Полный текст (1 869 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
معناهما: جسم لطيف نوراني سارٍ في البدن سريان الماء في الورد، والنار في الفحم، اتصالهما بالبدن حياة، ومفارقتهما موت. وقد دلت الآيات، والأحاديث على بقاء النفس بعد المفارقة سعيدة كانت، أو شقية (١) .
قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران: ١٦٩] وفي الحديث: "يسلط على الكافر تسعة وتسعون تنينًا إلى يوم القيامة" (٢) . الحواشي
(١) اختلف الناس في هذه المسألة على قولين:
فقالت طائفة: تموت الروح، وتذوق الموت لأنها نفس، وكل نفس ذائقة الموت، كما دلت الآيات على أنه لا يبقى إلا اللَّه وحده.
وقال آخرون: لا تموت الأرواح، لأنها خلقت للبقاء، وإنما تموت الأبدان، وقد دلت على هذا الأحاديث الدالة على نعيم الأرواح، وعذابها بعد الفارقة إلى أن يرجعها اللَّه في أجسادها، ولو ماتت الأرواح لانقطع عنها النعيم والعذاب.
وقد ذكر هذا الخلاف ابن القيم ﵀ ثم قال: "والصواب أن يقال: موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها، وخروجها منها، فإن أريد بموتها هذا القدر، فهي ذائقة الموت، وإن أريد أنها تعدم، وتضمحل، وتصير عدمًا محضًا، فهي لا تموت بهذا الاعتبار، بل هي باقية في نعيم، أو في عذاب" الروح له: ص/ ٣٤.
وراجع: شرح المقاصد: ٣/ ٣٣١ - ٣٣٢، وتشنيف المسامع: ق (١٦٩/ ب)، والغيث الهامع: ق (١٦٨/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٤١٩، وهمع الهوامع: ص/ ٤٦١.(٢) قال في السند: حدثنا عبد اللَّه حدثني أبي ثنا أبو عبد الرحمن ثنا سعيد بن أبي أيوب قال: سمعت أبا السمع يقول: سمعت أبا الهيثم يقول: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "يسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنينًا تلدغه حتى تقوم الساعة، فلو أن تنينًا منها نفخ في الأرض ما أنبتت خضراء". راجع: المسند: ٣/ ٣٨.стр. 1647
"وأرواح الشهداء تسرح في الجنة، وتأوي إلى قناديل تحت العرش" (١) .
وفي الأحاديث الدالة على ذلك كثرة لا يحتاج إلى إيرادها كلها (٢) .
وهل تفنى يوم القيامة؟
الصحيح عدم ذلك إذ لم يقم عليه دليل وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] لا يقتضي ذلك، لأن معناه: أن الممكن في ذاته هالك لأن وجوده من الواجب تعالى، أو هلاكها فراقها عن البدن.
وقوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨].
قيل: المراد بها الأرواح (٣) ، ولا حاجة إليه: لأن الاستثناء إنما هو لمن كان حيًا حقيقة، كالشهداء على ما ورد في الحديث، أو الحور العين. الحواشي
(١) روى مسلم بسنده عن مسروق قال: سألنا عبد اللَّه عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل" إلى آخر الحديث. راجع: صحيح مسلم: ٦/ ٣٨ - ٣٩.(٢) وروى الترمذي بسنده عن كعب بن مالك عن أبيه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن أرواح الشهداء في طير خضر تعلق من نمر الجنة، أو شجر الجنة". راجع: تحفة الأحوذي: ٥/ ٢٧٠.(٣) وقيل: هم الشهداء وهو قول ابن عباس، وأبي هريرة، وسعيد بن جبير.
وقيل: هم جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، وهو قول مقاتل، وغيره. =стр. 1648
وأما الأرواح بعد الموت لا يمكن موتها إذ لا تفارق نفسها فتأمل! قوله: "وفي عجب الذنب".
أقول: قد ورد في الحديث: "أنه يبلى من الإنسان كل عضو إلا عجب الذنب (١) منه خلق، ومنه يركب" (٢) ، وهو مثل حب خردلة في أصل الصلب عند العجز. الحواشي
(١) العجب: بفتح العين، وسكون الجيم، وآخره باء موحدة، وقد تبدل ميمًا وبعضهم يحكي تثليث أوله فيهما، فلغاته ست.
قال ابن الأثير: "العجب بالسكون: العظم الذي في أسفل الصلب عند العجز، وهو العسيب من الدواب".
راجع: النهاية في غريب الحديث: ٣/ ١٨٤، وشرح جوهرة التوحيد: ص/ ١٦٢، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٤١٩، وشرح النووي: ١٨/ ٩١ - ٩٢.(٢) الحديث ورد عند البخاري، ومسلم بألفاظ متعددة:
فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق، وفيه يركب". =стр. 1649
وفي صحيح ابن حبان (١) قيل: وما العجب يا رسول؟ ، فقال: "مثل خردلة، أو حبة خردل".
وذهب المزني إلى أنه يفنى أيضًا (٢) ، لأن لفظ الحديث: "أن كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب"، فإنه يفى بنفسه كملك الموت فإنه يفنى، ويموت بنفسه لا بملك آخر. الحواشي
(١) هو محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم البستي التميمي كان أحد الأئمة الأعلام ومن أوعية العلم في فنون عدة كاللغة، والفقه، والحديث، والوعظ، وغيرها، وله مؤلفات نافعة كالمسند الصحيح، والجرح والتعديل، والثقات، وغيرها وتوفي سنة (٣٥٤ هـ).
راجع: ميزان الاعتدال: ٣/ ٥٠٦ - ٥٠٨، وطبقات السبكي: ٣/ ١٣١، وشذرات الذهب: ٣/ ١٦، وراجع الحديث في الإحسان: ٧/ ٤٠٨.(٢) ووافقه ابن قتيبة وقال: إنه آخر ما يبلى من الميت لقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، وفناء الكل يستلزم فناء الجزء، وقول الجمهور السابق هو الأقوى للأدلة التي سبقت.
راجع: شرح جوهرة التوحيد: ص/ ١٦٣، وتشنيف المسامع: ق (١٦٩/ ب)، والغيث الهامع: ق (١٦٨/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٤١٩، وهمع الهوامع: ص/ ٤٦٢.стр. 1650
ولعل الحكمة في إبقاء ذلك تكريم بني آدم بإبقاء ما هو أصل خلقته (١) كما أكرم الأنبياء بحفظ أجسادهم جميعًا، وكذا الشهداء، وليكون إعلامًا بأنه سيعاد، وإلا فأي داع إلى إبقائه دون سائر الأجزاء.
قوله: "والروح".
أقول: سئل رسول اللَّه ﷺ عن الروح (٢) فقال اللَّه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] أي: مخلوق من مخلوقاته (٣) .
وكانوا في سؤالهم ذلك على أنه إن أتى بتفسيره، فهو ليس بصادق في دعوى الرسالة، لأنه كان في التوراة غير مبين. الحواشي
(١) واختلف هل بقاؤه تعبدي، أو معلل؟ ورجح أنه تعبدي، وأن التعليل ضعيف، ولهذا، لم يجزم الشارح بالتعليل، بل عبر بلعل التي هي للترجي.
راجع: شرح جوهرة التوحيد: ص/ ١٦٣.(٢) روى البخاري، ومسلم، وأحمد عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: "بينما أنا أمشي مع النبي ﷺ في حرث، وهو متكئ على عسيب إذ مر بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقالوا: ما رابكم إليه لا يستقبلكم بشيء تكرهونه، فقالوا: سلوه، فقام إليه بعضهم فسألوه عن الروح، قال: فأسكت النبي ﷺ فلم يرد عليه شيئًا، فعلمت أنه يوحى إليه، قال: فقمت مكاني، فلما نزل الوحي قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ".
راجع: المسند: ١/ ٤٤٤، وصحيح البخاري: ٦/ ١٠٩، وصحيح مسلم: ٨/ ١٢٨.(٣) راجع: تفسير ابن كثير: ٣/ ٦١ - ٦٢، والكشاف: ٢/ ٤٦٤، وفتح القدير للشوكاني: ٣/ ٢٥٤، ٢٥٦.стр. 1651
وهذا لا يدل على أن رسول اللَّه لم يعرف حقيقة الروح، بل نقلنا أهل السنة على أنه مرادف للنفس، وأن النفس جسم لطيف نوراني سار في البدن سريان الماء في الورد (١) . الحواشي
(١) الذين أمسكوا عن الخوض في الروح دليلهم ما سبق من جواب اللَّه لهم عندما سألوا رسول اللَّه ﷺ ، فنزلت الآية التي سلف ذكرها قائلين: معناها: فاجعلوا علم الروح من الكثير الذي لم تؤتوه، ولا تسألوا عنه، فإنه سر من أسراري، وحكي عن الجنيد قوله: الروح شيء استأثر اللَّه تعالى بعلمه، ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه، فلا يجوز لعباده البحث عنه، ولا يعبر عنه بكثر من أنه موجود. ورجحه الثعلبي، وابن عطية، والمصنف، والشوكاني، وغيرهم.
أما الذين ذهبوا إلى تعريف الروح، فقد اختلفوا في ذلك إلى أقوال كثيرة كما تقدم ذكر مراجعها، والقول المختار منها، وقد أجابوا عن الآية المذكورة بجوابين:
الأول: أن اليهود قالوا: إن أجاب عن حقيقة الروح فليس بنببي، وإن لم يجب، فهو صادق، فلم يجب لأن اللَّه تعالى لم يأذن له فيه، ولا نزل عليه بيانه في ذلك الوقت لتحقق أمره عندهم لا لأنه لا يمكن الكلام فيه.
الثاني: أن سؤالهم إنما كان للتعنت، والتعحيز لأن الروح مشترك بين روح الإنسان، وجبريل، وملك آخر يقال له الروح، وصنف من الملائكة، والقرآن، وعيسى ابن مريم، فأراد اليهود أن كل معنى جاءهم به سيقولون ليس هو المراد تغليظًا له، فجاء الجواب مجملًا له، فإن كونه من أمر الرب يصدق على كل معنى من معاني الروح التي سبق ذكرها.
راجع: أحكام القرآن لابن العربي: ٣/ ١٢٢٤ - ١٢٢٥، وتفسير القرطبي: ١٠/ ٣٢٣ - ٣٢٥، وتفسير الشوكاني: ٣/ ٢٥٤، والروح لابن القيم: ص/ ١٧٥ - ١٧٩، وتشنيف المسامع: ق (١٧٠/ أ - ب)، والغيث الهامع: ق (١٦٩/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٤١٩، وهمع الهوامع: ص/ ٤٦٢.стр. 1652
وذهب الغزالي، وأبو زيد الدبوسي، والراغب الأصفهاني إلى أنها من عالم الأمر، وهو عالم الملكوت، فإنه يسمى عالم الأمر، كما أن عالم الشهادة يسمى عالم الخلق، وإليها أشار بقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] وهي عند [هؤلاء جوهر مجرد (١) ولا اعتراض على ما ذهبوا إليه، إلا أن وجود المجردات (٢) لم تثبت عند سائر المتكلمين.
وقد فهم بعض] (٣) الجهلة -المنتمين إلى العلم المدعين التبحر فيه، وهم دون القلتين- أن التجرد يستلزم القدم، وأن الغزالي قائل بقدم النفس (٤) أعاذه اللَّه من ذلك، بل عنده من المجردات الحادثة، إذ عالم الخلق، الحواشي
(١) قائم بنفسه غير متحيز، وله تعلق خاص بالبدن غير داخل في البدن. ولا خارج منه، وبهذا قال الفلاسفة.
راجع: تشنيف المسامع: ق (١٧٠/ ب)، والغيث الهامع: ق (١٦٩/ أ).(٢) المجرد: ما لا يكون محلًا لجوهر، ولا حالًا في جوهر آخر، ولا مركبًا منهما على اصطلاح أهل الحكمة. راجع: التعريفات: ص/ ٢٠٢.(٣) من بداية المعكوفة السابقة إلى هنا سقط من (ب) وأثبت بهامشها.(٤) قال الزركشي: "وقد نسب القاضي ابن العربي هذا إلى الصوفية واستنكر قولهم: العالم عالمان: عالم الخلق، وعالم الأمر، وقال: إنهم تلقفوه من الفلاسفة، ومقصود الفلاسفة منه أن الخلق ما كان كميًا مقدرًا والأمر ما لم يكن مقدرًا، والروح عندهم لا يكون محدثًا قال: وقد أوضحنا أن العالم، وكل ما سوى اللَّه مخلوق داخل في الكمية قال: ويكاد هذا القول تحليفًا على مذهب الحلولية، واعتصامًا بمذهب النصارى في عيسى، وعجب من حكاية الغزالي له" تشنيف المسامع: ق (١٧١/ أ).стр. 1653
والأمر مما سوى اللَّه، وما سواه محدث فانٍ وما ذكره المصنف كلام بعض مشايخ الصوفية وطريقة أهل السنة من المتكلمين ما أوضحناه لك.
قوله: "وكرامات الأولياء حق".
أقول: أهل الحق على أنه يقع من الأولياء -بقصد، وبغير قصد- أمور خارقة للعادة (١) . الحواشي
(١) الكرامة: هي ظهور أمر خارق للعادة من قبل شخص غير مقارن لدعوى النبوة، فما لا يكون مقرونًا بالإيمان، والعمل الصالح يكون استدراجًا، وما يكون مقرونًا بدعوى النبوة يكون معجزة.
ومذهب أهل السنة، والجماعة إثبات كرامات الأولياء، وما يجري اللَّه على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم، والمكاشفات، وأنواع القدرة، والتأثيرات، والمأثور عن سائر الأمم في سورة الكهف، وغيرها وعن صدر هذه الأمة من الصحابة، والتابعين، وسائر فرق الأمة وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة.
ويكفي في تعريف أولياء الرحمن قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣].
وذهب المعتزلة إلى إنكار الكرامات، وحكاه الفخر الرازي عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، وذكر الجويني، والآمدي أنه إنما أنكر منها ما كان معجزة لنبي فقط.
وزعمت المعتزلة أن إثبات الكرامات يؤدي إلى اختلاط النبوة بغيرها، فلا يتميز النبي من غيره، ولم يسلم لهم هذا الزعم ورد عليهم من وجهين:
الأول: بالنسبة إلى صاحب النبوة، فإنها تكون بإعلام اللَّه له بذلك.
الثاني: بالنسبة إلى غير النبي فالكرامة لا يقصد بها التحدي، ولا يدعى معها النبوة، إذ لو ادعاها لم يكن وليًا، بل يكون متنبئًا كذابًا، بينما المعجزة يقصد بها التحدي مع دعوى النبوة. =стр. 1654
وقد عرفت قبل هذا حقيقة الكرامة، ووجه امتيازها عن المعجزة، والسحر، وغيرهما (١) .
والدليل على جوازها أنها أمور ممكنة لا يلزم من جواز وقوعها محال، وكل ما هذا شأنه، فهو جائز الوقوع.
وعلى الوقوع قضية مريم، ورزقها الآتي من عند اللَّه على ما نطق به القرآن (٢) وقضية أبي بكر، وأضيافه كما في الصحيح (٣) . الحواشي
(١) تقدم عند الكلام على المعجزة: ص ٢٧٧ - ٢٧٩.(٢) لقوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧].(٣) روى البخاري بسنده عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: "جاء أبو بكر بضيف له، أو بأضياف له، فأمسى عند النبي ﷺ ، فلما جاء قالت أمي: احتبست عن ضيفك، أو أضيافك الليلة قال: ما عشيتهم؟ فقالت: عرضنا عليه، أو عليهم، فأبوا، أو فأبى، فغضب أبو بكر فسب، وجدع، وحلف لا يطعمه فاختبأت أنا، فقال: ياغنثر، فحلفت المرأة لا تطعمه حتى يطعمه، فحلف الضيف، أو الأضياف أن لا يطعمه، أو يطعموه حتى يطعمه، فقال أبو بكر: كان هذا من الشيطان، فدعا بالطعام، فأكل، وأكلوا، فجعلوا لا يرفعون لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها فقال: يا أخت بني فراس ما هذا؟ فقالت: وقرة عيني إنها الآن لأكثر قبل أن تأكل، فأكلوا، وبعث بها إلى النبي ﷺ ، فذكر أنه أكل منها". راجع: صحيح البخاري: ٨/ ٤١.стр. 1655
وقضية عمر على المنبر (١) : الحواشي
(١) وجه عمر جيشًا بقيادة سارية بن زنيم نحو فارس، فقصد سارية بجيشه مدينة فسا: بالفتح، والقصر كلمة عجمية، وعندهم بسا بالباء وأصلها في كلام الفرس من الرياح الشمالية، إحدى مدن فارس، ودارا بحرد: بعد الألف الثانية موحدة، ثم جيم، ثم راء ودال مهملة ولاية بفارس كذلك، فاجتمع له جموع من الفرس، والأكراد عظيمة، ودهم المسلمين منهم أمر عطم فرأى عمر في تلك الليلة فيما يرى النائم معركتهم، وعددهم في وقت من النهار وأنهم في صحراء، وهناك جبل إن أسندوا إليه ظهورهم لم يؤتوا إلا من وجه واحد، فنادى من الغد الصلاة جامعة حتى إذا كانت الساعة التي رأى أنهم اجتمعوا فيها خرج إلى الناس، وصعد المنبر فخطب الناس، وأخبرهم بصفة ما رأى، ثم قال: "يا سارية الجبل الجبل" ثم أقبل عليهم وقال: إن للَّه جنودًا، ولعل بعضها أن يبلغهم قال: ففعلوا ما قال عمر، فنصرهم اللَّه على عدوهم، وفتحوا البلد. وفي رواية: أن عمر بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ قال: يا سارية بن زنيم الجبل الجبل، فلجأ المسلمون إلى جبل هناك، ثم قدم رسول الجيش من فارس، فسأله عمر فقال: يا أمير المؤمنين هزمنا فبينا نحن كذلك إذ سمعنا صوتًا ينادي: يا سارية الجبل ثلاثًا، فأسندنا ظهورنا إلى الجبل، فهزمهم اللَّه.
قال ابن حجر في الإصابة: إسناده حسن، وذكر السيوطي أنه قد أخرجه البيهقي، وأبو نعيم في دلائل النبوة، واللالكائي في شرح السنة، والديرعاقولي في فوائده، وابن الأعرابي في كرامات الأولياء والخطيب في رواة مالك عن نافع عن ابن عمر وابن مردويه، وغيرهم.
راجع: معجم البلدان: ٢/ ٤١٩، ٤/ ٢٦٠ - ٢٦١، ومراصد الاطلاع: ٢/ ٥٠٥، والإصابة: ٢/ ٣، والبداية والنهاية: ٧/ ١٣٠ - ١٣٢، وتاريخ الخلفاء: ص/ ١٢٥ - ١٢٦، وأسنى المطالب: ص/ ٢٦٥.стр. 1656
"يا سارية (١) الجبل".
وسارية كان في نهاوند (٢) أمير الجيش (٣) ، وبينهما مسافة شهرين. وبالجملة كلما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة للولي. الحواشي
(١) هو سارية بن زنيم بن عبد اللَّه بن جابر الكناني الدئلي صحابي من القادة الفاتحين، والشعراء المجيدين كان عداء يسبق الخيل راجلًا وصاحب غارات كثيرة في الجاهلية، ولما ظهر الإسلام أسلم، وجعله عمر أميرًا على جيش، وسيره إلى بلاد فارس سنة (٢٣ هـ) ففتح فيها بلدانًا وتوفي حوالى سنة (٣٠ هـ).
راجع: الإصابة: ٢/ ٢ - ٣، وتاريخ الإسلام للذهبي: ٢/ ٤٩، والنجوم الزاهرة: ١/ ٧٧، والأعلام للزركلي: ٣/ ١١٢.(٢) نهاوند: بالكسر، والفتح في النون، والواو مفتوحة، والنون ساكنة، ودال مهملة مدينة عظيمة في قبلة همذان بينهما ثلاثة أيام، ولما افتتح المسلمون الأهواز، وغيرها من بلاد فارس حز ذللث في نفس الفرس، فتجمعوا في نهاوند من كل فج عميق ليردوا على المسلمين حتى اجتمع منهم مئة ألف وخمسون ألف مقاتل أميرهم الفيرزان، وقيل: بندار، وقيل: ذو الحاجب. وتجمع فيها المسلمون وهم نحو ثلاثين ألفًا بقيادة النعمان بن مقرن المزني الصحابي، وكانت وقعة نهاوند سنة (٢١ هـ) على الراجح أيام عمر بن الخطاب ﵁ وقال عمر للنعمان: إن أصبت فالأمير حذيفة بن اليمان، ثم جرو ابن عبد اللَّه، ثم المغيرة بن شعبة، ثم الأشعث بن قيس، فقتل النعمان ﵁، فأخذ الراية حذيفة، وكان الفتح على يده بعد هزيمة ساحقة في الفرس قتل منهم أكثر من مئة ألف، وهذه الوقعة العظيمة لها شأن رفيع، ونبأ عظيم، لذا كان المسلمون يسمونها فتح الفتوح كما أن الفرس لم تقم لهم قائمة بعدها، ولا تجمعوا ضد المسلمين.
راجع: معجم البلدان: ٥/ ٣١٣ - ٣١٤، ومراصد الاطلاع: ٣/ ١٣٩٧، والبداية والنهاية: ٧/ ١٠٥ - ١١٣، وتاريخ الخلفاء: ص/ ١٣٢.(٣) لعل الشارح يعني أنه كان أميرًا على ولاية من ولايات نهاوند كما سبق ذكر فسا، ودارابجرد وأنه كان هو الأمير فيها أما نهاوند فكان أميرها النعمان بن مقرن، ثم حذيفة كما سبق.стр. 1657
وقال بعض أهل السنة: بل الشرط في الكرامة أن تكون أحط رتبة من المعجزة، وإليه أشار المصنف بقوله: وقال القشيري: لا ينتهون إلى ولد دون والد، أي: إلى تحصيل حيوان من غير أب وأم، وقلب الجماد حيوانًا (١) وليس هذا بشيء، لأن الأمر الخارق إذا جاز وقوعه جاز جميع فروعه، وعليه إطباق أهل السنة من القدماء.
وكأن هذا القائل أراد انحطاط الولاية عن النبوة، والأمر كذلك إلا أن صدور [الكرامة] (٢) على يد آحاد الأمة دال على كون من آمن به نبيًا، وإلا لم يكن التابع في هذه الطريقة مهتديًا، بل ضالًا. وشبهة من أنكر الكرامة التباسها بالمعجزة، وقد علمت الفرق بالتحدي، وعدمه.
قوله: "ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة".
أقول: هذا كلام قد اشتهر بين الناس، ونقل عن الأئمة مثل الشافعي، وأبي حنيفة، وليس على إطلاقه إذ المجسم كافر (٣) ، وإن صام، وصلى. الحواشي
(١) قال الزركشي: "وهذا هو مذهب الأستاذ أبي إسحاق، وبه يظهر غلط الإمام فخر الدين، وغيره ممن نقل عنه إنكارها على الإطلاق كالمعتزلة والذي رأيته في كتبه التصريح بإثابتها إلا أنها لا تبلغ مبلغ المعجزات الخارقة تفرقة بينها، وبين المعجزة قال: وكلما كان تقديره معجزة لنبي لا يجوز ظهور مثله كرامة لولي" تشنيف المسامع: ق (١٧١/ ب). وراجع: الغيث الهامع: ق (١٦٩/ أ - ب)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٤٢٠، وهمع الهوامع: ص/ ٤٦٤.(٢) سقط من (أ) وأثبت بهامشها.(٣) الكفر -لغة- الستر، والتغطية، ومنه سمي الكافر كافرًا لأنه يستر نعم اللَّه عليه، والكافر الزارع لأنه يغطي البذر بالتراب، والكفار الزراع ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ =стр. 1658
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠] والكفر ضد الإيمان، وهو أعم من التكذيب لشموله الكافر الخالي عن التصديق، والتكذيب.
وقال القاضي: هو الجحد باللَّه، وفسر بالجهل، ورد بأن الكافر فد يعرف اللَّه، ويصدق به، والمؤمن قد لا يعرف بعض أحكامه.
فأجيب بأن المراد الجحد به في شيء مما علم قطعًا أنه من أحكامه، أو الجهل بذلك إجمالًا، وتفصيلًا.
وقالت المعتزلة: هو ارتكاب قبيح، أو إخلال بواجب يستحق به أعظم العقاب.
وقيل: إن الكفر عند كل طائفة مقابل لما فسروا به الإيمان.
قال التفتازاني: "لا يستقيم على القول بالمنزلة بين المنزلتين أصلًا ولا على قول السلف ظاهرًا"، وباب التكفير عظمت الفتنة فيه، وكثر فيه الافتراق، وتشتت فيه الأهواء، والآراء، وتعارضت فيه دلائلهم.
فطائفة تقول: لا نكفر من أهل القبلة أحدًا بذنب، فتنفي التكفير نفيًا عامًا، مع العلم أن في أهل القبلة المنافقين الذين فيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى بالكتاب، والسنة، والإجماع، وفيهم من قد يظهر بعض ذلك حيث يمكنهم، وهم يتظاهرون بالشهادتين، ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول: بأنا لا نكفر أحدًا بذنب، بل يقال: لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بكل ذنب كما تفعله الخوارج، وبهذا القول يظهر الفرق بين النفي العام، ونفي العموم والواجب إنما هو نفي العموم مناقضة لقول الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب وهذا هو مذهب أهل السنة، والجماعة، لأن هناك بعض الذنوب القولية، والفعلية يكفر بها صاحبها بدليل منفصل علمًا بأنه لا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة، والمحرمات الظاهرة المتواترة، ونحو ذلك أنه يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل كافرًا مرتدًا، لكونه أنكر، واستحل ما هو معلوم من الدين ضرورة، ثم اختلفوا في غير ذلك إلى أقوال متعددة، =стр. 1659
والحاصل: أن كل ما كان وجوده معتبرًا في حصول الإيمان نافيه كافر، وإن قال بالتوحيد، وصام، وصلى.
ولا يجوز الخروج على السلطان عادلًا كان، أو جائرًا إذ بفسقه لا ينعزل، لأن الضرر على المسلمين بانعزاله أكثر من بقائه.
ونقل عن المعتزلة تجويزه بناء على انعزاله بالظلم (١) ويجب الاعتقاد الحواشي
(١) من انعقدت له الإمامة بعقد واحد، فقد لزمت، ولا يجوز خلعه من غير حدث، وتغير أمر، وهذا مجمع عليه بين الأمة في الإمام العادل وأما إذا فسق، وفجر، وظلم فكما ذكر الشارح من الخلاف.
فأهل الحق يحرمون الخروج عليه لما يترتب على ذلك من مفاسد كبيرة وأما المعتزلة فيجوزون الخروج عليه لظلمه.
راجع: الإرشاد للجويني: ص/ ٣٥٨، والمغني لابن قدامة: ٨/ ٧ - ١٠، وشرح فتح القدير: ٦/ ٩٩ - ١٨٠، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٤٢٠ - ٤٢١، وتشنيف المسامع: ق (١٧٣/ أ - ب)، والغيث الهامع: ق (١٧٠/ أ)، وهمع الهوامع: ص/ ٤٦٥، ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام: ٣٥/ ٥ - ١٥، وشرح الطحاوية: ٢/ ١٣٢ - ١٣٦.стр. 1660
بعذاب القبر للكفار، ولمن أراد اللَّه من العصاة (١) ، دلت عليه أحاديث كثيرة (٢) . الحواشي
(١) أجمع علماء السنة، والأمة على أن عذاب القبر حق، وقد نطق بذلك الكتاب، والسنة قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ أي: في البرزخ بدليل قوله بعده: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].
وذهب أبو الهذيل العلاف، والمريسي إلى أن من خرج عن سمة الإيمان فإنه يعذب بين النفختين، والمساءلة في القبر إنما تقع في ذلك الوقت.
وذهب الجبائي، وابنه أبو هاشم إلى إثبات عذاب القبر لأصحاب التخليد من الكفار، والفساق على أصولهم، ولكنهم نفوه عن المؤمنين.
وذهبت الكرامية، وغيرهم إلى أن عذاب القبر يجري على المؤمن من غير رد الأرواح إلى الأجساد، والميت يجوز أن يألم، ويحس بلا روح وقال بعض المعتزلة يعذب اللَّه الموتى في قبورهم، ويحدث فيهم الآلام وهم لا يشعرون، فإذا حشروا وجدوا تلك الآلام، وأحسوا بها كمثل السكران لو ضرب حال سكره لا يحس بالألم، فإذا عاد إليه عقله أحس بألم الضرب. وذهب ضرار بن عمرو، ويحيى بن كامل، والمريسي إلى إنكار عذاب القبر رأسًا.
وعذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات، وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قبر، أو لم يقبر، فلو أكلته السباع، أو أحرق حتى صار رمادًا ونسف في الهواء، أو صلب، أو غرق في البحر، وصل إلى روحه، وبدنه من العذاب ما يصل إلى القبور.
راجع: الطحاوية مع شرحها: ٢/ ١٥٧ - ١٦٤، والعقيدة الواسطة: ص/ ١٢٠، والمعالم للرازي: ص/ ١٢٧، والمواقف للعضد: ص/ ٣٨٢ - ٣٨٣، وشرح المقاصد: ٥/ ١١١ - ١١٦، والروح لابن القيم: ص/ ٥٧ - ٥٨، وشرح جوهرة التوحيد: ص/ ١٦٩، وتفسير ابن كثير: ٤/ ٨٢ - ٨٣، والإبانة: ص/ ٢١٥ - ٢١٧، ومجموع الفتاوى: ٣/ ١٤٥.(٢) وردت أحاديث في هذا الباب عن علي، وزيد بن ثابت، وابن عباس والبراء بن عازب، وأبي أيوب، وأنس، وحابر، وعائشة، وأبي سعيد كلهم روى عن النبي ﷺ في عذاب القبر ومنها: =стр. 1661
وقد صح أن قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] نزل في عذاب القبر (١) . الحواشي
(١) عن البراء بن عازب ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إذا أقعد المؤمن في قبره أُتي، ثم شهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وفي رواية: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزلت في عذاب القبر".
راجع: صحيح البخاري: ٢/ ١١٦ - ١١٧، وسنن ابن ماجه: ٢/ ٥٦٨ - ٥٧٠.стр. 1662
ولا يستبعد عذاب الجسد البالي بعد مضي الدهور، والأعصار عليه، لأن أمور الآخرة بناؤها على خلاف عالم الشهادة، واللَّه تعالى كما جعل الروح متعلقة بالجسم حال كونه غضًا طريًا قادر على أن يجعله متعلقًا به يابسًا بعد ما صار غبارًا، ليس الحال يتفاوت بالنظر إلى القدرة (١) .
وكذا سوال الملكين قد نطق به الأحاديث الصحاح (٢) مع إمكانه، الحواشي
(١) مذهب سلف الأمة، وأئمتها أن عذاب القبر، ونعيمه يكون للروح، والبدن، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة، أو معذبة، وإنما تتصل بالبدن أحيانًا، ويحصل له معها النعيم، أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى الأجساد، وقاموا من قبورهم لرب العالمين.
ومعاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين، واليهود، والنصارى، وذهبت الفلاسفة إلى أن النعيم والعذاب لا يكون إلا للروح فقط، وأن البدن لا ينعم، ولا يعذب، وهؤلاء ينكرون معاد الأبدان وقد أجمع المسلمون على تكفيرهم.
وقال كثير من المعتزلة: الأرواح هي المنعمة، أو المعذبة في البرزخ فقط، فإذا كان يوم القيامة عذبت الروح، والبدن معا، واختاره طائفة من أهل الكلام، والحديث، ورجحه ابن حزم، وابن مرة، وذهب البعض إلى أن العذاب، أو النعيم يكون على البدن فقط بناء على إنكارهم بقاء الروح بعد فراق البدن.
راجع: الروح لابن القيم: ص/ ٥١ - ٥٢، وشرح الطحاوية: ٢/ ١٦٣، وشرح المقاصد: ٥/ ١١٧.(٢) ورد أحاديث في ذلك نكتفي بذكر حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان، فيقعدانه، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد ﷺ ، فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد اللَّه، ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد =стр. 1663
فوجب القول به (١) .
وما يقال: أنا نرى الكافر بعد موته في قبره على (٢) الحالة التي دفن غير متغير، وأنتم تقولون: "سلط عليه أعمى، أصم الحواشي
(١) وهو قول أهل السنة، والجماعة، وأن الملكين هما منكر، ونكير كما ورد مبينًا في حديث أبي هريرة.
وقال كثير من المعتزلة: لا يجوز تسمية ملائكة اللَّه بمنكر، ونكير، وإنما المنكر ما يبدو من تلجلجه إذا سئل، والنكير تقريع الملكين له. واختلف في سؤال القبر هل خاص بهذه الأمة أو لا؟
فقال فريق: إنه خاص بهذه الأمة لحديث زيد بن ثابت عن النبي ﷺ أنه قال: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها".
ومنهم من قال: إنه عام وليس خاصًا بهم، ورجحه ابن أبي العز الحنفي، ومنهم من توقف واختاره أبو عمرو بن عبد البر.
راجع: صحيح مسلم: ٨/ ١٦١، والروح لابن القيم: ص/ ٥٥، ٥٨، وشرح المقاصد: ٥/ ١١٣، وشرح الطحاوية: ٢/ ١٦٥ - ١٦٦، والإحياء للغزالي: ٤/ ٤٩٩ - ٥٠٣، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام: ٣/ ١٤٥.(٢) آخر الورقة (١٤٧/ ب من أ).стр. 1664
بيده مرزبة يضربه بها إلى يوم القيامة" (١) "ويسلط عليه تسعة وتسعون تنينًا" وتقولون -ثانية-: "ملكان، فيجلسانه، ويسألانه عن دينه، ونبيه"، ونحن نضع كفًا من البر، أو من الدخن على صدره، فنأتي بعد ذلك ونشاهده على حاله لم يتغير بوجه، ولا وقع حبة مما كان عليه فكيف وجه ذلك؟
الجواب: أنا قد قدمنا أن مبنى تلك الأمور على خلاف العادة، وبه يحصل الابتلاء، ويتميز المؤمن الكامل القائل بقدرته تعالى على كل شيء عن القاصر المتزلزل.
فمن أمن بأن اللَّه تعالى أبرز العالم العلوي، والسفلي من العدم من غير سبق مثال يعلم بالطريق الأولى أنه قادر على أن يعذب الكافر بأنواع العذاب بحيث لا يتغير شيء من جسمه، ولا يقع ما وضع على صدره.
ومن أراد أن يحيط بجوانب الكلام في هذا، فعليه بمطالعة إحياء العلوم للإمام حجة الإسلام الغزالي (٢) . الحواشي
(١) لم أعثر على هذا الحديث بهذا اللفظ في الكتب التي اطلعت عليها إلا أن الإمام الغزالي قال: "وقال محمد بن المنكدر: بلغي أن الكافر يسلط عليه في قبره دابة عمياء صماء في يدها سوط من حديد في رأسه مثل غرب الجمل تضربه به إلى يوم القيامة لا تراه فتتقيه، ولا تسمع صوته فترحمه" الإحياء: ٤/ ٥٠٣.(٢) راجع: الإحياء للغزالي: ٤/ ٥٠٠ - ٥٠٢، وتشنيف المسامع: ق (١٧٣/ ب - ١٧٤/ أ)، والغيث الهامع: ق (١٧٠/ أ - ب)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٤٢١، وهمع الهوامع: ص/ ٤٦٥ - ٤٦٦.стр. 1665
فإنه قد بسط الكلام فيه غاية البسط، والعاقل تكفيه الإشارة.
قوله: "والحشر، والصراط".
أقول: مما يجب الإيمان به حشر (١) الأجساد، والأرواح للجزاء نطق به الكتب الإلهية (٢) ، وتواترت الأخبار بذلك (٣) عن جميع الأنبياء والرسل. الحواشي
(١) حشر بابه ضرب، وحشر الناس جمعهم، والحشر الجمع مع سوق. واصطلاحًا له معنيان: الأول: إحياء اللَّه تعالى الخلق بعد الإماتة، والجمع بعد التفريق.
والثاني: الإيجاد، والإعادة بعد العدم، وبكل واحد من التعريفين قال فريق من العلماء، وذكر الزركشي أن كلا المعنيين للحشر جائزان من اللَّه، والعقل يجوزهما جميعًا، والسمع لم يرد قاطعًا بأحدهما، ولعل الغالب على ما دل عليه السمع ظاهرًا أن الحشر الواقع هو الإحياء بعد الإماتة، والجمع بعد التفريق ورجح العلامة التفتازاني التوقف.
راجع: مختار الصحاح: ص/ ١٣٧، والمصباح المنير: ١/ ١٣٦ - ١٣٧، وتشنيف المسامع: ق (١٧٤/ أ)، والغيث الهامع: ق (١٧٠/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٤٢١، وشرح المقاصد: ٥/ ١٠٠ - ١٠٧، وهمع الهوامع: ص/ ٤٦٦.(٢) وقد أفاض القرآن الكريم في التحدث عن الحشر في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، وقوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]، وقوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا(٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٥ - ٨٦].(٣) والأحاديث في ذلك كثيرة منها:
عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقى ليس فيها علم لأحد". =стр. 1666
وهو أمر ممكن في نفسه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧].
والصراط (١) : جسر يضرب على ظهراني جهنم يمر الناس عليه. الحواشي
(١) الصراط: بالصاد، أو بالسين، أو بالزاي المحضة، أو بالإشمام وقرئ في السبع بما عدا الزاي المحضة. =стр. 1667
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ومعناه لغة: الطريق الواضح، مأخوذ من صرطه يصرطه إذا ابتلعه لأنه يبتلع المارة.
وشرعًا: جسر ممدود على متن جهنم يرده الأولون، والآخرون حتى الكفار، وإذا توافوا إليه قيل للملائكة: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤].
وذهب الحليمي إلى أن الكفار لا يمرون على الصراط، وحمل قوله هذا على الطائفة التي ترمى في جهنم من الموقف بلا صراط.
وقد آمن به أهل الحق من سلف الأمة للأحاديث التي سيأتي ذكر بعضها بعد قليل وأنكره القاضي عبد الجبار، وكثير من المعتزلة زعمًا منهم أنه لا يمكن الخطور عليه، ولو أمكن ففيه العذاب، ولا عذاب على المؤمنين، والصلحاء يوم القيامة.
وقالوا: بل المراد بالصراط طريق الجنة المشار إليه بقوله تعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد: ٥]، وطريق النار المشار إليه بقوله: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣].
وقيل: المراد به الأدلة الواضحة، وقيل: العبادات كالصلاة، والزكاة، ونحوهما.
وقيل: الأعمال الرديئة التي يسأل عنها، ويؤاخذ بها كأنه يمر عليها، ويطول المرور بكثرتها، ويقصر بقلتها.
وتردد قول الجبائي فيه نفيًا، وإثباتًا، وذهب العز بن عبد السلام، والقرافي، والزركشي، وغيرهم إلى تأويل النصوص الواردة في ذكر الصراط بأن تؤول على أنه كناية عن شدة المشقة.
قال الزركشي: "وأما الصراط فوردت فيه الأخبار الصحيحة، واستفاضت، وهو محمول على ظاهره بعد تأويل واللَّه أعلم بحقيقته".
راجع: الإرشاد: ص/ ٣٢٠، والمواقف للإيجي: ص/ ٣٨٣ - ٣٨٤، وشرح المقاصد: ٥/ ١١٩ - ١٢٠، وتشنيف المسامع: ق (١٧٤/ أ)، والغيث الهامع: ق (١٧٠/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ ٤٦٦ - ٤٦٧، وشرح العقيدة الواسطية: ص/ ١٢٦ - ١٢٧، والمحصل للرازي: ص/ ٣٤٣، ومجموع الفتاوى: ٣/ ١٤٦.стр. 1668
فالكفار يتساقطون في جهنم، مع بعض العصاة، والناجون متفاوتون في المرور عليه، منهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم كأجاويد الخيل، ومنهم دون ذلك على ما صح في الأحاديث (١) .
وفي كلام بعض المشايخ أنه عبارة عن الشريعة (٢) ، فيصورها اللَّه تعالى في صورة الصراط، فمن كان مستقيمًا على الشريعة يمشي عليه مستقيمًا فالاستقامة هنا سبب للاستقامة هناك، ويناسب هذا القول ما الحواشي
(١) روى مسلم، وأحمد، وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وفيه عند مسلم: "ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم قيل: يا رسول اللَّه وما الجسر؟ قال: دحض مزلة فيه خطاطيف، وكلاليب، وحسك تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل، والركاب فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم. . . " إلى آخر الحديث.
ورواه البخاري، وأحمد أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁ وفيه. .
"ويضرب جسر جهنم قال رسول اللَّه ﷺ : فأكون أول من يجيز، ودعاء الرسل يومئذ اللهم سلم سلم، وبه كلاليب مثل شوك السعدان أما رأيتم شوك السعدان؟ غير أنها لا يعلم قدر عظمها إلا اللَّه، فتخطف الناس لأعمالهم منهم الموبق بعمله، ومنهم المخردل".
وعند الترمذي عن المغيرة بن شعبة، وأنس بن مالك عن أبيه بلفظ آخر.
راجع: صحيح البخاري: ٨/ ١٤٧، وصحيح مسلم: ١/ ١١٥ - ١١٧، والمسند: ٢/ ٥٧٢، ٣/ ١١، ١٦ - ١٧، وتحفة الأحوذي: ٧/ ١١٩ - ١٢٠، وسنن ابن ماجه: ٢/ ٥٧٢.(٢) راجع: شرح المقاصد: ٥/ ١٢٠، وشرح جوهرة التوحيد: ص/ ١٨٠.стр. 1669
روي أنه أدق من الشعرة، وأحد من السيف (١) (٢) وكذلك يجب الإيمان بالميزان (٣) ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ الحواشي
(١) رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري بلاغًا حيث قال: قال أبو سعيد: "بلغني أن الجسر أدق من الشعرة، وأحد من السيف". راجع: صحيح مسلم: ١/ ١١٧.(٢) آخر الورقة (١٣٠/ ب من ب).
وجاء في نهايتها في الهامش: "بلغ مقابلة على أصلها المنقول منه، وهو بخط مؤلفها متعه اللَّه بحياته".(٣) جاء في بداية ورقة (١٣١/ أمن ب): (الخامس عشر) يعني من الأجزاء بتجزئة الناسخ كما تقدم.
ومذهب أهل الحق الإيمان بالموازين، وأنها تنصب يوم القيامة فتوزن بها أعمال العباد، وهي موازين حقيقية كل ميزان منها له لسان، وكفتان وساقان عملًا بالحقيقة لإمكانها، ولظواهر النصوص الواردة في ذلك، ويقلب اللَّه أعمال العباد، وهي أعراض أجسامًا لها ثقل، فتوضع الحسنات في كفة، والسيئات في كفة، وهذا هو القول الذي تشهد له النصوص من الكتاب، والسنة كما سيأتي ذكر بعض منها بعد قليل.
وذهب البعض إلى أن المراد من وزن الأعمال وزن صحائف الأعمال، أو أن اللَّه تعالى يظهر الرجحان في كفة الميزان على وفق مقادير أعمالهم في الخير والشر.
وذهبت المعتزلة إلى إنكار الميزان زاعمين أن الأعمال أعراض لا يمكن وزنها، فكيف إذا زالت، وتلاشت؟ بل المراد به العدل الثابت في كل شيء، ولذا ذكره، بلفظ الجمع، وإلا فالميزان المشهور واحد.
وقيل: هو الإدراك، فميزان الألوان البصر، والأصوات السمع، والطعوم الذوق، وكذا سائر الحواس، وميزان المعقول العلم، والعقل.
راجع: الإرشاد: ص/ ٣٢٠، والمحصل للرازي: ص/ ٣٤٣، والمعالم له: ص/ ١٢٨، والمواقف للعضد: ص/ ٣٨٤، وشرح المقاصد: ٥/ ١٢٠ - ١٢١، وشرح العقيدة الواسطية: ص/ ١٢٢ - ١٢٤، وشرح الطحاوية: ٢/ ١٨٨ - ١٩٣، والكشاف للزمخشري: ٢/ ٥٧٤، وشرح جوهرة التوحيد: ص/ ١٧٨ - ١٧٩.стр. 1670
لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] (١) ، وجمع الميزان في الآية للاستعظام، وقيل: بالنظر إلى أفراد المكلفين (٢) .
وفي الحديث أنه ميزان له كفتان، ولسان يقف المكلف بين الكفتين، وتوضع حسناته في إحدى الكفتين، وسيئاته في الأخرى (٣) . الحواشي
(١) وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣]، وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ(٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ(٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ(٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ٩].
قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، إذ إن المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها. راجع: شرح الطحاوية: ٢/ ١٨٩.(٢) قال ابن أبي العز الحنفي: "يحتمل أن يكون ثم موازين متعددة توزن فيها الأعمال، ويحتمل أن يكون المراد الموزونات، فجمع باعتبار تنوع الأعمال".
راجع: شرح الطحاوية: ٢/ ١٨٩، ١٩٢، وانظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ١٨١، وفتح القدير للشوكاني: ٤/ ٤١٠ - ٤١١، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام: ٣/ ١٤٥ - ١٤٦.(٣) ورد في ذلك أحاديث منها:
ما رواه الإمام أحمد عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه سيخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًا كل سجل مد البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا رب، فيقول: ألك عذر، أو حسنة؟ فيبهت الرجل، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة واحدة لا ظلم عليك اليوم، =стр. 1671
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، فيقول: أحضروه، فيقول: يا رب وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: إنك لا تظلم قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السحلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل شيء بسم اللَّه الرحمن الرحيم" وهذا دليل على وزن صحائف الأعمال.
وفي رواية أخرى: "توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة" وهو يدل على أن العامل يوزن مع عمله.
ويشهد له ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند اللَّه جناح بعوضة قال: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] ".
وعند الإمام أحمد عن ابن مسعود: إنه كان يجنى سواكًا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "مم تضحكون؟ قالوا: يا نبي اللَّه من دقة ساقيه، فقال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد". كما أنه قد وردت الأحاديث في وزن الأعمال نفسها كما في صحيح مسلم. عن ابن مالك الأشعري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الطهور شطر الإيمان والحمد للَّه تملأ الميزان" وفي البخاري قوله ﷺ : "كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان سبحان اللَّه وبحمده سبحان اللَّه العظيم"، وروى أبو نعيم في الحلية عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "يؤتى بابن آدم يوم القيامة، فيوقف بين كفتي الميزان، ويوكل به ملك، فإن ثقل ميزانه نادى الملك بصوت يسمع الخلائق سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، وإن خف ميزانه نادى الملك بصوت يسمع الخلائق شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا".
راجع: صحيح البخاري: ٦/ ١١٧، ٨/ ١٠٧، ٩/ ١٩٩، وصحيح مسلم: ١/ ١٤٠، ٨/ ٧٠، ١٢٥، وتحفة الأحوذي: ٩/ ٤٩٨، ٥٠١، وسنن ابن ماجه: ١/ ١٢٠ - ١٢١، ٢/ ٤٢٢ - ٤٢٣، ٥٧٨ - ٥٧٩، ومسند الإمام أحمد: ١/ ٤٢١، ٢/ ٢١٣، ٤/ ٢٦٠، ٥/ ١٣١، ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٧٠، وسنن أبي داود: ٢/ ٥٤١ - ٥٤٢.стр. 1672
والموزون قيل: صحائف الأعمال [وقيل: بل الأعمال] (١) الصالحة تجعل أجسادًا نورانية، والسيئات أجسادًا ظلمانية (٢) ، واللَّه تعالى قادر على أن يجعل العرض جوهرًا، كما أوجده من العدم.
وكان على المصنف ذكر الحوض، فإنه وردت به الأحاديث الصحاح (٣) ، وأجمعت عليه الصحابة ومن بعدهم. الحواشي
(١) ما بين المعكوفتين سقط من (ب) وأثبت بهامشها.(٢) تقدم في الأحاديث التي سبق ذكرها آنفًا أن الوزن يكون للأعمال، والعامل، وصحائف الأعمال.
وراجع: تشنيف المسامع: ق (١٧٤/ ب)، والغيث الهامع: ق (١٧٠/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٤٢١، وهمع الهوامع: ص/ ٤٦٧.(٣) الأحاديث الواردة في ذكر الحوض تبلغ حد التواتر، رواها من الصحابة بضع وثلاثون صحابيًا، وقد استقصى طرقها الحافظ ابن كثير في كتابه النهاية بما لا مزيد عليه وإليك بعضًا منها:
عن سهل بن سعد قال: قال النبي ﷺ : "إني فرطكم على الحوض من مر عليَّ شرب ومن شرب لم يظمأ أبدًا، ليردن عليَّ أقوام أعرفهم، ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن غير بعدي".
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي".
عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن قدر حوضي كما بين أيلة إلى صنعاء من اليمن، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء".
وعن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال النبي ﷺ : "حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء من شرب منها، فلا يظمأ أبدًا". =стр. 1673
وجمهور المفسرين على أنه المراد من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] (١) ، هو حوض في غاية العظم، اختلفت الأحاديث في قدر مساحته (٢) ماؤه أبيض من اللبن، وطعمه أحلى من العسل، وريحه الحواشي
(١) وقد اختلف أهل التأويل في الكوثر الذي أعطيه النبي ﷺ إلى أقوال كثيرة، سأحيل على المراجع التي ذكرت فيها.
وقد روى البخاري عن أنس ﵁ قال: لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء قال: "أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوفًا، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر".
وعن أبي عبيدة عن عائشة ﵂ قال: سألتها عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قالت: "نهر أعطيه نبيكم ﷺ شاطئاه عليه در مجوف آنيته كعدد النجوم".
وقال ابن عباس في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه اللَّه إياه. راجع: صحيح البخاري: ٦/ ٢١٩، ٨/ ١٤٨.
وانظر: تفسير الطبري: ٣٠/ ٢٠٧، ٢١٣، وتفسير القرطبي: ٢/ ٢١٦ - ٢١٨، والكشاف: ٤/ ٢٩٠ - ٢٩١، وتفسير ابن كثير: ٤/ ٥٥٧ - ٥٦٠، وفتح القدير للشوكاني: ٥/ ٥٠٢ - ٥٠٤.(٢) تقدم ذكر الأحاديث التي ذكرت مساحة الحوض على اختلافها في ذلك في صدر المسألة.стр. 1674
أطيب من المسك، وآنيته أكثر من نجوم السماء، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا (١) .
اللهم بحرمة (٢) من أكرمته بالحوض الكوثر نسألك أن تسقينا منه شربة لا نظمأ بعدها أبدًا. الحواشي
(١) مذهب سلف الأمة، وعلمائها وجوب الإيمان بالحوض الذي أخبر به النبي ﷺ ، وهو جسم مخصوص كبير متسع الجوانب يكون طوله وعرضه سواء، وسوف يكون في الأرض المبدلة، وهي أرض بيضاء كالفضة، لم يسفك فيها دم، ولم يظلم على ظهرها أحد قط، تظهر لنزول الجبار ﷻ لفصل القضاء.
والقول الراجح: أن الحوض قبل الميزان، والصراط، لأن الناس يخرجون عطاشًا من قبورهم، واختاره الغزالي، والقرطبي، وابن أبي العز الحنفي، وابن كثير وغيرهم وذهب المعتزلة إلى نفيه، وهم محجوجون بما تقدم من الأدلة.
راجع: النهاية لابن كثير: ٢/ ٣٦، والمواقف: ص/ ٣٨٣، والطحاوية مع شرحها: ١/ ٢٦٨ - ٢٧٢، والعقيدة الواسطية مع شرحها: ص/ ١٢٥ - ١٢٦، وشرح المقاصد: ٥/ ١٢١، وشرح جوهرة التوحيد: ص/ ١٨٤ - ١٨٦.(٢) التوسل بالإيمان بالرسول ﷺ ، ومحبته، وطاعته، وبدعائه، وشفاعته، والصلاة والسلام عليه، ونحو ذلك مما هو من أفعاله، وأفعال العباد المأمور بها في حقه، فهذا مشروع باتفاق المسلمين.
وأما التوسل بذاته، فللعلماء فيه قولان منهم من جوزه لحديث الأعمى ومنهم من منعه، وحمل حديث الأعمى على أنه توسل بدعائه لا بذاته، كما أنهم اختلفوا في جواز الحلف به إلى قولين: الجواز، والمنع.
وقد ذكر الخلاف شيخ الإسلام ابن تيمية، وفصل في ذلك بما لا مزيد عليه ورجح المنع.
راجع: مجموع الفتاوى: ١/ ١٤٠ - ١٤١، ٢٢٢، ٢٦٥، ٢٨٥، ٣١٠، ٣٢٤.стр. 1675
ومما يجب الإيمان به أن الجنة، والنار مخلوقتان الآن بالفعل، وخالف في ذلك المعتزلة (١) .
لنا -على ذلك-: قصة آدم نطق بها التنزيل (٢) بحيث لا تقبل التأويل وانعقد عليه الأجدع قبل ظهور البدعة. الحواشي
(١) اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان، موجودتان الآن لنصوص الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، وسيأتي في الشرح ذكر بعض الأدلة.
وأنكرت طائفة من المعتزلة وجودها الآن، وقالت: بل ينشئها اللَّه تعالى يوم القيامة، ثم منهم من أحال ذلك عقلًا كعباد بن سليمان الصيمري، ومنهم من أجازه عقلًا، وأحاله سمعًا كعبد الجبار، وأبى هاشم ومن تبعهما، ولهم شبه استدلوا بها على ما ذهبوا إليه، وهي كلها ترجع إلى أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله اللَّه، وأنه ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا، وقاسوه على خلقه في أفعالهم، فهم مشبهة في الأفعال، ودخل التجهم فيهم، فصاروا مع ذلك معطلة، وقالوا: خلق الجنة قبل الجزاء عبث؛ لأنها تصير معطلة مددًا متطاولة، فردوا بذلك نصوص الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
راجع: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح: ص/ ١١ - ١٩، ٣٤ - ٣٧، وشرح الطحاوية: ٢/ ١٩٣ - ١٩٩، وشرح المقاصد: ٥/ ١٠٧ - ١١١، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٤٢١، وتشنيف المسامع: ق (١٧٤/ ب)، والغيث الهامع: ق (١٧٠/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ ٤٦٧.(٢) قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وقوله: ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٩].
وقد اختلفوا في الجنة إلى أسكنها آدم ﵊، وأهبط منها هل هي جنة الخلد، أو جنة أخرى غيرها؟ فذهبت طائفة إلى أن اللَّه أسكن آدم جنة الخلد =стр. 1676
والآيات الدالة على ذلك كثيرة، والأخبار بذلك على الإجمال متواترة معنى، وإن كان تفاصيلها آحادًا.
منها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥] (١) ، ومنها قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الحواشي
(١) وقد رأى النبي ﷺ سدرة المنتهى، ورأى عندها جنة المأوى كما في حديث أنس ﵁ في قصة الإسراء، وفي آخره: "ثم انطلق بي جبريل حتى أتى سدرة المنتهى، فغشيها ألران لا أدري ما هي قال: ثم دخلت الجنة، فإذا هي جنابذ اللؤلؤ، وإذ اترابها المسك".
راجع: صحيح مسلم: ١/ ١٠٣، وصحيح البخاري: ٤/ ٦٨.стр. 1677
[آل عمران: ١٣٣]، ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد: ٢١] (١) . وفي الحديث الصحيح دخول النبي الجنة، ورؤيته قصر عمر (٢) وعرض الجنة، والنار عليه في عرض الحائط، وهو في صلاة الكسوف (٣) وفيه -أيضًا- الحديث القدسي: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" (٤) .
وتأويل الآيات، والأحاديث بأنها أمور محققة الوقوع -عبر عنها بالماضي- بعيد جدًا، المقام يأباه، بل لا يصح في بعض الأحاديث مثل الحواشي
(١) وجاء في النار قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، وقوله: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا(٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾ [النبأ: ٢١ - ٢٢].(٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: بينا نحن عند رسول اللَّه ﷺ إذ قال: "بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر، فذكرت غيرته، فوليت مدبرًا، فبكى عمر، وقال: أعليك أغار يا رسول اللَّه؟ ".
راجع: صحيح البخاري: ٤/ ١٢.(٣) ورد في ذلك حديث جابر، وابن عباس، وعائشة، وغيرهم وحديث الكسوف طويل ومحل الشاهد منه هنا في رواية ابن عباس: "قالوا: يا رسول اللَّه رأيناك تناولت شيئًا في مقامك هذا، ثم رأيناك كففت؟ فقال: إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار، فلم أر منظرًا كاليوم قط أفظع. . . .".
راجع: صحيح البخاري: ٢/ ٤٤، وصحيح مسلم: ٣/ ٣١ - ٣٤.(٤) عن أبي هريرة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ قال: قال اللَّه ﵎: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت. . . ." الحديث. قال أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
راجع: صحيح البخاري: ٦/ ١٤٥.стр. 1678
قصر عمر، وعرض النار عليه، وهو في الصلاة بحيث تكعكع (١) فيها وقال: "أي رب وأنا معهم" (٢) .
والمخالف مصادم للنصوص، والإجماع، فلا حاجة إلى المناظرة معه، والاشتغال بالرد عليه.
قوله: "ويجب نصب الإمام".
أقول: مباحث الإمامة بالفروع أشبه، لأن نصب الإمام من فروض الكفاية، ولا شك أنه من العمليات، إلا أنه لما كثر الخلاف فيها بأن أوجبها بعضهم على اللَّه، وهم الشيعة، وبعض المعتزلة (٣) . الحواشي
(١) راجع: صحيح البخاري: ٢/ ٤٤.(٢) جاء في سنن ابن ماجه من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ وفيه فقال: "لقد دنت من الجنة حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها، ودنت من النار حتى قلت: أي رب وأنا فيهم". راجع: سنن ابن ماجه: ١/ ٣٨٢ - ٣٨٣.(٣) اختلف في حكم الإمامة إلى أقوال: فذهب أهل السنة، وأكثر المعتزلة، والزيدية إلى أن السمع وحده هو الذي دل على وجوب نصب الإمام على الأمة.
وذهب الأصم من المعتزلة إلى وجوب ذلك على الأمة حال السلامة، وظهور العدل أما في وقت الحرب، والاضطراب، فلا يجب لئلا يزيد الشر في نصبه.
وذهب الفوطي هشام وهو من المعتزلة أيضًا إلى العكس مما قاله أبو بكر الأصم وذهبت الشيعة الإمامية إلى وجوب الإمامة عقلًا على اللَّه تعالى.
وذهب أبو الحسين البصري، والكعبي، والجاحظ، وغيرهم إلى وجوبها عقلًا على الخلق. وذهب الخوارج إلى عدم الوجوب مطلقًا، وهو رأي النجدات منهم، ومنهم من فصل. =стр. 1679
وأيضًا كثر خلاف أهل البدعة في خلافة الخلفاء الراشدين، فلذلك ألحقت بأصول الدين، ثم ألحق أن نصب الإمام واجب على الأمة بالدليل السمعي لينصف المظلوم من الظالم، ويحفظ حوزة الإسلام من قهر الكفار، ويجهز الحجيج، ويجيش للجهاد، ويصرف مال الفيء (١) ، والغنيمة (٢) على المستحقين (٣) . الحواشي
(١) فاء: الرجل يفئ فيئًا من باب رجع، وفي التنزيل: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] أي: حتى ترجع إلى الحق.
والفيء: ما نسخ الشمس، وهو من الزوال إلى الغروب، كما أن الظل ما نسخته الشمس، وهو من الطلوع إلى الزوال.
واصطلاحًا: ما رده اللَّه تعالى على أهل دينه من أموال من خالفهم في الدين بلا قتال ابتداء إما بالجلاء، أو بالمصالحة على جزية، أو غيرها، أو بعد انتهاء الحرب كلية، ووضع أوزارها.
راجع: مختار الصحاح: ص/ ٥١٦، والمصباح المنير: ٢/ ٤٨٦، والتعريفات: ص/ ١٧٠.(٢) غنم الشيء إذا أصابه، والمغنم، والغنيمة بمعنى، وغنمه الشيء إذا نفله.
واصطلاحًا: اسم لما يؤخذ من أموال الكفار بقوة الغزاة، وقهر الكفرة، على وجه يكون فيه إعلاء كلمة اللَّه تعالى، فالغنيمة أخص من الفيء كما أن النفل أخص من الغنيمة لأنه زيادة تزاد على سهم الغازي.
راجع: مختار الصحاح: ص/ ٤٨٢، المصباح المنير: ٢/ ٤٥٤، والتعريفات: ص/ ١٦٢، والمغني لابن قدامة: ٨/ ٣٧٨.(٣) فالغنيمة تخمس إلى خمس أخماس: فأربعة أخماس تقسم على من شهد الواقعة، فيعطى للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم، وشرط من يسهم له خمسة شروط: الإسلام، =стр. 1680
وله شروط منها: كونه قرشيًا (١) ، فإن لم يوجد، فكناني، فإن لم يوجد، فرجل من ولد إسماعيل، فإن لم يوجد، فرجل من المعجم. الحواشي
(١) ذهب الأكثر إلى أن الإمام يشترط أن يكون قرشيًا إن وجد. وذهب الخوارج، وبعض المعتزلة، وغيرهم إلى أنه لا يشترط ذلك. واستدل الجمهور بحديث علي، وأنس وهو قوله ﷺ : "الأئمة من قريش، ولي عليكم حق عظيم، ولهم مثله ما فعلوا ثلاثًا إذا استرحموا ورحموا، وحكموا، فعدلوا، وعاهدوا فوفوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة اللَّه، والملائكة، والناس أجمعين"، وفي رواية أنس الأخرى "الأمراء من قريش ما عملوا فيكم بثلاث ما رحموا إذا استرحموا، وأقسطوا إذا أقسموا، وعدلوا إذا حكموا" والحديث رواه أحمد، والنسائي، والطبراني، والبزار، والحاكم، والبيهقي، ورواه أبو بكر بن أبي عاصم عن أبي بكر بن أبي شيبة من حديث أبي برزة الأسلمي، وإسناده حسن كما قال الحافظ، وقد اختلف في رفعه، ووقفه، ورجح =стр. 1681
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الدارقطني في العلل الموقوف، قال الحافظ: "وقد جمعت طرقه في جزء مفرد عن نحو من أربعين صحابيًا".
قلت: ويؤيد ذلك ما جاء في البخاري، ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم، والناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقى منهم اثنان" وعن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه اللَّه على وجهه ما أقاموا الدين".
وقد احتج بذلك أبو بكر الصديق على الأنصار ﵃ جميعًا- يوم السقيفة، فرجعوا إلى قوله تاركين ما كانوا قد عزموا عليه بعد ما سمعوه يذكر قول الرسول ﷺ الذي سبق ذكره آنفًا، أما الذين لم يعتبروا هذا الشرط، فقد استدلوا بأحاديث وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وهي كثيرة جدًا كما أنها جاءت مطلقة في كل أمير تولى أمر المسلمين دون تقييد بقرشي، أو غيره، وذلك دليل على عدم اعتبار الشرط المذكور، منها: حديث أبي ذر ﵁ قال: "إن خليلي ﷺ أوصاني أن أسمع، وأطيع، وإن كان عبدًا مجدع الأطراف" وفي رواية يحيى بن حصين: "إن أمر عليكم عبد مجدع، أسود يقودكم بكتاب اللَّه فاسمعوا، وأطيعوا" وعن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "على المرء المسلم السمع، والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية، فلا سمع، ولا طاعة" وفي حديث عبادة "بايعنا على السمع، والطاعة في منشطنا، ومكرهنا، وعسرنا، ويسرنا وأثره علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله قال: إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من اللَّه فيه برهان"، وكل فريق حمل أدلة الفريق الآخر على محمل يصرفه عن ظاهره، والجمهور مع أنهم اشترطوا أن يكون قرشيًا إلا أنهم لا يجوزون الخروج على غيره إذا انعقدت له البيعة وعلى هذا حملوا أحاديث وجوب الطاعة لهم، وقد تقدم ذلك في ذكر الشارح الخلاف في الخروج على الإمام الفاسق، ورجح قوله الجمهور في تحريم الخروج عليه ولو كان ظالمًا، فاسقًا. =стр. 1682
ولا يشترط كونه هاشميًا (١) ، لإجماع الصحابة على [إمامة] (٢) أبي بكر.
وشرطه: أن يكون مكلفًا، حرًا، ذكرًا، مسلمًا، ذا رأي، شجاعًا، مجتهدًا، سميعًا، بصيرًا، ناطقًا (٣) . الحواشي
(١) هناك شروط انفرد بها الشيعة الإمامية، وغلاتهم، والإسماعيلية منها: أن يكون الإمام عندهم هاشميًا، بل علويًا، وأن يكون عالمًا بكل أمر حتى المغيبات، وأن يكون معصومًا إلى غير ذلك من مزاعمهم.
وليس لهم في ذلك شبهة فضلًا عن حجة، وإنما قصدهم نفي إمامة أبي بكر وعمر، وعثمان ﵃، ونفي خلافة بني العباس باشتراطهم كونه علويًا، وكفى بإجماع المسلمين على إمامة الأئمة الثلاثة حجة عليهم.
راجع: المواقف: ص/ ٣٩٨، وشرح المقاصد: ٥/ ٢٤٦ - ٢٥٢.(٢) ما بين المعكوفتين سقط من (أ) وأثبت بهامشها.(٣) هناك شروط يجب أن تتوفر في الإمام بالإجماع وهي أن يكون مسلمًا، مكلفًا، عاقلًا، بالغًا، عدلًا، ذكرًا، حرًا، سميعًا، بصيرًا، ناطقًا.
واختلفوا في اشتراط كونه مجتهدًا، وذا رأي، وشجاعة، فذهب الأكثر إلى اشتراط الاجتهاد في الأصول، والفروع ليقوم بأمور الدين، وأن يكون ذا رأي ليقوم بأمور الملك، وتدبير الدولة، وأن يكون شجاعًا ليقوى على الذب عن الحوزة بتجهيز الجيوش، وسد الثغور، وضرب الرقاب، والتنكيل بمستوجبي الحدود. =стр. 1683
وطريق صيرورته إمامًا: إما باتفاق أهل الحل والعقد، أو استخلاف الإمام القائم بها، أو القهر والغلبة، بحيث تنفذ أحكامه.
والصحيح: أنه بالغلبة يصير إمامًا، وإن كان فاسقًا، أو جاهلًا (١) . ولا يشترط كونه فاضلًا، بل نصب المفضول، مع الفاضل جائز: لأن الحواشي
(١) اتفقت الأمة على أن الرجل لا يصير إمامًا بمجرد صلاحيته للإمامة واجتماع الشرائط فيه، بل لا بد من أمر آخر به تنعقد الإمامة، وهي طرق منها ما اتفق عليها، ومنها ما اختلف فيها.
فالمتفق عليها من الطرق طريقة النص، وذلك فيما لو نص رسول اللَّه ﷺ على تعيين شخص لذلك، أو كان النص من الإمام السابق على شخص بعينه بأن يتولى الأمر من بعده كما فعل أبو بكر في استخلافه لعمر ﵄.
والمختلف فيها إذا اتفق أهل الحل، والعقد على مبايعة شخص، فهل يصير بذلك إمامًا، وتثبت بيعته؟
فذهب أهل الحق من أهل السنة والجماعة إلى أنها تثبت، وتنعقد بذلك ولا يشترط إجماعهم على ذلك، ولا عدد محدود، بل تنعقد بعقد واحد، كما في بيعة أبي بكر ﵁، واشترط البعض أن يكون العقد بمشهد من الشهود لئلا يدعي آخر أنه عَقْد عُقِدَ سرًا متقدمًا على هذا العقد.
وبقول الجمهور قالت الخوارج، والصالحية، والمعتزلة غير أنهم اشترطوا عدد خمسة ممن يصلح للإمامة أخذًا من أمر الشورى. =стр. 1684
المقصود يحصل به. وعليه الجمهور، وقيل: لا يجوز، مع وجود الفاضل (١) .
قوله: "ولا يجب على الرب شيء".
أقول: الوجوب يستعمل بمعنى اللزوم العقلي تارة، وبمعنى صفة فعل يستحق فاعله الثواب، وتاركه العقاب، وكلا المعنيين في حقه تعالى محال (٢) . أما الثاني فواضح. الحواشي
(١) وهذا مذهب الأشعري، وطائفة، وعلى هذا القول إذا عقدت الإمامة للمفضول، مع وجود الفاضل يكون ملكًا لا إمامًا، وذكر الجويني أن المسألة على ذلك تكون اجتهادية، فإنها لو كانت قطعية لعصى العاقدون للمفضول، مع وجود من هو أفضل منه.
راجع: الإرشاد: ص/ ٣٦٣، والمواقف للإيجي: ص/ ٤١٢ - ٤١٣، وتشنيف المسامع: ق (١٧٥/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٤٢٢، وهمع الهوامع: ص/ ٤٦٨، والغيث الهامع: ق (١٧١/ أ).(٢) وهذا هو مذهب أهل الحق، وأما المعتزلة، فقد أوجبوا عليه أمورًا: =стр. 1685
وأما الأول: فلأنه فاعل بالاختيار يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ومن كان شأنه هذا لا يتصور في حقه لزوم شيء.
وأما قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] فليس محل النزاع، إذ ذلك اللزوم إنما نشأ من وعده السابق، واللَّه لا يخلف الميعاد (١) . الحواشي
(١) فهذا الوعد محض إحسان، وإنعام، وتفضل منه ، لا إيجاب، وإلزام. إذ كيف يتصور الوجوب عليه، ولا حكم إلا له سبحانه.
راجع: تشنيف المسامع: ق (١٧٥/ أ)، والغيث الهامع: ق (١١٧/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٤٢٢، وهمع الهوامع: ص/ ٤٦٨.следующие страницы →