 180
الاعتبارية كالأصول، والفقه إذ الواضع لهما اصطَلَح على أمور، ووضع بإزائها ألفاظًا.
ثم الماهية الحقيقية لا تخلو إما أن يكون الواضع -حينئذ- وضع اللفظ بإزائها متعلقه هو نفس الحقيقة، أو وجهًا واعتبارًا من اعتباراتها، فتعريف الماهية الحقيقية على الأول تعريف حقيقي، سواء كان بالذاتيات (١) كلها أو بعضها، أو بالعرضيات (٢) وحدها، أو بالمركب منها. وبالاعتبار الثاني تعريف اسمي، فالأول يفيد تصوير الماهية في الذهن، والثاني: يفيد تصوير مفهوم الاسم، فمنهم (٣) من اقتصر على هذا القدر، وحصر التعريف في القسمين، ومنهم (٤) من زاد قسمًا ثالثًا، وجعله تعريفًا لفظيًا كقولنا: الغضنفر الأسد، وهذا هو الحق إذ في التعريفين الأولين تحصيل
стр. 181
مجهول إما حقيقة الماهية، أو مفهوم الاسم، وفي الثالث: لا تحصيل، بل تفسير لفظ بلفظ أشهر إذ السائل يعرف الحيوان المفترس من حيث إنه مدلول الأسد لا من حيث إنه مدلول الغضنفر، بل هو بحث لغوي، ولهذا يقبل المنع بخلاف الأولين: إذ التصور (١) لا يقبل المنع لأن التصور نفس الصورة في الذهن، فلا معنى لمنعه، ثم لا يخفى عليك أن هذا الاصطلاح يخالف اصطلاح المنطق (٢)، إذ هناك تقسيم التعريف الأول إلى الحد، والرسم، ثم يقسم كل منهما إلى تام، وناقص، فالحدان بالذاتيات لا غير، ويختلفان نقصانًا وتمامًا، والرسمان بالعرضيات كذلك، وهنا قد ذكرنا أن
стр. 182
الحد الحقيقي قد يكون بالذاتيات كلًّا وبعضًا، وبالعرضيات -أيضًا- كذلك، والسر في ذلك أنهم هناك جعلوا مأخذ الاصطلاح الذاتيات، فحيث كانت كلًّا أو بعضًا فحد، والعرضيات، فحيث كانت كلًّا أو بعضًا فرسم، فإن كان كلًّا فتام في الصورتين، وإن كان بعضًا فناقص، وهنا جعل المناط تقرُّر الماهية وتحققها في نفس الأمر وعدمه، مع قطع النظر عن كون المعرف ذاتيًا (١) أو عرضيًا، كلًّا أو بعضًا، وهنا سؤال مشهور: وهو أن الحد عين المحدود، فكيف يُعرِّف الشئ نفسه؟
والجواب عنه: أن الأشياء تختلف باختلاف الاعتبارات، فالإنسان -مثلًا- إذا وقع محدودًا يعتبر الجنس والفصل (٢) فيه إجمالًا، وفي الحد -وهو الحيوان الناطق- تفصيلًا، والمفصل أجلى من المجمل، فجاز أن يكون معرفًا له.
هذا خلاصة كلامهم في باب التعريف، مع تنقيح وتوضيح من جهتنا والله الموفق.
стр. 183
قوله: "دلائل (١) الفقه الإجمالية".
أقول: قد تقرر -في غير هذا العلم- أن لفظ العلم يطلق على معان أربعة:
الأول: إدراك (٢) الشيء، الثاني: ملكة تحصل للمدرِك بعد الادراك، وبعد ملاحظة للمدرَك متكررة، وتسمى تلك الملكة عقلًا بالفعل النحوي
стр. 184
مثلًا، فإنه بعد إدراك مسائله تحدث فيه حالة لم تكن موجودة قبل إدراك تلك المسائل النحوية، ثم (١) إذا توجه بالفعل -إلى تحصيل تلك المسائل وملاحظاتها تحدث له حالة أخرى تكون مبدأ التفاصيل، فتلك الحالة تسمى عِلمًا إجماليًا، والتي ينشأ منها عِلْما تفصيليًا، وتارة يطلق على الأصول والقواعد المدركة من حيث تعلق العلم بها.
والمصنف استعمل العلم في القواعد، فإن لفظ أصول الفقه علم وضع بإزاء العلم الباحث عن أحوال الأدلة السمعية التي هي موضوع علم الأصول، أو هي مع الأحكام على ما اختاره بعض (٢) المحققين، فلا يحتاج -حينئذ- إلى إضافة العلم إليه إلا بيانًا وتوضيحًا.
فلما قال: دلائل الفقه إجمالًا، أي: من حيث العلم في إذ لا يقول ذو مسألة: إن الدلائل الإجمالية -مع قطع النظر عن تعلق العلم بها-
نفس الفن والعلم المدون.
стр. 185
فإذا تقرر هذا، فنقول: من زاد -في التعريف- لفظ المعرفة كما فعله (١) البيضاوي (٢)، أو قيد العلم كما فعله ابن الحاجب (٣)، فقد صرح بالمراد، وأبرز المقدر (٤).
стр. 186
وتعريف أصول الفقه -على ما فعله المصنف- إنما هو للمعنى اللقبي، إذ هو مركب إضافي له ثلاثة أجزاء: المضاف، والمضاف إليه، ومعنى الإضافة، وهو الجزء المعنوي، فمنهم من نظر إلى الأصل، وعرف الأجزاء، ومنهم من عرف اللقبي، وترك المعنى الإضافى لكون اللقبي هو الأصل والمراد هنا (١).
والدلائل (٢) الإجمالية: هي القضايا الكلية التي يستدل بها على المسائل الفقهية كقولنا: هذا حكم دل على وجوبه القياس، وكلُّ ما دل
стр. 187
على وجوبه القياس فهو واجب، فهذا واجب، وكقولنا: كلّ ما دل القياس على وجوب شيء فهو واجب. لكن هذا الشئ مما دل القياس على وجوبه فهو واجب، أولم يجب، فلا يدل على وجوبه، فتلك الدلائل الكلية -أبدًا- إما أن تجعل كبرى الشكل (١) الأول، أو مقدّمًا في القياس الاستثنائي (٢) ثم المختار -في تعريفه- زيادة لفظ العِلْم كما فعله الشيخ ابن الحاجب: لأن العِلم يُستعمل في الكليات، والدلائل المذكورة كلية على ما حققناه آنفًا بخلاف المعرفة، فإنها تستعمل في الجزئيات، ولهذا
стр. 188
اختاره المحققون -في تعريف علم المعاني (١) - إذ أحوال اللفظ العربي جزئيات.
قوله: "وقيل: معرفتها".
أقول: قد عرفت أنه الحق، وقال بعض الشراح (٢) -هنا كلاما يقتضى منه العجب- وهو أن ما ذكره المصنف أولًا واختاره هو الأولى لقربه من معناه اللغوي؛ إذ الأصول -لغة- الأدلة وفساده من وجوه:
الأول: أنك قد عرفت أن تعلق العلم بالدلائل مما لا بد منه حتى يصير عِلْمًا مدونًا.
الثاني: أن قوله: إذ الأصول -لغة- الأدلة. غلط فاحش؛ لأن الأصول جمع أصل، والأصل ما ينبني عليه غيره (٣) كالجدران للسقف،
стр. 189
والحقيقة للمجاز، والدليل للمدلول، إذ الانبناء أعم من الحسيّ والعقلي، فالدليل من جملة ماصدقات الأصل لأنه وضع له لغة؛ إذ الألفاظ إنما توضع للمفهومات كالإنسان، فإنه موضوع للحيوان الناطق، لا لزيد، وعمرو، وبكر، وإن صدق عليها.
الثالث: أنه لو كان الأمر كما زعم فلا معنى للقرب، إذ الأصول إذا كانت -لغة- الأدلة، ولم يُقَدَّر فيه معنى العلم وتعلقه بها، فالقرب بماذا يعتبر؟ إذ الشئ لا يقرب من نفسه، ومفاسد قلة التأمل أكثر من أن يحيط في نطاق البيان (١) ومن قال
стр. 190
- من المحققين (١) -: إن الأصول يجوز إبقاؤه على معناه اللغوي، أراد بالأصول جميع ما يستند إليه الفقه من الأدلة السمعية والاجتهاد والترجيح، إذ المجموع هو الذي يبنى عليه الفقه لا الأدلة وحدها على ما توهمه المصنف (٢).
قوله: "والأصولي العارف بها وبطرق استفادتها ومستفيدها".
أقول: هذا كلام قليل الجدوى لأن أصول الفقه إذا كان عبارة عن العلم بالقواعد الكلية التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستقلال، فبالضرورة من كان عالمًا بتلك القواعد يكون أصوليًا، كما أن الفقه لما كان عِلْمًا باحثًا عن أفعال المكلفين من حيث الصحة والفساد كان عالمًا بالأفعال المذكورة من تلك الحيثية، فهو فقيه بلا ريب، وكأنه احترز بذلك عن سبق الوهم إلى أن الأصولي مَنْ جمع القواعد ودوَّنها لا من عرفها بعد التدوين لكنه (٣) بعيد جدًّا (٤).
стр. 191
وأما حال الاستفادة والمستفيد، فهما من أجزاء العلم المعرف؛ إذ المراد بكيفية الاستفادة معرفة استنباط الأحكام من الأدلة كتقديم النص على الظاهر، والمتواتر على الآحاد، وذلك الباب السادس الذي وضعه في التعادل والتراجيح.
وحال المستفيد: عبارة عن صفات المجتهد والمقلد؛ إذ كل منهما يستفيد الأحكام، وإن كان طريق الاستفادة مختلفًا؛ إذ دليل المجتهد النصوصُ، ودليل المقلد قولُ المجتهد الذي قلده، فلو ذكرهما -في تعريف العلم- كما فعله غيره (١) كان أولى (٢).
قال: "والفقه [العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية] (٣) ".
стр. 192
أقول: عرف الفقه بالمعنى المصطلح عليه، وترك المعنى اللغوي (١)؛ لقلة جدواه أو لكونه معلومًا على ما فعله في تعريف الأصول، فقال: الفقه العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية (٢).
فقوله: "العلم" جنس، وقوله: "بالأحكام" يخرج العلم المتعلق بالذوات والصفات والأفعال وإن أريد بالذوات الموضوعاتُ (٣)، وبالصفات المحمولاتُ (٤)،
стр. 193
فلا حاجة إلى ذكر الأفعال، وبقيد "الشرعية" أخرج الأحكام العقلية كالتماثل والتخالف، وبقوله: "العملية" أخرج الاعتقادات كوحدة الصانع -تعالى- وقِدَمه، وبقوله: "من أدلتها التفصيلية" علم الله -تعالى- وعلم جبريل، وعلم الرسول عليهما أفضل الصلاة وأكمل التسليم، إذ هذه العلوم بالأحكام ليست عن الأدلة (١)، وزاد بعضهم (٢) لفظ الاستدلال، ولا حاجة إليه إذ أخذ الحكم من الدليل مشعر بالاستدلال (٣).
والحكم -في العرف العام- إسناد أمر إلى آخر إيجابًا وسلبًا.
وعند الأصوليين: خطاب الله -تعالى- المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء، أو التخيير، والأول: هو المراد هنا، وإلا يكون قيد الشرعية ضائعًا.
وقوله: "المكتسب" مرفوع صفة للعلم مخرج لعلم المقلد؛ لأنه ليس مكتسبًا من الأدلة إذ معنى الاكتساب من الدليل أن ينظر في الدليل على وجه الاستدلال، فيؤدي ذلك النظر إلى العلم.
ولا شك أن المقلد ليس بهذه الصفة، وإن كان علمه مأخوذًا من الدليل لكن لا بالمعنى المذكور، بل دليل المقلد -في التحقيق- قول مقلده.
والدلائل التفصيلية: هي الأدلة الجزئية التي (٤) أقيمت على الأحكام الفقهية كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
стр. 194
واعلم أن هنا سؤالًا (١) لبعض المحققين يعسر التغضِّي عنه وهو أن الأحكام إما أن يراد بها البعض أو الكل، لا جائز أن يكون المراد هو الكل لثبوت "لا أدري" عمن هو فقيه بالإجماع (٢)، ولا البعض لدخول المقلد (٣).
ولمّا أجيب بأن المراد هو الكل، ولا يقدح "لا أدري"؛ إذ المراد ليس الكل بالفعل، بل التهيؤ للكل، ومن ثبت عنه "لا أدري" كان متهيئًا (٤) له.
اعترض -ثانيًا- بأن التهيؤ البعيد حاصل لكل أحد، والقريب ليس له ضابط.
стр. 195
لا يقال: المعنى به أن يعلم كل مسألة يتوجه إليها بالاجتهاد؛ لأن أبا حنيفة (١) مات، ولم يدر معنى الدهر (٢)، مع كونه مجتهدًا بالإجماع.
وأيضًا بعض المسائل لا مساغ للاجتهاد فيه، والبعض -أيضًا- لا يجوز لأنه إما أن يراد به البعض المعين كنصف الأحكام مثلًا أو الثلث ولا دلالة
стр. 196
عليه، أو ما ينطلق عليه البعض وإن قلَّ؛ لأنه يلزم أن من عرف ثلاث مسائل من الدليل كان فقيهًا، وليس كذلك.
الجواب: نختار الكل، والمراد بالتهيؤ القريب.
قوله: "ليس له ضابط" قلنا: ممنوع إذ هو ملكة يقتدر بها على إدراك الأحكام الجزئية، وإطلاق العلم على الملكة المذكورة شائع.
قوله: "لم يدر معنى الدهر"، قلنا: لا يمتنع ذلك لجواز أن يكون بسبب تعارض الأدلة (١).
قوله: "لا مساغ فيها للاجتهاد".
قلنا: ممنوع بدليل حديث معاذ (٢) حيث لم يستثن شيئًا من الأحكام (٣)، أو نختار البعض.
قوله: "من عرف ثلاث مسائل من الدليل كان فقيهًا".
قلنا: كذلك أي من كان له ملكة الاستنباط من الأدلة فهو فقيه، وإن كانت معلوماته قليلة لكونه ذا ملكة، وهي كافية، وذكر الفرعية في تعريف
стр. 199
الفقه أولى من ذكر العملية إذ المتبادر من العملية ما يكون بالجوارح، ويورد -حينئذ- خروج النية من المسائل الفقهية (١).
ويجاب بأن العملي أعم من عمل الجوارح والقلب، ويرد بأنه غير مانع لدخول العقائد كلها.
ويجاب بأن العملي ما يتعلق بكيفية عمل، والعقائد لا تتعلق بكيفية عمل، والفرعية خالية عن هذه الاعتراضات، فكان أولى (٢).
لا يقال: العلم أعم من التصورات والتصديقات (٣)، فيلزم أن يكون تصور الأحكام الشرعية العملية فقهًا لأنّا نقول العلم -عند الأصوليين- حقيقة في الاعتقاد الجازم المطابق الثابت لموجب ولذلك توجه الاعتراض بأن الفقه من باب الظنون، فلا يكون علمًا (٤).
стр. 200
قال: "والحكم خطاب الله [المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف] (١) ".
أقول: لمّا أخذ الحكم (٢) -في تعريف الفقه- ولم يكن بيِّنًا أراد بيانه، واللام في "الحكم" -هنا- للعهد، أي الحكم
стр. 201
الشرعى هو الخطاب الموصوف، والخطاب: توجيه الكلام نحو الغير للإفهام [ثم] نقل إلى ما يقع به التخاطب، وهو هنا الكلام النفسي الأزلي (١).
стр. 202
ومن يرى أن الكلام في الأزل لا يسمّى خطابًا فسر الخطاب بالكلام الموجه نحو الغير المتهيئ للفهم (١).
واعترض بأن الحد غير مانع لدخول القصص كقوله -تعالى- ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] فزيد -في الحد- بالاقتضاء، أو التخيير (٢)،
стр. 203
ولما كان الحق عدم الاحتياج إلى الزيادة المذكورة -لأن الحيثيات معتبرة في الحدود- أسقط المصنف الزيادة، وأبرز الحيثية المعتبرة إذ تعلق الخطاب في القصص ليس من حيث إنهم مكلفون، وهو ظاهر (١)، وهنا شُبَه لا بد من إيرادها والجواب عنها:
الأولى: أن الحد غير منعكس لخروج الأحكام المتعلقة بفعل الصبي.
والجواب: أن الأحكام التي يتوهم تعلقها بفعل الصبي إنما هي متعلقة بفعل الولي، هو المأمور وهو الآثم بتركها، المثاب على فعلها (٢).
الثانية: أن أحكام الوضع خارجة -أيضًا- كدلوك الشمس للسببية (٣).
стр. 204
والجواب: أن أحكام الوضع راجعة إلى التكليف، كما صرح به المصنف في بحث تكليف الغافل.
فالحاصل: أن التكليفي على قسمين: صريح، وضمني، فأحكام الوضع من قبيل الضمني (١)، إذ معنى سببية الدلوك للصلاة، وجوب الصلاة عند الدلوك.
وذهب بعضهم (٢) إلى أن الأحكام الوضعية لا تسمى أحكامًا اصطلاحًا، فلا يضر خروجها.
الثالثة: أن المقصود تعريف الحكم المصطلح بين الفقهاء لأنه المأخوذ في تعريف الفقه، وهو ليس نفس الخطاب، بل ما ثبت بالخطاب كالوجوب والحرمة؛ أعني صفة فعل المكلف (٣).
стр. 205
وأجيب بوجوه:
الأول: كما أريد بالحكم ما حكم [به] (١) أريد بالخطاب ما خوطب به، لظهور أن صفة فعل المكلف ليس نفس الخطاب الذي هو الكلام الأزلي.
الثاني: أن التعريف إنما هو للحكم حقيقة، وإطلاق الحكم على الوجوب والحرمة تسامح.
الثالث: -وهو أدق الأجوبة- وهو للمولى المحقق عضد (٢) الملة والدين -أن الحكم نفس خطاب الله تعالى (٣)، فالإيجاب- مثلًا- نفس قوله -تعالى-: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨]. وليس للفعل صفة من القول إذ القول يتعلق بالمعدوم، وهو فعل الصلاة في المثال المذكور، وإذا كان الفعل معدومًا فصفته المتأخرة عنه أولى بالعدم.
стр. 206
فالحكم -وهو الإيجاب مثلًا- له تعلق بفعل المكلف، وإن كان معدومًا (١)، فبالنظر إلى نفسه التي هي صفة الله -تعالى- إيجابًا، وبالنظر إلى ما تعلق به، وهو فعل المكلف يسمّى: وجوبًا، فهما متحدان بالذات، مختلفان بالاعتبار (٢)، ولهذا نرى المحققين تارة يعرفون الإيحاب، وتارة يعرفون الوجوب نظرًا إلى الاعتبارين.
هذا حاصل كلامه، مع توضيح له من جهتنا، والله الموفق.
وهنا اعتراض أقوى أورده القاضي أبو بكر الباقلاني (٣) على حد الفقه، وهو أن الفقه: هو الظن بالأحكام الشرعية لا العلم بها؛ لأن الأحكام
стр. 207
مأخوذة من الأدلة السمعية، والأدلة السمعية وإن كان بعضها قطعيًّا بحسب المتن لكن الدلالة ربما كانت ظنية لتوقف قطعيتها على انتفاء الاحتمالات العشرة (١)، وذلك الانتفاء لا يعلم على سبيل القطع، بل باعتبار الأصالة، كما يقال: الأصل في الكلام (٢) الحقيقة، فلا يكون مجازًا، وكذلك الأصل عدم الإضمار والاشتراك، فتحقق أن الدلالة في الكل ظنية، فالأحكام الفقهية كلها ظنية إذ نتيجة المظنون مظنونة قطعًا (٣)، فتعريف الفقه -الذي هو الظن بالأحكام- بالعلم الذي عندهم -هو الاعتقاد الجازم، المطابق الثابت لموجب- لا يستقيم لعدم صدق
стр. 208
الحد على المحدود إذ أحد المتباينين (١) لا يصدق (٢) على الآخر ضرورة (٣).
стр. 209
وأجيب بأن المجتهد إذا ظن الحكم في حادثة، وجب عليه الفتوى والعمل بذلك الحكم للإجماع القطعي على أن المجتهد يجب عليه اتباع ظنه لعدم جواز تقليد مجتهد آخر (١)، فيقال -حينئذ- هذا مظنون المجتهد، وكلُّ ما هو مظنون المجتهد فهو حكم الله قطعًا، فهذا حكم الله قطعًا، وأنت خبير بأن هذا الكلام إنما يتم على مذهب من يقول: كل مجتهد مصيب؛ لأن حكم الله -عندهم- تابع ظن المجتهد ولا يفارقه، فحيث وجد وجد، وهو مذهب مردود عند أهل الحق (٢).
وأما إذا قيل: إن المجتهد قد يخطئ -كما هو الحق- فهذا الجواب لا يستقيم؛ لأن المقطوع به إن كان وجوب العمل بمظنونه فهو مسلَّم، ولكن
стр. 210
الحكم مظنون له لم يصر قطعيًّا، غاية الأمر أن الإجماع انعقد على وجوب العمل بذلك المظنون، وإن كان العلم بالأحكام، فهذا الدليل لا يفيده.
قوله: "ومن ثم لا حكم إلا لله (١) [والحسن والقبح بمعنى ملائمة الطبع ومنافرته، وصفة الكمال والنقصان عقلى، وبمعنى ترتب الذم عاجلًا، والعقاب أجلًا شرعي خلافًا للمعتزلة" (٢)] (٣).
стр. 211
أقول: لمّا قال: الحكم خطاب الله -وقد تقرر في علم البلاغة أن المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين، فالتركيب مفيد للحصر كقولنا: المنطلق زيد، أي: لا غير زيد (١)، فقولنا: الحكم خطاب الله، أي: لا غير- حكم المصنف بأن لا حكم إلا لله بناء على ذلك، وعلله به صريحًا، أي لأجل ما ذكر كان الحكم منحصرًا في الله (٢).
ثم المهم -في هذا المقام- تحرير محل النزاع، ولا يمكن ذلك التحرير إلا بتلخيص معنى الحسن والقبح، فنقول: الحسن والقبح يطلقان على الشيء باعتبار معان ثلاثة:
الأول: المنافرة والملائمة، فالصوت الطيب حسن بهذا المعنى، والصوت الكريه مبيح، وليس هذا محلًا للنزاع، فإن العقل له فيه حكم ضرورة لا يمكن إنكاره.
الثاني: الكمال في الشيء والنقصان فيه، فالعلم في الإنسان حسن والجهل قبيح، ولا شك أن الحاكم في ذلك هو العقل.
стр. 212
الثالث: وهو أن يكون الفعل مناطًا للثواب في الآخرة، أو العقاب هل هو [الحاكم] (١) العقل، أو لا؟ فيه خلاف بين الأشعرية (٢)، والمعتزلة، والحنفية في بعض الأشياء.
قالت الأشعرية: لا يمكن الحكم بأن فعلًا من الأفعال يصلح أن يكون مناطًا للثواب أو العقاب إلا من الله ؛ إذ هو المثيب والمعاقب لا علة لفعله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ومتمسكهم في ذلك أمران:
أحدهما: أن حسن الفعل وقبحه ليسا لذات الفعل، ولا لأمر داخل في ذاته، ولا لخارج لازم لذاته، حتى يحكم العقل بحسن الفعل أو قبحه؛ بناء على تحقق ما به الحسن والقبح.
وثانيهما: أن فعل العبد اضطراري (٣) لا اختيار له فيه، وليس للعقل أن يحكم بالثواب أو العقاب لمن يفعل شيئًا بلا اختيار، وليس معنى قولنا: متمسكهم الأمران المذكوران أنه لا بد من اجتماع الأمرين، بل كل
стр. 213
واحد من الأمرين كاف في إفادة هذا المطلوب، ولا أن دليل الأشعري منحصر في إثبات المطلوب في هذين الأمرين، بل له أدلة أخرى مذكورة في كتب الأحكام (١).
وذهبت المعتزلة: إلى أن الحاكم -في أفعال العباد- هو العقل، بمعنى أن العقل هو الموجب والمحرم والمبيح لذوات الأفعال، وهذا عند طائفة منهم.
وذهبت طائفة: إلى أن الحسن والقبح في الفعل يكونان لصفة توجبهما.
وقال آخرون منهم: إن قبح الفعل يكون لصفة توجبه، وأما حسن الفعل، فيتحقق بفقدان موجب القبح (٢).
стр. 214
وقالت الجبائية (١): يحصلان فيهما لصفة توجبهما لكن الصفة ليست حقيقية، بل وجوه واعتبارات.
стр. 215
ثم أحكام العقل -في أفعال العباد- منها ما هو ضروري كحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضار، ومنها ما هو نظري كحسن الكذب النافع، وقبح الصدق المضر، ومنها ما لا يدركه العقل كحسن صوم آخر يوم من رمضان (١)، وقبح صوم أول يوم من شوال (٢)، فإن العقل لا سبيل له إلى دركه، لكن لما ورد به الشرع كشف عن حسن وقبح ذاتيين.
والدليل -على بطلان الأول (٣) -: أنه لو كان الحسن والقبح ذاتيين لما كان العمل الواحد حسنًا وقبيحًا في وقتين.
والثاني: كاذب لما بيناه من أن الصدق تارة حسن، وتارة قبيح.