وتارة تقع لعوام الناس الذين ليسوا من عداد الأولياء أمور خارقة تسمى تلك معونة.
قوله: "الإيمان".
أقول: الإيمان -لغة-: التصديق (١): ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] أي: مصدق.
ويتعدى إلى مفعولين تقول: آمننيه، وآمنت زيدًا، ويضمن تارة معنى الإقرار، والاعتراف، فيعدى بالباء، مثل: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، وتارة معنى الإذعان، فيعدى باللام مثل: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وإذا ثبت أنه في اللغة (٢) التصديق، فهو في الشرع -أيضًا- كذلك، ولم ينقل.
أما أولًا: فلأن النقل خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا بدليل.
وأما ثانيًا: فلحديث جبريل حين سأل عن الإيمان، فقال رسول اللَّه ﷺ في جوابه: "الإيمان أن تؤمن باللَّه" (٣) أي: تصدق إلى آخر الحديث.
стр. 1612
فأطلق لفظ الإيمان: لأنه كان معلومًا عندهم، وفصل المؤمن به إلا أنه في اللغة اسمًا لمطلق التصديق.
وفي الشرع: للتصديق الاختياري بأمور مخصوصة، وهي ما علم مجيء الرسول بها ضرورة من الدين، ويمتاز عن المعرفة والعلم بربط القلب على المؤمن به ولذلك يثاب عليه.
وحاصله: أنه لا يجامع الإنكار بخلاف المعرفة والعلم (١) قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦].
وقال موسى -لفرعون-: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢].
فمن صدق بقلبه، ولم يتمكن من التلفظ، فإيمانه منج عند اللَّه، وكذا الذي به آفة كالخرس.
وأما غيرهما من القادر المتمكن، فلا يشترط (٢) التلفظ في حقه إلا لإجراء أحكام المسلمين عليه في الدنيا من الصلاة عليه، ودفنه في مقابر
стр. 1613
المسلمين كذا في شرح المقاصد للعلامة التفتازاني (١) فعلى هذا ما ذكره المصنف من أن التلفظ شرط، أو شطر (٢) يحمل عليه لا على الإيمان المنجي.
стр. 1614
والخلاف إنما هو عند عدم الإباء عند المطالب وأما المصر لدى المطالبة، فكافر وفاقًا.
وقيل: مركب من الاعتقاد، والقول، وإليه ذهب أبو حنيفة (١). وقيل: منهما، ومن الأعمال (٢).
стр. 1615
وإليه ذهبت الخوارج (١)، والمعتزلة إلا أن تارك العمل كافر عند الخوارج، فاسق عند المعتزلة.
стр. 1616
مع اتفاقهم على خلوده في النار.
وما ينقل عن الشافعي، وأهل الحديث أن الإيمان: تصديق الجنان، وعمل الأركان، وإقرار اللسان (١)، فيجب حمله على الإيمان الكامل.
стр. 1617
لأنهم أجمعوا على أن من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان يخرج من النار (١).
ومن قال: لا إله إلا اللَّه دخل الجنة (٢).
ولاتفاقهم على أن إيمان اليأس غير مقبول (١).
ولا شك أن ذلك الإيمان لا يمكن جمعه مع الأعمال، وإنما عللوا عدم نفعه لمعاينة العذاب، وإشرافه على الدار الآخرة وصيرورته في عدادها (٢)، لا، لأن الأعمال داخلة، أو شرط.
ولأن أهل الحديث، والشافعي أعلم الناس بلغة العرب، وبمعاني النصوص.
وقد عطف في الآيات الأعمال على الإيمان في مواضع لا تحصى (٣).
стр. 1620
وكم من آية نطقت بالإيمان، مع وجود المعاصي، ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم: ٨].
وليس العجب من متأخري الحنفية إذا التبس عليهم هذا الذي حررناه (١) بل من بعض علماء الغرب (٢) المتطلعين على قواعد الشريعة من الآيات والأخبار حيث يصرح بأن الإيمان -عند الشافعي- مركب من ثلاثة أشياء، ويجعل التلفظ، والعمل ركنًا (٣).
стр. 1621
والشافعي يقول: تارك الصلاة (١) يقتل، ويدفن، ويصلى عليه.
стр. 1622
وإذا تقرر أن الإيمان فعل القلب، وأنه التصديق على الوجه المذكور، فهو يزيد، وينقص (١) عند الأشاعرة، وأهل الحديث، وقد نقل عن الشافعي.
стр. 1623
ومنعه كثير من العلماء، ونسب إلى أبي حنيفة.
ومنهم من بنى الخلاف على أنه التصديق وحده، أو مع الأعمال، فعلى الأول لا يقبل.
стр. 1624
وعلى الثاني: يقبل، وإليه ذهب الإمام الرازي منا (١)، وإمام الحرمين (٢).
قالوا: الإيمان الذي هو نفس التصديق البالغ حد الجزم، والإذعان لم يكن يقينًا، لأن اليقين لا يتفاوت.
والجواب: منع عدم تفاوت اليقين، وكفاك قول قدوة الموحدين: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] (٣).
وقول علي ﵁: "لو كشف الغطاء ما ازددت يقينًا"، إذ لو لم يكن اليقين قابلًا للزيادة لكان قوله: "ما ازددت يقينًا"، لغوًا.
ولقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٧] فإن الإتيان بـ "ثم" دال على أن عين اليقين أعلى مراتب اليقين. ولأنا لا نشك في أن تصديق النبي أعلى، وأكمل من تصديق أبي بكر، وتصديق أبي بكر أعلى من تصديق سائر الناس، وقس على هذا.
وأما شرعًا (١): فلا يوجد مؤمن لا يكون مسلمًا، ولا مسلم لا يكون مؤمنًا، وهذا مراد الجمهور بقولهم: مترادفان لاتحاد مفهوم الاسمين كما هو شأن الترادف اللغوي.
стр. 1627
وهذا لا يمكن أن يشك فيه أحد إذ لا يتصور أن يكون شخص عند اللَّه ليس بمؤمن، ولا العكس.
وما ورد في الآيات من إثبات أحدهما، وسلب الآخر مثل: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤].
والعطف مثل قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥].
إنما هو بالنظر إلى المعاني اللغوية (١)، ولذلك ذكر الصوم، والصدقة بعدهما بطريق العطف، مع الإجماع (٢) على عدم
стр. 1628
خروجهما عن الإسلام، والإيمان. قيل: قد فصل في سؤال جبريل بين الإيمان، والإسلام، ولا شك أن سؤال جبريل لم يكن إلا عن الإيمان، والإسلام الشرعيين.
فقال: الإيمان: "أن تؤمن باللَّه، وملائكته، وكتبه، ورسله" والإسلام: "أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت" (١).
وهذا السؤال، والجواب صريحان في أنهما حقيقتان مختلفتان (٢) شرعًا.
الجواب: أن سؤال جبريل كان عن شرائع الإسلام، والدليل عليه أنه جعل ما ذكره في الإسلام في حديث جبريل جوابًا لوفد عبد القيس حين قال لهم: "أتدرون ما الإيمان باللَّه وحده؟ " قالوا: اللَّه، ورسوله أعلم.
قال: "شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان" (٣).
فالتحقيق -الذي لا محيد عنه-: أنهما في الشرع متحدان لا يمكن وجود أحدهما بدون الآخر.
والتوفيق بين الآيات، والأحاديث بما ذكرناه لا مزيد عليه.
стр. 1629
وقول المصنف: "الإسلام أعمال الجوارح، ولا يعتبر إلا مع الإيمان" ملاحظ المعنى اللغوي، ولا حاجة إليه.
"والإحسان (١) أن تعبد اللَّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك".
معناه: كمال الإخلاص، وأن الواجب على العابد كف النظر، والخاطر عما سواه تعالى؛ إذ من تصور عظمة اللَّه، وأيقن أنه ناظر إليه بلا حجاب، وهو أقرب من حبل الوريد يستقيم في عبادته غاية الاستقامة.
قوله: "والفسق لا يزيل الإيمان".
أقول: اختلفت الأمة في صاحب الكبيرة، فعند أهل الحق: مؤمن فاسق (٢)، ولا واسطة بين الإيمان والكفر.
стр. 1630
وعند الخوارج: كافر، فلا واسطة أيضًا.
وعند المعتزلة: الفاسق ليس بمؤمن، ولا كافر، وهو مخلد في النار عندهم، وهذا هو القول بالمنزلة بين المنزلتين (١).
стр. 1631
لنا: الآيات الدالة صريحًا على أنه تعالى يغفر للعاصين، مثل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣].
وفي الحديث: "من قال: لا إله إلا اللَّه دخل الجنة، وإن زنى، وإن سرق" (١).
"ويخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان" (٢)، والقيد بالتوبة في جميع الموارد خلاف الظاهر، بل خلاف الإجماع على ذلك قبل ظهور أهل البدع، والأهواء.
стр. 1632
قالوا: قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال -في تارك الحج-: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].
وقال ﷺ : "من مات، ولم يحج، فليمت إن شاء يهوديًا، وإن شاء نصرانيًا" (١).
стр. 1633
وقال: "من ترك الصلاة عامدًا، فقد كفر" (١).
الجواب: أن المراد بمن لم يحكم بما أنزل اللَّه هم اليهود سوق الكلام دل عليه، والأمر كذلك، فإنهم كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه، ويبدلون كلام اللَّه وأحكامه (٢).
стр. 1634
وحديث الحج، والصلاة محمول على التغليظ، أو على الاستحلال جمعًا بين الأدلة.
وقول المصنف: "والمؤمن -ميتًا فاسقًا- تحت المشيئة"، تفريع على أن الفسق لا يزيل الإيمان، فكان الأولى ذكره بالفاء.
والحاصل: أنه بعد ثبوت كونه مؤمنًا، ولم يخرج بالفسق عن الإيمان، إما أن يغفر اللَّه له ما أسلف: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١، التحريم: ١]، أو يعاقبه قدرًا، تتعلق به إرادته أو يقبل فيه الشفاعة إما قبل الدخول النار، وإما بعده، فالمآل إلى الجنة، وعليه إجماع خير القرون.
قوله: "وأول شافع".
стр. 1635
أقول: لفظه ﷺ : "أنا أول شافع، وأول مشفع" (١) أتى به المصنف تبركًا به.
وله صلوات اللَّه عليه خمس شفاعات (٢):
стр. 1636
أولاها، وعظماها: ما يعم نفعها الأولين، والآخرين حتى الأنبياء والمرسلين، وهو في تعجيل الحساب، والإراحة من طول الموقف دل عليه أحاديث كثيرة (١).
стр. 1637
الثانية: في إدخال قوم الجنة بغير حساب (١)، اللهم يا جزيل العطاء، ويا من يهب ما يشاء لمن يشاء، -لا لغرض، ولا لجزاء- اجعلنا -بكرمك- في زمرتهم، وإن لم نكن من الفائزين بمنزلتهم.
стр. 1638
وهذه الشفاعة -أيضًا- خاصة به ﷺ والعجب ممن توقف في هذه الخصوصية (١)، وقال: لا دليل عليه (٢).
قلت: الدليل -عليه- الإجماع على أن هذه الأمور لا تدرك بالعقل، ولم يرد النقل إلا في حقه، فلا يثبت لغيره لعدم دليل ثبوتها، والأصل العدم، والبقاء على ما كان.
الثالثة: في عدم دخول النار لمن استحق ذلك.
الرابعة: في إخراج من أدخل النار من الموحدين (٣).
وهذه المرتبة لم يخالف فيها المعتزلة، وحملوا الآيات، والأحاديث عليها (١).
قوله: "ولا يموت أحد إلا بأجله" (٢).
стр. 1641
أقول: الأجل يطلق على آخر الحياة، وعلى جميع المدة، والخلاف في الأول، وليس الخلاف في الموت مطلقًا، بل الخلاف في المقتول.
فعند أهل الحق أنه ميت بأجله الذي علم اللَّه أنه آخر عمره، والقتل سبب من الأسباب كالحمى، والطاعون، وخالفت المعتزلة في ذلك.
لنا: قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً﴾ [الأعراف: ٣٤].
والأحاديث على أن كل حي لا يموت قبل أجله متكثرة متواترة (١) المعنى قالوا: قال اللَّه -تعالى-: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١].
وفي الحديث: "الصدقة تزيد في العمر" (٢).
стр. 1642
قلنا: الضمير في الآية لمطلق المعمر، أي: المعمرون يزيد بعضهم في العمر على بعض كل ذلك في اللوح مسطور كما يقولون: ثمن هذا درهم ونصف، أي: نصف درهم آخر لا نصف ذلك الدرهم.
ومعنى الحديث: الزيادة بمعنى البركة كما في الطعام القليل الذي يسمى عليه، أو بالنظر إلى ما سطر في اللوح بأن فلانًا إن تصدق يوم كذا بدرهم، فله من العمر كذا، وإلا فكذا، وإليه أشار بقوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩].
وأما بالنظر إلى علمه الأزلي، فلا تفاوت، ولا زيادة، ولا نقصان (١). وبما ذكرنا يجمع بين قوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] وبين قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٣٩].
стр. 1643
والمعتزلة: على أنه لو لم يقتله القاتل لعاش أكثر من ذلك، وهو الأمد الذي علم اللَّه أنه أجله لولا القتل (١).
وتشبثوا بظواهر مثل: أنه لو كان ميتًا بأجله لم يجب على القاتل القصاص، ولا الضمان بذبح شاة الغير، وبأنه قد يقتل في معركة جمع تقتضي العادة بامتناع موتهم.
الجواب (٢): أن القصاص ليس له تعلق بالموت، بل بالفعل المنهي الذي صدر عنه، وتجاوز حدود الشرع (٣).
стр. 1644
وقولكم: العادة تقتضي بامتناع ذلك ممنوع إذ قد يموت في الطاعون والزلزال أضعاف ما يموت في معركة القتال.
قوله: "والنفس باقية بعد البدن".
أقول: النفس، والروح لفظان مترادفان عند أهل الحق (١).
معناهما: جسم لطيف نوراني سارٍ في البدن سريان الماء في الورد، والنار في الفحم، اتصالهما بالبدن حياة، ومفارقتهما موت. وقد دلت الآيات، والأحاديث على بقاء النفس بعد المفارقة سعيدة كانت، أو شقية (١).
قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران: ١٦٩] وفي الحديث: "يسلط على الكافر تسعة وتسعون تنينًا إلى يوم القيامة" (٢).
стр. 1647
"وأرواح الشهداء تسرح في الجنة، وتأوي إلى قناديل تحت العرش" (١).
وفي الأحاديث الدالة على ذلك كثرة لا يحتاج إلى إيرادها كلها (٢).
وهل تفنى يوم القيامة؟
الصحيح عدم ذلك إذ لم يقم عليه دليل وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] لا يقتضي ذلك، لأن معناه: أن الممكن في ذاته هالك لأن وجوده من الواجب تعالى، أو هلاكها فراقها عن البدن.
وقوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨].
قيل: المراد بها الأرواح (٣)، ولا حاجة إليه: لأن الاستثناء إنما هو لمن كان حيًا حقيقة، كالشهداء على ما ورد في الحديث، أو الحور العين.
стр. 1648
وأما الأرواح بعد الموت لا يمكن موتها إذ لا تفارق نفسها فتأمل! قوله: "وفي عجب الذنب".
أقول: قد ورد في الحديث: "أنه يبلى من الإنسان كل عضو إلا عجب الذنب (١) منه خلق، ومنه يركب" (٢)، وهو مثل حب خردلة في أصل الصلب عند العجز.
стр. 1649
وفي صحيح ابن حبان (١) قيل: وما العجب يا رسول؟ ، فقال: "مثل خردلة، أو حبة خردل".
وذهب المزني إلى أنه يفنى أيضًا (٢)، لأن لفظ الحديث: "أن كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب"، فإنه يفى بنفسه كملك الموت فإنه يفنى، ويموت بنفسه لا بملك آخر.
стр. 1650
ولعل الحكمة في إبقاء ذلك تكريم بني آدم بإبقاء ما هو أصل خلقته (١) كما أكرم الأنبياء بحفظ أجسادهم جميعًا، وكذا الشهداء، وليكون إعلامًا بأنه سيعاد، وإلا فأي داع إلى إبقائه دون سائر الأجزاء.
قوله: "والروح".
أقول: سئل رسول اللَّه ﷺ عن الروح (٢) فقال اللَّه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] أي: مخلوق من مخلوقاته (٣).
وكانوا في سؤالهم ذلك على أنه إن أتى بتفسيره، فهو ليس بصادق في دعوى الرسالة، لأنه كان في التوراة غير مبين.