← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 132415

الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (1 869 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

والجواب: أن المختار لا يجب عليه شيء، وقد أثبتنا في محله أنه مختار تعالى (١) وتقدس (٢). [ومما يجب التنبه له أن المعتزلة، وإن قالوا بالتوليد لكن وافقوا الفلاسة] (٣)؛ إذ التوليد لازم للمباشرة، كحركة المفتاح لحركة اليد. واعلم أن كلام المصنف منظور فيه من وجهين: الأول: أنه لم يذكر العِلْم في تعريف الدليل ليشمل الأمارة على ما ذكرناه، ثم أفرد ذكر العلم، وقال: هل العِلْم عقيبه مكتسب؟ وكان المناسب أن يقول: هل الحاصل؟ الثاني: أنه لا خلاف عندهم في أن العلم الحاصل، أو الظن بعد النظر في الدليل مكتسب؛ لأن كل استدلالي كسبي، ولا عكس. وما نقل عن بعض المشايخ (٤) أن العلم الحاصل بعد النظر ضروري، معناه: أنه لا تأثير لقدرة العبد فيه لأنه لا يحتاج إلى الكسب؛ إذ كل نظري كسبي إجماعًا، ولا عكس.

стр. 282

وفى بعض الشروح هنا كلام غريب، وهو أن الظن كالعلم في الاكتساب دون اللزوم والعادة؛ إذ لا ارتباط بين الظن وبين شَئ آخر (١)، ولم يدر أن النتيجة لازمة للمقدمتين سواء كانتا ظنيتين، أو قطعيتين؛ لأن العلم بالمطلوب من القطعيات عند الأشاعرةِ لمَا كان بخلق الله تعالى عادة، فكما أنه جرت عادته بخلق العلم في القطعيات، فكذلك الظن في الظنيات، وقد اشتبه عليه أحد المذهبين بالآخر، فإن حصول المطلوب لما كان على وجه اللزوم والوجوب عند الفلاسفة، ففى الظنيات لا لزوم عندهم لابتنائه على اللزوم العقلي، وأما في العاديات (٢) لا فرق.

стр. 283

واعلم أن كلام الآمدي (١) يشعر باللزوم العقلي (٢)، وقد صرح به الإمام في "المحصل" (٣)، وليس بشئ؛ لأنه قد ثبت أنه تعالى فاعل بالاختيار، ولا لزوم مع الاختيار. فإن قلت: لم لا يجوز أن يجعل متعلق الاختيار الملزوم، وكلما وُجد الملزوم وُجد اللازم: فيتجه ما قالوا؟ قلت: كما ثبت أنه مختار ثبت أن الأشياء كلها مستندة إليه ابتداء، فيجب استناد وجود اللازم إليه اختيارًا ابتداء، فلا يتم اللزوم العقلي.

стр. 284

وإنما أطنبنا الكلام في هذا المقام؛ لأنه من مزالِّ أقدام الأفاضل، والله الموفق. قوله: "والحد" إلى قوله: "والكلام في الأزل". أقول: الحد -لغة- المنع. واصطلاحًا عند الأصوليين: هو الجامع المانع، أي: الشامل لجميع أفراد المحدود، المانع لدخول أفراد غيره فيه، ولا نظر عندهم في كون المعرف ذاتيًّا، أو عرضيًّا أو مركبًا منهما. ويقال: -للتعريف-: المانع، الجامع، المطرد، والمنعكس، فالطرد: راجع إلى كونه مانعًا؛ لأن معناه: كلما وجد الحد وجد المحدود، فهو مطرد، أي: مانع عن دخول غير أفراد المحدود، والعكس: هو عكس الطرد المذكور عرفًا؛ أي: كلما وجد المحدود، وجد الحد (١). وبعضهم (٢) أخذه من عكس الإثبات الذي هو النفى، أي: كلما انتفى الحد انتفى المحدود، فقد حكم بما ليس بمحدود على كل ما ليس

стр. 285

بحد، والمآل واحد، وقد استوفينا الكلام في بحث الحد في تعريف الأصول، فراجعه (١)، والله أعلم. قوله: "الكلام في الأزل". أقول: اختلف في الكلام في الأزل، أي: المعني القديم القائم بذاته -تعالى- هل يسمى خطابًا، أم لا؟ وهذا بحث لفظي؛ إذ هو مبني على تفسير الخطاب، وقد سبق منا إشارة إليه (٢)، وهو أن من فسر الخطاب بتوجيه الكلام نحو الغير للإفهام يسميه خطابًا (٣)، ومن فسره بالكلام الموجه نحو المتهيئ للإفهام فلا؛ لأن حاصل المعنى الأول أنه الذي شأنه أن يفهم في الجملة، وحاصل الثاني أنه الذي أفهم إذ اسم (٤) الفاعل حقيقة في الحال، فيلزم أن يكون في الأزل مفهمًا بالفعل، وهو محال.

стр. 286

ويتفرع على كونه خطابًا في الأزل كونه حكمًا فيه، فحيث لا خطاب لا حكم؛ هكذا قيل (١). وأقول: التعريف الثاني لا يصح على مذهب الأشعري القائل بقدم الحكم وتنوعه إلى أمر ونهي في الأزل؛ إذ يستحيل أن يكون أمرًا في الأزل ويكون خطابًا، وما ذكره بعض الشارحين (٢) من أن الأصح أنه خطاب حقيقة بتنزيل المعدوم منزلة الموجود فشئ لا يعقل، ولا يلتفت إليه (٣).

стр. 287

فإن قلت: الذي علم من كلامك أن مذهب الأشعري قدم الحكم لكونه قائلًا بقدم الكلام، وقِدم الكلام وإن لم يستلزم قِدم الحكم، والخطاب لجواز كون الكلام قديمًا، وهما حادثان بحدوث التعلق, لكن إجماع الأشاعرة على أن الحكم خطاب الله، وكلاهما قديم، وعند الأشعري أن القدرة على الفعل معه زمانًا، وإذا كان المكلف معدومًا في الأزل، وقد حكم عليه فيه، فيلزم أن تكون جميع التكاليف واقعة بدون القدرة. قلت: التحقيق -في هذا المقام- أن التعلق بين الحكم وبين فعل المكلف تعلقان: عقلي، وهو أن زيدًا إذا وجد وبلغ إلى حد معلوم، وهو حد البلوغ، فهو مأمور بالصوم مثلًا، فإذا وجد بالفعل وبلغ الحد المذكور توجه إليه الخطاب بإيقاع الفعل، وهذا التكليف التنجيزي هو الذي يستلزم القدرة مع الفعل لا العقلي، وبما قررناه زال إشكال آخر، وهو أن كلامه في الأزل صفة واحدة، فلو كان الحكم قديمًا لزم التعدد ضرورة أن الأحكام متعددة؛ لأن ذلك التعدد إنما هو بالنسبة إلى التعلق، وذلك حادث فيما لا يزال، فاندفع الإشكال، والله أعلم بحقيقة الحال. والذي ذهب إلى عدم تنوعه في الأزل له دليل إلا أن هذه الأقسام حادثة لتوقف الأمر على وجود المأمور لعدم تعقله بدون المأمور، وقد عرفت تحقيقه بما لا مزيد عليه. قوله: "والنظر الفكر". أقول: هذا التعريف للقاضى أبي بكر الباقلاني، وعبارته: النظر الفكر الذي يطلب به علم أو ظن.

стр. 288

قال الآمدي (١): فُسر النظر بالفكر، ثم عرفه تنبيهًا على اتحادهما معنًى عند المنطقيين، واستبعده المحققون إذ لم يعهد مثله في التعريفات. قيل (٢): تفسيره بأنه الذي يطلب به علم أو ظن ينتقض بالقوة العاقلة وسائر آلات الإدراك لصدقه عليها. قلت: المتبادر من باء السببية: السببية القريبة، فلا انتقاض، ولو حمل في عبارة المصنف الفكر على التفسير كان الانتقاض ظاهرًا لعدم الباء. قيل (٣): الظن الغير المطابق: جهل، فلا يطلب، والمطابق، أي: ما علم مطابقته علم، فذكرُ الظن مستدرك. أجيب (٤): بأن المطابق قد يطلب لا من حيث الجزم، بل من حيث الرجحان فلا محذور.

стр. 289

قلت: الأحسن والأوجه منع الحصر وإبداء شق ثالث، وهو أن المطلوب هو المشعور به بوجه ما، وليس معلومًا لا مطابقته ولا لا مطابقته، فتطلب مطابقته مع الرجحان، لا مع الجزم بحسب المقام، وهو الظن، والمآل واحد، وقد استوفينا الكلام فيما يتعلق بالنظر والفكر في مباحث الدليل بما لا مزيد عليه (١) [فراجعه] (٢)، والله الموفق. قوله: "والإدراك" إلى قوله: "والعلم". أقول: الإدراك -لغة-: الوصول يقال: أدركت الثمرة: إذا بلغت حد الكمال ورتبة (٣) الانتفاع بها. واصطلاحًا: انتعاش [النفس] (٤) بالصورة الحاصلة فيه بعد ما لم تكن حاصلة، وهو ومطلق التصور مترادفان (٥)، فإن قيدنا بعدم الحكم كان تصورًا ساذجًا، وإن قيدنا بالحكم كان تصديقًا، فالتصور: هو إدراك الشئ سواء كان بكنهه أو بوجه.

стр. 290

وما قيل (١): إن وصول النفس إلى المعنى إن لم يكن بتمامه يسمى شعورًا لا يوافق كلام المنطقيين (٢)، والمصنف ماش على اصطلاحهم، فقول المصنف: الإدراك بلا حكم تصور فيه حزازة لإيهامه أنه إذا لم يقيد بعدم الحكم لا يطلق عليه التصور (٣).

стр. 291

ثم التصديق إن كان جازمًا ثابتًا لموجب (١) فعلم, ولموجب إما حسن، أو ضرورة، أو عادة (٢). أو دليل قطعي، وإن لم يوجد موجب مع الحكم الجازم، فذلك الحكم اعتقاد إما صحيح: كاعتقاد المقلد بأن الوتر (٣) سنة اعتقادًا جازمًا مطابقًا للواقع، أو فاسد: كاعتقاد الفلاسفة قِدم العالم.

стр. 292

والحكم الغير الجازم إما راجح، أو مساو، أو مرجوح، فالأول: الظن، والثاني: الشك، والثالث: الوهم، ولمّا كان المقسم هو التصديق، -والتصديق: إما نفس الحكم، أو الحكم جزؤه (١)، فلا ينفك عنه- توجه الاعتراض: بأن الشك: عبارة عن تساوي الطرفين، والوهم: هو الظن المرجوح الذي هو أبعد من الشك، فكيف يجوز تقسيم التصديق إليها ضرورة وجود المقسم في الأقسام؟ وهذا سؤال مشهور.

стр. 293

وما نقل عن إمام الحرمين (١) والغزالي -رحمهما الله-[قالا] (٢): إن الشك اعتقادان (٣)، ليس ظاهرًا؛ لأن الشك لا إذعان فيه لأحد الطرفين، وكون الشك مشتملًا على حكم، خلاف المنقول والمعقول، فإن صح هذا النقل عنهما (٤)، فتأويله: أن الشك يحتمل كلًّا من الاعتقادين بدلًا عن

стр. 294

الآخر (١)، وهذا التأويل لا يدفع الإشكال عن كلام المصنف؛ لأنه جعل التصديق المشتمل على الحكم مقسمًا، بل الجواب: ما أشار إليه أفضل المتأخرين (٢) في بعض كتبه الكلامية- أن ذكرهما ليس من حيث إنهما من أقسام التصديق، بل لأن امتياز أقسامه موقوف عليهما إذ لا تمتاز الأقسام على الوجه الأكمل إلا بملاحظتهما، فأوردهما في معرض التقسيم اعتمادًا على أن عاقلًا لا يقول -عند تساوي الطرفين، أو مرجوحية أحدهما-: إن المتساوي، أو المرجوح حكم. قوله: "العلم ... إلى آخره". أقول: يريد أن يبين أحد الأقسام المذكورة، وهو الاعتقاد الجازم المطابق لموجب المسمى: بالعلم عندهم. وحاصل ما ذكره المصنف ومن تقدمه أن في تصور ماهية العلم بكُنْه حقيقته خلافًا، ذهب إمام الحرمين وتبعه كثير من المحققين (٣) إلى أنه ممكن،

стр. 295

ولكنه عسر جدًّا، وما نقل عنه -في وجه العسر- أن تحديد الماهيات الحقيقية والأشياء المحسوسة مشكل لالتباس الجنس بالعرض العام، والفصل بالخاصة (١)، فتعريف الإدراك بالطريق الأولى لخفاء الجنس والفصل فيه، ثم قال: فالوجه في ذلك أن تميز العلم عن غيره بالقسمة والمثال. واعترض الآمدي بأن القسمة والمثال إن أفادا تمييزًا عن الغير، فذاك رسم له، وإلا فلا فائدة فيهما (٢)، وهذا الكلام إنما يرد على الإمام أن لو نفى مطلق التعريف، بل إنما نفى تحديدًا يفيد معرفة كُنْهِ العلم والإحاطة بحقيقته، فكيف يرد عليه ما أورده؟ ! وقال الإمام: تارة ضروري فلا يحد، وتنزل تارة، وعرفه بأنه الحكم الجازم المطابق لموجب (٣)، أي: لو كان كسبيًّا كذا كان يعرف، والتبس (٤) هذا على بعض الناس، فقال: "وحده"، مع

стр. 296

قوله: "إنه ضروري لكن بعد حده، فـ "ثم" هنا للترتيب الذكري لا المعنوي"، هذا كلامه، [فتأمله. واستدل الإمام على بداهته بوجهين: الأول: أن غير العلم إنما يعلم به، فلو علم العلم بغيره كان دورًا. الثاني: أن كل أحد يصدق بوجوده، والتصديق المتعلق بوجوده أخص من مطلق التصديق، وإذا كان الخاص بديهيًّا، فالعام -أيضًا- كذلك، فعُلم أن ماهية العلم معلومة. وأجيب -عن الأول-: بأن غير العلم تتوقف معرفته على حصول العلم، وتصور العلم يتوقف على تصور الغير، فلا دور. وعن الثاني: بأن كل أحد يصدق بوجوده، ولكن لا يلزمه تصور ذلك التصديق حتى يلزم منه تصور العلم.

стр. 297

الحاصل: أن حصول الشئ لا يستلزم تصوره: كالجواد، فإن الجود موجود فيه، مع عدم تصوره إياه. ثم قول المصنف: وقيل: ضرورممط لا يحد، فيه حزازة؛ لأنه يشعر بأن الإمام -مع كونه قائلًا بأنه ضروري- يُجوِّز تحديده وقد عرفت أنه ليس كذلك] (١). قوله: "ثم قال المحققون: العلم لا يتفاوت"، أراد به إمام الحرمين (٢) ومن تابعه؛ لأنهم ذهبوا إلى أن الاعتقاد الجازم المطابق لموجب -سواء كان ذلك الموجب عقلًا، أو عادة، أو حسًّا، أو دليلًا- لا يقبل التفاوت، ولو بأدني شيء، وإلا لم يكن يقينًا، والجلاء والخفاء الذي يوجد بين اليقينيات إنما هو من المتعلقات كقولنا: الواحد نصف الاثنين، فإنه أجلى من كون الكل أعظم من الجزء (٣)، وفيما ذهبوا إليه نظر؛ لأن الإيمان تصديق خاص، مع أن مذهبهم أن نفس ذلك التصديق يزيد (٤) وينقص من (٥) غير انضمام شئ آخر إليه، وأيضًا تقسيم اليقين في الكلام القديم إلى علم اليقين، وإلى عين

стр. 298

اليقين (١) فيه دلالة ظاهرة على تفاوت مراتب اليقين (٢) كما صرح به بعض الفضلاء في تفسيره (٣). واعلم أن الصحيح والمختار أنه كسبي ويُعَرَّف، ولم يذكره المصنف، فكأنه يميل إلى أنه ضروري، أو عسر (٤). وأولى ما قيل في تحديده: صفة يتجلى (٥) به المذكور، أو صفة توجب

стр. 299

تمييزًا لا يحتمل النقيض، فيخرج الظن، والاعتقاد الجازم بدون موجب، والشك، والوهم، وهو ظاهر (١). قوله: "والجهل". أقول: عرف الجهل بتعريفين: أحدهما: انتفاء العلم بالمقصود، والثاني: تصور المعلوم على خلاف هيئته، فالأول هو الجهل المعروف بالبسيط، والثاني هو الجهل المركب. وجه التسمية: أن في الأول شيئًا واحدًا حكم عليه بأنه جهل، وهو انتفاء العلم بما شأنه أن يعلم. والثاني: مركب، قيل (٢): لأنه مشتمل على جهلين؛ لكونه جاهلًا في الواقع، وجاهلًا بأنه جاهل.

стр. 300

وهذا غير صحيح؛ لأن الجهل المركب هو اعتقاد ما ليس بواقع [واقعًا] (١)، وما ذكره هذا القائل لا يستلزمه (٢)؛ لأن الجهل يصدق بانتفاء العلم بالشئ (٣)، مع عدم الاعتقاد بشئ، فتأمل! بل الحق أنه مركب؛ لأن انتفاء العلم حاصل، فذاك جهل، واعتقاده أنه ليس بمنتف خلاف للواقع، فهو جهل آخر. وقوله: "بالمقصود" أي: ما من شَأنه أن يُقصد ويتوجه ليعلم سواء كان العلم به ممكنًا، أو مستحيلًا.

стр. 301

وما قيل (١): إن قوله: "بالمقصود" يخرج ما لا يُقصد كأسفل الأرض، فإن انتفاء العلم به لا يسمى جهلًا، مما لا يساعده عقل ولا نقل (٢). وقول المصنف: تصور المعلوم يريد به (٣) ما مَنْ شأنه أن يُعلم وإلا في الجهل لا علم، والله أعلم.

стр. 302

وقوله: "على خلاف هيئته" أي: صفته، وأراد بالتصور المذكور التصديق؛ لأن تصور الشئ على خلاف صفته يستلزم الحكم عليه، كما ذكرنا أنه الاعتقاد الغير المطابق، ولا مناقشة في ذلك، إذ مطلق التصور مرادف للعلم بمعنى حصول الصورة [للشئ] (١) في الذهن، فكما يصح إطلاق العلم على التصديق يصح إطلاق مرادفه عليه. والسهو: هو الذهول عن المعلوم مع بقاء صورته المرتسمة في القوة الحافظة. والنسيان: زوال صورته عن القوة [المدركة] (٢). قوله: "مسألة الحسن المأذون". أقول: الحسن والقبح -عند الأشَاعرة- لما لم يكونا ذاتيين لفعل المكلف، بل شرعيين -بمعنى أن ما ورد الشرع بتحسينه فهو حسن، وما لا فلا- اختلفت كلمتهم في تفسيرهما: قال بعضهم: الحسن ما أمر الشارع بالثناء على فاعله، والقبيح ما أمر بالذم له، فالمباح وفعل غير المكلف غير حسن بهذا التفسير، وكذلك المكروه. والقبيح: هو الحرام؛ إذ المراد أن الفعل الذي أمر بالثناء على فاعله يصلح أن يكون متعلق الثواب، والذي ذم فاعله يصلح أن يكون سببًا للعقاب.

стр. 303

ومنهم من قال: ما لا حرج في فعله فهو حسن، وما فيه حرج فقبيح، فالمباح وفعل غير المكلف والمكروه حسن؛ لانتفاء الحرج منها، وفعل الله حسن بالتفسيرين، وكلام المصنف لا يوافق شيئًا من المذهبين؛ إذ المكروه على التفسيرين إما حسن، أو واسطة، وقد أدخله المصنف مع خلاف الأولى في القبيح، وما نقله عن إمام الحرمين دال على أن المختار عنده هو التفسير الأول. وقد سبق في بحث الأحكام تحقيق معنى الحسن والقبح بما لا مزيد عليه، فراجعه (١). قوله: "مسألة: جائز الترك ليس بواجب". أقول: قد سبق في تعريف الحكم، وتقسيمه أن الوجوب عبارة [عن] (٢) اقتضاء الفعل مع عدم جواز الترك، يعني: ماهيته مركبة من هذين الأمرين، والمركب ينتفي بانتفاء أحد أجزائه، فلا يعقل أن يكون جائز الترك واجبًا، وقد خالف في ذلك الكعبي (٣) من المعتزلة وبعض الفقهاء.

стр. 304

أما شبهة الكعبي، فهى أن ترك الحرام واجب، والمباح مما يحصل به ترك الحرام، فيكون واجبًا (١). قيل له: إن المباح ليس متعينًا لذلك؛ لأنه يحصل بالواجب والمندوب أيضًا. قال: فليكن من الواجب المخير كخصال الكفارة. قيل له: معارض بالإجماع، فلا يلتفت إليه. قال: دليلي قطعي يجب تأويل الإجماع بالنظر إلى ذات الفعل لا إلى ما يستلزمه من ترك الحرام. وقال بعض الأفاضل (٢): الجواب الذي لا محيد عنه هو أن ما لا يتم الواجب إلا به لا يلزم أن يكون واجبًا شرعيًّا، بل قد يكون أمرًا عقليًّا، والمباح بالنظر إلى ترك الحرام كذلك. وفيه نظر؛ إذ الكعبي يدعي أن المباح -الذي تعلق به الإباحة التي هي أحد الأحكام الشرعية- هو في ماصدقات الواجب الشرعى، وفرد من أفراده، فكيف يسلم ما ذكره هذا الفاضل؟ وأقول: التحقيق -في هذا المقام- هو أن ترك الحرام له معنيان: أحدهما: عدم ارتكاب الحرام الذي لا تأثير للنفس فيه، كما يظهر ذلك في النائم، أي المعنى العدمي.

стр. 305

والثاني: كف النفس عند القدرة على المحرم، واجتماع الأسباب، وهذا القسم هو المتنازع فيه، كما ظهر من تعريف المحرم بأنه ما يعاقب فاعله ويثاب تاركه ضرورة أن الثواب إنما يترتب على الفعل الاختياري المقرون بالقصد والنية؛ على ما صرح به قوله عليه أفضل الصلاة وأكمل التسليم: "إنما الأعمال بالنيات" (١)، والإلزام أن يكون النائم مثابًا على ترك جميع المحرمات، ولم يقل به أحد. فإذا تقرر هذا، فنقول: ذلك [الكف] (٢) واجب لثبوت استلزامه الثواب، وليس بمباح؛ لأن المباح لا ثواب فيه، وانتفاء اللازم يوجب انتفاء الملزوم. وأما قول الفقهاء: إن الصوم يجب على الحائض والمسافر والمريض، أو على المسافر دون الحائض والمريض؛ لكون عذرهما غير اختيارى، فلهم على ذلك دليلان ضعيفان: أحدهما: أن شهود الشهر موجب للصوم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وهو ممن شهد الشهر. الجواب: أن الموجب إنما يوثر عند ارتفاع الموانع، ألا ترى أن الصبي والمجنون ممن شهد الشهر، ولم يقل بالوجوب عليهما. الثاني: وجوب القضاء على هؤلاء، فلو لم يكن الأداء واجبًا لما وجب القضاء.

стр. 306

قلنا: قد حققنا في بحث الأداء والقضاء أن سبق الوجوب في الجملة كاف في لزوم القضاء، ولا يشترط الوجوب على القاضي، كما يظهر ذلك في من نام جميع الوقت، فإنه يجب عليه القضاء إجماعًا، مع أنه غير مكلف في ذلك الوقت إجماعًا؛ لأنه غافل، والغافل لا يكلف على ما سبق تحقيقه (١). ثم قول الإمام الرازي: "إن الواجب أحد الشهرين على المسافر " (٢). إن أراد أن الواجب عليه ابتداء أحد الشهرين ليكون من قبيل الواجب المخير كخصال الكفارة على ما ذهب إليه بعض الشارحين (٣)، فليس كذلك (٤)؛ لأن الصوم عزيمة، والإفطار رخصة (٥). وإن أراد أن الشرع أباح له الإفطار لعذر السفر، فليس في كلامه زيادة فائدة.

стр. 307

وقد حكم المصنف بأن الخلف لفظي لعدم اختلاف الأحكام باختلاف عباراتهم. قوله: "والمندوب مأمور به". أقول: قد اختلف في أن المندوب هل هو مأمور به أم لا؟ بعد اتفاقهم على أنه ليس مكلفًا به. ويجب أن يعلم أن الاختلاف إنما هو في لفظ الأمر المركب من الهمزة والميم والراء، لا في مسمياته التي هي صيغة أفعل ونظائرها، إذ لا مخالف في أن صيغة أفعل (١) لم ترد للندب، بل للإباحة أيضًا. ومنشأ الخلاف: تفسير معنى لفظ: أمر الشارع بكذا، هل هو حقيقة في الإيجاب، أم للقدر المشترك؟ فمن ذهب إلى الأول: لا يسعه القول بأن المندوب مأمور به، ومن ذهب إلى الثاني فتناول الأمر للواجب والمندوب عنده لا يتفاوت، لأنه حقيقة فيهما. قال الغزالي: المندوب مقتضى، لكن مع سقوط الذم عن تاركه، والواجب مقتضى، لكن مع ذم تاركه، ثم قال: وقال قوم: المندوب غير داخل تحت الأمر، وهو فاسد، واستدل على بطلانه (٢).

стр. 308

وهذا الكلام لا يدل على المقصود، وهو كون لفظ الأمر حقيقة في الندب على ما هو المتنازع فيه، لكن صرح في موضع آخر من "المستصفى" بأن لفظ الأمر مشترك بين الإيجاب والندب، فاستقام ما ذكره (١). ولما كان معنى التكليف إلزام ما فيه كلفة، أي: مشقة لم يكن المندوب مكلفًا به خلافًا للأستاذ أبي إسحاق ﵀ حيث قال: لما أمر به على وجه الطاعة، فقد كلف به. قلنا: ممنوع؛ لأنه في سعة من تركه، فلا إلزام. ونقل المصنف عن القاضي أبي بكر الباقلاني (٢) أنه قائل: بأن المندوب والمباح مكلف به (٣)، وزاد بعض الشارحين (٤): المكروه -أيضًا- وذكر الأستاذ معه. وأقول: إن صح هذا النقل عنهما (٥) يؤول بأن مرادهما أن هذه الثلاثة من الأحكام الشرعية المعتبرة في معرض التقسيم؛ لأن كون الحكم الشرعي [عبارة] (٦) عن الإيجاب والتحريم مما لا سترة به ولا يخفى على أحد،

стр. 309

بخلاف الأحكام الثلاثة إذ ربما تشتبه على من لا تحقيق عنده، ولا يظن بهؤلاء الأئمة أن يعتقدوا أن المباح والمكروه يلزم به المكلف، أو يطلب منه على وجه الطاعة؛ إذا التكليف لا يخلو عن أحدهما، والله أعلم. قوله: "والأصح أن المباح ليس بجنس للواجب". أقول: الإباحة الشرعية تباين سائر الأحكام الشرعية وجوبًا كان أو غيره، بل الأحكام الخمسة أنواع متباينة داخلة تحت مطلق الحكم، ومن ظن أنه جنس إنما نشأ وهمه من قصور النظر إلى جانب الفعل (١)، حيث رأى أن الوجوب يشتمل على الجواز بمعنى الإباحة الأصلية، فظن أن ذلك الجواز هو معنى الإباحة الشرعية، ولم يدر أنه لو كان جنسًا لزم جواز ترك كل واجب؛ لأن الإباحة تستلزم جواز الترك؛ لأن ماهيته مركبة من جواز الفعل والترك. بيان اللزوم: أن الإباحة على تقدير أن يكون جنسًا لا يوجد واجب بدونه؛ لأن الجنس جزء، والكل بدون الجزء لا يوجد. وإذا لزمت الإباحة الوجوب لزم المحال المذكور (٢).

стр. 310

قوله: "وهو [غير] (١) مأمور به". أقول: ذهب الجمهور إلى أن المباح ليس مأمورًا به، وخالفهم الكعبي. استدل الجمهور: بأن الأمر طلب، والطلب يستدعي ترجيح المطلوب، والمباح لا ترجيح فيه لتساوي طرفي الفعل والترك فيه (٢). واستدل الكعبي: بأن المباح فعله يستلزم ترك الحرام، وترك الحرام واجب، فالمباح واجب.

стр. 311

وقال المصنف: الخلف لفظي، ولهذا قيده بقوله: "من حيث هو" احترازًا عن الاستلزام المذكور، وليس بشئ؛ لأنا لا نسلم اتصاف المباح بالوجوب في صورة من الصور، وقد سبق تحقيقه (١). وما يظن من أن فعل المباح يستلزم ترك الحرام، فيكون واجبًا (٢) غلط؛ لأن استلزام فعل المباح لا يلاحظ فيه كونه شرعيًّا، ألا ترى أن لو لم تكن الإباحة أمرًا شرعيًّا كان الاستلزام بحاله بلا تفاوت. قوله: "وأن الإباحة حكم شرعي". أقول: لمّا عرَّف الحكم الشرعي بأنه الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير، كان شموله للإباحة واضحًا إلا أنه لما كان مظنة أن يلتبس بالإباحة [الأصلية] (٣) الثابتة في الأشياء قبل البعثة أشار إلى أن الإباحة -التي هي أحد الأحكام الخمسة المشهورة- حكم شرعي؛ لأنه مستفاد من الشرع، وإن كانت أفعال العباد قبل الشرع لا مؤاخذة عليها لأن ذلك لا يسمى حكمًا شرعيًا عند الأشاعرة (٤)، حتى الاعتقادات المطابقة للواقع لا تسمى أحكامًا

стр. 312

شرعية إلا إذا أخذت من الشرع، ومن لم تبلغه الدعوة ليس بمكلف بشئ من الأحكام (١). وتوهم بعض المعتزلة أن الإباحة هي انتفاء الحرج من الفعل والترك، وذلك ثابت قبل الشرع، فلا يكون حكمًا شرعيًّا، وقد علم الفرق مما ذكرناه فتأمله! قوله: "وإن الوجوب إذا نسخ بقي الجواز". أقول: اختلفوا في أن الوجوب إذا نسخ هل يبقى الجواز، أم لا؟ فذهب الإمام الغزالي إلى عدم بقائه (٢). ولا بد -أولًا- من تحرير محل النزاع، وهو أن الجواز له معنيان: أحدهما: عدم الحرج في الفعل الشامل للمندوب، والمباح، والمكروه.

стр. 313

الثاني: عدم الحرج في الفعل والترك، أي: الذي تساوى طرفاه [بإذن] (١) الشارع الذي هو أحد الأقسام الخمسة، وهو الذي نفاه الغزالي؛ لأنه قال: الواجب لا يتضمن الجواز (٢). فإن حقيقة الجواز التمييز بين الفعل والترك، والتساوي بينهما بتسوية الشرع، ولا نزاع لأحد في ذلك إذ الجواز بهذا المعنى قسيم للواجب، فكيف يكون جزءًا منه؛ وأما الجواز بالمعني الأول، فهو جنس للواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه إذ كل من الأحكام المذكورة مركب من الجنس (٣) المذكور، وفصل يميزه. وقد علم أن المركب ينتفي بانتفاء أحد أجزائه، ولا يشترط انتفاء الأجزاء كلها. فإذا نسخ الوجوب -أي: رفع عن المكلف لزوم الفعل الذي هو فصل الوجوب وحصل الإذن في الترك- بقى الجواز الشامل للمندوب والمباح والمكروه.

стр. 314

فقول المصنف: بقي الجواز، أي: عدم الحرج، يريد به المعنى الشامل للأحكام الثلاثة المذكورة، وهذا هو القول المنصور (١). وأشار بعده إلى: "وقيل: الإباحة" إلى قول مزيف، وهو أن الجواز الباقي بعد النسخ- هو الإباحة الشرعية، وقد عرفت بطلانه. وكذلك قوله: "وقيل: الاستحباب"، باطل بالدليل الذي ذكرنا في إبطال كونه إباحة. ومن قال: بأن الباقي هو الاستحباب كأنه توهم أن الطلب الجازم إذا انتفى قد يكون انتفاؤه بانتفاء الجزم، مع بقاء الطلب الذي هو الندب، ولم يدر أنه إذا انتفى الجزم بالفعل حصل الإذن في الترك وشمل الأحكام الثلاثة. وعورض هذا الدليل: بأن الجواز الذي هو جنس لو بقى بدون الفصل لزم تقوّم الجنس بدون الفصل، وهو محال. وأجيب -أولًا- بالمنع، وثانيًا، ولئن سلّمنا عدم جواز تقوُّم الجنس بدون الفصل لكن لم يلزم ذلك من دليلنا.

стр. 315

غايته: يتقوَّم -بعد النسخ- بفصل آخر، وهو عدم الحرج [في الترك] (١) هذا، وقد اعترض بنسخ وجوب استقبال بيت المقدس، فإنه لم يبق بعد النسخ جواز (٢). وقد علم من تقريرنا جوابه حيث قلنا: انتفاء المركب تارة يكون بانتفاء جميع الأجزاء. والقائلون ببقاء الجواز -بعد النسخ- يدعوا قضية كلية حتى يرد عليهم النقض. قوله: "الأمر بواحد من أشياء ... إلى آخره". أقول: هذه مسألة الواجب المخير، وهي الأمر بواحد مبهم من أشياء معينة (٣) مستقيم عندنا خلافًا للمعتزلة، واضطربت آراؤهم في ذلك.

стр. 316

فقالت طائفة: الواجب واحد [معين عند الله، وهو الذي يأتي به المكلف ويختلف باختلاف المكلفين. وقال بعضهم: الواجب واحد] (١)، ولا (٢) [يختلف] (٣)، لكن يسقط بفعل الآخر أيضًا. لنا: القطع بالجواز إذ لو قال الشارع: أوجبت عليك [واحدًا] (٤) من هذه الأمور -وأيًا فعلته فقد صادفت المراد، وإن تركت الكل توجه الذم عليك؛ لأنك لم تأت بذلك الواحد المبهم- لم يلزم منه محال. والنص أيضًا قد دل على ذلك (٥). والإجماع على وجوب تزويج أحد الخاطبين الكفؤين من غير تعيين، وكذلك نصب أحد المستعدين للإمامة، والاجماع على أن التأثيم بترك واحد. وقالت المعتزلة: الواجب الكل، ويسقط بفعل البعض كالواجب على الكفاية. قلنا: الفرق بالإجماع على تأثيم الجميع هناك، وعلى التأثيم بترك واحد هنا؛ إذ القائل (٦) بوجوب الجميع لم يخالف، فالإلزام لازم.

стр. 317

قالوا: غير المعين مجهول، فلا يتصور فضلًا عن الحكم عليه بالوجوب. قلنا: مجهول شخصًا، معلوم جنسًا، وهو كونه واحدًا من الثلاثة، فصح أنه غير معين. قالوا: لو كان الواجب غير معين، فإن وقع التخيير بينه وبين غيره كان التخيير بين الواجب وغيره، وإلا لزم اجتماع التخيير والوجوب في شيء واحد، وكلاهما باطل. قلنا: منقوض بوجوب اعتقاد واحد من الجنس، وتزويج أحد الخاطبين. والجواب الحاسم لهذه الشبهة: أن الواجب، وهو المبهم لم يقع فيه التخيير، والذي وقع فيه -وهو كل واحد من المعينات المردد فيها- ليس بواجب لأنه ينافي وصف التعيين. قالوا: الآمر يجب أن يُعلم المأمور به. قلنا: كذلك لكن كما أوجبه إن معيَّنًا فمعيَّنًا، أو مبهمًا فمبهمًا. قالوا: علم في الأزل أن المفعول ماذا هو، فكان الواجب. قلنا: من حيث إنه واحد من تلك الأمور، ولهذا ردد فيها، [وللقطع بأن الخلق في وجوبه شرع] (١).

стр. 318

هذا تحقيق المسألة بما لا مزيد عليه، وشَرح كلام المصنف ظاهر مما قررناه إذ قوله: "يوجب واحدًا لا بعينه" إشَارة إلى المذهب المنصور (١). وقوله: "قيل: الكل" إشارة إلى قول طائفة من المعتزلة. وقوله: "وقيل: الواجب معين". وقوله: "وقيل: ما يختاره المكلف" مذهبان آخران لهم، كما أشرنا إليه في صدر البحث. وقوله: "وإن فعل [الكل] (٢) قيل: الواجب أعلاها". وجه ذلك: أن اللائق بالغِنى المطلق -تعالى وتقدس- أن يثيب كذلك لأن العبد الفقير قد أتى بالواجب وزيادة. وإن ترك الكل، فعقاب أدناها بالدليل المذكور آنفًا.

стр. 319

والحق: أن ما كان في علمه أن لو أتى به كان مسقطًا هو المثاب عليه والمعاقب به، فتأمل! قوله: "ويجوز تحريم واحد لا بعينه". أقول: قاس الأصحاب تحريم واحد لا بعينه على وجوبه كذلك، والدليل هو الدليل اعتراضًا وجوابًا، والمخالف هو المخالف، وهم المعتزلة (١) لكنهم لم يوجبوا الإتيان بالجميع في المسألة الأولى، وإن قالت طائفة بوجوب الجميع بسقوطه بفعل واحد منها، وفي هذه المسألة ذهبوا إلى وجوب ترك الجميع لاقتضاء النهى عن القُبح، وإن كان بصيغة التخيير احتياطًا، اللهم إلا أن يدل [دليل] (٢) على أن المراد منع الجمع، فيجوز فعل أحدهما (٣). قوله: "قيل: لم ترد به اللغة" إشارة إلى منع من جهة المعتزلة تقريره: أنكم ادعيتم أن النهى عن واحد لا بعينه جائز، وهي كمسألة المخير، ولا يستقيم قياسكم على ذلك، إذ في المخير ورد الأمر من الشارع بذلك،

стр. 320

وفي النهي لا ورود للنهي من الشارع بذلك، ولا دل عليه اللغة إذ لم نجد في كلام العرب ما هو نص في ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الأنسان: ٢٤] لتحريم كل واحد لا لواحد [لا بعينه] (١)، وهذا الكلام منهم في غاية السقوط إذ الكلام في الجواز لا في الوقوع. وما قاله بعضى الشارحين (٢): إن الإجماع لمستنده صرفه عن ظاهره، ما له معنًى صحيح. قوله: "مسألة فرض الكفاية ... إلى آخره". أقول: فرض الكفاية: هو الفعل الذي يجب ويحصل الغرض منه بفعل البعض (٣).
следующие страницы →