ولا يشترط كونه هاشميًا (١)، لإجماع الصحابة على [إمامة] (٢) أبي بكر.
وشرطه: أن يكون مكلفًا، حرًا، ذكرًا، مسلمًا، ذا رأي، شجاعًا، مجتهدًا، سميعًا، بصيرًا، ناطقًا (٣).
стр. 1683
وطريق صيرورته إمامًا: إما باتفاق أهل الحل والعقد، أو استخلاف الإمام القائم بها، أو القهر والغلبة، بحيث تنفذ أحكامه.
والصحيح: أنه بالغلبة يصير إمامًا، وإن كان فاسقًا، أو جاهلًا (١). ولا يشترط كونه فاضلًا، بل نصب المفضول، مع الفاضل جائز: لأن
стр. 1684
المقصود يحصل به. وعليه الجمهور، وقيل: لا يجوز، مع وجود الفاضل (١).
قوله: "ولا يجب على الرب شيء".
أقول: الوجوب يستعمل بمعنى اللزوم العقلي تارة، وبمعنى صفة فعل يستحق فاعله الثواب، وتاركه العقاب، وكلا المعنيين في حقه تعالى محال (٢). أما الثاني فواضح.
стр. 1685
وأما الأول: فلأنه فاعل بالاختيار يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ومن كان شأنه هذا لا يتصور في حقه لزوم شيء.
وأما قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] فليس محل النزاع، إذ ذلك اللزوم إنما نشأ من وعده السابق، واللَّه لا يخلف الميعاد (١).
стр. 1686
قوله: "والمعاد (١) الجسماني".
أقول: قد اختلف في المعاد بعد العدم، ولو قدم المصنف هذه المسألة على الصراط، والميزان كان أولى.
فنقول: ذهب جمهور المتكلمين القائلين بأن الروح جسم لطيف إلى أن المعاد جسماني فقط (٢)، ومن قال: بأن الروح مجرد، أي: جوهر ليس بجسم، ولا جسماني فالمعاد -عندهم- جسماني، وروحاني، وإليه ذهب الغزالي، والراغب الأصفهاني، والقاضي أبو زيد، والكعبي من المعتزلة صرح بهذا في شرح المقاصد (٣).
فمن قال (٤): المعاد الجسماني، والروحاني مذهب المسلمين، والمعاد الجسماني وحده لم يَعلم قائلًا به، فلم يدر مذهب أهل السنة في النفس، والروح، وأنهما من قبيل الأجسام النورانية، والفلاسفة على أن المعاد روحاني ليس إلا: لأن إعادة المعدوم غير معقولة (٥).
стр. 1687
وجنة الروح، كمالاتها العلمية التي اكتسبت حين اتصالها بالجسم، والنار الجهل، والحسرات على فوات الفرص، وتضييع العمر في اللذات.
وهذا الكلام مبني على قانون الفلسفة من عدم فناء العالم واستحالة طيِّ السماوات، وخرق الأفلاك، وكلها كفر صريح مصادم لقانون الشريعة المطهرة، فالأولى عدم تسويد الصحائف بها، فإنه يظلم طريق السالكين، ولا نفع فيه للمسترشدين، بل نعتقد أن العالم فانٍ، لأنه محدث إلى الفناء، والباقي هو الذات الأحدية تعالى، وتقدس.
ويعيد الخلق بعد الفناء، كما بدأهم أول مرة لا يعزب عن علمه مثقال ذرة، وكما بدأ بعد العدم يعيد، لا يتفاوت الحال بالنسبة إلى قدرته.
قوله: "ونعتقد".
أقول: مما يجب الإيمان به أن أبا بكر أفضل الخلق بعد الأنبياء، لأنه خير هذه الأمة، وهذه الأمة خير الأمم.
стр. 1688
وقد انعقد إجماع الصحابة على خلافته بعد رسول اللَّه ﷺ بعد سبق نزاع من الأنصار (١)، ثم بعد وقوفهم على النص رجعوا إلى الحق فلم يبق له مخالف، وكما أجمعوا على إمامته أجمعوا على أفضليته (٢).
والمخالف محجوج بالإجماع، ولم يخالف في هذا إلا الشيعة.
وقول على يرد عليهم، لأنه قد استفاض عنه أنه سأله محمد ابن الحنفية (٣) من أفضل الناس بعد رسول اللَّه؟
стр. 1689
فقال: أبو بكر، فقال: ثم من؟ فقال: عمر، فقال: ثم من؟ فقال: عثمان.
قال: قلت: وأنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين (١).
والقول: بأن الأخبار الواردة في فضائلهم (٢) متعارضة، إلا أن الغالب على الظن أن أبا بكر أفضل (٣).
стр. 1690
ليس بمرضي، بل يجب الجزم بأفضليته للإجماع على ذلك قبل ظهور البدع.
وبعده أفضل الناس عمر كذلك بالإجماع من الصحابة (١).
ثم بعده عثمان، ولبعض أهل السنة في ذلك وقفة (٢)، ثم علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وإمام المسلمين، وأول الفئة الباغية في الإسلام من شق عليه العصا، ونازعه في الإمامة بعد انعقادها (٣).
стр. 1691
ومما يجب الإيمان به براءة عائشة ﵂، من كل ما يشينها مما نسب إليها أهل الإفك. نطق بذلك التنزيل على أبلغ وجه (١).
стр. 1692
وسب الشيخين ليس بكفر على الأصح (١).
ومما يجب الإيمان به أن الصحابة كلهم عدول هم خير القرون (٢) أفضل من جاء بعدهم لم يلحق شأو أدناهم، ولو أنفق
стр. 1693
ملء الأرض ذهبًا (١): لأنهم فازوا بشرف صحبته ﷺ ، ومن أضيف إلى الصدور تصدر، وما جرى بينهم محمول على الاجتهاد.
وبعضهم، وإن أخطأ لا ينقص من مقداره شيئًا، فإنه ليس بمعصوم هذا مع وجوب اعتقاد أن مقاتل عليٍّ باغ بإجماع أهل العصر الثاني وإلى يومنا هذا.
ومما يجب اعتقاده أن أئمة الهدى كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي وأحمد، وسائر المجتهدين من التابعين، ومن بعدهم بذلوا وسعهم في حل المشكلات، والجمع بين الأحاديث والآيات، ولم يألوا نصحًا للمسلمين رضوان اللَّه عليهم أجمعين (٢).
عاملهم اللَّه فوق ما أملوا من أنواع الكرامة، وحشرنا في زمرتهم إنه على ذلك قدير.
ونعتقد أن الشيخ أبا الحسن الأشعري شيخ أهل السنة في أصول الدين على الحق، ومخالفوه على الباطل كالكرامية، والحشوية.
ونعتقد أن المشايخ من الصوفية (٣) الذين تواتر أنهم كانوا على جادة
стр. 1694
الشريعة ماشين، وكانوا عن البدع ناكبين، أهل النجاة ومن سادة الفرقة الناجية (١).
قوله: "ومما لا يضر جهلُه، وتنفع معرفتُه".
أقول: قد اشتهر بين الناس أن الوجود فيها مذاهب ثلاثة:
стр. 1695
مذهب الشيخ الأشعري أن وجود كل شيء عينه (١) ومذهب سائر المتكلمين ما عدا الشيخ أن الوجود زائد على الماهية مقول على الوجودات الخاصة بالتواطؤ.
ومذهب الفلاسفة أن وجود الباري تعالى عين ذاته وفي الممكنات زائد مقول بالتشكيك.
وقد كثر في ذلك الكلام، والقيل، والقال.
والتحقيق الذي لا محيد عنه أن الوجود المطلق هو الكون في الأعيان وذلك معنى مشترك لا ريب فيه.
فقول الشيخ: إن وجود الشيء عينه ليس معناه أن كون الشيء في الأعيان مفهومه ذلك الشيء الذي هو الإنسان، والفرس بل أراد أن معروض الوجود كزيد مثلًا لا يمتاز في الخارج عن الوجود امتياز السواد
стр. 1696
عن الجسم الأسود، وهذا لا يخالف الشيخ فيه أحد من العقلاء، إذ ليس في زيد ما يشار إليه بأنه وجود زيد.
والجمهور، فهموا من قوله: إن الوجود عين الماهية التنافي بين كونه عينًا، وبين كونه زائدًا مشتركًا.
وقد عرفت أنه لم يرد ذلك، فلا خلاف بينه وبين المتكلمين، وأنت يجب عليك التمسك. مما ذكرت لك، وتعض عليه بالنواجذ، فإنه ينجيك عن ضلالة ضل فيها أقوام، وزل فيها الأقدام (١).
قوله: "فعلى الأصح المعدوم ليس بشيء".
أقول: قد اختلف في أن المعدوم هل يطلق عليه اسم الشيء، أم لا؟ وليس الخلاف مبنيًا على اللغة، بل في اللغة يطلق اسم الشيء على الموجود والمعدوم ممكنًا كان، أو محالًا باتفاق العلماء، إنما النزاع في إطلاق اسم الشيء على المعدوم بمعنى الثابت المتقرر، فعند أهل الحق الشيء، والثابت، والموجود ألفاظ مترادفة لا يطلق الشيء إلا على الموجود الخارجي الكائن بين الأعيان (٢).
стр. 1697
وعند المعتزلة: الثبوت أعم من الوجود، والمعدومات إما مستحيلة الوجود كاجتماع الضدين، أو ممكنة الوجود كجبل من ياقوت، فالمستحيلات ليست بشيء عندهم أيضًا (١)، والممكنات ثابتة متقررة (٢). واستدلوا على ذلك بأن المعدوم معلوم متميز، وكل متميز ثابت، فالمعدوم ثابت.
قلنا: الكبرى ممنوعة، إذ لا يلزم من التمييز الثبوت، وإلا لزم ثبوت المحال، لأنه يمتاز عند العقل، وإلا لاستحال عليه الحكم.
قوله: "وأن الاسم المسمى".
أقول: تارة يطلق الاسم على اللفظ الدال على معناه استقلالًا غير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة، وتارة على نفس التسمية، أي: وضع اللفظ في مقابلة المعنى المذكور.
ولا يخفى على أحد أنه على التقديرين ليس عين المسمى، بل يطلب هناك معنى ثالث يحمل عليه كلام الشيخ الأشعري، وأهل السنة القائلين بأن أسماء اللَّه تعالى ثلاثة أقسام:
ما يدل على الذات مثل لفظ الجلالة، فهو عين المسمى، وما يدل على غير الذات كالخالق، والرازق، وما ليس بعين، ولا غير، كالعالم، والقادر.
стр. 1698
فقد ظهر أن الشيخ أراد بالاسم مدلول اللفظ أعم من المطابقي، والتضمني (١).
فحيث قيل -في لفظ الجلالة-: إن الاسم عين المسمى، أراد مدلول اللفظ مطابقة هو عين الذات المقدسة، وفي الخالق اعتبر معنى الخلق وحده.
فقال: مدلول اللفظ، أي: مدلوله التضمني، وهو غير الذات المقدسة وكذلك العلم.
وغير الشيخ اعتبر المدلول المطابقي، وقال: الاسم عين المسمى، أي: المدلول عين الذات في الخارج، لأن الخالق مدلوله شيء له الخلق، وهو عين الذات المتصفة بالخلق، وكذلك العالم مدلوله شيء له العلم (٢).
стр. 1699
قيل: الاسم لو كان غير الذات والمسمى، لزم حدوثه، فلم يكن الباري تعالى في الأزل إلهًا، وعالمًا، وقادرًا، بخلاف الخالقية، فإنها من صفات الفعل، وصفات الأفعال حادثة عندهم.
ولقوله -تعالى-: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] والتسبيح للمسمى دون اللفظ ولقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم: ٢٣]، ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [يوسف: ٤٠] إلى غير ذلك. والعبادة للمسمى لا الاسم، والكل ضعيف (١).
أما أولًا: فلأن المعتبر ثبوت المعنى في الأزل، ولا يضير كون اللفظ حادثًا.
على أن قول الشيخ: الاسم عين المسمى لم يرد به اللفظ، بل مدلول اللفظ كما تقدم.
وأما الثاني: فلأن المراد تقديس اسمه تعالى من أن يسمى غيره إلهًا، وذلك أمر مطلوب مأمور به كل أحد.
стр. 1700
وأما الثالث: فلأن المراد بالأسماء أسماء الآلهة، أي: تعبدون الأصنام، وتسمونها آلهة، وليس لتلك الأصنام من صفات الألوهية [إلا الاسم الذي تطلقونه عليها، كمن يسمي نفسه سلطانًا، وليس عنده من أسبابه شيء، يقال: رضي من السلطة بالاسم.
وأنت إذا تأملت لم تجد خلافًا] (١) في المسألة، لأن أحدًا لا يقول: إن اللفظ المركب من الحروف نفس الذات، ولا إن مدلول اللفظ غير الذات.
وإن اصطلح الشيخ على أن الدال على المعنى مطابقة عين المسمى، وما دل تضمنًا غير المسمى، فلا مشاحة معه.
وأما من لم يفصل كما فصله، فليس لقوله كثير معنى: لأن حاصله ذات الشيء ذاته، ومدلول اللفظ هو المسمى.
قوله: (وأن أسماء اللَّه توقيفية).
أقول: ما ورد الإذن من الشارع بإطلاقه عليه تعالى من الأسماء، والصفات لا خلاف في جوازه، وما ورد المنع من الإطلاق كذلك لا خلاف في عدم جوازه.
إنما الخلاف فيما كان معناه قائمًا به تعالى، ولم يكن موهمًا بالنقص ولم يرد الإذن والمنع من إطلاقه.
فعند الأشاعرة لا يجوز الإطلاق، ويجوز عند المعتزلة، وإليه مال القاضي أبو بكر، وتوقف إمام الحرمين، وفصل الغزالي، فقال: يجوز في
стр. 1701
الصفة، وهو ما يدل على معنى زائد على الذات ولا يجوز في الاسم، وهو الدال على الذات (١).
لنا -على عدم الجواز-: أن تسمية النبي بغير اسمه غير جائز، فتسمية الإله بالطريق الأولى.
ولأن آحاد الناس لو سمى إنسان ابنه بغير اسمه لما ارتضاه، وأنف من ذلك.
قالوا: لو لم يجز ذلك لما جاز تسمية أهل كل لغة بلغتهم، والإجماع على خلافه.
قلنا: كفى بالإجماع دليلًا على ذلك.
قال إمام الحرمين: معنى الجواز، وعدمه الحل، والحرمة، وكل منهما حكم شرعي لا بد له من دليل شرعي، والقياس إنما يجوز في العمليات دون الأسماء والصفات، والجواب: أن التسمية من العمليات.
стр. 1702
قال الغزالي: إجراء الأسماء، والصفات إخبار بثبوت مدلولاتها فيجوز إلا لمانع، والفرض أن لا مانع، لأن الكلام فيما إذا خلا عن إيهام النقص، بل أشعر بالتعظيم.
والحق هو هذا، وبه ينحل الإشكال عن ألفاظ كثيرة، أطلقت عليه تعالى من غير ورد الإذن كالصانع، والواجب، والمختار والمبدع، وغيرها.
فإن قلت: فلم لا يقال له على هذا: السخي، والعاقل، والفطن، ونظائرها؟
قلت: لإيهامها خلاف التعظيم لأن العقل -لغة- المنع.
والفطانة: شدة الفهم الذي (١) من شأنه أن يكون مسبوقًا بالعدم، والسخاء: الجود مع قابلية المحل لغيره.
واعلم أن الإذن أخص من وقوع الاسم في كلام الشارع، فإن مثل الماكر، والمستهزئ، والزارع، والحارث، وإن كان واقعًا في كلام اللَّه لا يجوز لأحد أن يقول: يا ماكر يا زارع، بل الإذن أن يرد في كلامه، مع إشعار أنه اسم من أسمائه الحسنى.
قوله: "وأن المرء يقول: أنا مؤمن إن شاء اللَّه".
أقول: ذهب جمهور السلف، وهو المروي عن ابن مسعود والمنقول عن الشافعي أن الإيمان يدخله الاستثناء.
стр. 1703
وذهب أبو حنيفة، وأصحابه إلى عدم جواز ذلك، وعللوه بأنه شك، والشك لا يجامع الإيمان (١).
стр. 1704
والقائلون يحوازه لم يجعلوه بمعنى الشك في الإيمان الحالي، بل لما كان آية النجاة إيمان الموافاة، والأعمال بخواتيمها، وذلك غيب لا سبيل لعلم المخلوق إليه، فوض إلى المشيئة، وهذا لا يمكن لأحد النزاع فيه.
أو يقال: على سبيل التبرك، وإحالة الأمور إلى مشيئته تعالى تأدبًا، كما في الحديث الصحيح، السلام على أهل المقابر: "وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون" (١) مع [كونه مقطوعًا به] (٢).
قوله: "وأن ملاذَّ الكافر".
أقول: ملاذُّ الكافر -في الحقيقة- ليست نعمًا، وإن التذ بها، لأنه بالآخرة مصيره إلى النار، بل ذلك استدراج منه تعالى كما قال: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢، القلم: ٤٤]، وإن سميت نعمة نظرًا إلى الظاهر، فلا مشاحة فيه، بل بعض الآيات (٣) فيه دلالة ظاهرة.
أقول: ذهب بعض الناس إلى أن النفس الإنسانية ما يشير إليه كل أحد بأنا (١).
فقال المصنف: ما يشير إليه الإنسان بأنا ليس هو النفس؛ بل هو الهيكل المخصوص.
وقد سبق تحقيق المسألة، وأن النفس والروح مترادفان عند أهل السنة، وأنهما عبارة عن جسم نوراني باتصاله الحياة، وبانفصاله الممات، وفي النفس أقوال آخر ضعيفة أعرضنا عن ذكرها (٢).
قوله: "وأن الجوهر الفرد، وهو الجزء الذي لا يتجزأ".
أقول: الجسم عند المتكلمين قاطبة، وأكثر المعتزلة مركب من الأجزاء التي لا تتجزأ.
والجزء الذي لا يتجزأ: ما لا يقبل القسمة لا حسًا، ولا عقلًا، ولا وهمًا، وهو قابل للحياة وحده عند الأشاعرة، ونفاه الفلاسفة (٣)، فعندهم
стр. 1707
الجسم مركب من الهيولى، والصورة والهيولى: جوهر يكون الجسم معه جسمًا بالقوة، والصورة: جوهر يكون الجسم معه جسمًا بالفعل، والأول: المحل، والثاني: الحال.
قوله: "وأنه لا حال".
أقول: جمهور المتكلمين على انحصار المعقول في الموجود، والمعدوم، ولا واسطة، وأثبت المعتزلة الحال واسطة.
وتعريف الحال: بأن يقال: صفة لا موجودة، ولا معدومة قائمة بموجود.
ووافقهم القاضي، وإمام الحرمين (١)، وقال: قيام الصفة بمحل كالعلم مثلًا يوجب له صفة كالعالمية مثلًا.
стр. 1708
والحق: عدم ذلك، إذ ليس للمحل وراء العلم صفة أخرى (١).
قوله: "وأن النِّسب، والإضافات".
أقول: مذهب أهل الحق أن النسب، والإضافات ليست بموجودة، بل أمور اعتبارية سوى الأين، فإنه قالوا به والأعراض النسبية ما عدا الكم، والكيف (٢).
стр. 1709
قالوا: لو وجدت لكانت حاصلة في محلها، لأنه لازم للعرض، ولو وجدت في محالها لوجد حصولها في المحال أيضًا، لأنه من الأمور النسبية، والفرض، وجود النسب، فيلزم أن يكون للحصول محل آخر، وللحصول حصول آخر، وهلم جرًا، فيحصل التسلسل.
لا يقال: يجوز أن يكون حصول الحصول نفس الحصول وأيضًا يرد النقض بالأين، لأنا نقول:
стр. 1710
الجواب -عن الأول-: إذا فرض أن النسب موجودات خارجية، لا يجوز أن يكون حصول الحصول [نفس الحصول] (١).
لأن أحد الموجودين في الخارج لا يعقل كونه عين الآخر فيه، وإنما يتم ذلك في الأمور الاعتبارية.
وعن الثاني: أن المتكلمين لم يدعوا وجود النسب مطلقًا، بل أثبتوا الأين بالدليل القائم على وجوده، ولا يلزم جريان ذلك الدليل في كل نسبة حتى يتوجه النقض.
احتج الفلاسفة -على وجودها-: بأنا نحكم على السماء بأنها فوق الأرض، وهذه الفوقية حاصلة في نفس الأمر، وإن لم يكن هناك فرض وتقدير، وليست من الأعدام: لأنها حصلت بعد ما لم تكن، والحاصل بعد لم يكن ليس بعدم.
الجواب: النقض بالفناء، والمضى، أي: لو صح ما ذكرتم لزم كون الفناء، والمضي موجودين: لأنهما حدثا بعد العدم، وقد قلتم: إن الحاصل بعد العدم لا يكون عدمًا.
ونحن قاطعون بأن الفناء، والمضي ليسا بموجودين، لأنهما لو وجدا لزم وجود الأمس، بل يوم الطوفان، لأن الفناء الموجود لا يقدم إلا بالموجود، وهو محال.
стр. 1711
قوله: "وأن العَرَضَ لا يقوم بالعَرَضِ".
أقول: قد اختلف في قيام العرض بالعرض، المتكلمون على عدم جوازه مستدلين عليه بوجهين:
الأول: أن معنى قيام الشيء بالشئ كونه تابعًا له في التحيز، ولا متحيز بالذات إلا الجوهر.
الثاني: لو قام عرض بآخر، وآخر بآخر، فلا بد من الانتهاء إلى الجوهر إذ لا يعقل قيام العرض بنفسه، وإذا كان كذلك، فلا وجه لجعله قائمًا بالعرض المحتاج إلى المحل، بل يجعل قائمًا بالجوهر المحل ابتداء.
والفلاسفة على (١) الجواز، مستدلين بأن معنى القيام ليس تبعية في التحيز (٢)، بل هو الاختصاص بحيث يكون المحل منعوتًا، والحال ناعتًا، كما تقولون أنتم أيها المتكلمون في صفات الباري، مع كون المحل غير متحيز اتفاقًا، وإذا كان معنى القيام ما ذكرنا يجوز أن يكون عرض صفة لعرض آخر قائمًا به كالسرعة، فإنها صفة الحركة لا
стр. 1712
المتحرك، وكالنقطة فإنها قائمة بالخط [لأنها نهاية الخط] (١)، والملامسة والاستقامة.
والجواب: أن السرعة أمر اعتباري، فإن الحركة السريعة بطيئة بالنسبة إلى أسرع منها، والنقطة أمر عدمي، وكذا الاستقامة، والملاسة، ولو سلم وجودها، فهي قائمة بالجسم.
قوله: "ولا يبقى زمانين".
أقول: كما اختلف في قيام العرض بالعرض اختلف في بقائه، فالأشعري، وسائر المتكلمين على عدم بقائه، والفلاسفة على أنه يبقى (٢).
واستدل الشيخ وأصحابه على عدم الجواز بأن البقاء أيضًا عرض، فلو كان العرض باقيًا لكان بقاؤه أيضًا باقيًا، وبقاء الباقي أيضًا كذلك، وهلم جرًا إلى ما لا نهاية له.
ورد بأن البقاء أمر عدمي، وهو استمرار الوجود، وإلا لزم التسلسل في الأمور الموجودة، لأن البقاء أيضًا يحتاج إلى بقاء آخر، وهلم جرًا.
والحق: أن عدم بقاء الأعراض -وإن كان مذهب الأشاعرة، وعليه يبنون كثيرًا من مطالبهم- لكن بقاء بعضها ضروري كالألوان، والأشكال، والعلوم، والمعارف، ودعوى تجدد الأمثال فيها في غاية البعد.
стр. 1713
والفلاسفة قسموا الأعراض إلى السيالة كالزمان، والحركة، والتكلم، فهذه لا يمكن بقاؤها، وإلى القارة: كالعلوم، والألون، فقولهم بالبقاء إنما هو في هذا القسم (١).
والعجب ممن يقول (٢): إن القول ببقاء الأعراض إحدى مقدمتي الدليل على قدم العالم، والفلاسفة إنما ذهبوا إليه بناء على ذلك، ولم يعلم أن بين هذه المسألة، وبين القول بالقدم أبعد من السماء إلى الأرض، إذ لو قالوا: بأن الأجسام قديمة، وأعراضها متبدلة ساعة، فساعة ماذا كان يقدح في قولهم؟
ألا ترى أنهم قائلون: بأن الأفلاك قديمة، وحركاتها متجددة لا إلى أول، بل هم مطبقون على أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن المؤثر، -كما سنذكره بعد هذا في شرح كلام المصنف-: الباقي محتاج إلى المؤثر والفلاسفة في إثبات قدم العالم أصلهم الذي بنوا عليه أن الواجب تعالى موجب في إيجاد العالم (٣)، لا مختار وكما سبق منا تحقيق المسألة.
قوله: "ولا يحل محلين".
стр. 1714
أقول: قد اختلف في قيام العرض الواحد بمحلين (١)، منعه الجمهور: لأن تشخص العرض إنما هو بمحله إذ ما لم يحل محلًا لا يمكن تشخصه وإذا تشخص لمحل، فلو كان قائمًا بمحلين لزم تشخصه بهما، وهو محال، لأنه يلزم توارد علتين على محل واحد، وقد سبق بطلانه، ولأنه لو جاز قيام عرض واحد بمحلين لما حصل الجزم، بأن بياض العاج غير بياض الثلج، وبطلانه واضح.
قالوا: الأخوة قائمة بالأخوين، والجوار بالمتجاورين، والقرب بالمتقاربين.
ورد بأن القائم بأحدهما غير القائم بالآخر، والكلام في الواحد بالشخص.
قالوا: قالت الفلاسفة: الوحدة قائمة بالعشرة، والتثليث بالمثلث، وكذلك التربيع بالمربع.
стр. 1715
قلنا: ليس محل النزاع إذ المحل واحد، وهو المجموع من حيث هو المجموع.
قوله: "وأن المثلين".
أقول: الغيران، إما مثلان: وهما المتفقان في الماهية كالبياض القائم بالورق، وبالثلج، وإما ضدان، كالحركة، والسكون، وإما خلافان، كالحلاوة، والسواد، وإما نقيضان، كالقيام، وعدمه (١).
إذا علم ذلك، فنقول: لا يجوز اجتماع المثلين، أي: العرضين المتماثلين في محل واحد؛ لأن البياضين، أو السوادين لو جاز اجتماعهما في محل لم يعقل بينهما تمايز (٢).
ولأنه لو جاز ذلك لجاز لمن له العلم بمسالة أن يحصل علمًا آخر به، ولأنه لو جاز ذلك لما حصل الجزم بوحدة شيء من الأعراض لاحتمال أن تكون أمثالًا مجتمعة، واللوازم كلها ظاهرة البطلان.
احتجت المعتزلة -على جوازه-: بأن الجسم يعرض له السواد، ثم آخر، وآخر إلى أن يتكامل.
الجواب: أن تلك السوادات ليست متماثلة، بل ألوان مختلفة بالنوع غايته: أن يقال -على جميعها-: السواد بالتشكيك، والضدان أمرهما
стр. 1716
واضح في عدم جواز الاجتماع، حتى يتكلم به العوام: الضدان لا يجتمعان، ولكن المهم معرفة الضدين.
فالضدان: هما الأمران الوجوديان اللذان بينهما غاية الخلاف. فالعمى والبصر ليسا بضدين؛ لأن أحدهما وجودي، والآخر عدمي. ولا البياض والخضرة؛ لأنهما، وإن كانا وجوديين، إلا أن الخلاف بينهما ليس في غاية، [بل غاية] (١) الخلاف إنما هو بين السواد والبياض إذ لا يتصور فوقه خلاف آخر.
والنقيضان: هما الإيجاب والسلب، فلا يجتمعان ولا يرتفعان (٢)، فلا يمكن أن يعقل شيئان إلا بينهما إيجاب بأن يقال: أحدهما هو الآخر، أو السلب بأن يقال: أحدهما ليس الآخر.
قوله: "وأن أحد طرفي الممكن ليس أولى به".
أقول: الإمكان نوعان، الإمكان الخاص: وهو سلب الضرورة من جانبي الوجود والعدم، مثل الإنسان، فإن وجوده وعدمه ليسا ضروريين.
стр. 1717
والإمكان العام: وهو سلب الضرورة من أحد الطرفين، فيشمل الواجب، والممكن، والممتنع. إذا تقرر هذا، فنقول: لا يجوز أن يكون أحد طرفي (١) الممكن، أولى به من الآخر.
وقيل: العدم أولى به، لأن الوجود يحتاج إلى علة موجودة، والعدم يكفيه انتفاء شيء من أجزاء علة الوجود. وقيل: الأعراض السيالة كالحركهَ، والتكلم العدم أولى به، لاستحالة بقائها (٢).
والجواب: أن الكلام في الممكن بالنظر إلى ذاته لا بالنظر إلى الخارج عنه، وما ذكرتموه ليس بالنظر إلى ذاته.
قوله: "وأن الباقي".
أقول: اختلف في أن الباقي حال بقائه هل يحتاج إلى السبب المؤثر، أم لا؟
الحق: أنه يحتاج، وهذا مبني على أن سبب احتياج الممكن، هل هو الإمكان، أو الحدوث، أو مجموعهما، أو الإمكان بشرط الحدوث؟
فبالأول: قال الفلاسفة، وبالثلاثة الأخيرة قال المتكلمون.
стр. 1718
ومعنى كلام المصنف أن العلة، والسبب في الاحتياج أيًا ما كان من هذه الأمور يوجب احتياج الممكن حال بقائه إلى المؤثر، لأن الإمكان، والحدوث لا زمان للموجود الحادث.
قيل: لو احتاج حال البقاء، فالتأثير إما في الحاصل، وهو محال، أو في المتجدد، وليس ذلك تأثيرًا في الباقي.
قلنا: تأثيره في المتجدد، وهو الوجود بالإضافة إلى الزمان الثاني، وهو تأثير في الباقي، لأنه أفاده لدوام وجوده، إذ لو زال المؤثر لانتفى ذلك الدوام.
وقد فهم بعضهم (١): أن مراد المصنف من هذا الكلام الرد على الفلاسفة، فإنهم لم يقولوا باحتياج الباقي إلى المؤثر.
وليس كما فهمه: لأن مذهب الفلاسفة أن الإمكان علة الاحتياج، ولا شك أنهم مجمعون على أن الإمكان ذاتي للممكن لا يفارقه، بل مراد المصنف أنه على كل تقدير يلزم احتياج الباقي، وأعجب من هذا أنه بنى مسألة الحال على هذا.
قوله: "والمكان".
أقول: لا خفاء في ثبوت شيء ينتقل منه الجسم، وإليه، ويسكنه بحيث لا يسعه غيره، وهو المعني بالمكان، وإنما النزاع في حقيقته ما هي؟
стр. 1719
ذهب الفلاسفة المتأخرون مثل أرسطوطاليس (١)، وكثير من المتكلمين إلى أنه السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوي، فالسطح عبارة عن العرض القائم بظاهر الجسم له عرض، وطول، ولا عمق له، والحاوي كالكوز مثلًا، والمحوي كالماء الكائن [فيه] (٢).
وقيل: المكان بعد مجرد موجود، والمراد بالمجرد أنه ليس جسمًا، ولا جسمانيًا ينفذ فيه الجسم، ويحصل فيه، ويكون شاغلًا (٣) له، وهذا مذهب شيخ أرسطوطاليس أفلاطون (٤)، وكثير من قدماء الفلاسفة. وقيل: بعد مفروض، أي عدم محض، ونفي صرف ممكن أن لا يشغله شاغل، والذين يقولون: إنه الفراغ المتوهم الذي يشغله الجسم، حتى لو لم يشغله لكان خلاء.
стр. 1720
استدلوا على أنه السطح المذكور، بأنه لو كان بعدًا مجردًا وجوديًا، فإذا نفذ فيه الجسم يلزم تداخل البعدين، أي: بعد المكان، وبعد المتمكن، بحيث يرتفع التمايز بينهما في الوضع، والمقدار، وتجويز ذلك يفضي إلى جواز تداخل العالم في حيز الخردلة وهو محال.
ولو كان بعدًا مفروضًا، أي: نفيًا محضًا لما قبل الزيادة، والنقصان، والثاني: باطل لأن البعد بين المدينتين أكثر من البعد بين الجوارين.
والجواب -عن الأول- أنه لا يلزم من جواز تداخل بعدين أحدهما مادي، والآخر مجرد تداخل البعدين الماديين.
وعن الثاني: بأن الزيادة، والنقصان باعتبار الفرض على معنى أن لو كان بين المدينتين (١) مقدار موجود، لكان ذلك المقدار الموجود أعظم من المقدار الموجود بين الجوارين.
قوله: "والخلاء جائز".
أقول: لما كان مذهب المتكلمين أن المكان عبارة عن الفراغ المتوهم الذي يشغله الجسم بمعنى أنه لو لم يشغله لكان خلاء أشار إلى أن الخلاء ممكن.
فإن قلت: كيف يتصور جواز الخلاء عند المتكلمين القائلين، بأن المكان نفي محض، وأمر وهمي؟
قلت: معناه أنه يمكن أن يكون جسمان لا يتماسان، ولا يكون بينهما ما يماسهما، كما أشار إليه المصنف.