← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 132415

الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (1 869 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

والإحداث: إخراج الشيء من العدم إلى الوجود، فقبل الوجود العالم ممكن، ولا يوصف بالحدوث إلا باعتبار المآل، وبعده يوصف بالحدوث، والإمكان. وعلة احتياج العالم إما الإمكان، وإليه ذهب الفلاسفة، أو الحدوث مطلقًا، أو مع الإمكان، أو بشرطه مذاهب لأهل الحق. والحدوث: هو الوجود بعد العدم، وعند الفلاسفة ينقسم إلى قسمين: إلى حدوث زماني: كحدوث زيد، وعمرو. وإلى حدوث ذاتي: كحدوث الأفلاك، فإنها قديمة بالزمان، وإن كانت حادثة بالذات (١).

стр. 1507

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1508

وهذا مبني على أن الباري تعالى موجب لا اختيار له في صنعه بل صنعه لازم له كالضوء للشمس. وعند أهل الحق فاعل بالاختيار، والقدرة، والإرادة وصنع المختار لا [يجوز أن] (١) يكون قديمًا، قال بعض الشارحين (٢): "عندنا القديم ينافي الاحتياج، فلا يجوز افتقار القديم إلى المؤثر" وهذا غلط منه، لأن صفاته تعالى محتاجة إلى ذاته، مع كونها قديمة. والصواب: أن يقال: محتاجة إلى المؤثر، لكن غير محتاجة إلى الغير إذ الصفات ليست غير الذات. قوله: "وله صانع وهو اللَّه الواحد". أقول: قولنا: العالم مُحدَث دعوى لا بد لها من دليل، والدليل على ذلك أنه موجود بعد العدم. فوجوده إما من ذاته، فيلزم قدمه، لأن ما للشيء بالذات لا يفارقه وهو باطل للاتفاق على حدوثه. ولأنه متغير، وكل متغير حادث، فلا بد، وأن يستند وجوده إلى موثر فينتقل الكلام إلى ذلك المؤثر. فنقول: إما حادث، أو قديم، فإن كان حادثًا، فيحتاج إلى مؤثر آخر، وهلم جرًا.

стр. 1509

فإما أن تعود السلسلة إلى الأول فدور، أو تذهب إلى غير النهاية فتسلسل، وكلاهما باطل (١). فلا بد من انتهائه إلى مؤثر غير محتاج إلى غيره، وهو اللَّه تعالى، هذا في ثبوته. وفي (٢) (٣) توحيده نقول: لا شريك له في ألوهيته، ولا جزء له، ولا يشبه شيئًا من الأشياء. وتحقيق الكلام في هذا المقام أن نقول: لا جزء له بحسب الماهية، لأنه لا يجانس شيئًا حتى يحتاج إلى الفصل، فلا جزء له عقلًا.

стр. 1510

ولا بحسب الخارج، لأنه لو كان مركبًا في الخارج لزم إمكانه لاحتياجه إلى أجزائه، وكل محتاج ممكن (١)، وقد ثبت أنه واجب لا ممكن (٢). ولا بحسب المقدر لأنه من خواص الأجسام، وقد أبطلنا كونه جسمًا لاحتياجه إلى الأجزاء، والمكان كما سيأتي. ولا يشبه شيئًا، لأن ما عداه حادث، والقديم لا يشبه الحادث. فإن قلت: مذهب المتكلمين أن الوجود لفظ مقول على الوجودات بالتواطئ، وأفراد المتواطئ متشابهة كأفراد الإنسان. قلت: الوجود ليس أمرًا محققًا في الخارج، ولا جزءًا عقليًا في الأشياء الموجودة، بل الوجود المطلق، وهو الكون في الأعيان، يطلق على الوجودات الخاصة قولًا عرضيًا (٣). وأما وجوده الخاص تعالى، فهو عين ذاته في الخارج على ما ذهب إليه الشيخ الأشعري من أن وجود كل شيء عينه (٤)، ولو كان زائدًا في

стр. 1511

الخارج أيضًا لم يرد الإشكال، لأنه قديم مستند إلى ذاته القديمة، فكما أن علمه لا يشابه علم المخلوق فكذا وجوده. وأما كونه واحدًا في ألوهيته، فلأنه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، لكن لم يفسدا، فلا شريك. ولأنه لو وجد إلاهان بصفات الألوهية، وأراد أحدهما حركة زيد، والآخر سكونه، فإما أن يقع مرادهما، وهو محال لاستلزامه الجمع بين الضدين، أو لم يقع مراد واحد منهما يلزم عجز الاثنين، وهو مناف للألوهية مع أنه [يلزم] (١) وقوع المرادين على تقدير عدم وقوعهما، لأن المانع من وقوع كل منهما وقوع الآخر، وإن وقع مراد أحدهما دون الآخر، فالعاجز منهما عن أن يوقع مراده ليس بإله (٢). قوله: "واللَّه تعالى قديم لا ابتداء لوجوده" (٣).

стр. 1512

أقول: من صفاته تعالى التنزيهية أنه ليس بحادث، وقد قدمنا أنه لو كان كل موجود حادثًا لزم التسلسل، وهو باطل، فلا بد من الانتهاء إلى موجود قديم لا يكون وجوده من غيره، وإذا ثبت قدمه امتنع عدمه، وذلك، لأن وجود القديم مقتضي ذاته، وما كان لازمًا لذات الواجب تعالى لا يمكن زواله. وبين القديم، والأزلي عموم من وجه؛ لأن الموصوف بالقدم موجود لا محالة بخلاف الموصوف بالأزلي (١). فإنه لا يشترط فيه الوجود كالعدمات إذا قلنا بامتيازها. ومنهم (٢) من أطنب في أشياء لا حاجة إليها. وقال: "الزمان حقيقي، وتقديري، فالحقيقي هو الصادر عن حركات الأفلاك". وهذا كلام باطل. أما أولًا: فلأن الزمان ليس أمرًا موجودًا.

стр. 1513

وأما ثانيًا: فلأنه لو كان موجودًا لم يكن صادرًا عن غير اللَّه تعالى، لأن الأشياء كلها مستندة إليه ابتداء كما سيأتي. وأما ثالثًا: فلأن حركات الفلك ليس بثابتة عند أهل الحق، بل الحركة للكواكب، وحركة الفلك مذهب الفلاسفة. وقد دلت الآيات، والأحاديث على كون الحركة للكواكب، أما الآيات: فقضية الخليل صلوات اللَّه عليه، فإنه نسب الأفول إلى الكوكب، والقمر والشمس (١). وأما (٢) الأحاديث: فقد صح في البخاري، ومسلم وغيرهما، "أن الشمس تسجد تحت العرش كل يوم بعد غروبها، وتستأذن في الرجوع" (٣).

стр. 1514

قوله: "وحقيقته مخالفة لسائر الحقائق". أقول: حقيقته مخالفة لسائر الحقائق من الممكنات، إذ لو تماثلت الحقائق، وامتاز هو بالوجوب، وهي بالإمكان لزم التركيب المنافي للوجوب. نعم يطلق لفظ الذات عليه، وعلى ذوات الممكنات قولًا عرضيًا بالمعنى الذي يصدق على الكل صدق العارض على المعروض كالوجود. فإن وجوده، وإن خالف سائر الوجودات يطلق الوجود على الكل قولًا عرضيًا (١)، فتأمل!

стр. 1515

والحقيقة في هذا الاصطلاح يراد بها الذات، ولهذا في بعض الكتب يعبرون بالحقيقة، وفي بعضها (١) بالذات وقد غلط بعضهم (٢) فجعل الحقيقة بمعنى الماهية (٣) وأكثر المتكلمين على أنه لا يطلق على ذاته تعالى لفظ الماهية لإشعاره بالمجانسة حتى أنكروا على أبي حنيفة إطلاقه لفظ الماهية، وأنكره أصحابه، فقالوا: لم يوجد في كتبه، ولا نقله عارف. وقال أبو منصور الماتريدي: "إن سألنا سائل عن اللَّه ما هو؟ قلنا: إن أردت بما هو ما اسمه فاللَّه الرحمن الرحيم، وإن أردت ما صفته؟ فسميع بصير، وإن أردت ما فعله؟ فخلق المخلوقات، وإن أردت ماهيته فهو متعال عن المثال، والجنس". قوله: "قال المحققون". أقول: اختلف في العلم بحقيقته -تعالى- هل يجوز أم لا؟

стр. 1516

منعه (١) الفلاسفة (٢)، وجوزه المسلمون (٣) واختلف المجوزون هل وقع في الدنيا، أم يقع في الآخرة، أم لا دليل على وقوعه لا في الدنيا، ولا في الآخرة؟

стр. 1517

وهذا هو المختار. لنا -على الجواز- أن اللَّه تعالى قادر على أن يلهم خواص عباده، أو يخلق فيهم علمًا ضروريًا بحقيقته، ولا مانع من ذلك، وعدم الوقوع لعدم دليل عليه عقلًا، ونقلًا. القائلون بعدم الجواز: لو علم فإما بالحد، ولا حد، لاقتضائه الجنس، والفصل، وهو مستحيل في حقه تعالى، وإما بالرسم، ولا يفيد معرفة الكنه. الجواب: لا نسلم انحصار طريق العلم في الحد، والرسم، بل يكون بالإلهام، وخلق العلم الضروري كما بينا، والرسم وإن لم يستلزم العلم بالكنه دائمًا، ولكن ربما يفيده (١). القائلون: بوقوع عِلمنا بحقيقته قالوا: نحكم عليه بأنه موجود، عالم، خالق إلى غير ذلك، والحكم على الشيء فرع تصوره.

стр. 1518

[الجواب: فرع تصوره] (١) بوجه ما، فإنا نحكم على أشياء لا نعرف حقائقها. وأما الاستدلال بوقوع الرؤية (٢)، فضعيف، لأنها لا تقتضي العلم بكنه المرئي، والكلام فيه. قوله: "وليس بجسم". أقول: الجسم إما مركب من الأجزاء التي لا تتجزأ على ما ذهب إليه المتكلمون (٣).

стр. 1519

أو من الهيولى (١)، والصورة على ما عليه الفلاسفة (٢). وقد تقدم أنه تعالى واحد من جميع الوجوه، لا تركيب فيه لاستلزامه الاحتياج المنافي للألوهية. ولأنه لو كان جسمًا لاحتاج إلى مكان، وحيز، لأنه ضروري للجسم لا يمكن وجوده بدونه، ويلزم قدم المكان ضرورة قدم المتمكن. وقد قدمنا أن العالم، وهو ما سواه تعالى حادث بجميع أجزائه وكما أنه ليس بجسم، فكذا ليس بجوهر، لأن الجوهر عند المتكلمين: هو الممكن القائم بنفسه، وعند الفلاسفة ممكن إذا وجد لم يكن في موضوع، والباري تعالى مباين للممكنات. وإذا لم يكن جوهرًا، فبالأولى أن لا يكون عرضًا، لأن العرض عند أهل الحق مستحيل البقاء، واللَّه باق أولًا، وأبدًا، ولأن العرض يحتاج إلى محل يقوم به، والاحتياج من سمات الممكن تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا (٣).

стр. 1520

قوله: "لم يزل وحده". أقول: قد سبق أنه تعالى قديم، والعالم محدث، وإذا ثبت ذلك، فعلم أنه كان، ولم يكن معه شيء، إذ ما سواه حادث، فلا زمان معه في الأزل، ولا مكان، وإنما ذكره هنا توطئة لمسألة القدرة، والاختيار، أي: إنما أنشأ المحدث بقدرته (١)، ومشيئته لا أنه موجب بالذات، وعلة على ما عليه الفلاسفة. والدليل -على أنه خلقه بالقدرة-: أنه لو كان بالإيجاب لزم قدم العالم، لأن المعلول لا ينفك عن علته، أو يكون كل حادث مسبوقًا، ومشروطًا بآخر إلى غير النهاية وكلاهما باطل. ولأن اختصاص كل جسم بشكل، ولون، وطعم، ورائحة، وغير ذلك لا بد وأن يكون لمخصص، وذلك هو القدرة، والإرادة لتشارك الأجسام، وتماثلها. ولأن العالم لو كان معلولًا لذاته كان لازمًا لها، فلو فرض ارتفاع العالم لزم ارتفاعه تعالى، لأن انتفاء اللازم دليل انتفاء الملزوم، لكن ارتفاع الواجب تعالى محال، لأن ذاته تقتضى وجوده، وما اقتضى ذاته وجوده استحال زواله. قالوا: لو كان مختارًا في فعله لزم الانقلاب، لأنه في الأزل إن علم عدم وجود العالم، فهو ممتنع الوجود وقد وجد، فانقلب الممتنع ممكنًا.

стр. 1521

وإن علم وجوده، فهو لازم الوقوع، فلا قدرة، ولا اختيار. قلنا: علم وجوده في وقته باختياره، فلا محذور، لأن الوجوب بالقدرة محقق للقدرة لا مناف لها. قوله: "ولم يَحدُث بإبداعه في ذاته حادثٌ". جواب سؤال مقدر، أي: إذا كان وصفه حادثًا يلزم قيام الحادث به، وهو محال لاستلزامه حدوث الموصوف. أجاب: بأن الإحداث صفة إضافية ليست بموجودة، فلا يلزم منه محذور. وإن قلنا: إن الإحداث صفة موجودة فهي للتكوين الذي قالت الحنفية بأنه صفة قديمة، فلا محذور (١) أيضًا.

стр. 1522

قوله: " ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ". من فروع القادرية، أي: لم تنته قدرته إلى شيء، كسائر قدر الخلق، بل يفعل ما يشاء، ما تعلقت قدرته به كان، كيف ونعم الجنان سرمدية بتعاقب الأبدال؟ وكلها مخلوقة بقدرته، كيف ولو انتهت قدرته عند مراد كان عجزًا، ونقصًا؟ قوله: " ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ". قد تقدم من قوله: لا يشبه؛ هذا المعنى، وإنما أعاده لأن هذا أبلغ من ذلك لكون الشيء نكرة في سياق النفي، أو لأنه كالدليل السمعي على ذلك الدعوى، أو جعله صفة لفعال لما يريد، أي: ليس في فعله يشبه شيئًا والكاف زائدة. وعند المحققين ليست بزائدة لأن مثله تعالى مفقود اتفاقًا، وإذا نفى أن يكون شيء مثل مثله، فالمراد نفي المماثلة عنه على وجه الكناية التي هي أبلغ من التصريح. قوله: "القدر خيره وشره منه". أقول (١): مسألة القدر أصل من أصول الإسلام، فلا بد من الوقوف على كنهها على ما ينبغي.

стр. 1523

اعلم أن عبارة المشايخ أن الكل بقضائه، وقدره (١)، والفرق بالإجمال، والتفصيل. فبالنظر إلى كون الأشياء في علمه تعالى مجمعة في الأزل، سمي: قدرًا. وبالنظر (٢) إلى وجودها في أوقاتها المقدرة قضاء. وقيل: بالعكس، وهذا أظهر (٣) لقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١].

стр. 1524

والأحاديث الواردة في باب القضاء والقدر كثيرة جدًا متواترة المعنى كشجاعة علي، وجود حاتم، وإن كانت أفرادها آحادًا، فلا حاجة إلى ذكرها (١).

стр. 1525

وكذا ذم القدرية قد ورد في الأحاديث الصحيحة (١) لكن قد اختلف في وجه التسمية، ومن يصدق عليه هذا الاسم.

стр. 1526

قيل: وجه التسمية أن القدرية ينسبون الفعل إلى قدرة العبد وإيجاده (١)، وليس بسديد، لأن المنسوب إلى القدرة قدري بضم القاف، بل منسوب إلى القدر الذي هو العلم بالأشياء وإيقاعها على الوجه المخصوص في أوقاتها. وأما من يصدق عليهم فهم القائلون: إن الشر ليس بقدر الإله تعالى، بل الأفعال الاختيارية للعباد بقدرتهم، وإيجادهم (٢).

стр. 1527

قالت المعتزلة: بل أهل السنة هم القدرية، لأنهم يقولون: بأن الأشياء بقدر اللَّه، لأن مثبت الشيء ينسب إليه كالمالكية، والحنفية، والشافعية لا إلى النافي (١). الجواب: أنه قد ورد في الأحاديث: أن "القدرية مجوس هذه الأمة" (٢).

стр. 1528

ولا شك أن من يجعل للعبد قدرة على الإيجاد هو الذي يشبه المجوس القائلين بإلهين: خالق الخير، ويسمى يروزن، وخالق الشر، ويسمى: أهو من (١). ولما في الحديث: من أن "القدرية خصماء اللَّه" (٢). ولا شك أن من فوض الأمور إليه تعالى ليس بخصم، بل الخصم من يثبت شريكًا في الخلق، والإيجاد.

стр. 1529

والدليل -على القدر- قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] (١) وقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦] أي: بقضائه، وقدره. وفي الحديث: "كل شيء بقضاء اللَّه حتى العجز، والكيس" (٢)، واحتجاج موسى مع آدم (٣)، وجواب آدم الحديث المشهور (٤).

стр. 1530

وبالجملة من لوازم الإيمان الصحيح أن يعتقد أن الكائنات كلها ما كان وما هو كائن، جوهرًا وعرضًا، فعلًا وقولًا، معصية وطاعة، خيرًا وشرًا، كان في أزل الأزل في علمه، لم يزد ولم ينقص عن ذلك شيء قَلَّ ولا جَلَّ (١). قوله: "علمه شامل". أقول: ويجب الإيمان بأن له علمًا قديمًا لا يشبه علم المخلوقين. والدليل -على كونه عالمًا-: إتقان أفعاله، وإحكامها (٢).

стр. 1531

قال: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] إلى آخر الآية (١)، وقال: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦] (٢)، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] , ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ [الملك: ٣ - ٤]. ومن أراد الاطلاع على دقائق صنعه فليطالع علم التشريح (٣)، ويحيط بكيفية تركيب الإنسان، وما أتى به الأولون، وما سيأتي به الآخرون من

стр. 1532

دقائق الصانع، وخفيات العلوم (١)، ذرة، بل دون ذرة من علمه الذي علمه خلقه، ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. وأيضًا قد تقدم أنه فاعل بالقدرة، والإرادة، ومَن شأنه هذا لا بد له من علم. قيل: لو كان له علم لكان متعلقًا إما بنفسه، أو بغيره، وكلاهما محال. أما الأول: فلأنه لو علم ذاته، لكان مغايرًا لذاته، لأن العالم غير المعلوم. قلنا: التغاير الاعتباري كاف، كما في علم الإنسان بنفسه. وأما الثاني: فلأنه لو علم الأشياء لزم التعدد في الذات الأحدية بقدر المعلومات، وهو محال. قلنا: التعدد في التعلق لا يوجب التعدد في الذات، كما في سائر الصفات، ويعلم منه جواب الفلاسفة أنه لا يعلم الجزئيات على الوجه الجزئي، وإلا لزم التغير في الذات، لأن الجزئيات متغيرة. واعلم كما أن قدرته غير متناهية، كذلك علمه غير متناه، لأنه محيط بما هو غير متناه كنعيم الجنان، والأعداد، والأشكال. أما سمعًا، فلقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الفرقان: ٢]، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٦]، ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣]،

стр. 1533

﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩] إلى غير ذلك من الآيات (١)، والأحاديث (٢). وأما عقلًا: فلأن الموجب لعالميته ذاته. وللمعدومية إمكانها، ونسبة ذاته إلى الأشياء كلها على السواء. قوله: "قدرته لكل مقدور". أقول: قد تقدم أنه فاعل بالاختيار. وكل من كان فاعل الأشياء بالاختيار لا بد له من قدرة (٣).

стр. 1534

والقادر هو الذي إن شاء فعل، وإن شاء ترك، أي: يصح كل منهما بحسب الدواعي المختلفة (١)، وقد تقدم أن قدرته غير متناهية، أي: كل ما دخل تحت مشيئته، فهو قادر عليه.

стр. 1535

وما قيل: ما من شأنه أن يقدر عليه ليخرج الممتنع (١) ليس بشيء، لأن الممتنع لا يطلق عليه الشيء لا عند أهل الحق، ولا عند المعتزلة فلا يحتاج إلى الاحتراز عنه. قوله: "ما علم أنه يكون أراده". أقول: ما تقرر في غامض علمه الأزلي (٢) وجوده في وقته المعين له في ذلك العلم، فهو مراده، وما لا فلا.

стр. 1536

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1537

وإن أمر به، ونهى عنه ابتلاء كإيمان أبي جهل (١)، فإنه لم يكن في علمه، ولا أراده، خلافًا للمعتزلة، فإن كل مأمور به مراد، وإن لم يقع. والحاصل: أن ما علم كونه، فلا محالة كائن، وما يكون كائنًا، فهو مراد، وعكسه أيضًا كقولنا: كل ما كان مرادًا فهو كائن، وكل كائن معلوم له تعالى، ولكن لا يرضى ببعض المرادات كالكفر، والمعاصي، فالرضا أخص من الإرادة. قوله: "بقاؤه". أقول: من صفاته تعالى البقاء، وقد أثبته الشيخ الأشعري، وأتباعه، صفة زائدة حقيقية كالعلم، والقدرة. والجمهور على أنها ليست صفة حقيقية، بل البقاء استمرار الوجود بالنظر إلى المستقبل، كما أن القِدم استمراره نظرًا إلى الماضي (٢)، وكلام المصنف فيه تسامح.

стр. 1538

وكان الأولى أن يقول: وجوده غير مستفتح ليكون إشارة إلى القِدم، ولا متناه، ليكون إشارة إلى البقاء. قوله: "لم يزل بأسمائه". أقول: اتفق العقلاء من المليين، وغيرهم على أنه تعالى ليس له كمال ينتظر، بل كل ما هو كمال حاصل له أزلًا، وأبدًا، واختلف في بعض صفاته لفظًا لا معنى (١).

стр. 1539

وتحرير ذلك أن صفاته تنقسم أربعة أقسام: الأول: الصفات السلبية، ولم يخالف فيها أحد مثل كونه ليس بجسم، ولا عرض, ولا جوهر، وغيرها (١). الثاني: الصفات الإضافية ككونه رازقًا لعمرو، وغير رازق لبكر. الثالث: الصفات الفعلية (٢) كالخلق، والإماتة، والترزيق وغيرها، فهى عند الأشاعرة حادثة، وعند الحنفية راجعة إلى صفة التكوين قديمة.

стр. 1540

الرابع: الصفات الزائدة على الذات القديمة، وهي التي وقع فيها الخلاف أثبتها أهل السنة، ونفاها الفلاسفة. والمعتزلة لهم اضطراب فيها (١) قالوا: بزيادة بعضها كالإرادة لكن لا يجوز قيامها به تعالى. لنا -على ثبوتها على الاجمال-: أنها صفات كمال، وكل ما كان صفات كمال يجب القول بثبوته. وقد وردت الآيات، والأحاديث بثبوتها مفصلة بحيث لا يمكن إنكارها، ولا تأويلها ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]، ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [غافر: ٦٥]، ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٢).

стр. 1541

قالوا: لو كانت له صفات موجودة قديمة يلزم تعدد القدماء، وقد كفَّرتم النصارى بالقول بآلهة ثلاثة، فكيف بالثمانية أو أكثر؟ . الجواب: إنما كُفِّرت [النصارى] (١) لقولهم: بذوات متعددة تتصف بالألوهية، ونحن نقول: الذات واحدة، والصفات كثيرة، ولا يلزم منه قدح في أصول الإسلام. ومعنى قول المشايخ: لا هي عين، ولا هي غير، أنها ليست عين الذات لتغاير المفهومات، ولا غيره لعدم الانفكاك إذ الغيران هما الأمران اللذان يوجد كل منهما بدون الآخر (٢). فإن قلت: من قال: إنه تعالى موجد العالم كيف يمكنه سلبه العلم، والحياة منه؟ قلت: لم يسلبه عنه معنى، بل يقول: ذاته بالنسبة إلى العلوم علم، وإلى القدرة قدرة، وقس على ذلك. وقسم المصنف صفاته بحسب الدليل، فقال: منها ما دل الفعل عليه، كالعلم، والقدرة، والحياة، والإرادة، لأن وجود الفعل الحادث بدون هذه الصفات مستحيل.

стр. 1542

ومنها: ما دل عليه التنزيه مثل: السمع، والبصر والكلام، والبقاء (١) بناء على أن البقاء صفة حقيقية على ما نقلناه عن الشيخ. فالحياة: صفة تقتضى صحة العلم، والإرادة. والعلم: صفة توجب تمييزًا لا [يحتمل] (٢) النقيض، أو انكشاف المدرك. وعلمه تعالى: عبارة عن حضور الأشياء عنده، بلا انتزاع صورة، ولا انفعال، ولا اتصاف بكيفية. والقدرة: صفة تؤثر في الشيء إيجادًا، وإعدامًا عند انضمام الإرادة [إليها. والإرادة] (٣): صفة ترجح أحد المقدورين بالوقوع. والكلام: صفة تنافي السكوت، والخرس (٤).

стр. 1543

والسمع -عند الشيخ الأشعري-: هو العلم بالمسموعات، والبصر العلم بالمبصرات (١). وعند سائر المتكلمين غير العلم، والانكشاف بهما أكمل من الانكشاف به. وفيه نظر إذ ذلك إنما يتصور في غيره تعالى، وأما بالنسبة إليه، فلا يتفاوت انكشاف الأشياء. فإن قلت: قد قررت أن عندكم صفات الأفعال حادثة، فكيف يصح قول المصنف: لم يزل بأسمائه. إذ مرجع الأسماء كالخالق والباري إلى صفات الفعل، وهي حادثة (٢)؟

стр. 1544

قلت: في أسمائه اعتباران اعتبار التعلق، والحدوث، كالخلق بمعنى الإيجاد، والغفار بمعنى المتجاوز عن ذنوب عباده بعد وقوعها، فهي بهذا الاعتبار راجعة إلى صفات الأفعال. واعتبار الثبوت بمعنى أن له الخلق، والمغفرة، أي: شأنه ذلك فهي راجعة إلى صفة الإرادة. فإن قلت: فيكون وصفه بتلك الصفات مجازًا. قلت: إذا أريد بها الحدوث، فلا شك أنها حقيقة، وإذا أريد بها الصفات الذاتية على التأويل، كما ذكرنا، فهي حقائق، لأن صفاته الحقيقية ليست زمانية كما أن ذاته كذلك. وبهذا يزول إشكال آخر يورد على كلامه تعالى، بأنكم تقولون: كلامه أزلي، ولا شيء قبل الأزل، فكيف تصح صيغة الماضي في الأزل؟ مثل: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح: ١] ونظائره. فإذا قلنا: إن صفاته غير زمانية سقط ذلك، إذ بالنظر إلى صفاته لا ماضي، ولا مستقبل، وإنما عبر تارة بالماضي والأخرى بالمستقبل تفهمًا للمقاصد، وتفننًا في الكلام. [قوله: "وما صح في الكتاب". أقول: يريد أنه قد ورد في الآيات، والأحاديث صفات أخرى منها: ما هو ظاهر، ومنها ما] (١) فيه إشكال، فما كان معناه ظاهرًا نعتقد منه ذلك المعنى الظاهر (٢) إن كان لائقًا به مشعرًا بالتعظيم.

стр. 1545

وما ليس بظاهر، ففيه مذهبان، مذهب السلف التفويض (١) إليه تعالى،
следующие страницы →