← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 132415

الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (1 869 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أقول: لمّا قال: الحكم خطاب الله -وقد تقرر في علم البلاغة أن المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين، فالتركيب مفيد للحصر كقولنا: المنطلق زيد، أي: لا غير زيد (١)، فقولنا: الحكم خطاب الله، أي: لا غير- حكم المصنف بأن لا حكم إلا لله بناء على ذلك، وعلله به صريحًا، أي لأجل ما ذكر كان الحكم منحصرًا في الله (٢). ثم المهم -في هذا المقام- تحرير محل النزاع، ولا يمكن ذلك التحرير إلا بتلخيص معنى الحسن والقبح، فنقول: الحسن والقبح يطلقان على الشيء باعتبار معان ثلاثة: الأول: المنافرة والملائمة، فالصوت الطيب حسن بهذا المعنى، والصوت الكريه مبيح، وليس هذا محلًا للنزاع، فإن العقل له فيه حكم ضرورة لا يمكن إنكاره. الثاني: الكمال في الشيء والنقصان فيه، فالعلم في الإنسان حسن والجهل قبيح، ولا شك أن الحاكم في ذلك هو العقل.

стр. 212

الثالث: وهو أن يكون الفعل مناطًا للثواب في الآخرة، أو العقاب هل هو [الحاكم] (١) العقل، أو لا؟ فيه خلاف بين الأشعرية (٢)، والمعتزلة، والحنفية في بعض الأشياء. قالت الأشعرية: لا يمكن الحكم بأن فعلًا من الأفعال يصلح أن يكون مناطًا للثواب أو العقاب إلا من الله ؛ إذ هو المثيب والمعاقب لا علة لفعله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ومتمسكهم في ذلك أمران: أحدهما: أن حسن الفعل وقبحه ليسا لذات الفعل، ولا لأمر داخل في ذاته، ولا لخارج لازم لذاته، حتى يحكم العقل بحسن الفعل أو قبحه؛ بناء على تحقق ما به الحسن والقبح. وثانيهما: أن فعل العبد اضطراري (٣) لا اختيار له فيه، وليس للعقل أن يحكم بالثواب أو العقاب لمن يفعل شيئًا بلا اختيار، وليس معنى قولنا: متمسكهم الأمران المذكوران أنه لا بد من اجتماع الأمرين، بل كل

стр. 213

واحد من الأمرين كاف في إفادة هذا المطلوب، ولا أن دليل الأشعري منحصر في إثبات المطلوب في هذين الأمرين، بل له أدلة أخرى مذكورة في كتب الأحكام (١). وذهبت المعتزلة: إلى أن الحاكم -في أفعال العباد- هو العقل، بمعنى أن العقل هو الموجب والمحرم والمبيح لذوات الأفعال، وهذا عند طائفة منهم. وذهبت طائفة: إلى أن الحسن والقبح في الفعل يكونان لصفة توجبهما. وقال آخرون منهم: إن قبح الفعل يكون لصفة توجبه، وأما حسن الفعل، فيتحقق بفقدان موجب القبح (٢).

стр. 214

وقالت الجبائية (١): يحصلان فيهما لصفة توجبهما لكن الصفة ليست حقيقية، بل وجوه واعتبارات.

стр. 215

ثم أحكام العقل -في أفعال العباد- منها ما هو ضروري كحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضار، ومنها ما هو نظري كحسن الكذب النافع، وقبح الصدق المضر، ومنها ما لا يدركه العقل كحسن صوم آخر يوم من رمضان (١)، وقبح صوم أول يوم من شوال (٢)، فإن العقل لا سبيل له إلى دركه، لكن لما ورد به الشرع كشف عن حسن وقبح ذاتيين. والدليل -على بطلان الأول (٣) -: أنه لو كان الحسن والقبح ذاتيين لما كان العمل الواحد حسنًا وقبيحًا في وقتين. والثاني: كاذب لما بيناه من أن الصدق تارة حسن، وتارة قبيح.

стр. 216

والدليل العام على الكل: أما عقلًا: فلأن الحسن والقبح لو كانا لذات الفعل، أو لصفة فيه لما تساوت الأفعال بالنسبة إلى الأحكام، بل يكون بعضها راجحًا بالنظر إلى الحكم، وبعضها مرجوحًا، فلا يكون الباري -تعالى- مختارًا إذ الحكم بالمرجوح على خلاف العقل، فلا يصدر عنه لكنه ثبت بالدلائل القطعية أنه مختار، وهو مختار الخصم. وأما نقلًا: فقوله تعالى: (وَمَابهُمًا ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ولو كان العقل موجبًا ومحرمًا لزم التعذيب قبل البعثة لتحقق الوجوب، والحرمة المستلزمة له لعدم جواز العفو -عندهم- لكن اللازم (١) باطل، فكذلك الملزوم (٢)، والحنفية (٣)، وإن لم يجعلوا العقل حاكمًا صريحًا، ولكن

стр. 217

قالوا: حسن بعض الأشياء وقبحها لا يتوقف على الشرع، بمعنى أن العقل يحكم في بعض الأشياء بأنها مناط للثواب والعقاب، وإن لم يأت نبي ولا كتابه، وبعض تلك الأحكام بديهي، وبعضها كسبي كما ذكرنا في تقرير مذهب المعتزلة [بلا فرق] (١) والله الموفق. قوله: "وشكر المنعم واجب بالشرع".

стр. 218

أقول: لما بطل حكم العقل مطلقًا، فكان شكر المنعم غير واجب عقلًا (١)، لكن أصحابنا ذكروا فرعين -على التنزل، أي: ولو سلمنا أن العقل حاكم كما زعمتم لكن لا يستقيم حكمه في هذين الفرعين-: الأول: لو وجب لوجب لفائدة (٢)؛ إذ الوجوب بلا فائدة عبث لا يجوز عقلًا، وإذا وجب لفائدة، فتلك الفائدة [إما] (٣) للعبد، أو لله تعالى، وكلاهما منتف. أما انتفاء الثانية: فلكونه -تعالى- متعاليًا عن الفائدة، وأما انتفاء الأول: فلأن تلك الفائدة إما في الدنيا، ولا يتصور ذلك إذ من تلك الأفعال -التي تتضمن شكر المنعم- واجبات ومحرمات، ولا شك أنها مشاق وتكاليف لا حظ للنفس فيها، وإما في الآخرة، ولا يمكن ذلك -أيضًا- لأن أمر الآخرة غيب لا اطلاع لأحد عليه حتى يحكم العقل فيه.

стр. 219

لا يقال: لم لا يجوز أن تكون العلة تلك الفائدة في الدنيا، وهي الأمن من احتمال العقاب إذ العاقل يتفكر في نعم الله الجزيلة الواصلة إليه تترى، فيقول: لو لم أشكر مُولِي هذه النعم ربما أصابني شرارة من سطوة غضبه؟ قلنا: ذلك معلوم عدمه في أكثر الناس (١)، ولو سلم، فاحتمال العقاب -على فعل الشكر- أرجح لأمرين: أحدهما: أن ذلك الشكر تصرف في ملك الغير؛ لأن العبد وما في يده لمولاه، فنفسه وما ينسب إليها ملك له تعالى، والتصرف في ملك الغير بغير إذنه من بواعث الانتقام. الثاني: أن عبادة الثقلين -بالنسبة إلى كبريائه- كذرة (٢) بل دونها، وما ذلك إلا كرجل حضر مائدة ملك أحاط بأكناف البلاد شرقًا، وغربًا، وغمر أهلها عفوًا ونهبًا، وتناول من تلك المائدة لقمة، وشرع يدور في المحافل، ويقول: ليس على وجه الأرض أجود وأكرم من هذا السلطان، فإنه قد تصدق عليَّ بلقمة خبز، فإنه يعد استهزاء قطعًا، بل شكر العبد أقل قدرًا -بالنسبة إلى كبريائه تعالى- من شكر الفقير اللقمة بلا ريب.

стр. 220

الفرع الثاني: أن لا حكم قبل الشرع (١). أما عند الأشاعرة، فظاهر (٢). وأما عند المعتزلة -إلزامًا لهم في هذه المسألة- فإنهم قسموا أفعال العقل إلى ما لا يقضي فيه العقل بشيء، أي لا بحسن ولا [بقبح] (٣)، وإلى ما يقضي فيه. لهم في القسم الأول ثلاثة مذاهب: الحظر، والإباحة، والوقف عنهما، فنقول للحاظر: لو كانت محظورة وفرضنا ضدين كالحركة والسكون، لزم التكليف بالمحال، وأنتم لا تقولون به، ونقول للمبيح-: إن أردت لا حرج -في هذا القسم من الفعل- فمسلم، ولا يجديك نفعًا؛ لأن انتفاء الحرج إنما يتصور بأمرين: أحدهما: عدم الحاكم بالحرج، والآخر: سلب الحاكم الحرج عن الفعل، فالأول: مسلم، والثاني: ممنوع، أما عندنا فلعدم الشرع، وأما عندكم فلعدم حكم العقل في هذا القسم.

стр. 221

ونقول للواقف: إن توقفت في الحكم لعدم السمع، فهو مذهبنا، وإن توقفت لتعارض الأدلة، فلا تعارض، فبطل حكم العقل في هذه المسألة- قطعًا. إذا عرفت هذا عرفت أن كلام المصنف -في هذا المقام- ليس على ما ينبغي لأنه أشار إلى الفرع الأول بقوله: وشكر المنعم واجب بالشرع، وإلى الفرع الثاني بقوله: ولا حكم قبل الشرع، ثم قال: وحكَّمت المعتزلة العقل؛ لأنه لمّا بين أن الحكم خطاب الله -تعالى- وأن لا حاكم عند أهل الحق سواه كان المناسب أن يذكر -بعد ذلك- مذهب المخالف ويستدل على بطلانه، ثم يذكر الفرعين على سبيل التنزل، وقد أوضحنا لك المقام بما لا مزيد عليه، والله الموفق. قوله: "والصواب امتناع تكليف الغافل". أقول: لما فرغ من تعريف الحكم، وبين ما هو الحق في الحاكم، شرع في بيان المحكوم عليه، وهو المكلف. فنقول: مَن منع تكليف المحال (١)، منع تكليف الغافل (٢)، والمراد بالغافل: من لم يتصور التكليف لا من لم يصدق به، فلا يرد تكليف

стр. 222

[الكافر] (١) بالفروع (٢) نقضًا لأن الكافر قد تصور الحكم والحاكم، ولكن لم يصدق بالمحكوم به، ولا يرد وجوب المعرفة -أيضًا- لأن المراد بها التصديق بوجود الباري، مع اتصافه بصفات الكمال، فلا ينافي سبق التصور.

стр. 223

ثم الشيخ الأشعري (١)، وإن جوز التكليف بالمحال لم يجوز تكليف الغافل (٢)؛ لأن في التكليف بالمحال فائدة الابتلاء وهي منتفية هنا. قوله: "والملجأ، وكذا المكره إلى آخره". أقول: الإكراه: هو أن يحمل غيره على أن يفعل ما لا يرضاه، ولا يختار لو خُلِّي ونفسه، وهو على قسمين: ملجئ يسقط التكليف قطعًا، وغير ملجئ يسقط على الصحيح.

стр. 224

والاختيار: هو القصد إلى أمر متردد بين الوجوب والعدم بترجيح أحد جانبيه على الآخر. والرضا: هو موافقة الباطن مع الظاهر، وهو الذي أشير إليه بقوله تعالى: ﴿مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] (١). أي راض به دون الكفر، ففى إجراء كلمة الكفر على اللسان اختيار بالمعنى الذي ذكرنا، دون الرضا لعدم موافقة القلب اللسان. ثم ذلك الاختيار إما أن يكون معتبرًا يسند إليه الحكم، أو لا بأن يسند الحكم إلى اختيار آخر، وبهذا الاعتبار ينقسم الإكراه إلى الملجئ بأن يضطر الفاعل إلى الفعل، أو لا يكون بأن يتمكن من الترك، وقد علم من هذا التقرير أن إفراد الإلجاء عن الإكراه، ثم عطفه عليه غير سديد. ثم الأصل -عند الشافعي (٢) ﵁ في الإكراه- هو أن المكره عليه إما أن يحرم الإقدام عليه، وهو الإكراه بغير حق، أو لا، وهو الإكراه بحق.

стр. 225

والثاني: لا يقطع حكم الشارع عن فعل المكلف كإكراه الحربي على الإسلام، وكذا المرتد بخلاف الذمى لقول -الشارع-: "اتركوهم وما يدينون" (١) ولمفهوم الغاية في قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]. والأول (٢) -أعني الذي يحرم الإقدام عليه-: إن قدم عليه، مع عذر شرعي بأن جعل الشارع للمكلف رخصة في ذلك الفعل: كالتكلم بالكفر

стр. 226

عند خوف القتل، أو ما يلحق به من قطع عضو ونحوه، فلا يتعلق الحكم بذلك الفعل، بل ينقطع تعلقه مع قيام دليله لوجدان المانع سواء كان الإكراه على قول، أو فعل؛ لأن صحة القول تكون بقصد معناه، وصحة العمل إنما تكون بالرضا بمقتضاه. ولا شك أن الاختيار، وإن لم يُنافِ الإكراه -على ما تقدم- لكنه يفسد به في بعض الموارد كما إذا هدد بالضرب على شرب الخمر، أو على الأكل في رمضان؛ لأن الاختيار -وإن كان موجودًا ظاهرًا- لكن ليس بمعتبر (١) دفعًا للضرر (٢) إذ الضرر مدفوع عمن هو محترم معصوم الحقوق شرعًا. ثم إذا قطع الحكم عن فعله، فإن أمكن نسبة الحكم إلى فعل الحامل عليه، يعني المكره نُسب إليه كما إذا أُكره على إتلاف مال الغير، وإن لم يمكن بطل الفعل كما إذا أكره على الإقرار والطلاق والنكاح وسائر المعاملات.

стр. 227

وإن لم يكن عذر شرعى؛ أي لم توجد رخصة من الشارع في ذلك الفعل كالإكراه على قتل السلم بغير [حق] (١)، وكالإكراه على الزنى تعلق الحكم بفعلهما حتى يجب القصاص، وحد الزنى على القاتل والزاني مكرهين في القاتل على الأصح، وعلى رأي في الزاني. وقد تبين بهذا التقرير أن قول المصنف: والمكره على إطلاقه ليس بصحيح (٢)، وأن شيئًا من الفروع لا يخرج عما ذكرنا.

стр. 228

وقد عجز كثير من الناس عن تطبيق هذه القاعدة المذكورة على الفروع، والله الموفق. قوله: "ويتعلق الأمر بالمعدوم إلى آخره". أقول: ذهبت الأشاعرة -من بين سائر الطوائف-: إلى أن الأمر يتعلق بالمعدوم. واستبعده آخرون (١)، والإشكال إنما نشأ من عدم الفرق بين التعلق المعنوي، والتعلق التنجيزي، إذ القائل: بأن الأمر يتعلق بالمعدوم يريد أن

стр. 229

"أقم الصلاة" كلام أزلي متعلق بفعل زيد، فيما لا يزال، بمعنى أن الله علم [أن] (١) زيدًا سيوجد، وإذا وجد بشرائط التكليف توجه إليه الخطاب، وتعلق بفعله تعلقًا آخر. واستدلت الأشاعرة: بأن التعلق لو لم يكن أزليًّا، لم يكن التكليف أزليًّا، إذ التكليف في الأزل بدون التعلق محال، ومن عرف معنى التكليف علم أن التعلق داخل في حقيقته (٢)، أما أن كلامه أزلي: فلأنه لو كان حادثًا لزم قيام الحوادث بذاته -تعالى- عن ذلك علوًّا كبيرًا، وكلامه أمر، ونهي، وخبر، وغيرها، والأمر والنهي إما نفس التكليف -على ما هو الحق- أو مستلزم له، فقد ثبت أن الأمر يتعلق (٣) بالمعدوم. فإن قيل: إنما يلزم ما ذكرتم أن لو انقسم الكلام في الأزل على الأقسام المذكورة (٤) وهو ممنوع، بل القديم هو القدر المشترك.

стр. 230

أجيب: بأن القدر المشترك جنس للأقسام المذكورة، ولا وجود للجنس بدون أنواعه (١). قالوا: يلزم تعدد كلامه -تعالى- وهو باطل؛ إذ هو صفة من صفاته القديمة عند القائلين بها. قلنا: التعدد إنما هو بالنظر إلى تعدد المتعلقات لا بالنظر إلى نفس الصفة، وذلك غير قادح، كما في علمه -تعالى- فإن علمه بأنَّ زيدًا سيوجد مغاير لعلمه بوجود زيد بعد العدم تغايرًا اعتباريًّا. ثم قول المصنف: تعلقًا معنويًّا، يشمعر بأن التعلق التنجيزي غير معنوي، وليس كذلك؛ لأن التعلق أمر معنوي مطلقًا، والأولى أن يقال: تعلقًا ذهنيًّا إذ مقابله تعلق خارجي. قوله: "فإن اقتضى الخطاب الفعل إلى آخره". أقول: الحكم ينقسم باعتبارات شتى، فلما فرغ المصنف من تعريفه وما يلزمه مطلقًا وما يجوز فيه شرع في أقسامه. فقال: الخطاب إن اقتضى الفعل جازمًا؛ أي: غير محتمل نقيضه شرعًا فإيجاب، أو اقتضاه غير جازم؛ أي: مع جواز نقيضه شرعًا فهو

стр. 231

الندب، وإن اقتضى الترك، فإما جازمًا، أي من غير احتمال النقيض فتحريم أو مع جوازه، فإن كان ثبوته بدليل مخصوص (١) فكراهة، أو غير مخصوص (٢) فخلاف الأولى أو التخيير فإباحة، هذا شرح كلام المصنف، وفيه نظر من وجوه: الأول: أنه جعل المقسم نفس الخطاب دون الحكم، مع أن الخطاب جنس الحكم، فالعدول عن الحكم لا وجه له. الثاني: أنه جعل الترك في الحرام متعلق الاقتضاء، وهو أمر عدمي غير مقدور إلا أن يحمل على الكف. الثالث: أنه جعل خلاف الأولى من الأقسام الأولية للحكم، وليس كذلك (٣).

стр. 232

قال الغزالي (١) -في "المستصفى" في تقسيم الحكم على الأقسام الخمسة الأولية المشهورة-: "وأما (٢) المكروه، فهو لفظ مشترك بين معان: أحدها: المحرم، فكثيرًا ما يقول الشافعي ﵁: أكره الشئ الفلاني وهو لا يريد إلا الحرمة. والثاني: ما نُهي عنه تنزيهًا، وهو الذي أشعر بأن تركه خير من فعله، وإن لم يكن عليه عقاب. الثالث: ترك ما [هو] (٣) أولى كترك صلاة الضحى" (٤).

стр. 233

ثم ذكر قسمًا آخر مردودًا ليس المقصود إيراد ذلك بكماله، بل ما يفيد المقصود، فقد صرح بأن تلك الأحكام ليست أولية، بل هي أقسام المكروه الذي هو أحد الأحكام الخمسة، مع أن العدول عنه قد أوجب على المصنف أن يصطلح على أن أحدهما بنهى مخصوص، والآخر بنهى غير مخصوص من غير فائدة للعدول، مع أنه يقتضي تكثير الأقسام، واختراع اصطلاح جديد، ولا يرتضي فاضل ارتكاب شيء من هذه المحذورات. قال المولى المحقق عضد الملة والدين: "المكروه يطلق على معنيين آخَرَين غير ما تقدم: أحدهما: الحرام، كثيرًا ما يقول الشافعي: أنا أكره هذا. وثانيهما: ترك الأولى، يقال: ترك صلاة الضحى مكروه لكثرة الفضيلة فيها، فكان بتركها حط رتبة" (١). مع أنّا لا نسلم أن مثل صلاة الضحى [تركه] (٢) ثبت بنهي غير مخصوص؛ إذ لم يرد نهي عن تركها لا مخصوص ولا عام، وما ذكره بعض الشراح (٣) من أن النهى مستفاد من الأمر بفعلها مردود؛ إذ الأمر بالشئ ليس نهيًا عن ضده على ما ذهب إليه المحققون (٤) ولئن

стр. 234

سلم ذلك، فلا نسلم ورود أمر من الشارع بالصوم على من لا يتضرر، ولا بصلاة الضحى لا بخصوصها ولا بدخولها تحت عام. وقول المصنف: أو التخيير، فإباحة -مع أن الإباحة لا يتعلق بها الاقتضاء لأن المباح ليس مأمورًا به بناء على أن الأمر قد يطلق لإرادة الإباحة كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣]- فقد تسامح في إطلاق الاقتضاء على التخيير، والأمر في ذلك هين، وما ذكرناه- لكلامه- من المحمل أولى من حمله على السهو [منه] (١) كما حكم به الشارح المذكور آنفًا (٢). قوله: "وإن ورد سببًا وشرطًا إلى قوله: والفرض والواجب مترادفان". أقول: قد تقدم أن الأحكام الوضعية هل تسمى أحكامًا (٣)، أم لا؟ منهم من ذهب إلى أن شيئًا من الخطاب الوضعي لا يسمى حكمًا، ويصطلح على أن بعض الخطاب حكم دون بعض (٤)؛ ومنهم من جعل الخطاب التكليفي أعم شاملًا للوضعي، فالوضعى -عنده- تكليفى ضمني إذ معنى سببية الدلوك وجوب الصلاة عنده، ومعنى شرطية الطهارة

стр. 235

وجوبها في الصلاة، أو حرمة الصلاة بدونها، وكذا نقول: "في جميع الأسباب والشروط والموانع" (١). ومن جعل الأحكام الوضعية أحكامًا -في الاصطلاحات- وليست داخلة في التكليفى ضم إلى التعريف قيد الوضع، فقال: "بالاقتضاء، أو

стр. 236

التخيير، أو الوضع" (١)، وكلام المصنف ظاهر في عدم الدخول؛ لأنه بعد الفراغ من تعريف الحكم، وتقسيمه أورده في كلام مستقل، لكن قوله -بعد ذلك-: "وقد عرفت حدودها" إنما يشعر برجوع الأحكام الوضعية (٢) إلى التكليفية. قوله: "وقد عرفت حدودها". أي لما ذكر المشترك الذي هو كالجنس، وهو الخطاب، وقيد في كل قسم بما يميزه عمّا عداه، كان ذلك حدّأ لكل واحد من الأقسام: لأن الحد -عند الأصوليين- كل مركب ميز الماهية عن أغيارها سواء كان بالذاتيات /ق (١٠/ أمن ب) أو بالعرضيات، أو بالمركب [منهما] (٣) كما ستقف عليه في موضعه عن قريب إن شاء الله [تعالى] (٤). قوله: "والفرض والواجب مترادفان إلى آخره".

стр. 237

أقول: الفرض والواجب لفظان مترادفان (١)؛ أي متحدان مفهومًا: إذ الاتحاد -مفهومًا- هو معنى الترادف لا المتحدان ذاتًا كالإنسان، والناطق، فإنهما متحدان ذاتًا مع عدم الترادف، فبينهما عموم وخصوص مطلق، فكل متحدين مفهومًا متحدان ذاتًا -ولا عكس- لغويًّا. وإنما حكمنا بترادفهما؛ لأن كل فعل اقتضاه الخطاب جزمًا، فهو الواجب والفرض، ولا ينافي هذا ما ذكره بعض الفقهاء من الفرق في بعض المسائل، كما قالوا: واجبات الاحرام تجبر بالدم دون فرضه؛ إذ ذلك اصطلاح حادث ارتكبوه للتمييز بين المجبور وغيره. كما اصطلحوا على أن الخارج عن الحقيقة شرط، والداخل ركن. وذهبت الحنفية إلى عدم الترادف؛ لأن الثابت بالخطاب [إن ثبت] (٢) بقطعى ففرض، وإن ثبت بظني فواجب. وحكم المصنف بأن هذا بحث لفظي راجع إلى التسمية لا إلى المعنى؛ إذ الفعل المذكور يستحق تاركه العقاب، سواء كان ثبوته بقطعى، أو

стр. 238

ظني، وأما أن الفرض- في اللغة: التقدير، والوجوب: السقوط، لا يجدي شيئًا (١) وهذا الذي ذكره من الرد ذكره محققو الشافعية في كتبهم (٢) وربما يقال -من جهتهم-: إن من قواعد (٣) /ق (٩ /ب من أ) المعقول أن

стр. 239

اختلاف اللوازم يدل على اختلاف الملزومات كالانقسام بمتساويين في الزوج، وعدمه في الفرد، وكالحركة بالإرادة في الحيوان، وعدمها في غيره، والفرض والواجب مختلفان -عندهم- في اللوازم، فإن الواجب يلزمه عدم الفساد بالترك، والفرض يلزمه الفساد به، وأيضًا الثابت بالقطعي يلزمه كفر المنكر، والواجب لا يلزم منكره كفر، ولهذا يطلق على الثابت بالقطعي -عندهم- الواجب عِلْمًا وعملًا، وعلى الثابت بالظني الواجب عملًا، ويمثلون للأول بصلاة الفجر، وللثاني بالوتر (١)، والله أعلم. قوله: "والمندوب إلى قوله: والسبب". أقول: المندوب ما ندب إليه، أي [فِعْل] (٢) دُعي إليه شرعًا من غير ذم على تركه، مشتق من النَّدب والنُّدبة بمعنى الدعاء (٣). والمندوب المذكور يسمَّى مستحبًا وتطوعًا وسُنةً، وترك المصنف لفظ النافلة ويجب ذكرها، إذ لا فارق عندهم بينه وبين المذكورات، أي هذه

стр. 240

الألفاظ كلها مترادفة في عرف الشرع (١) خلافا لشرذمة (٢) من الشافعية (٣)،

стр. 241

وصاحب الكشف من الحنفية (١) واستدلالهم على ذلك بأن السنة فعل واظب عليه [النبي] (٢) ﷺ ، والمستحب: ما فعله مرتين أو مرة، والتطوع: ما أنشأه الإنسان غير معيد لاتحاد الحقيقة، وعدم اختلاف اللوازم (٣). فإن قيل: على ما قررتم من أن المندوب هو الذي يثاب فاعله ولا يذم تاركه، يشكل بما ورد في حق تارك الجماعة من النصوص الصريحة (٤)،

стр. 242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 243

حتى ذهب بعض العلماء إلى كون الجماعة فرض عين (١)، وكذلك ترك الأذان (٢)، وسائر شعائر الإسلام.

стр. 244

قلت: ذلك [ليس] (١) من حيث إنه ترك نافلة، بل من حيث إشعاره بعدم المبالاة بسنته ﵊، وإليه أشار بقوله: "من رغب عن

стр. 245

سنَّتي فليس منِّي" (١) ثم لمّا كان المندوب غير لازم بطلب من الشارع سواء تركه ابتداء أو بعد الشروع لا مؤاخذة عليه للإجماع على عدم المؤاخذة على ما ليس مكلفًا به. والمندوب، وإن كان مأمورًا به، فليس فيه تكليف، خلافًا للأستاذ (٢) مستدلًا بأن فعله لتحصيل الثواب شاق.

стр. 246

قلنا: في تركه مجال لعدم إلزام الشارع (١)، واستدل الحنفية على لزوم لنفل بالشروع بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].

стр. 247

ووجه الاستدلال: أنّ أعمالكم لفظ عام يشمل الأعمال الشرعية كلها مندوبة ومفروضة، فيجب القول باللزوم لعدم الفارق (١).

стр. 248

قلنا: لو سلم عموم هذا الجمع، فالحديث الصحيح، وهو قوله ﷺ : "الصائم المتطوع أمير نفسه" (١) خصصه لجواز تخصيص المتواتر بالآحاد

стр. 249

اتفاقًا، هذا وأقول: لا يخلو أن ما شرع فيه من النفل هل هو باق على صفة النفل، أو انقلب بالشروع واجبًا؟ والثاني باطل إجماعًا؛ إذ لا يوجد شيء في الشريعة يكون بعضه نفلًا وبعضه واجبًا. وأيضًا لو كان بالشروع يصير واجبًا لترتب عليه ثواب الواجبات دون النوافل؛ إذ ثواب الواجبات أضعاف ثواب النوافل، وهذا مما لم يقل به أحد. قوله: "ووجوب إتمام الحج". جواب سؤال مقدر تقديره قلتم: إن النفل بالشروع لا يلزم، مع أنكم أوجبتم على من أفسد الحج النفل قضاءه (١) في القابل، وألزمتم المضي في فاسده. أجاب: بأن الحج من قبيل المستثني؛ لأن نفل الحج كفرضه نية وكفّارة؛ إذ لا تعرض في نيته إلى كونه فرضًا أو نفلًا، وأيضًا عدم خروجه بالإفساد فرضًا أو نفلًا متفق عليه، وهذا لا إلزام فيه لأن الحنفية مجوزون الصوم الفرض بنية مطلق الصوم، بل بنية النفل. وأما الإلزام باستوائهما في الكفارة وعدم الخروج بالإفساد سالم عن الفادح. والحق أن الحنفية لما أوجبوا المضيَّ في فاسده، فقد اعترفوا بأن الحج خارج عن القاعدة إذ لم يقولوا بالمضيّ في الفاسد في نفل سواه.

стр. 250

ثم لبعض الشراح هنا كلام عجيب، وهو أنه قال: لا يتصور لنا حج تطوع لأن المخاطب به هو المستطيع، فإن لم يحج فالحج في حقه فرض عين، وإن كان قد حج ففرض كفاية (١). وقد ذهل عن معنى الاستطاعة، فإن الاستطاعة المعتبرة من الزاد والراحلة وأمن الطريق وغيرها، إنما هي شروط الوجوب بناء على التيسير والتسهيل، وذلك لا ينافي أن يحمل عادم هذه الأشياء المشقة، ويتبرع بما لم يوجب الشارع عليه كما في الصدقة، على ما أشار إليه أكرم الخلق ﷺ ، بقوله: "أفضلُ الصدقةِ جُهد المُقِلِّ" (٢).
следующие страницы →