ولا في المنام كما روي عن بعض الأولياء، الصالحين إذ كما يخلق اللَّه الرؤية في الآخرة يخلقها في الدنيا (١)(٢).
قوله: "السعيد من كتبه في الأزل".
стр. 1579
أقول: اختلف في السعادة (١)، والشقاوة هل يتبدلان أم لا؟ ! وهذه المسألة هي المشهورة بموافاة الأشعري.
ومعنى الموافاة: الوصول إلى آخر الحياة، وأول الآخرة.
ومعناه: أن الإيمان المنجي هو الذي يكون الموافاة عليه لا الإيمان السابق، لأنه ربما يطرأ عليه الارتداد، والعياذ باللَّه. والتحقيق -في هذا
стр. 1580
المقام- أن الخلف لفظي إذ السعادة التي في علمه تعالى لا يمكن تبدلها، وكذا الشقاوة.
وأما بحسب الظاهر فإطلاق اسم السعادة على الإتيان بالأعمال الصالحة بناء على الأمارات لا جزمًا بذلك، فإنه مفوض إلى علمه القديم.
ولذلك لا نحكم على أحد بأنه من أهل الجنة، أو أهل النار إلا من شهد له رسول اللَّه ﷺ ، أو عليه، وإن كنا جازمين بأن المؤمنين كلهم في الجنة، والكفار في النار.
والشيخ الأشعري -وإن قال بأن المعتبر إيمان الموافاة- لم يقل بأن من مات مؤمنًا حين تلبسه بالكفر كان مؤمنًا إذ ذاك حقيقة، فقد تقرر أن لا خلاف في المعنى، وهذا محصل شرح المقاصد في هذا المقام (١).
وقوله: "أبو بكر ما زال بعين الرضا". هذه العبارة منقولة عن الشيخ الأشعري، وتخصيصه بالذكر، مع أن عمر أيضًا، وكذلك على بعين الرضا.
قيل: لأنه لم يسبق له ارتكاب الشرك قبل البعثة.
وعندي فيه نظر، إذ ذلك لم يثبت، وعلي لم يخالف أحد في عدم مباشرته الشرك، بل الأولى أن يقال: لما نص على أن العبرة بإيمان الموافاة ذكر الصديق، كالدليل على ذلك، أي: ليس بعد النبي أفضل منه، مع أنه في جل عمره لم يكن على هدى من اللَّه، ولما كان مآله إلى الهدى كان في علمه تعالى من المختارين.
стр. 1581
قوله: "والرضا، والمحبة".
أقول: قد اختلف في حقيقة الرضا، والمحبة.
فقيل: هما نفس الإرادة والمشيئة (١).
стр. 1582
والحق: أنه ليس كذلك، إذ قد برهنا على أنه مريد الأشياء كلها، وقد نص في الكتاب على أنه لا يرضى بالكفر (١)، فدل على أنهما غيران، فهما أخص من الإرادة، لأنهما الإرادة مع ترك الإعراض، بل مع الإنعام والإفضال، فهما راجعان إلى صفات الأفعال، هكذا قيل.
وفيه نظر: لأنهما إذا رجعا إلى صفات الأفعال يكونان مباينين للإرادة لأنها من صفات الذات (٢).
فإن قلت: فمن قال: بترادفهما مع الإرادة، ما قوله في الآية الكريمة (٣)؟
قلت: يقول: الإضافة في عباده للتكريم مثل قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] أي: عبادي المخلصين، كذا ذكره الواحدي (٤) في الوسيط.
стр. 1583
قوله: "وهو الرازق".
أقول: الرازق -لغة- مصدر بمعنى إخراج الحظ إلى الغير لينتفع به، فأطلق على المرزوق، وهو المعطى للانتفاع، وشاع في ذلك حتى صار حقيقة (١).
ثم اختلف أهل الحق، والاعتزال، فعند أهل الحق عام في الحلال، والحرام.
والدليل عليه: إطلاق المعنى اللغوي عن القيد، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس: ٥٩]، لأنه تعالى سمى الحلال، والحرام رزقًا. ولقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي
стр. 1584
الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] (١) وكم من ظالم لا يأكل في عمره إلا حرامًا طلقًا، فلو لم يسمى ما يأكله رزقًا كيف تستقيم الآية (٢)؟
قالوا (٣): أمر بالإنفاق من الرزق فقال: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، ومدحهم على الإنفاق من رزقه، فقال: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣].
стр. 1585
قلنا: قرينة الأمر، والمدح على الإنفاق حقيقية، ولا كلام في ذلك، إنما الكلام في تناول الاسم عند انتفاء القرائن (١).
قوله: "بيده الهداية".
أقول: عند أهل الحق أن إسناده الهداية (٢)، والإضلال (٣)
стр. 1586
والطبع (١)، والختم (٢) إليه تعالى حقيقة، وإلى غيره مجازًا وهما من صفات الأفعال (٣).
فمعنى الهداية: خلق الإيمان، والاهتداء، والإضلال: خلق الكفر، والضلال، لأن الممكنات كلها مستندة إليه ابتداء لا موجد غيره (٤).
стр. 1587
والمعتزلة -بناءً على أصلهم الفاسد (١) - أنه لو خلق فيهم الاهتداء، أو الضلال لما صح منه المدح، والثواب، ولا الذم، والعقاب.
قالوا: هدايته -تعالى- معناها: الإرشاد إلى طريق الحق لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥] أي: كل أحد، والإضلال: وجدان الشخص ضالًا.
وقال بعضهم: الهداية الدلالة الموصلة إلى المطلوب، فالمؤمن مهدي: لأنه واصل إلى المطلوب، والكافر ليس بمهدي: لأنه ليس واصلًا إليه.
стр. 1588
وأما الإضلال، فإسناده إليه -تعالى- مجاز عن إقداره وتمكينه، والإضلال حقيقة فعل الشيطان.
وعند أهل الحق الهداية على قسمين:
بمعنى الإرشاد إلى طريق الحق، وهي عامة للمؤمن، والكافر، وبمعنى خلق الاهتداء، والإيمان، وهي خاصة بالمؤمن، وقد أشير إليهما في آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ (١) وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥].
فأول الآية في العامة، وآخرها في الخاصة (٢)، اللهم اهدنا سواء السبيل.
قوله: "والتوفيق خلق قدرة الطاعة".
стр. 1589
أقول: اختلف في معنى التوفيق (١)، الجمهور: على أنه خلق قدرة الطاعة، وضده الخذلان: وهو خلق قدرة المعصية (٢).
وقال إمام الحرمين: التوفيق خلق الطاعة (٣) وإنما عدل عن قول الأصحاب: لأن قدرة العبد ليست في فعله.
قال: ومعنى العصمة معنى التوفيق، فإن عممت كانت توفيقًا عامًا وإن خصصت كان توفيقًا خاصًا (٤).
واللطف (٥): منهم من جعله مرادفًا للتوفيق.
стр. 1590
وقال المصنف: اللطف شيء يقع عنده صلاح العبد، فكل فعل علم اللَّه أن العبد يطيع عنده بالطاعة والإيمان، فهو لطف. وما وقع من ألفاظ الشارع في حق الكفار من الختم (١)، والطبع (٢)، والأكنة (٣).
стр. 1591
فمعناها: خلق الضلالة، كما قدمنا، وإسناده إليه تعالى حقيقة.
قوله: "والماهية مجعولة".
أقول: اختلف المتكلمون، والفلاسفة في أن الماهية مجعولة، أم لا؟
بعد الاتفاق على أن الممكن لا بد له من فاعل مؤثر فيه.
فذهب أهل الحق: إلى أنها مجعولة مطلقًا.
والفلاسفة، والمعتزلة: إلى أنها ليست مجعولة، أي ليس شيء منها بجعل الجاعل.
وفصل بعضهم: فقال: البسائط ليست مجعولة بخلاف المركبات (١) والضروري هنا محل الخلاف.
стр. 1592
فنقول: لما كان عند الفلاسفة القائلين بالوجود الذهني لوازم الماهية (١) على ثلاثة أقسام، إما لوازم الماهية من حيث هي
стр. 1593
كالزوجية للأربعة، والفردية للثلاثة، فإنهما لا يفارقان ماهية الأربعة، والثلاثة حيث وجدتا ذهنًا، وخارجًا.
وإما لوازم الوجود الذهني: كالكلية، والذاتية، والعرضية، والجنسية، والفصلية، فإنها من لوازم الماهية لا مطلقًا، بل بالنظر إلى وجودها الذهني.
وإما لوازم الوجود الخارجي: كالحدوث لماهية الجسم، فإنه من لوازم وجوده الخارجي.
ولما كان -عند المعتزلة- إعدام الممكنات، أي: الماهيات الممكنة ثابتة أزلية لم يتصور جعل بالنظر إليها، بل بالنظر إلى الوجود الحادث.
[ونظر بعضهم إلى أن المركب يحتاج إلى الأجزاء، والبسيط لا يحتاج إليها، فقال: المركبة مجعولة دون البسائط، وهذا قول باطل] (١): لأن الاحتياج من لوازم الممكن، فلا تفاوت بين المركب، والبسيط، كما ستقف عليه في أثناء هذا التقرير.
وأهل السنة لما لم يكن عندهم وجود ذهني، ولا تقرر في العدم للماهيات أيضًا، جزموا القول بأن الماهيات كلها مجعولة.
ويظهر لك من هذا أن لا خلاف في التحقيق بين الطوائف، لأن الجعل الذي يقول به أهل الحق، معناه، جعل الذات متصفة بالوجود، أي: ما تعلق تأثير المؤثر به ليس هو الماهية بمعنى أن ماهية الإنسان -مع قطع
стр. 1594
النظر عن الوجود- وقع عليها تأثير المؤثر، لأنها مع قطع النظر عن الوجود ليست بشيء، ولا ثابتة، فكيف يعقل التأثير؟ .
وكذلك الوجود ليس محلًا للتأثير، لأن الوجود ليس موجودًا في الخارج، بل هو أمر اعتباري.
بل معنى تأثير المؤثر تصير الماهية المعقولة متصفة بالوجود الخارجي.
مثاله: الصباغ الذي يصبغ الثوب ليس تأثيره في الثوب بمعنى جعله الثوب ثوبًا، ولا في الصبغ كذلك، لأن الصبغ غير موجودة كالثوب، بل تأثيره في تصييره الثوب متصفًا بالصبغ.
فعلى هذا ارتفع النزاع: لأن القائلين: بأن الماهيات ليست مجعولة، يريدون بالنظر إلى نفس الماهية، والوجود الذهني، كما هو رأي الفلاسفة القائلين بالوجود الذهني.
أو بالنظر إلى تقررها في حال العدم كما تقوله المعتزلة، والكل قائلون بأنها مجعولة بالنظر إلى الوجود الخارجي.
وأما أهل الحق، فلم يقولوا بالوجود الذهني، ولا بالتقرر في العدم، فعندهم لا جعل إلا بالنظر إلى الوجود الخارجي، إذ لا يقول عاقل بأن تأثير المؤثر في الماهية المعدومة حال عدمها.
فقد اتضح لك المقام، ونجوت مما خبط فيه الأقوام.
قوله: "أرسل الرب تعالى رسله بالمعجزات".
стр. 1595
أقول: مما يجب على المكلف اعتقاد أن اللَّه أرسل الرسل من البشر إلى البشر (١) مبشرين، ومنذرين (٢).
وبدونهم لا يمكن الوصول إلى اللَّه، ولا يصح سلوك الطريق إليه، لأن العقل لا يقدر على إدراك أحوال يوم القيامة، والحشر، والنشر (٣).
стр. 1596
وأيده بالمعجزات الباهرات إذ مدعي النبوة لا بد له من دليل على دعواه، والمعجزة دليله؛ لأنه تصديق فعلي من اللَّه بمثابة أن يقول: هذا رسولي إليكم.
ولم ينحصر عدد الأنبياء (١)، ولا
الرسل (١)، قال اللَّه تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ (٢) وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨].
وآخرهم أفضلهم سيد الأولين، والآخرين محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب، فهو خاتم الأنبياء، كما نطق به التنزيل (٣).
стр. 1599
وسيدهم كما تواتر بذلك الأخبار (١)، وأفرادها، وإن كانت آحادًا أن القدر المشترك منه متواتر.
стр. 1600
وقد أرسل إلى الناس كافة نطق به القرآن (١). وبعث إلى الجن كما بعث إلى الإنس لقوله: "بعثت إلى الأحمر والأسود" (٢)
وقد نطق التنزيل بإيمان الجن به، وسماعهم القرآن منه (١).
واختلف في إرساله إلى الملائكة والظواهر تدل عليه مثل: ﴿لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (٢).
وبعده أفضل الخلق الأنبياء على الإجمال، وبعدهم الملائكة.
هذه عقيدة أهل الحق (٣).
стр. 1604
والملائكة -عندهم- أجسام لطيفة لهم قوة التشكل، والتبدل قادرة على أفعال شاقة، عباد مكرمون مواظبون على الطاعة معصومون عن المخالفة والفسق (١)، لا يوصفون بالذكورة والأنوثة، ومع ذلك الأنبياء أفضل منهم.
стр. 1605
والدليل -عليه- عقلًا، ونقلًا.
أما عقلًا: فلأن الأنبياء معصومون، مع ما فيهم من الشواغل، والقوى الشهوانية، والغضبية، فالقيام بالعبادة، مع تلك الشواغل أشق، وأحمز، وكل ما كان أشق كان أبلغ في استحقاق الثواب.
стр. 1606
ولأنهم بعثوا لتكميل الخلق، والهداية، واحتملوا أعباء النبوة وقاسوا من الجهلة، والسفهاء ما نطق به الآيات (١)، والأخبار.
وأما نقلًا: فلأنهم أمروا بالسجدة (٢) لآدم، والمفضول يؤمر بإكرام الفاضل لا العكس.
ولأن آدم كان في رتبة التعليم، ولا شك أن المعلم أفضل من المتعلم. ولا يرد تعليم جبريل لرسول اللَّه ﷺ ، لأنه مجاز عن الإعلام، والإخبار، والمبلغ عن الغير لا يوصف بكونه معلمًا إلا تجوزًا.
ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] (٣) والملائكة من العالمين.
стр. 1607
قالوا: قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] صريح في كونهم أفضل من المسيح، كما تقول: لا يستنكف عن إكرام العلماء لا الوزير، ولا السلطان.
الجواب: أن تلك الآية سيقت للرد على النصارى في ادعائهم الألوهية في المسيح، لكونه مولودًا من غير أب، وهو روح اللَّه القدس.
قيل -لهم-: لو كان ذلك مقتضيًا للألوهية، لكانت الملائكة أولى بذلك، لكونهم مقربين لديه من غير أب، ولا أم، فإذا لم يصلحوا للألوهية، فعيسى بطريق الأولى، لأنه حواه بطن الأم، وتولد، كما يتولد أحدكم.
وللمعتزلة تمسكات أخر بالآيات الظواهر.
والجواب عنها ظاهر، فلا نطول الكتاب بذكرها، فالموفق لا يتوقف فيها.
وقد انقرضت - بحمد اللَّه شرذمة المعتزلة الضالين والعاقبة للمتقين، والحمد للَّه رب العالمين.
قوله: "والمعجزة أمر خارق للعادة".
أقول: لما قدم أن الرسل قد أيدت بالإعجاز عرف المعجزة فقال: هي أمر خارق للعادة (١).
стр. 1608
وإنما قال: "أمر" ليشمل الفعل مثل نبع الماء من بين أصابعه (١) ﷺ (٢).
وعدم الفعل: كعدم إحراق النار للخليل صلوات اللَّه عليه (٣) وبمقارنة التحدي: خرجت كرامات الأولياء، والعلامات السابقة على
стр. 1609
البعثة: كتسليم الحجر (١)، وتظليل الغمام (٢)، وسطوع النور في وجوه الآباء الذين انتقل من أصلابهم (٣)، فإن تلك تسمى إرهاصات للنبوة، وبعدم المعارضة: خرجت الشعوذة (٤)، والسحر.
والتحدي: هو الدعوى، والحث على المعارضة مثل قوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣].
والخوارق أربعة أقسام: إن قارن التحدي سمي معجزة، وإن قارنت الأعمال الصالحة بدون التحدي، فهي الكرامة، وإن خالفت المقصود تسمى إهانة.
стр. 1610
كما روى أنه قيل -لمسيلمة الكذاب (١) -: إن محمدًا كان يضع يده على عين الأعمى، فيبصر، ويزول عنه العمى، فإن كنت نبيًا لم لا تفعل مثله؟
فقال: ائتوني بأعمى، فوجد هناك أعور، فوضع يده على عينه العوراء، فعميت الصحيحة أيضًا (٢).
стр. 1611
وتارة تقع لعوام الناس الذين ليسوا من عداد الأولياء أمور خارقة تسمى تلك معونة.
قوله: "الإيمان".
أقول: الإيمان -لغة-: التصديق (١): ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] أي: مصدق.
ويتعدى إلى مفعولين تقول: آمننيه، وآمنت زيدًا، ويضمن تارة معنى الإقرار، والاعتراف، فيعدى بالباء، مثل: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، وتارة معنى الإذعان، فيعدى باللام مثل: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وإذا ثبت أنه في اللغة (٢) التصديق، فهو في الشرع -أيضًا- كذلك، ولم ينقل.
أما أولًا: فلأن النقل خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا بدليل.
وأما ثانيًا: فلحديث جبريل حين سأل عن الإيمان، فقال رسول اللَّه ﷺ في جوابه: "الإيمان أن تؤمن باللَّه" (٣) أي: تصدق إلى آخر الحديث.
стр. 1612
فأطلق لفظ الإيمان: لأنه كان معلومًا عندهم، وفصل المؤمن به إلا أنه في اللغة اسمًا لمطلق التصديق.
وفي الشرع: للتصديق الاختياري بأمور مخصوصة، وهي ما علم مجيء الرسول بها ضرورة من الدين، ويمتاز عن المعرفة والعلم بربط القلب على المؤمن به ولذلك يثاب عليه.
وحاصله: أنه لا يجامع الإنكار بخلاف المعرفة والعلم (١) قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦].
وقال موسى -لفرعون-: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢].
فمن صدق بقلبه، ولم يتمكن من التلفظ، فإيمانه منج عند اللَّه، وكذا الذي به آفة كالخرس.
وأما غيرهما من القادر المتمكن، فلا يشترط (٢) التلفظ في حقه إلا لإجراء أحكام المسلمين عليه في الدنيا من الصلاة عليه، ودفنه في مقابر
стр. 1613
المسلمين كذا في شرح المقاصد للعلامة التفتازاني (١) فعلى هذا ما ذكره المصنف من أن التلفظ شرط، أو شطر (٢) يحمل عليه لا على الإيمان المنجي.
стр. 1614
والخلاف إنما هو عند عدم الإباء عند المطالب وأما المصر لدى المطالبة، فكافر وفاقًا.
وقيل: مركب من الاعتقاد، والقول، وإليه ذهب أبو حنيفة (١). وقيل: منهما، ومن الأعمال (٢).
стр. 1615
وإليه ذهبت الخوارج (١)، والمعتزلة إلا أن تارك العمل كافر عند الخوارج، فاسق عند المعتزلة.