واضح في عدم جواز الاجتماع، حتى يتكلم به العوام: الضدان لا يجتمعان، ولكن المهم معرفة الضدين.
فالضدان: هما الأمران الوجوديان اللذان بينهما غاية الخلاف. فالعمى والبصر ليسا بضدين؛ لأن أحدهما وجودي، والآخر عدمي. ولا البياض والخضرة؛ لأنهما، وإن كانا وجوديين، إلا أن الخلاف بينهما ليس في غاية، [بل غاية] (١) الخلاف إنما هو بين السواد والبياض إذ لا يتصور فوقه خلاف آخر.
والنقيضان: هما الإيجاب والسلب، فلا يجتمعان ولا يرتفعان (٢)، فلا يمكن أن يعقل شيئان إلا بينهما إيجاب بأن يقال: أحدهما هو الآخر، أو السلب بأن يقال: أحدهما ليس الآخر.
قوله: "وأن أحد طرفي الممكن ليس أولى به".
أقول: الإمكان نوعان، الإمكان الخاص: وهو سلب الضرورة من جانبي الوجود والعدم، مثل الإنسان، فإن وجوده وعدمه ليسا ضروريين.
стр. 1717
والإمكان العام: وهو سلب الضرورة من أحد الطرفين، فيشمل الواجب، والممكن، والممتنع. إذا تقرر هذا، فنقول: لا يجوز أن يكون أحد طرفي (١) الممكن، أولى به من الآخر.
وقيل: العدم أولى به، لأن الوجود يحتاج إلى علة موجودة، والعدم يكفيه انتفاء شيء من أجزاء علة الوجود. وقيل: الأعراض السيالة كالحركهَ، والتكلم العدم أولى به، لاستحالة بقائها (٢).
والجواب: أن الكلام في الممكن بالنظر إلى ذاته لا بالنظر إلى الخارج عنه، وما ذكرتموه ليس بالنظر إلى ذاته.
قوله: "وأن الباقي".
أقول: اختلف في أن الباقي حال بقائه هل يحتاج إلى السبب المؤثر، أم لا؟
الحق: أنه يحتاج، وهذا مبني على أن سبب احتياج الممكن، هل هو الإمكان، أو الحدوث، أو مجموعهما، أو الإمكان بشرط الحدوث؟
فبالأول: قال الفلاسفة، وبالثلاثة الأخيرة قال المتكلمون.
стр. 1718
ومعنى كلام المصنف أن العلة، والسبب في الاحتياج أيًا ما كان من هذه الأمور يوجب احتياج الممكن حال بقائه إلى المؤثر، لأن الإمكان، والحدوث لا زمان للموجود الحادث.
قيل: لو احتاج حال البقاء، فالتأثير إما في الحاصل، وهو محال، أو في المتجدد، وليس ذلك تأثيرًا في الباقي.
قلنا: تأثيره في المتجدد، وهو الوجود بالإضافة إلى الزمان الثاني، وهو تأثير في الباقي، لأنه أفاده لدوام وجوده، إذ لو زال المؤثر لانتفى ذلك الدوام.
وقد فهم بعضهم (١): أن مراد المصنف من هذا الكلام الرد على الفلاسفة، فإنهم لم يقولوا باحتياج الباقي إلى المؤثر.
وليس كما فهمه: لأن مذهب الفلاسفة أن الإمكان علة الاحتياج، ولا شك أنهم مجمعون على أن الإمكان ذاتي للممكن لا يفارقه، بل مراد المصنف أنه على كل تقدير يلزم احتياج الباقي، وأعجب من هذا أنه بنى مسألة الحال على هذا.
قوله: "والمكان".
أقول: لا خفاء في ثبوت شيء ينتقل منه الجسم، وإليه، ويسكنه بحيث لا يسعه غيره، وهو المعني بالمكان، وإنما النزاع في حقيقته ما هي؟
стр. 1719
ذهب الفلاسفة المتأخرون مثل أرسطوطاليس (١)، وكثير من المتكلمين إلى أنه السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوي، فالسطح عبارة عن العرض القائم بظاهر الجسم له عرض، وطول، ولا عمق له، والحاوي كالكوز مثلًا، والمحوي كالماء الكائن [فيه] (٢).
وقيل: المكان بعد مجرد موجود، والمراد بالمجرد أنه ليس جسمًا، ولا جسمانيًا ينفذ فيه الجسم، ويحصل فيه، ويكون شاغلًا (٣) له، وهذا مذهب شيخ أرسطوطاليس أفلاطون (٤)، وكثير من قدماء الفلاسفة. وقيل: بعد مفروض، أي عدم محض، ونفي صرف ممكن أن لا يشغله شاغل، والذين يقولون: إنه الفراغ المتوهم الذي يشغله الجسم، حتى لو لم يشغله لكان خلاء.
стр. 1720
استدلوا على أنه السطح المذكور، بأنه لو كان بعدًا مجردًا وجوديًا، فإذا نفذ فيه الجسم يلزم تداخل البعدين، أي: بعد المكان، وبعد المتمكن، بحيث يرتفع التمايز بينهما في الوضع، والمقدار، وتجويز ذلك يفضي إلى جواز تداخل العالم في حيز الخردلة وهو محال.
ولو كان بعدًا مفروضًا، أي: نفيًا محضًا لما قبل الزيادة، والنقصان، والثاني: باطل لأن البعد بين المدينتين أكثر من البعد بين الجوارين.
والجواب -عن الأول- أنه لا يلزم من جواز تداخل بعدين أحدهما مادي، والآخر مجرد تداخل البعدين الماديين.
وعن الثاني: بأن الزيادة، والنقصان باعتبار الفرض على معنى أن لو كان بين المدينتين (١) مقدار موجود، لكان ذلك المقدار الموجود أعظم من المقدار الموجود بين الجوارين.
قوله: "والخلاء جائز".
أقول: لما كان مذهب المتكلمين أن المكان عبارة عن الفراغ المتوهم الذي يشغله الجسم بمعنى أنه لو لم يشغله لكان خلاء أشار إلى أن الخلاء ممكن.
فإن قلت: كيف يتصور جواز الخلاء عند المتكلمين القائلين، بأن المكان نفي محض، وأمر وهمي؟
قلت: معناه أنه يمكن أن يكون جسمان لا يتماسان، ولا يكون بينهما ما يماسهما، كما أشار إليه المصنف.
стр. 1721
والدليل على جواز ذلك أنا لو طبقنا صفحة ملساء على أخرى مثلها بحيث لا يكون بينهما هواء لتساوى الأجزاء، فإذا رفعنا الصفحة العليا دفعة -ولنفرض الصفحتين عظيمتين- ففي أول الارتفاع يخلو الوسط جزمًا لأن نفوذ الهواء إنما هو من الأطراف (١).
قوله: "والزمان".
أقول: كما اختلف في حقيقة المكان، فكذا في حقيقة الزمان. فذهب قدماء الفلاسفة إلى أنه جوهر مجرد ليس بجسم، ولا جسماني. وقيل: هو الفلك التاسع، وهو -أيضًا- مذهب الفلاسفة، ومعدل النهار دائرة على الفلك الأعظم أعني التاسع (٢)، وإنما سميت معدل النهار لتعادل الليل والنهار إذا كانت الشمس على سمتها.
стр. 1722
وقيل: ليس نفس الفلك المذكور بل حركته.
وقيل: بل مقدار حركنه، وهو مختار أرسطوطاليس، ومتأخري الفلاسفة.
وذهب المتكلمون إلى أنه أمر عدمي، وعرفوه بأنه: متجدد معلوم يتقدر به متجدد غير معلوم، كما يقال: آتيك طلوع الشمس (١).
قال المصنف: والمختار أن (٢) الزمان مقارنة متجدد [موهوم لمتجدد] (٣) معلوم إزالة للإيهام، وقد تبع في هذا الكلام الآمدي، وفي عبارته تسامح ظاهر، إذ لا يخفى أن حقيقته ليست عبارة عن المقارنة، بل تحصل من تقدير المتجدد الموهوم بالمتجدد المعلوم، حالة تسمى بالمقارنة، مثل مقارنة إتيانك لطلوع الشمس، فالإتيان هو المتجدد الموهوم، وطلوع الشمس المتجدد المعلوم، ولكل من أصحاب المذاهب أدلة أعرضنا عن ذكرها، لأن المسألة قليلة الجدوى، فالإحاطة بمآخذ الأقوال كافية.
قوله: "ويمتنع تداخل الأجسام".
стр. 1723
أقول: اتفق العقلاء على عدم جواز التداخل (١).
وقد عرفت أن المراد منه اتحاد الشيئين، أو أكثر بحيث لا يزداد الحجم.
ومن قال (٢): إن دخول الملك في الرحم لتصوير النطفة يشكل على من لم يجوز التداخل (٣) لم يدر معنى التداخل.
قوله: "وخلو الجوهر".
أقول: ذهب جميع العقلاء الذين يعتد بهم في الإسلام، والفلاسفة إلى أن الجوهر لا يخلو عن العرض (٤).
стр. 1724
أما الفلاسفة، فلأنهم لم يقولوا بوجود الجوهر الفرد، والجسم مركب -عندهم- من الهيولى والصورة، وهم متفقون على عدم وجود إحديهما بدون الأخرى، فالموجود هو الجسم، وكل جسم لا يخلو عن شكل طبيعي، وحيز طبيعي.
وعند المتكلمين: الجوهر الفرد، والجسم المركب من الجواهر الفردة لا يخلو عن العرض، لأنه متناه، وكل متناه ذو شكل وهيئة.
وتوهم بعضهم (١) أن القائلين بقدم العالم من الفلاسفة يجوزون تجرد الجسم عن العرض، وهذا غلط، إذ القائلون بقدم الأفلاك قائلون بقدم أشكالها.
قوله: "والجوهر غير مركب من الأعراض".
أقول: مذهب الجمهور أن الجواهر غير متألفة من الأعراض ونسب خلافه إلى النظام، والنجار (٢) من المعتزلة وبنوا على ذلك أن
стр. 1725
الجواهر غير متماثلة لكون ما تألف منها كذلك، هكذا وقع في المواقف (١).
والصواب: أن المخالف ضرار (٢) لا النظام لأن مذهب النظام أن الجسم مركب من أجزاء غير متناهية هي الجواهر الفردة.
قوله: "والأبعاد متناهية".
أقول: اتفقت الفلاسفة، والمتكلمون على أن الأبعاد (٣) القائمة بالأجسام متناهية.
стр. 1726
ونقل عن حكماء الهند، وجمع من المتقدمين، وأبي البركات (١) من المتأخرين خلافه.
لنا -على التناهى- أن لو أخرجنا خطين من نقطة مثل السلم، ويمشيان على الانفراج، والانفتاح هكذا إلى غير النهاية، لزم أن يكون غير المتناهي محصورًا بين الحاصرين، وهو محال.
ولنا -أيضًا- لو وجد بعد غير متناه نفرض نقصان ذراع منه، ثم نطبقه على بعد تام غير ناقص، فإما أن يقع بإزاء كل ذراع من الناقص ذراع من التام وهو باطل، وذلك لاستلزامه تساوي الناقص، والتام، أو ينقطع الناقص عن التام، ويزيده التام بذلك الذراع، والزائد على المتناهي بمقدار متناه، متناه لا محالة.
قوله: "والمعلول".
стр. 1727
أقول: علة الشيء بمعنى المؤثر في وجوده، تقدمه على المعلول بالذات لا بالزمان، كتقدم جرم الشمس على الإضاءة.
وقد تطلق العلة على ما يحتاج إليه الشيء (١)، وذلك المحتاج إليه إما داخل، أو خارج، والداخل إما أن يكون الشيء به ذلك الشيء بالقوة، وهي العلة المادية كالخشب للسرير، أو يكون ذلك الشيء بالفعل، وهي العلة الصورية كالهيئة الحاصلة للسرير بعد ضم الأخشاب.
والخارج إما أن يكون حصول الشيء، ووجوده منه، وهي العلة الفاعلية، أو لأجله، وهي العلة الغائية كالجلوس على السرير. هذا ومرادهم بأن العلة مع المعلول زمانًا، أو يعقبها مطلقًا، يريدون بذلك العلة الموثرة على طريق الإيجاب دون الاختيار، كحركة المفتاح مع حركة اليد، ولا يمكن ذلك إلا مع المعية الزمانية.
ومختار المصنف مع والده لا يستقيم على ما عليه المحققون (٢) وإن اصطلحوا على شيء، فلا مشاحة معهم.
стр. 1728
وكذلك القول بالفرق بين الوضعية، والعقلية لا يصح على ما ذكرناه: لأن الوضعية تأثيرها بالإيجاب، أو بالاختيار، فعلى الأول: لا يتصور تأخر زماني، وعلى الثالث: ليست بعلة اصطلاحًا عندهم.
وشبهتهم -بأنه إذا قال - لغير المدخول بها-: إذا طلقتك فأنت طالق، ثم قال -لها-: أنت طالق لم تقع إلا الطلقة الواحدة (١)، فلو كان العلة، والمعلول معًا زمانًا، لوقعتا - واهية: لأن المعية وإن كانت زمانية، ولكن معها تقدم ذاتي، لأنهما مجتمعان.
وإذا تقدمت الطلقة المعلق عليها ذاتًا لم يبق المحل قابلًا للطلاق فعدم وقوع (٢) التقدم الذاتي، تأمل فإنه في غاية الحسن!
قوله: "واللذة".
стр. 1729
أقول: الجمهور على أن من الكيفيات النفسانية اللذة، والألم وتصورهما بديهي: لأنهما من الوجدانيات، وربما يفسران قصدًا إلى تعيين المسمى، وتلخيصه (١).
قال ابن سينا (٢): "اللذة: إدراك، ونيل لما هو عند المدرك كمال، وخير.
والألم: إدراك، ونيل لما هو شر، وآفة عند المدرك".
فإدراك الحلاوة لذة تدرك بالذائقة، وإدراك الجمال لذة تدرك بالباصرة، وإدراك الصوت الحسن لذه تدرك بالسامعة وإدراك الحقائق على ما هي عليه في نفس الأمر لذة تدرك بالقوة العاقلة.
стр. 1730
وقول الإمام: بالحصر (١) في المعارف -واقتدى به والد المصنف- ليس حصرًا حقيقيًا، بل ادعائي في أشرف الأنواع مثل الحصر في: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢]، و"الحج عرفة" (٢).
وأما قول ابن زكريا (٣): بأن اللذة هي النجاة من الألم فقد أبطله ابن سينا، وغيره، بأنه قد تحصل اللذة من غير سابقة ألم، كمن لم يكن ذاق
стр. 1731
الحلو قط، ولا سمع به، فأول ما يذوقه يحصل له لذة، ولا سابقة ألم هنا، ولا داعية شوق.
قال المصنف: والحق: أن إدراك الملائم ليس نفس اللذة، بل هي حالة لازمة لإدراك الملائم (١)، وهذا كلام في غاية الحسن، والوجدان يشهد له.
قوله: "وما تصوره العقل".
أقول: ما يتعقله الإنسان إذا قيس إلى الوجود الخارجي لا يخلو إما أن تكون ذاته مقتضية لوجوده، وهو الواجب تعالى، إذ ما يكون مقتضى الذات لا يعقل انفكاكه.
وإما أن تكون مقتضية لعدمه، فهو الممتنع لذاته، إذ لا يمكن اتصافه بالوجود، لأن الامتناع من لوازم الذات لا يمكن زواله. وإما أن لا تقتضي شيئًا من الوجود، والعدم، وهو الممكن، لما سبق من استواء طرفيه أعني الوجود، والعدم.
ثم الممكن تارة يكون واجبًا بالغير إذا وجدت علة وجوده، وتارة ممتنعًا بالغير إذا انتفى علة وجوده (٢).
стр. 1732
الخاتمة في بعض مسائل التصوف (الزهد والورع)
стр. 1733
الخاتمة
قوله: "خاتمة".
أقول: جعل خاتمة (١) كتابه بعض مسائل التصوف (٢).
стр. 1734
وصدر بمسألة أول الواجبات -وإن لم تكن من التصوف (١) - إيماء إلى أنها الركن الأعظم في الطريق الموصل إلى اللَّه تعالى. فنقول: قد اختلف في أول ما يجب على المكلف.
стр. 1735
قال الشيخ: هو معرفة اللَّه تعالى لكونها أصل المعارف. وقال الأستاذ: هو النظر في معرفته تعالى.
وقال القاضي، والإمام: هو القصد إلى النظر، هكذا في شرح المقاصد (١) وزاد المصنف مذهبًا آخر، ونسبه إلى القاضي، وهو أول النظر، ونسب القصد إلى ابن فورك، وإمام الحرمين.
والحق: ما في شرح المقاصد (٢)، إذ لا معنى لوجوب أول أجزاء النظر بدون النظر لعدم استقلاله.
стр. 1736
ثم وجه التوفيق بين المذاهب المذكورة: أنه إن أريد أول الواجبات المقصودة، فلا شك أنه معرفة اللَّه، وإن أريد أعم من المقصود بالذات، فهو القصد (١).
ولما كان النظر مستلزمًا للقصد ألغى بعضهم (٢) ذكر القصد.
وما قيل (٣): من أنه علم منه أن الطريق إلى معرفته هو النظر لا غير ليس بشيء إذ لا حصر في كلامه.
قوله: "وذو النفس الأبية".
أقول: روى البيهقي -في شعب الإيمان- عن سهل بن سعد (٤) الساعدي أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه يحب معالي الأمور ويكره سفسافها" (٥).
стр. 1737
والسفساف -لغة-: الشيء الحقير الدني (١)، وهذا الكلام منه ﷺ من جوامع الكلم، فإنه ينطبق على جميع جزئيات أسباب السعادة، والشقاوة.
ومراد المصنف من إيراده في علم التصوف أن أهل التصوف هم الذين غير ملتفتين إلى الدنيا الدنية (٢)، بل نظره مقصود إلى النعيم الباقي، بل إلى مولى النعم الذي هو أرفع المطالب الذي يستحقر دونه كل مطلوب.
стр. 1738
قوله: "ومن عرف ربه".
أقول: العارف بربه هو الذي يرى الكائنات مستندة إليه تعالى بلا واسطة، وليس لأحد صنع سواه تعالى، وأيقن أنه الغني المطلق، وبيده النفع، والضر، وله الكمال المطلق. فإذا عرف الرب تعالى على الوجه المذكور لزم منه أمور منها: ما يرجع إليه، ومنها: ما يرجع إليه تعالى.
أما ما يرجع إليه هو تصور التبعيد، والتقريب (١)، فإنه قد جزم بأنه يفعل ما يشاء ليس لأحد صنع، وإذا تصور ذلك لزم منه الخوف، والرجاء، وقدم الخوف على الرجاء، لأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح.
وإذا اتصف بهما لزم من ذلك الامتثال لأوامره، والاجتناب عن معاصيه، إذ من ادعى معرفته تعالى وهو منهمك في مخالفته، فقد كذب في دعواه لأنه لو تصور عظمته، واقتداره، وأنواع عقابه لم تتحرك منه شعرة إلى نحو المخالفة (٢).
стр. 1739
وإذا تحلى بلباس التقوى، وجانب أسباب الغواية والهوى، فقد كمل ما هو راجع إليه، واستعدت النفس لقبول الفيض (١) من الجناب الأعلى الذي فيضه عام لا يتخلف عند قابلية المحل، مَنًّا وفضلًا.
قال رسول اللَّه ﷺ : "يا معاذ بن جبل قال: لبيك يا رسول اللَّه، قال (٢): هل تدري ما حق اللَّه على العباد؟ قال: اللَّه ورسوله أعلم، قال: حق اللَّه على عباده أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا. ثم قال: وهل تدري ما حق العباد على اللَّه، إن فعلوا ذلك؟ قال: اللَّه ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذبهم، ويدخلهم الجنة" (٣) ولفظ الحق من طرف العباد، ذكر مشاكلة، أو حق عليه تعالى لموجب وعده، لأنه لا يخلف الميعاد.
فهذا الحديث دليل واضح على أن العبد إذا أتى بالعبادات واجتنب المعاصى من الذين قال اللَّه في حقهم: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] (٤) وإذا أحبه كان عند العبد بمنزلة سمعه الذي به يسمع، وبصره الذي به
стр. 1740
يبصر، ويده التي بها يبطش، واتخذه اللَّه وليًا إن سأله أعطاه، وإن استعاذ به أعاذه (١).
واعلم أن هذا الحديث الذي أورده المصنف من الصحيح المتفق على صحته، ومن الأحاديث التي اختلف فيها الخلف والسلف (٢)، ونحن نذكر
стр. 1741
بعض معانيه الموافقة لقانون الشرع فنقول: كونه تعالى نفس السمع، والبصر حقيقة محال بأول الفطرة، فلا يراد من الكلام قطعًا.
فالمعنى: أنه إذا بلغ العبد إلى كمال المعرفة، وارتاض بالطاعات، وكف عن غيره تعالى، فكل شيء يراه أو يسمعه، لا يرى فيه ولا يسمع إلا من جهة الحق، وأنه من آثار الصانع (١) وآية من آياته.
стр. 1742
ففى كل شيء له آية ... تدل على أنه (١) واحد
وهو إشارة إلى مقام الفناء (٢) الذي هو أعلى مقامات الواصلين فإنه يصير السالك في ذلك المقام فانيًا عن نفسه، وفانيًا عن فنائه لا يتصور إلا
стр. 1743
ثنينية، لا على معنى الحلول (١)، والاتحاد (٢) كما عليه بعض الضالين، بل بمعنى الغفلة عن غيره تعالى، والمواظبة على طاعته وشغل السر به.
стр. 1744
وناهيك في هذا الباب حديث النسوة، مع يوسف، وعدم الإحساس بقطع اليد (١) لاستغراقهن بمطالعة جماله، وفنائهن عن الوجود، وإذا كان هذا حال الناقصات عقلًا مع بشر، فالمهيمون بحضرة القدس المستغرقون في أنوار جلاله وجماله أولى، وأحرى بالفناء عما سواه.
اللهم اجعلنا من الواصلين إلى ذلك الأثر لا الواقفين على سماع الخبر، وأغرقنا في بحار التجلي، ولا تجعلنا من العاكفين على ساحل التمني.
قوله: "ودنيء الهمة لا يبالي".
أقول: من ركن إلى الدنيا بشراشره، وقصر نظره على الحطام، وصار في عداد الأنعام لا يبالي بالأمور، ولا يفرق بين الضار والنافع، فهو الذي أشير إليه في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
стр. 1745
وقال المصنف: ذاك الذي جهله فوق جهل الجاهلين (١)، لأنه أضل من الأنعام، ولا يتصور جهل فوق هذا.
أو قل: من ترك عيش الآخرة، ونعيمها الدائم، وركن إلى الدنيا الفانية، واطمأن بها هو الذي جهله لا يكتنه كنهه، ولا يقادر قدره، وقد ورد أن الآخرة لو كانت من الخزف الباقي، والدنيا من الذهب الفاني، فكان الواجب على من له مسكة (٢) من العقل اختيار الباقي (٣)، فكيف
стр. 1746
والدنيا مزبلة، والآخرة أعلى منزلة؟ ونتيجة ذلك الجهل الدخول في ربقة المارقين من الدين النافرين عنه.
وإذا دخل في زمرتهم، وعدادهم، فالآيات الواردة في قبح حالهم الناعية عليهم بكل سوء في العقبي لا تعد، ولا تحصى، ولا على أحد من الناس تخفى (١).
قوله: "فدونك صلاحًا".
أقول: لما بين أن سلوك طريق الحق ماذا أمده، وغايته من القرب من حضرة رب العالمين، والعدول عنه كيف يدخل في ربقة الضالين الخاسرين حث على تعاطى أسباب تلك السعادة، وحذر عن التلبس بما يورث تلك الشقاوة، فعليك بصالح [العمل] (٢)، وإياك وما يورث الندامة، والخجل، وقد راعى في ترتيب الأمور المذكورة في العبارة ترتبها حسب نفس الأمر، مع طباق (٣) كل صفة، مع مقابلتها، فإن الصلاح هو الاستقامة على الوجه
стр. 1747
المشروع المأمور، فهو أول منازل السائرين إلى اللَّه تعالى، ومقابله الفساد الذي هو سلوك طريق الغواية، فإذا لم يكن السائر السالك على الجادة القويمة ماذا ينفعه سرى الليالي، وظمأ الهواجر في الفيافي. ثم يترتب على الصلاح الفوز بالرضا، وعلى الفساد خسارة الصفقة وخيبة الرجاء.
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تمشي على اليبس (١)
وإذا فاز بالرضا قرب من مهمة البعد، إلى ساحة الحضور.
وإن مسه نار السخط، فصار في سلك المطرودين عن باب الرحمة الواسعة، وهلك في مفازة الوحشة، والأقطار الشاسعة.
ثم يدخل ذلك في ديوان السعادة، ويتمتع بالنعيم، ويسقط هذا في الدرك الأسفل، ويتجرع الحميم في الجحيم، فتنبه أيها النائم عن سنة الغفلة، والغرور، لعلك تحظى بجوار اللَّه في دار السرور، وتنجو من لهب البعاد، ونار الثبور.
قوله: "وإذا خطر لك أمر".
أقول: سالك طريق الآخرة كالتجار المسافرين لنيل الربح، والنجاة من الفقر، وكما أن تاجر الدنيا لا بد له من طريق آمن ليسلم رأس ماله، ويفوز بما يرجوه من أنواع الربح، وإلا يذهب رأس ماله على يد قطاع الطريق، ويهلك هو إما بسبب الحرامي، أو بنار الحسرات على فوت رأس ماله، وسوء حاله.
стр. 1748
كذلك سالك طريق الآخرة الشيطان له عدو مبين، ولم يزل بالمرصد، ليحتال كيف يصطاد، وعنده فنون، وأنواع من الحبائل ينصبها في الغدوات، والأصائل.
فعلى السالك -بعد تيقظه، وإرادة سلوك سبيل الآخرة- أخذ العدة لقهر ذلك العدو اللعين الذي لا يفارق المرصد، والكمين، وليس النجاة منه إلا بالتمسك بعروة الشريعة الغراء، فإنها المحجة (١) البيضاء لم ينكب قط سالكها، ولا انتهب يومًا سابلها.
فإذا وقع للسالك شبهة في سلوكه يحاذي بها تلك المحجة، فإن اتصلت بها، فهي من شعبها، وفروعها، فيجزم بسلامة السالك، ونجاته من المهالك، وإن لم تدخل في تلك الفروع فليجانبها، فإنها عين الضلالة وأحبولة من حبائل الشيطان. ثم كما يفسد متاع التاجر بالغفلة عنه، وعدم الكشف عن حاله هل وصل إليه آثار الشمس، أو الماء، أو سائر آفات الأقمشة، ربما وصل إلى المقصد، وهو في غاية النشاط، والسرور
стр. 1749
ولما فتح متاعه وجده قد أفسده الحر، أو الماء مثلًا، فذاك أقوى ما يتصوره من الخسارة، وأنهى ما يكون في الحسرات، والندامة، فكذلك السالك يجب عليه أن يعرض كل ما يأتي به من الأعمال على محل الإخلاص (١)، ولا يشوبه بالعجب، والرياء، ولا يشينه بالحسد، والأخلاق المذمومة شرعًا.
وإن وقع في قلبك شيء من الأمور المنهية من غير قصد إلى ذلك فلا عليك منه إذ ذلك لا ينقص من عملك شيئًا، لأن اللَّه قد تجاوز عنه.
قوله: "واحتياج استغفارنا".
стр. 1750
أقول: لما ذكر أن العمل لا يعتد به إلا إذا كان موزونًا بالشرع، منقحًا عن شوائب الرياء، والعجب، وكانت هذه المنزلة عالية لا يقدر على الوفاء بها كل قاصر، بل ذلك شأن الخلص الموفقين.
فقال: إنما ذكرت لك ذلك لتسعى في تحصيله بالمواظبة على الطاعات ومخالفة النفس، والسالك في أول السير لا بد له من تلك الخطرات، فلا يترك -من خوف ذلك- أصل العمل المأمور به، لأن ما لا يدرك كله لا يترك بعضه.
وقد اشتهر أن الرياء قنطرة الإخلاص، وأيد ما قصده بقول من هو إمام مشهور في هذا الشأن الشيخ القدوة شهاب الدين عمر (١) السهروردي (٢) تغمده اللَّه برضوانه إذ قوله:
стр. 1751
اعمل وإن (١) خفت العجب مستغفرًا مجمل ما فصله هذا في العمل الذي وزن بميزان الشرع، وكان موافقًا لقانونه. وأما الذي لا يوافقه -فبعد العراض على الميزان، ووجدانه زيفًا- إياك أن تواقعه، الحذر كل الحذر، فإن قصدت إليه، ووطنت النفس عليه، فهي معصية، فاستغفر عنها، فإن من هيأ أسباب شرب الخمر اليوم ليسكر في غد، ووطن النفس عليه، واغتالته المنية، فهو آثم، ولا بد من بسط الكلام هنا، لأنه مزلة الأقدام.
فنقول: ما يقع في النفوس له خمس مراتب:
الأولى: هواء حس النفس، وهي الواردات التي لا قدرة للعبد على دفعها، فلا مؤاخذة عليها (٢) كما لا ثواب عليها إذ مناط الثواب، والعقاب الأفعال الاختيارية.
الثانية: خواطر النفس، وهو أن يجريها باختياره، ويتردد هل أفعل، أم لا أفعل؟ وهذا -أيضًا- لا يصلح مناطًا للثواب، والعقاب، لأنه لم يحكم بشيء، والتصورات الخالية عن الحكم لا يتعلق بها ثواب ولا عقاب لخلوها عن الأحكام، فحيث لا حكم لا ثواب، ولا عقاب.
стр. 1752
الثالثة: حديث النفس، وهي رتبة أعلى (١) من الأولى، والثانية، ولكن لا قصد إلى الفعل أيضًا إلا أنه أكد الخاطر بأن حدثته نفسه أنه يحب أن يفعله، ولكن لم يهم، ولم يقصد إلى ترجيح الفعل.
[الرابعة: الهمّ وهو ترجيح قصد الفعل] وهذه المرتبة تفارق فيها الحسنة السيئة، فإن كان الأمر الذي قصده خيرًا كتب له حسنة، وإن كان معصية لم يكتب عليه ما لم [يعمل أو] (٢) يتكلم، وإن ترك السيئة بعد القصد كتبت له حسنة (٣).
والمرتبة الخامسة: قوة القصد، والعزم، واطمئنان النفس إليه والركون التام، فذلك مؤاخذ به عند المحققين (٤) للإجماع على المؤاخذة
стр. 1753
بأفعال القلوب، ولقوله ﷺ : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول اللَّه هذا القاتل، فما بال المقتول؟
قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" (١) جعل علة استحقاق النار الحرص على قتل صاحبه.
стр. 1754
قوله: "فإن لم تطعك الأمارة".
أقول: لما أمر السالك بالاستغفار عن الخاطر القبيح -وقد تقرر أن النفس أمارة بالسوء مائلة إلى الشهوات- فقال: الأمر كذلك إلا أنها أعدى عدوك، فجاهدها -كما تجاهد عدوك الساعى في إزالة حياتك الفانية- بالطريق الأولى: لأنها تزيل حياتك الأبدية، فإن أعانك اللَّه، فغلبت، فذاك التوفيق، والمرام، وإن غلبت هي، فبادر إلى التوبة، فإنها نعم المعونة، والحصن الحصين لا نعمة -بعد الإسلام- أجل منها: لأنها تجب ما قبلها على ما نطق به الحديث الصحيح (١).
فإن عجزت عن دفع شر الأمّارة، وقَلَّت حيلتك ذكِّرْها بهاذم اللذات، ومفرق الجماعات واتل عليها: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] فإنه لا عنان أكبح من ذلك، ولا دواء أنجع منه، ولذلك قال المؤيد
стр. 1755
بالحكمة ﷺ : "أكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه ما ذكره أحد في ضيق إلا وسع، ولا في سعة إلا وضيقها" (١).
هذا إذا كان عدم إقلاع النفس عن المعصية استلذاذًا، وكسلًا. وأما إذا كان يأسًا، وقنوطًا استعظامًا من الذنب، فهذا مقت من اللَّه، وضم ذنب إلى آخر، فتدارك إقلاعها عنه بأن تتلو عليها الآيات الدالة على سعة رحمته تعالى مثل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
والحديث الذي رواه مسلم: "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب اللَّه بكم، ولجاء بقوم آخرين، فيذنبون، فيستغفرون، فيغفر لهم" (٢).