← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 132415

الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (1 869 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

قالوا: لو كانت له صفات موجودة قديمة يلزم تعدد القدماء، وقد كفَّرتم النصارى بالقول بآلهة ثلاثة، فكيف بالثمانية أو أكثر؟ . الجواب: إنما كُفِّرت [النصارى] (١) لقولهم: بذوات متعددة تتصف بالألوهية، ونحن نقول: الذات واحدة، والصفات كثيرة، ولا يلزم منه قدح في أصول الإسلام. ومعنى قول المشايخ: لا هي عين، ولا هي غير، أنها ليست عين الذات لتغاير المفهومات، ولا غيره لعدم الانفكاك إذ الغيران هما الأمران اللذان يوجد كل منهما بدون الآخر (٢). فإن قلت: من قال: إنه تعالى موجد العالم كيف يمكنه سلبه العلم، والحياة منه؟ قلت: لم يسلبه عنه معنى، بل يقول: ذاته بالنسبة إلى العلوم علم، وإلى القدرة قدرة، وقس على ذلك. وقسم المصنف صفاته بحسب الدليل، فقال: منها ما دل الفعل عليه، كالعلم، والقدرة، والحياة، والإرادة، لأن وجود الفعل الحادث بدون هذه الصفات مستحيل.

стр. 1542

ومنها: ما دل عليه التنزيه مثل: السمع، والبصر والكلام، والبقاء (١) بناء على أن البقاء صفة حقيقية على ما نقلناه عن الشيخ. فالحياة: صفة تقتضى صحة العلم، والإرادة. والعلم: صفة توجب تمييزًا لا [يحتمل] (٢) النقيض، أو انكشاف المدرك. وعلمه تعالى: عبارة عن حضور الأشياء عنده، بلا انتزاع صورة، ولا انفعال، ولا اتصاف بكيفية. والقدرة: صفة تؤثر في الشيء إيجادًا، وإعدامًا عند انضمام الإرادة [إليها. والإرادة] (٣): صفة ترجح أحد المقدورين بالوقوع. والكلام: صفة تنافي السكوت، والخرس (٤).

стр. 1543

والسمع -عند الشيخ الأشعري-: هو العلم بالمسموعات، والبصر العلم بالمبصرات (١). وعند سائر المتكلمين غير العلم، والانكشاف بهما أكمل من الانكشاف به. وفيه نظر إذ ذلك إنما يتصور في غيره تعالى، وأما بالنسبة إليه، فلا يتفاوت انكشاف الأشياء. فإن قلت: قد قررت أن عندكم صفات الأفعال حادثة، فكيف يصح قول المصنف: لم يزل بأسمائه. إذ مرجع الأسماء كالخالق والباري إلى صفات الفعل، وهي حادثة (٢)؟

стр. 1544

قلت: في أسمائه اعتباران اعتبار التعلق، والحدوث، كالخلق بمعنى الإيجاد، والغفار بمعنى المتجاوز عن ذنوب عباده بعد وقوعها، فهي بهذا الاعتبار راجعة إلى صفات الأفعال. واعتبار الثبوت بمعنى أن له الخلق، والمغفرة، أي: شأنه ذلك فهي راجعة إلى صفة الإرادة. فإن قلت: فيكون وصفه بتلك الصفات مجازًا. قلت: إذا أريد بها الحدوث، فلا شك أنها حقيقة، وإذا أريد بها الصفات الذاتية على التأويل، كما ذكرنا، فهي حقائق، لأن صفاته الحقيقية ليست زمانية كما أن ذاته كذلك. وبهذا يزول إشكال آخر يورد على كلامه تعالى، بأنكم تقولون: كلامه أزلي، ولا شيء قبل الأزل، فكيف تصح صيغة الماضي في الأزل؟ مثل: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح: ١] ونظائره. فإذا قلنا: إن صفاته غير زمانية سقط ذلك، إذ بالنظر إلى صفاته لا ماضي، ولا مستقبل، وإنما عبر تارة بالماضي والأخرى بالمستقبل تفهمًا للمقاصد، وتفننًا في الكلام. [قوله: "وما صح في الكتاب". أقول: يريد أنه قد ورد في الآيات، والأحاديث صفات أخرى منها: ما هو ظاهر، ومنها ما] (١) فيه إشكال، فما كان معناه ظاهرًا نعتقد منه ذلك المعنى الظاهر (٢) إن كان لائقًا به مشعرًا بالتعظيم.

стр. 1545

وما ليس بظاهر، ففيه مذهبان، مذهب السلف التفويض (١) إليه تعالى،

стр. 1546

وأنه مستأثر بعلمه ليس لأحد سبيل إلى ذلك، ومذهب الخلف التأويل بما يرجع إلى معنى يليق به تعالى (١). قيل: مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أحكم (٢)، أما الأول: فلأن الإيمان به كاف على إجماله، وأما الثاني: فلأنه يحتاج إلى دقة نظر، وتأمل وافر، وأيضًا نظرًا إلى الثواب، فإن الأجر على قدر المشقة، فمن أتعب قريحته في استخراج معنى صحيح ليس كمن آمن به مجملًا من غير تأمل، وتعب (٣).

стр. 1547

وأمثلتها كثيرة في الآيات: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]، ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (١)، ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢). وفي الأحاديث: "إن قلوب بى آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن" (٣). "الصدقة تقع في كف الرحمن قبل وقوعها في يد السائل" (٤).

стр. 1548

"يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين" (١) إلى غير ذلك (٢).

стр. 1549

فعند الخلف اليد: القدرة (١) والعين: الحفظ، والكلأ (٢)، مجاز مرسل

стр. 1550

من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم (١). وكذا الأصبعان (٢): الجلال، والجمال يسعد ويشقي، ومن له قدم راسخ في علم البلاغة، له يد طولى في تنزيل كل منهما على ما يليق به.

стр. 1551

قوله: "القرآن كلامه غير مخلوق". أقول: كون الباري تعالى متكلمًا لم يخالف فيه أحد من أرباب الملل، والمذاهب (١). وقد تواتر كونه تعالى آمرًا ناهيًا إنما الخلاف في معنى كلامه، وفي قدمه، وحدوثه. فعند أهل الحق (٢) أنه قديم ليس من جنس الحروف، والأصوات، بل صفة قديمة قائمة بذاته تعالى منافية للآفة، والسكوت، هو بها آمر ناهٍ، كما أنه عالم بالعلم، قادر بالقدرة، يدل عليها تارة بالعبارة، وتارة بالكتابة، فإذا عبر عنها بالعربية كان قرآنًا، وبالعبرية، فتوراة، وبالسريانية، فإنجيل إلى غير ذلك، كما إذا ذكر اللَّه تعالى بلغات مختلفة، فالمسمى واحد، وإن كانت اللغات مختلفة.

стр. 1552

وخالف في ذلك جميع الفرق زعمًا منهم أنهم لا معنى للكلام إلا المنتظم من الحروف، فالحنابلة، والحشوية (١) على أن القرآن هو الحروف المنتظمة المترتبة، ومع كون كل كلمة منه مسبوقة بأخرى (٢) كان ثابتًا في الأزل قائمًا به تعالى (٣)، وأن المسموع

стр. 1553

من زيد، وعمرو، والمكتوب في اللوح والورق قديم (١).

стр. 1554

والكرامية (١): على أنه الحروف المنتظمة، وهي حادثة قائمة بذاته تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا. والمعتزلة: لما رأوا فساد القولين غنيًا عن الاستدلال وسمعوا قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] (٢)، وقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] إلى غير ذلك، ولا شك أنها صفات الحادث. قالوا: هو المنتظم من الحروف الحادثة، والمركب من الحادث حادث، ولا يجوز قيام الحادث بذاته تعالى. فمعنى كونه متكلمًا أنه موجد للكلام في الغير، كما أوجده في الشجرة (٣) لموسى.

стр. 1555

وأهل الحق (١): يقولون: بما قال به المعتزلة، إنما الخلاف معهم في إثبات معنى آخر وراء الألفاظ أعني المعنى القديم هو بذلك متكلم لا بإيجاده الألفاظ في لسان زيد، وعمرو. ولنا -على إثبات ذلك المعنى القديم-: أنه تعالى متكلم اتفاقًا، ولا يجوز أن يكون ذلك لإيجاده الألفاظ على لسان زيد، وعمرو، إذ لا يشتق اسم الفاعل إلا من قام به الفعل، فالمتحرك هو من قام به الحركة لا من أوجد الحركة، هذا قانون لغة العرب لا يمكن لأحد إنكاره. وإذا ثبت أنه متكلم، ومن الضروريات المعلومة بأوائل العقول أن ما كان فيه تركيب، وترتيب، وانتظام لا يكون قديمًا، وما ليس بقديم لا يجوز قيامه بذاته تعالى، فقد تحقق أن هناك معنى آخر، وراء هذه الألفاظ الحادثة هو بها متكلم. ولنا -أيضًا-: أن كل أحد يجد من نفسه حين الأمر، والنهي، والإخبار، والاستخبار معاني يعبر عنها بعبارات مختلفة، تلك المعاني التي يعبر عنها بتلك الألفاظ هي التي تسمى بالكلام النفسي، وهي ليست بعلم، لأن الإنسان كثيرًا ما يخبر بما لا يعلم، ولا أراده، لأنه كثيرًا ما يخبر، ويأمر بما لا يريد. قالوا: قد علم من دين النبي ضرورة أن ما يقرؤه الإنسان في صلواته كلام اللَّه، وأن النبي دعا العرب إلى المعارضة بالقرآن، وانعقد الإجماع على أن من قال: ما بين دفتي المصحف ليس بقرآن، فهو كافر.

стр. 1556

قلنا: كل ذلك مسلم، ولفظ القرآن، والكلام مشترك بين المعنيين، أو مجاز في تلك الألفاظ صار حقيقة عرفية لا يجوز سلبها، وإليه أشار المصنف على الحقيقة لا المجاز، مكتوب في مصاحفنا محفوظ في صدورنا، مقروء بألسنتنا (١). ولكن لا يكفي ذلك في وصفه تعالى بكونه متكلمًا، لأن تلك المعاني ليست قائمة به تعالى، ولا يصير متكلمًا بكلام لا يقوم به. ويجوز أن يكون معنى قول مشايخ أهل السنة أن القرآن هو المقروء بألسنتنا، المحفوظ في صدورنا، المكتوب في مصاحفنا، هو المعنى القديم، وصفًا للمدلول بصفة الدال، أي: المفهوم من القراءة، المعلوم من الخطوط والألفاظ المسموعة، وهذا معنى قولهم: القراءة حادثة (٢)، والمقروء قديم وإلا فالمقروء الذي هو الألفاظ، والحروف الذي يتكلم به المتكلم الحادث لا يعقل كونه قديمًا. قالوا: لو كان كلامه أزليًا لزم الكذب في أخباره في نحو، قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح: ١]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧]، ولو اتصف بالكذب في الأزل امتنع صدقه، لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه.

стр. 1557

وأيضًا الآمر بلا مأمور، والخطاب بلا مخاطب عبث. الجواب -عن الأول-: أن الكلام في الأزل لا يتصف بالمضي والاستقبال، لأنه صفته القديمة. وقد قدمنا أن صفاته غير زمانية، وإنما حدث المضي، والاستقبال في الألفاظ الحادثة تمييزًا بين المعاني. والجواب عن الثاني-: أن العبث إنما يلزم لو كان في القدم كلام بمعنى الألفاظ المسموعة، وليس كذلك، بل في الأزل كلام قديم نفسي، فيكفي فيه الوجود العقلي على معنى أنه إذا وجد ذلك خوطب بألفاظ مسموعة. قوله: "يثيب على الطاعة". أقول: دلت الآيات، والأحاديث على أن اللَّه تعالى يثيب المطيع ويعاقب العاصي (١).

стр. 1558

فالثواب: فضل منه، والعقاب عدل لا وجوب عليه، ولا استحقاق عقلًا خلافًا للمعتزلة. لنا: أن طاعة العبد، وإن عظمت لا تفي بشكر بعض ما أنعم عليه من نعم الدنيا من السمع، والبصر، بل لو قيل لرجل [أعمى] (١): إن كنت تصلي كل يوم حمسين صلاة، وتصوم الدهر، وتقوم شطر الليل نعطيك نور البصر يقبل ذلك بلا توقف، وإذا كان الأمر على هذا المنوال، فكيف يستحق العبد بمحقرات أعماله النعيم المقيم؟ الذي لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر (٢).

стр. 1559

قالوا: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢]، ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]، ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على سببية الأعمال. قلنا: الكلام في الاستحقاق بمعنى اللزوم بحيث لا يجوز تركه عقلًا، والآيات، والأحاديث محمولة على السبب العادي، ولا خلاف في ذلك، فإنه تعالى أخبر أن الجنة دار الصالحين من عباده: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٧]. وفي الحديث القدسي: "خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون" (١)، وبما ذكرنا يوفق بين الأحاديث، والآيات الدالة على السببية، وبين قوله ﷺ : "إن أحدكم لن يدخل الجنة بعمله.

стр. 1560

قيل: وأنت؟ قال: وأنا إلا أن يتغمدني اللَّه برحمته" (١). وكذا العقاب على المعصية ليس بواجب عقلًا، إلا أن الآيات والأحاديث دلت على أنه واقع قطعًا، وأن من مات على الكفر لا يغفر له بنص الكتاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ولولا الدلالة من النص لما وجب القول بذلك عقلًا، ولذلك قال عيسى صلوات اللَّه عليه: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، فجوز المغفرة مع الموت على الشرك تجويزًا عقليًا (٢).

стр. 1561

وما عدا الشرك إما صغيرة، أو كبيرة، والصغائر تكفر باجتناب الكبائر (١) وبالصلوات الخمس، وبالجمعة (٢). والوضوء (٣) على ما نطقت به الأحاديث الصحيحة.

стр. 1562

وأما الكبائر فإما أن يتوب عنها، أو لا، فإن تاب عنها فالتوبة تَجُبُّ ما قبلها، وقد نطقت الآيات (١)، والأحاديث (٢) بأنه يقبل التوبة عن عباده

стр. 1563

ويعفو عن السيئات (١) بحيث لا مجال لانكاره. وإنما الخلاف في الوجوب، فعند المعتزلة على سبيل (٢) الوجوب، وعند أهل الحق لا وجوب عليه تعالى، لأنه متصرف في ملكه لا يتصور الوجوب واللزوم في حقه، وإليه أشار المصنف بقوله: "له إثابة العاصي، وتعذيب المطيع وإيلام الدواب، والأطفال" (٣). "ويستحيل وصفه بالظلم" (٤)، لكنه أخبر أنه يقبل التوبة، ولا خلف في قوله، فلذلك نجزم بذلك لا قضية للعقل، بل تصديقًا لكلامه، وكلام نبيه.

стр. 1564

ثم ذلك الجزم ليس في كل أحد يتوب، بل في مطلق التائبين، وأما زيد بخصوصه إذا تاب، فالأكثرون من أهل الحق على أن قبول توبته ظني لا قطعي. قال إمام الحرمين: "قبول التوبة ثبوته بدليل ظني (١) إذ لم يثبت في ذلك دليل قطعي لا يقبل التأويل" (٢). وعندي في هذا نظر؛ لأن قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] نص في ذلك، لأن الجمع المضاف يفيد الاستغراق، نظيره قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] أي: لكل فرد فرد، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، ولفظ (من) عام بإجماع أهل العربية والأصول.

стр. 1565

وأما الكبائر، فصاحبها الذي مات قبل التوبة فهو في المشيئة، كما دلت عليه الآيات، والأحاديث (١)، خلافًا للمعتزلة القائلين بخلوده في النار، وعدم جواز العفو عنه. وكلامهم في ذلك مصادم لنصوص الكتاب، والأحاديث وقد ضلوا (٢) في ذلك ضلالًا بعيدًا (٣). ثبتنا اللَّه على دينه، وأماتنا على كتابه، وسنة نبيه. قوله: "يراه المومنون يوم القيامة". أقول: ذهب أهل السنة إلى جواز رؤيته تعالى (٤)، وإلى أن المؤمنين

стр. 1566

يرونه يوم القيامة، وفي الجنة (١) منزهًا عن الجهة، والمقابلة، والمكان (٢).

стр. 1567

وخالفهم في ذلك جميع الفرق، فإن من قال برؤيته من المجسمة، والكرامية، فإنما يقولون برؤيته في الجهة، والمكان. ثم القائلون بالرؤية من أهل الحق على أن رؤيته ليست بارتسام صورة المرئي في الحدقة، ولا باتصال الشعاع الخارج عن الحدقة المتصل بالمرئي، بل عبارة عن الانكشاف التام الذي هو فوق الانكشاف بالعلم

стр. 1568

بأن يخلق اللَّه تعالى نورًا في البصر زائدًا على النور الذي في القلب يعلم به ذاته أقوى، وأبلغ من العلم الحاصل بنور القلب (١). لنا -على هذا المطلوب عقلًا- الاتفاق على [رؤية] (٢) الأشياء الممكنة من الجواهر، والأعراض، ومصحح الرؤية فيها لا بد وأن يكون مشتركًا، والمشترك الإمكان، والحدوث، والوجود، والإمكان والحدوث لا يصلح كل منهما علة لا انفرادًا، ولا اجتماعًا، لأنهما أمران اعتباريان لا وجود لهما في الخارج. والمراد بمصحح الرؤية ما تتعلق به الرؤية في الخارج. لا يقال: الوجود أيضًا ليس بموجود، بل الموجود من قام به الوجود من الكائنات، فلا يتم دليلكم. قلنا: مطلق الكون في الأعيان الذي هو معنى الوجود أمر مشترك بين الموجودات زائد عليها في التعقل، وفي الخارج كل هوية، وشخص متحد مع وجوده لا تمايز بينهما، وإذا كان كذلك صح أن يكون الوجود متعلق الرؤية، لأنه مشترك بين الموجودات، ومتحد مع معروضه في الخارج.

стр. 1569

وعند المتكلمين: أن الوجود مشترك معنى بين الممكن والواجب، وحيث كان هو علة الرؤية في الممكن، فكذا في الواجب. وأما سمعًا: فالآيات قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] (١).

стр. 1570

والنظر الموصول بإلى هو الرؤية صرح به أهل اللغة (١).

стр. 1571

وبالإجماع إذ الأمة كانت مجمعة على ذلك قبل ظهور أهل البدع، والأهواء (١). والأحاديث، فإن الأحاديث المروية في باب الرؤية رواها واحد وعشرون صحابيًا (٢).

стр. 1572

وقولهم النظر في الآية بمعنى الانتظار مردود، لأنه كلام مسوق للامتنان، وقد اشتهر أن الانتظار موت أحمر، فلا يلائم المقام. قالوا: الرؤية بدون المقابلة مستحيلة، بديهي استحالتها غني عن الدليل. قلنا: دعوى الضرورة فيما خالف فيه الجم الغفير غير مسموعة، بل الضروري جوازها إذ الرؤية لمحض خلق اللَّه يخلق لمن شاء متى شاء كيف شاء.

стр. 1573

قالوا: قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] نص في عدم جواز الرؤية، لأنه جمع مستغرق، فيفيد نفي الرؤية عن كل فرد. قلنا: الإدراك هو الرؤية، مع الإحاطة، فهو أخص من الرؤية (١)، ولا يلزم من نفي الخاص نفي العام (٢)، ولو سلم فالنفي متوجه إلى قيد الاستغراق، أي: لا يراه كل أحد، وهو كذلك وإذا احتمل هذا الاحتمال سقط به الاستدلال. قالوا: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١] سيقت الآية لبيان عدم جواز رؤيته إذ وقت التكليم أشرف أوقات العبد، فإذا لم يره إذ ذاك، ففي غيره بالطريق الأولى. قلنا: سوق الآية لبيان أنواع التكليم (٣)، وقوله: ﴿وَحْيًا﴾ أعم من أن يكون مع الرؤية، وبدونه، بل الواجب الحمل على حال الرؤية ليحسن عطف قوله: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ عليه (٤).

стр. 1574

قالوا: حيث ذكر اللَّه الرؤية استعظمه غاية الاستعظام، واستنكره، وما ذلك إلا لعدم جوازه (١). قلنا: استعظمه، لأن طلبهم ذلك على وجه التعنت، مع الأنبياء، ومن تأمل مواقعه عرف ذلك. قالوا: سؤال موسى وجوابه (٢) كاف لنا دليلًا على عدم الرؤية وجوازها. قلنا: سؤال موسى وجوابه كاف لنا على جوازها. بيان ذلك: أن موسى -مع علمه باللَّه تعالى، وبما يجوز ويمتنع عليه- لم يقدم على الطلب إلا بعد علمه بالجواز. وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] تعليق للرؤية بأمر ممكن، وهو استقراره حين التجلي، فلو لم يكن ممكنًا لم يسأله (٣)، وعلى

стр. 1575

تقدير عدم الإمكان كان يرشده إلى العلم بذلك. وإنما وقع لموسى ما وقع: لسؤاله ذلك قبل أوانه لا لاستحالته، ودعوى عدم علم موسى بجوازها يَجُرُّ إلى الكفر، لأنه يلزم منه أن يكون سفلة المعتزلة عالمين بما لم يعلمه كليم اللَّه تعالى. وإذا تقرر جواز رؤيته، فلا يمتنع رؤيته في الدنيا (١) كما هو مذهب بعض الصحابة في رؤية رسول اللَّه ﷺ ليلة المعراج (٢).

стр. 1576

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1577

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1578

ولا في المنام كما روي عن بعض الأولياء، الصالحين إذ كما يخلق اللَّه الرؤية في الآخرة يخلقها في الدنيا (١) (٢). قوله: "السعيد من كتبه في الأزل".

стр. 1579

أقول: اختلف في السعادة (١)، والشقاوة هل يتبدلان أم لا؟ ! وهذه المسألة هي المشهورة بموافاة الأشعري. ومعنى الموافاة: الوصول إلى آخر الحياة، وأول الآخرة. ومعناه: أن الإيمان المنجي هو الذي يكون الموافاة عليه لا الإيمان السابق، لأنه ربما يطرأ عليه الارتداد، والعياذ باللَّه. والتحقيق -في هذا

стр. 1580

المقام- أن الخلف لفظي إذ السعادة التي في علمه تعالى لا يمكن تبدلها، وكذا الشقاوة. وأما بحسب الظاهر فإطلاق اسم السعادة على الإتيان بالأعمال الصالحة بناء على الأمارات لا جزمًا بذلك، فإنه مفوض إلى علمه القديم. ولذلك لا نحكم على أحد بأنه من أهل الجنة، أو أهل النار إلا من شهد له رسول اللَّه ﷺ ، أو عليه، وإن كنا جازمين بأن المؤمنين كلهم في الجنة، والكفار في النار. والشيخ الأشعري -وإن قال بأن المعتبر إيمان الموافاة- لم يقل بأن من مات مؤمنًا حين تلبسه بالكفر كان مؤمنًا إذ ذاك حقيقة، فقد تقرر أن لا خلاف في المعنى، وهذا محصل شرح المقاصد في هذا المقام (١). وقوله: "أبو بكر ما زال بعين الرضا". هذه العبارة منقولة عن الشيخ الأشعري، وتخصيصه بالذكر، مع أن عمر أيضًا، وكذلك على بعين الرضا. قيل: لأنه لم يسبق له ارتكاب الشرك قبل البعثة. وعندي فيه نظر، إذ ذلك لم يثبت، وعلي لم يخالف أحد في عدم مباشرته الشرك، بل الأولى أن يقال: لما نص على أن العبرة بإيمان الموافاة ذكر الصديق، كالدليل على ذلك، أي: ليس بعد النبي أفضل منه، مع أنه في جل عمره لم يكن على هدى من اللَّه، ولما كان مآله إلى الهدى كان في علمه تعالى من المختارين.
следующие страницы →