فقالت طائفة: الواجب واحد [معين عند الله، وهو الذي يأتي به المكلف ويختلف باختلاف المكلفين.
وقال بعضهم: الواجب واحد] (١)، ولا (٢) [يختلف] (٣)، لكن يسقط بفعل الآخر أيضًا.
لنا: القطع بالجواز إذ لو قال الشارع: أوجبت عليك [واحدًا] (٤) من هذه الأمور -وأيًا فعلته فقد صادفت المراد، وإن تركت الكل توجه الذم عليك؛ لأنك لم تأت بذلك الواحد المبهم- لم يلزم منه محال.
والنص أيضًا قد دل على ذلك (٥).
والإجماع على وجوب تزويج أحد الخاطبين الكفؤين من غير تعيين، وكذلك نصب أحد المستعدين للإمامة، والاجماع على أن التأثيم بترك واحد.
وقالت المعتزلة: الواجب الكل، ويسقط بفعل البعض كالواجب على الكفاية.
قلنا: الفرق بالإجماع على تأثيم الجميع هناك، وعلى التأثيم بترك واحد هنا؛ إذ القائل (٦) بوجوب الجميع لم يخالف، فالإلزام لازم.
стр. 317
قالوا: غير المعين مجهول، فلا يتصور فضلًا عن الحكم عليه بالوجوب.
قلنا: مجهول شخصًا، معلوم جنسًا، وهو كونه واحدًا من الثلاثة، فصح أنه غير معين.
قالوا: لو كان الواجب غير معين، فإن وقع التخيير بينه وبين غيره كان التخيير بين الواجب وغيره، وإلا لزم اجتماع التخيير والوجوب في شيء واحد، وكلاهما باطل.
قلنا: منقوض بوجوب اعتقاد واحد من الجنس، وتزويج أحد الخاطبين.
والجواب الحاسم لهذه الشبهة: أن الواجب، وهو المبهم لم يقع فيه التخيير، والذي وقع فيه -وهو كل واحد من المعينات المردد فيها- ليس بواجب لأنه ينافي وصف التعيين.
قالوا: الآمر يجب أن يُعلم المأمور به.
قلنا: كذلك لكن كما أوجبه إن معيَّنًا فمعيَّنًا، أو مبهمًا فمبهمًا.
قالوا: علم في الأزل أن المفعول ماذا هو، فكان الواجب.
قلنا: من حيث إنه واحد من تلك الأمور، ولهذا ردد فيها، [وللقطع بأن الخلق في وجوبه شرع] (١).
стр. 318
هذا تحقيق المسألة بما لا مزيد عليه، وشَرح كلام المصنف ظاهر مما قررناه إذ قوله: "يوجب واحدًا لا بعينه" إشَارة إلى المذهب المنصور (١).
وقوله: "قيل: الكل" إشارة إلى قول طائفة من المعتزلة.
وقوله: "وقيل: الواجب معين".
وقوله: "وقيل: ما يختاره المكلف" مذهبان آخران لهم، كما أشرنا إليه في صدر البحث.
وقوله: "وإن فعل [الكل] (٢) قيل: الواجب أعلاها".
وجه ذلك: أن اللائق بالغِنى المطلق -تعالى وتقدس- أن يثيب كذلك لأن العبد الفقير قد أتى بالواجب وزيادة.
وإن ترك الكل، فعقاب أدناها بالدليل المذكور آنفًا.
стр. 319
والحق: أن ما كان في علمه أن لو أتى به كان مسقطًا هو المثاب عليه والمعاقب به، فتأمل!
قوله: "ويجوز تحريم واحد لا بعينه".
أقول: قاس الأصحاب تحريم واحد لا بعينه على وجوبه كذلك، والدليل هو الدليل اعتراضًا وجوابًا، والمخالف هو المخالف، وهم المعتزلة (١) لكنهم لم يوجبوا الإتيان بالجميع في المسألة الأولى، وإن قالت طائفة بوجوب الجميع بسقوطه بفعل واحد منها، وفي هذه المسألة ذهبوا إلى وجوب ترك الجميع لاقتضاء النهى عن القُبح، وإن كان بصيغة التخيير احتياطًا، اللهم إلا أن يدل [دليل] (٢) على أن المراد منع الجمع، فيجوز فعل أحدهما (٣).
قوله: "قيل: لم ترد به اللغة" إشارة إلى منع من جهة المعتزلة تقريره: أنكم ادعيتم أن النهى عن واحد لا بعينه جائز، وهي كمسألة المخير، ولا يستقيم قياسكم على ذلك، إذ في المخير ورد الأمر من الشارع بذلك،
стр. 320
وفي النهي لا ورود للنهي من الشارع بذلك، ولا دل عليه اللغة إذ لم نجد في كلام العرب ما هو نص في ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الأنسان: ٢٤] لتحريم كل واحد لا لواحد [لا بعينه] (١)، وهذا الكلام منهم في غاية السقوط إذ الكلام في الجواز لا في الوقوع.
وما قاله بعضى الشارحين (٢): إن الإجماع لمستنده صرفه عن ظاهره، ما له معنًى صحيح.
قوله: "مسألة فرض الكفاية ... إلى آخره".
أقول: فرض الكفاية: هو الفعل الذي يجب ويحصل الغرض منه بفعل البعض (٣).
стр. 321
قال الإمام في "المحصول": "الأمر إذا تناول جماعة إما أن يتناولهم على سبيل الجمع، أم لا، فإن تناولهم على سبيل الجمع إما أن يكون فعل بعضهم شرطًا في فعل البعض: كصلاة الجمعة، أو لا يكون كما في ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (١) وإن تناول الجماعة لا على سبيل الجمع، فذلك من فروض الكفاية" (٢).
ثم قال: "وإن غلب على ظن كل طائفة أن غيرهم يقوم به سقط الفرض عن كل واحد من تلك الطوائف" (٣).
وإنما أوردنا كلام الإمام لتعلم أن ما نسبه إليه المصنف من أن مختاره الوجوب على البعض ليس كذلك، لأن كلام "المحصول" صريح في خلاف ذلك (٤).
стр. 322
ثم المذهب المنصور -وهو مختار الجمهور، وتبعهم والد المصنف- أنه واجب على الكل، ويسقط بفعل البعض (١).
والذي يدل على ذلك تأثيم الجميع إذا يأت به أحد منهم، إذ لا يعقل تأثيم من لا وجوب عليه.
واستبعد المخالف سقوط الواجب على عمرو بفعل زيد.
стр. 323
قلنا: لا استبعاد؛ لجواز أداء دينه بغير إذنه.
قيل: كما وجب واحد مبهم من [خصال الكفارة، فليجب على واحد مبهم.
قلنا: الفرق ظاهر؛ لإمكان التأثيم على ترك واحد مبهم، وامتناع تأثيم واحد لا بعينه.
قالوا: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] صريح في البعض] (١).
قلنا: ظاهر قابَلَ قطعيّا يجب أن يؤول: بأن فعل الطائفة يُسقِط الوجوب عن الكل.
قيل: لو وجب على الكل توقف سقوطه عن الباقين على خطاب آخر، فيكون نسخًا.
قلنا: رفع تعلق الحكم لا يجب أن يكون بالناسخ؛ لجواز أن يَنْسِب الشارع أمارة على ذلك: كاحترام الميت بصلاة البعض، وحصول الأمن بجهاد طائفة، والاكتفاء في الأمور الشرعية بفقه طائفة من كل فرقة وبلدة.
ثم قد اختلف في أفضلية فرض العين، وفرض الكفاية:
стр. 324
فالذي ذهب إلى الأول: استدل باعتناء الشارع بفرض العين حيث أوجبه على كل مكلف (١).
ومن نحا إلى الثاني: رجحه بتأثيم الجميع بتركه وعموم نفعه لكافة المسلمين. والذي يقتضيه النظر الصائب: أنه ليس الأمر على إطلاقه، بل يتفاوت بحسب الفروض والمقام؛ إذ لا يخفى أن صلاة الجمعة، وصلاة الصبح أعظم شأنًا من الصلاة على مكاس (٢)، أو مُدْمِنِ حمر.
قوله: "المختار: البعض منهم"، قد علمت أنه غير مختار نقلًا ودليلًا.
وقيل: معين، أي ذلك البعض عند الله، ويسقط بفعل غيره، نظيره أحد المذاهب المزيفة في الواجب المخير.
стр. 325
وقيل: من قام به هو المكلف به لسقوطه بفعله، وإذا تأملته وجدته راجعًا إلى ما اختاره المصنف، وهو البعض المبهم، لعدم تعين البعض في الموضعين وسقوط الوجوب بفعل كل من قام به (١).
قوله: "وسنة الكفاية كفرضها" أي: ما ذكر من الخلاف في فرض الكفاية من أن المخاطب به كل المكلفين أو البعض، والبعض معين أو مبهم، وهل سنة العين أفضل، أم سنة الكفاية؟ جاز في سنة الكفاية (٢).
ثم تعريف المصنف لا بد له من قيد آخر ليصير مانعًا، وهو أن يقال: مهم يقصد حصوله من غير نظر إلى ذات فاعله، مع تأثيم الكل على تقدير الترك، وإلا يدخل فيه سنة الكفاية.
والعجب من بعض الشارحين (٣) أنه عرَّف سنة الكفاية بما عرّف المصنف فرض الكفاية (٤)، ولم يتنبه لاختلال تعريف المصنف طردًا (٥).
стр. 326
واعلم أنه قد اختلف في لزوم الإتمام بعد الشروع في فرض الكفاية.
الجمهور: على وجوبه.
وقيل: لا يجب (١)، [ولا] (٢) شك أن المسألة فرع فقهى [حيث] (٣) ذهب الجمهور وكان هو المذهب، [والله أعلم] (٤).
قوله: "مسألة: الأكثر أن جميع وقت الظهر".
أقول: هذه المسألة هي مسألة (٥) الواجب الموسع، وهذه التسمية بالنظر إلى وقت الواجب (٦)
стр. 327
[(١) إذ الوقت: إما أن يكون معيارًا للواجب: كشهر رمضان، ويسمى الواجب مضيقًا، أو يكون الوقت زائدًا على المقدار الذي يقتضيه وقوع الفعل فيه، ويسمى الواجب المتعلق فيه موسعًا.
والقسم الثالث: وهو أن ينقص الوقت عن مقدار الفعل غير معقول (٢).
إذا تقرر هذا، فنقول: ذهب الجمهور إلى أن جميع الوقت وقت لأدائه جوازًا، وإن كان الأول أفضل.
وذهب القاضي ومن تابعه إلى أن الواجب بعد دخول الوقت أحد الأمرين: إما إيقاع الواجب، أو العزم على إيقاعه في ثاني الحال (٣).
стр. 328
وبعض الحنفية: إلى أن الوقت آخره حتى لو أوقعه فيما قبل ذلك المقدر المذكور يكون نفلًا: كتعجيل الزكاة (١).
والكرخي (٢) -منهم-: إلى أن المكلف إن لم يبق لصفة الوجوب مكان كالزكاة المعجلة، وإن بقى فما فعله كان واجبًا (٣).
стр. 329
وقوم: إلى عكس ما ذهبت إليه الحنفية، وهو أن وقته هو الأول، والتأخير عنه يجعله قضاء (١)، هذا هو المشهور في كتب الأصول.
والمصنف عبر عمّا نسبناه إلى الحنفية بلفظ: قيل، وصرح بنسبة مذهب آخر إلى الحنفية، وهو أن الجزء الذي يقع فيه فعل الواجب هو وقت الأداء، أيَّ جزء من أول الوقت إلى آخره، فإن لم يوقعه في تلك الأجزاء، فيتعين الجزء الأخير (٢)، وهذا الأخير لا يمتاز عن مذهب الجمهور، فتأمله!
لنا -استدلالًا على ما ذهب إليه الجمهور-: أن الشارع بين الوقت مطلقًا، فالقول بتقييده تحكم.
الثاني: أنه لو كان معينًا، فالمصلي في غير ذلك الجزء إما مقدَّم فلا يصح منه، أو مؤخِّر فيقضى، والإجماع على خلافه.
القاضي ومن تابعه قالوا: من أول الوقت إلى الآخر، إما الفعل أو العزم واجب إجماعًا.
стр. 330
قلنا: لا تعلق -له- بالمبحث: لوجوب العزم في جيع الواجبات إجمالًا وتفصيلًا، حتى لو عزم على ترك واجب -بعد دهر طويل- لأثم اليومَ.
الحنفية: لو كان الأول وقتًا لعصى بالتأخير.
قلنا: لو لم يكن موسعًا، فلا يتفاوت من حيث إنه وقت، وهو كخصال الكفارة نظرًا إلى أجزاء الوقت.
وقد نقل الغزالي -رحمه الله تعالى- مذهبًا آخر، وهو أن الوقت الجزء الأخير- وإذا وقع قبل ذلك الجزء، فنفل يسقط به الفرض.
واستدل على بطلانه: بأنه لو كان كما قاله لصح بنية النفل، بل لم يصح بنية الفرض، ولم يقل به أحد (١).
قوله: "ومن أخَّر، مع ظن الموت عصى".
أقول: هذه المسألة من فروع الواجب الموسع، وهي أن المكلف في أول وقت الواجب إن غلب على ظنه أنه لن يعيش إلى الجزء الأخير بواسطة مرض شديد، أو كبر سن عصى اتفاقًا.
فإن بان خطأ ظنه بأن لم يمت، وفعله في الأخير، فالجمهور على أنه أداء لوقوعه في الوقت المقدر له شرعًا.
стр. 331
والقاضيان: أبو بكر والحسين (١) على أنه قضاء.
فإن أرادا تسميته قضاء، فلا مشاحة معهما، وإن أرادا نية القضاء، فممنوع ولا تنافي بين العصيان والأداء، كما إذا ظن قبل دخول الوقت أن حين يحضر زيد يفوت الوقت، فأخَّر إلى حين حضوره، فإنه يعصي وصلاته أداء باتفاقهما، ومن أخَّر، مع ظن السلامة، ومات فجأة لم يعص؛ لأنه لم يُخرِج واجبًا عن وقته المقدر له شرعًا (٢).
стр. 332
وقيل: يعصي؛ لأن التأخير مشروط بسلامة العاقبة، وليس بشئ لانتفاء دليله شرعًا، بخلاف ما وقته العمر كله: كالحج، وقضاء الواجبات؛ لأنه بالموت تبين إخراج الواجب عن الوقت، بخلاف المؤقت بغير العمر، وقد سبق منّا تحقيقه فراجعه (١)، وعصيانه من أول سِني الإمكان أو آخِرِه فيه خلاف بين الفقهاء (٢).
والذي يقتضيه النظر الصائب أن يكون آخر سِنِي الإمكان (٣)، والله سبحانه أعلم.
قوله: "مسألة: المقدور الذي لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب".
أقول: هذه المسألة من أمهات مسائل الأصول الغامضة، وهي أن ما يتوقف عليه الواجب المطلق -وكان مقدورًا- هل يجب، أم لا؟
стр. 333
الجمهور: على إيجابه مطلقًا (١).
وقيل: إذا كان الموقوف عليه سببًا يستلزم، وإن كان شرطًا، فلا.
إمام الحرمين، ومن تابعه: كالشيخ ابن الحاجب: إن كان شرطًا شرعيًّا يستلزم، وإن كان عقليًّا، أو عاديًّا، فلا (٢).
ولا بد أولًا من معرفة الواجب المطلق ليمتاز عن المقيد، ثم النظر في ما هو الحق من المذاهب.
قد فُسِّرَ الواجب المطلق. كلا يجب في كل وقت، وعلى كل حال، فانتقض بالصلاة، فإن صلاة الظهر -مثلًا- تجب في كل وقت، فزيد: في كل وقت يقدره الشارع، فنوقض بصلاة الحائض، فزيد: لا لمانع، وهذا لا يشمل غير الموقتات، ولا مثل الحج والزكاة في إيجاب ما يتوقف عليه من الشروط.
стр. 334
فالواجب المطلق: هو الذي لا يكون بالنظر إلى تلك المقدمة التي يتوقف عليها مُقيَّدًا، وإن كان مقيدًا بقيود أُخر، فإنه لا يخرجه عن الإطلاق: كقوله : ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] فإن وجوب الصلاة في هذا النص مقيد بالدلوك، وغر مقيد بالوضوء والاستقبال.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] فإن السعى واجب مقيد نظرًا إلى النداء، مطلق نظرا إلى ما عداه من شروط الجمعة. إذا تقرر هذا، فنقول: قد اتفقوا على أن الواجب إذا كان مقيدًا -في نص الشارع- بمقدمة (١) لا تجب تلك المقدمة بوجوب ذلك الواجب، بل لو وجب ذلك القيد يكون وجوبه
стр. 335
بنص آخر، كما إذا قال: إن ملكتَ نصابًا فزك (١)، لا يلزمه تحصيل النصاب، وكذا إذا قال: حُجَّ إن استطعت لا يلزمه تحصيل الاستطاعة، وإنما الكلام في الموقوف عليه الذي لم يكن مذكورًا في النص الذي دل على وجوب الواجب: كالوضوء، فإنه لم يذكر في النص الذي دل على وجوب الصلاة هل يكون إيجاب الصلاة إيجابًا له، أم لا؟ فيه خلاف.
مختار المصنف -وفاقًا للأكثر - وجوبه مطلقًا: سببًا، وشرطًا، وشرعًا، وعقلًا، وعادة.
وقيل: سببًا، لا شرطًا.
وقيل (٢): شرطًا شرعيًّا لا عاديًّا، ولا عقليًّا إذا انتقش في الخاطر عادة لزم.
فنقول: ذهب المصنف -وفاقًا للجمهور (٣) - إلى أن ما يتوقف على الواجب المطلق، وكان مقدورًا واجب، سببًا كان أو شرطًا، أو شرعيًّا، أو عقليًّا، أو عاديًّا: لاستواء المحل في كونه موقوفًا عليه أداء الواجب لا يعقل وجوده بدون ما يوقف عليه.
стр. 336
وقوله: "مقدورًا"، احتراز عمّا لا يكون الموقوف عليه مقدورًا: كالقَدَم للقيام في الصلاة، وكعدد الأربعين في الجمعة (١).
والمراد بالشرط الشرعي: ما جعله الشارع شرطًا, وأمكن وجود الفعل بدونه: كالطهارة للصلاة.
وبالعقلي: ما لا يمكن وجود الفعل بدونه عقلًا: كترك الأضداد.
والعادي: ما لا يمكن عادة: كغسل جزء من الرأس (٢).
стр. 337
ثم النزاع إنما هو في إيجاب المشروط بعينه هو إيجاب تلك الأمور، أم لا؟ وإلا كون الشرط شرعيًّا لا يتصور إلا بجعل الشارع، وبعد جعله شرطًا واجب قطعًا، وكذلك الشرط العقلي لا يجوز وجود المشروط بدونه؛ لعدم جواز انفكاك اللازم عن الملزوم، وكذا العادي لا ينفك عن المشروط عادة.
والذي ذهب إلى أن الأمر بالسبب دون الشرط] (١)؛ فلأن وجوده يستلزم وجود المسبب؛ لعدم تخلف المعلول عن علته بخلاف الشرط لجواز تخلف المشروط عنه.
وذهب إمام الحرمين، وتبعه الشيخ ابن الحاجب في "مختصره": إلى أن الأمر بالشيء أمر بشرطه الشرعي لا غير.
وخلاصة ما استدلوا به: أما على الأول: فإن (٢) الموجب للشيء لو لم يوجب شرطه كان شرطًا شرعيًا.
قلنا: ممنوع، بل بجعل آخر، ويكون شرعيًّا؛ لاستناده إلى جعل الشارع.
وأما على الثاني: فلأن غير [الشرط] (٣) الشرعي لو وجب لوجب تصوره حين إيجاب الأصلي، ولتعلق به الخطاب، واللازم باطل.
стр. 338
قلنا: بطلانه ممنوع؛ لأن الخطاب المتعلق بالملزوم متعلق به أيضًا، وينتقض بالشرط الشرعي -أيضًا- فإن الآمر بالمشروط [ربما] (١) لا يتصور الشرط.
والذي يقتضيه النظر الصائب: أن كل ما يتوقف عليه وجود الشيء لا بد من وجوده، وإلا يلزم التكليف بالمحال، ولا يلتفت في هذا إلى كونه بجعل الشارع، أو بالعادة، أو بالعقل (٢)؛ إذ قد قررنا في أول المسألة أن النزاع إنما هو في أن الأمر بالشيء أمر بما يتوقف عليه وجوده أم لا؟
فإن أريد أن الأمر بالشيء أمر بالشرط صريحًا دون غيره، فهو ممنوع.
وإن أريد استلزامًا؛ إذ الأمر بالشيء أمر بلازمه لاستحالة وجود الملزوم بدون اللازم، فلا فرق بين الشرط وغيره، وإن سمي بعض هذه
стр. 339
الأمور شرعيًّا دون بعض اصطلاحًا، فلا مشاحة في ذلك. هذا تحقيق هذا المقام، والله ولي الإنعام.
قوله: "فلو تعذر ترك المحرَّم إلا بترك غيره".
أقول: رتب المصنف الفرعين المذكورين بالفاء على الكلام السابق؛ لدخولهما في تلك القاعدة الكلية؛ لأن الكف عن الأجنبية (١)، والمنْسِيّ طلاقها (٢) واجب، ولا يمكن ذلك الواجب إلا بالكف عن المنكوحة ومن غير المطلقة، وما يتوقف عليه الواجب واجب.
وتبع المصنف -في قوله-: "حَرُمتا" الإمام في "المحصول" إذ قد نقل هناك أن قومًا ذهبوا إلى أن المحرمة هي الأجنبية، وإنما وجب الكف عن المنكوحة للاشتباه.
стр. 340
وزيفه: بأن المراد بالحل رفع الحرج، وهو منتف فيهما (١).
والحق: أن ذلك القول صواب؛ إذ الحِل المترتب على النكاح الذي حصل بخطاب الشارع لم يرتفع في الواقع.
غايته: أن المانع منع من الانتفاع بذلك الحل، وذا لا يدل على ارتفاعه كما يظهر ذلك في الإناء الطاهر المشتبه بالنجس (٢)، فإن الطهر لم يتغير، ولم ينتقل من وصف الطهارة قطعًا، وإنما وجب على المكلف التوقف إلى زوال الاشتباه، كما يتوقف المجتهد في الدليل إلى انتفاء المانع.
ومثَّل المصنف للمعينة المَنْسِي طلاقها، وترك مسألة المبهمة، كما إذا قال: إحداكما طالق بدون تعيين؛ لأن الحكم فيها معلوم من الأولى بالطريق الأولى (٣).
стр. 341
ولو بدل المصنف لفظة أو بكاف التشبيه لكان أولى؛ لكون المسألة من فروع القاعدة.
قوله: "مسألة: مطلق الأمر لا يتناول المكروه".
أقول: التعبير عن هذه المسألة (١) بما عبر به الشيخ ابن الحاجب هو اللائق:
стр. 342
إذ قال: "المكروه منهي عنه غير مكلف به" (١)، وإنما كان لائقًا؛ إذ المنهي عنه كيف يكون مأمورًا به؟ إذ المكروه يمدح تاركه، فلا يتصور الأمر به شرعًا.
وعبارة المصنف قاصرة عن [إفادة] (٢) هذا المرام؛ إذ عدم التناول يشعر بصلوح المحل له، لكن لم يقع في الخارج، وليس كذلك، بل عدم التناول لعدم قابلية المحل بعد تعلق الكراهية به.
قوله: "خلافًا للحنفية"، صريح في أن الحنفية قائلون: بأن الأمر يتناول المكروه. وهذا أمر لا يعقل (٣)؛ لأن المباح -عندهم- غير مأمور به، مع كون طرفيه على حد الجواز، فكيف يتصور أن يكون المكروه من جزئيات
стр. 343
المأمور به في شيء من الصور؟ وكتبهم -أصولًا وفروعًا- مصرحة بأن الصلاة في الأوقات المكروهة فاسدة حتى التي لها سبب مطلقًا (١).
والنقل عن محمد بن الحسن (٢): أن كل مكروه حرام، وعن
стр. 344
صاحبيه (١): أن المكروه كراهة تنزيه إلى [الحل] (٢) أقرب (٣).
стр. 345
وأما تجويز الطواف بغير وضوء -وهو مكروه عندهم (١) - ليس لأن قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] تناوله (٢)، بل لأن الطهارة ليست شرطًا فيه بخلاف الصلاة (٣)، وكراهته؛ لأن العبد ينبغي أن يكون في تلك العبادة الشريفة بصفة الطهارة بين يدي الله .
قوله: "فلا تصح الصلاة في الأوقات المكروهة".
стр. 346
تفريع على القاعدة المذكورة، أي الأمر المطلق لما لم يتناول المكروه، وقد ورد النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة (١)، فالأمر بالنوافل لا يتناول ذلك الفعل المنهي، وهو إيقاع الصلاة إلى لا سبب لها يعتد به في الأوقات المذكورة سواء كان في تحريم أو نهي تنزيه وما ذكره في التحريم واضح.
وأما كراهة التنزيه لا تنافي الصحة؛ لكونها راجعة إلى الخارج.
والصحيح في المذهب عدم الصحة كما نقله (٢)، وأما دليلًا فلا يخلو عن نوع إشكال (٣).
стр. 347
قوله: "أما الواحد بالشخص له جهتان".
أقول: لفظ الواحد يطلق على وجوه: تارة على الواحد بالجنس فيقال: الإنسان والفرس واحد، أي بالجنس، وتارة على الواحد بالنوع فيقال: زيد وعمرو واحد، أي نوعًا، وتارة على الواحد بالشخص، فيقال: زيد واحد، أي شخصًا.
إذا تقرر هذا، فنقول: الوجوب والحرمة ضدان؛ لأن الضدين هما الأمران الوجوديان اللذان لا يجتمعان في محل واحد (١) من جهة واحدة (٢)، فالوجوب والحرمة لا يتعلقان بشيء واحد من جهة واحدة، والمراد بالواحد الواحد بالشخص، وإلا فالواحد بالنوع، أو الجنس لا مانع فيه؛ لتعدد الأفراد: كالسجود لله وللشمس، فيجوز أن يحرم فرد، ويجب فرد (٣)، إنما الكلام في الواحد بالشخص إذا كان له جهتان، هل يجوز أن يكون بكل من الجهتين متعلقًا لأحد الحكمين، أم لا؟ فيه خلاف.
وفرعوا على ذلك مسائل منها: الصلاة في الدار المغصوبة (٤) هل تصح، أم لا؟
стр. 348
فالجمهور: على الصحة مع العصيان بلا ثواب (١).
وقيل: مع الثواب؛ لاختلاف الجهة (٢).
الإمام والقاضي: لا تصح، ويسقط الطلب عندها (٣).
الإمام أحمد صاحب المذهب (٤) لا صحة ولا سقوط، ووافقه على
стр. 349
ذلك أكثر المتكلمين (١)، والجبائي (٢) من المعتزلة.
لنا على المختار عند الجمهور: أن من أمر عبده بخياطة ثوب، ونهاه عن مكان مخصوص، وخالف العبد، وخاطه في ذلك المكان يُعّد طائعًا، عاصيًا قطعًا للجهتين.
стр. 350
ولنا -أيضًا-: أن لو لم تصح لكان عدم الصحة لكون متعلق الوجوب والحرمة واحدًا، إذ المفروض أن لا مانع آخر (١)، وقد تبين أن المتعلق ليس متحدًا لاختلاف الشيء باختلاف الجهات جزمًا.
قالوا: الصلاة حركات وسكنات مخصوصة، وهي في الدار المغصوبة منهيّ عنها.
قلنا: وهي مأمور بها باعتبار الجهتين.
قالوا: لو صح ما قلتم لصح صوم يوم النحر.
قلنا: عدم الصحة؛ لعدم الجهتين، وتحقيق ذلك: أن صوم يوم النحر صوم مقيد، ويستلزم مطلق الصوم، فلا يمكن انفكاك مطلق الصوم يوم النحر؛ ليجعل متعلق الصحة، بخلاف الصلاة، والغصب؛ إذ يعقل كل منهما بدون الآخر، فلا يلزم من صحة الصلاة حيث لا مانع صحة الصوم مع وجود المانع.
وأيضًا: إجماع السلف على عدم الأمر بالقضاء على الظلمة الساكنين في الأماكن [ظلمًا] (٢)، وحيث كانت الصحة مفسرة بموافقة الأمر عند
стр. 351
المتكلمين، وسقوط القضاء عند الفقهاء. فالصحة لا تستلزم الثواب، بل الأمر محتمل، وإنما المستلزم هو القبول.
ومن قال: يثاب عليها، إن قال: احتمالًا فهو ما ذكرنا، وإن قال: جزمًا فلا دليل له إلا تعدد الجهة، وذلك لا يستلزم الثواب، والقول بالسقوط مشكل جدًّا (١).
والذي قاله الإمام أحمد وجهه: أن ذلك الفعل لمّا كان معصية لا يصلح عبادة فلا تصح، وإذا لم تصح لم تسقط، وقد سبق الجواب عنه
стр. 352
وهو الإجماع على عدم الأمر بالقضاء، فإن قيل: كيف يتصور الإجماع مع مخالفة الإمام أحمد؟
قلنا: لا يمكن النزاع في الإجماع، فإنه واقع على عدم القضاء (١)، فإما سابق على قول الإمام، فلا يقبل قوله؛ إذ المجتهد لا يجوز له مخالفة الإجماع، أو متأخر عنه، رافع للخلاف، فتأمل!
قوله: "والخارج من المغصوب تائبًا".
أقول: ما ذكره من الفرع السابق كان فيما يمكن الانفكاك: كالصلاة، والغصب، وفَعَلَه المكلف باختياره، وأما ما ذكره هنا هو ما إذا توسط أرضًا مغصوبة، وقصد الخروج على قصد التوبة نادمًا على فعله من الغصب، فهذا الخروج هل يوصف بالوجوب، أم لا يوصف؟ والبحث عن فعل المكلف من حيث الوجوب والحرمة، وإن كان وظيفة الفقيه، ولكن نظر الأصولي إنما هو في أن مثل هذا الخروج المأمور به هل يصير منهيًّا عنه، أم لا؟
стр. 353
الجمهور على أنه: لا يتعلق النهى به خلافًا لأبي هاشم (١) من المعتزلة (٢).
لنا: الخروج متعين للأمر بذلك، فلا معصية إذا بذل المجهود من السرعة، وسلوك أقرب الطرق، وأقلها ضررًا (٣).
وقول الإمام: إنه عاص باستصحاب المعصية، مطيع بتفريغ المكان -كما في الصلاة في الدار المغصوبة- غير مستقيم لاستلزام التكليف
стр. 354
بالمحال، وهو جواز الخروج، مع عدم جوازه (١)، ومنه يعلم الجواب عن قول أبي هاشم، فتأمل (٢)!
قال الإمام: وإنما حكمنا بالمعصية -وإن كان مضطرًا، والإمكان شرط في المنهي-؛ لأن تسببه إلى ما تورط فيه آخِرًا سبب المعصية، وليس منهيًّا عن الكون في هذه الأرض مع بذلك المجهود، وفي التكليف منقطع عنه لكنه مرتبك بالمعصية ما دام في الأرض استصحابًا (٣)، وقد علمت جوابه (٤).
стр. 355
قوله: "والساقط على جريح".
أقول: هذه شبهة أبداها أبو هاشم المعتزلي، فاضطرب في الجواب عنها أقوال السلف، وهي أن من توسط (١) بين قوم جرحى وجثم على واحد منهم، فإن استمر قتله، وإن انتقل إلى غيره قتله، فكيف يكون أمره؟ !
قيل: يستمر لعدم فائدة في الانتقال إذ العلة متحدة في المحلين.
وقيل: مخير؛ لأن الأمر بالاستمرار لا يجدي نفعًا.