المتكلمين، وسقوط القضاء عند الفقهاء. فالصحة لا تستلزم الثواب، بل الأمر محتمل، وإنما المستلزم هو القبول.
ومن قال: يثاب عليها، إن قال: احتمالًا فهو ما ذكرنا، وإن قال: جزمًا فلا دليل له إلا تعدد الجهة، وذلك لا يستلزم الثواب، والقول بالسقوط مشكل جدًّا (١).
والذي قاله الإمام أحمد وجهه: أن ذلك الفعل لمّا كان معصية لا يصلح عبادة فلا تصح، وإذا لم تصح لم تسقط، وقد سبق الجواب عنه
стр. 352
وهو الإجماع على عدم الأمر بالقضاء، فإن قيل: كيف يتصور الإجماع مع مخالفة الإمام أحمد؟
قلنا: لا يمكن النزاع في الإجماع، فإنه واقع على عدم القضاء (١)، فإما سابق على قول الإمام، فلا يقبل قوله؛ إذ المجتهد لا يجوز له مخالفة الإجماع، أو متأخر عنه، رافع للخلاف، فتأمل!
قوله: "والخارج من المغصوب تائبًا".
أقول: ما ذكره من الفرع السابق كان فيما يمكن الانفكاك: كالصلاة، والغصب، وفَعَلَه المكلف باختياره، وأما ما ذكره هنا هو ما إذا توسط أرضًا مغصوبة، وقصد الخروج على قصد التوبة نادمًا على فعله من الغصب، فهذا الخروج هل يوصف بالوجوب، أم لا يوصف؟ والبحث عن فعل المكلف من حيث الوجوب والحرمة، وإن كان وظيفة الفقيه، ولكن نظر الأصولي إنما هو في أن مثل هذا الخروج المأمور به هل يصير منهيًّا عنه، أم لا؟
стр. 353
الجمهور على أنه: لا يتعلق النهى به خلافًا لأبي هاشم (١) من المعتزلة (٢).
لنا: الخروج متعين للأمر بذلك، فلا معصية إذا بذل المجهود من السرعة، وسلوك أقرب الطرق، وأقلها ضررًا (٣).
وقول الإمام: إنه عاص باستصحاب المعصية، مطيع بتفريغ المكان -كما في الصلاة في الدار المغصوبة- غير مستقيم لاستلزام التكليف
стр. 354
بالمحال، وهو جواز الخروج، مع عدم جوازه (١)، ومنه يعلم الجواب عن قول أبي هاشم، فتأمل (٢)!
قال الإمام: وإنما حكمنا بالمعصية -وإن كان مضطرًا، والإمكان شرط في المنهي-؛ لأن تسببه إلى ما تورط فيه آخِرًا سبب المعصية، وليس منهيًّا عن الكون في هذه الأرض مع بذلك المجهود، وفي التكليف منقطع عنه لكنه مرتبك بالمعصية ما دام في الأرض استصحابًا (٣)، وقد علمت جوابه (٤).
стр. 355
قوله: "والساقط على جريح".
أقول: هذه شبهة أبداها أبو هاشم المعتزلي، فاضطرب في الجواب عنها أقوال السلف، وهي أن من توسط (١) بين قوم جرحى وجثم على واحد منهم، فإن استمر قتله، وإن انتقل إلى غيره قتله، فكيف يكون أمره؟ !
قيل: يستمر لعدم فائدة في الانتقال إذ العلة متحدة في المحلين.
وقيل: مخير؛ لأن الأمر بالاستمرار لا يجدي نفعًا.
стр. 356
ونقل عن إمام الحرمين: أنه لا حكم في المسألة، ونقل عنه أيضًا: أنه قال: حكم الله فيها أن لا حكم فيها (١).
وتوقف الإمام الغزالي (٢).
стр. 357
والوجه: أن يحمل كلام الإمامين على عدم الوقف على نص في ذلك، وعدم إمكان تخريج قول على حادثة تلائمها، وإلا كيف يخلو فعل من أفعال المكلفين -بعد ورود الشرع- عن أحد الأحكام الخمسة.
قوله: "مسألة: يجوز التكليف بالمحال مطلقًا".
أقول: شرط الجمهور -في المطلوب- الإمكان، ونسب خلافه إلى الأشعري.
ولا بد -أولًا- من تحرير محل النزاع، فنقول: هو على ثلاثة أقسام:
ما علم الله أن لا يقع، أو أخبر أنه لا يقع، وهذا القسم مما لا نزاع فيه جوازًا، ووقوعًا؛ لأن تكليف من علم الله أنه يموت كافرًا من هذا القبيل (١)، مع الاتفاق على تكليفه (٢).
والثاني: ما أمكن في نفسه لكن لم يقع متعلق القدرة الحادثة أصلًا: كخلق الأجسام، أو عادة: كالطيران إلى السماء، وهذا الذي ذهب الأشعري إلى جوازه.
стр. 358
والثالث: وهو أقصى المراتب في الاستحالة، وهو المحال لذاته: كقلب الحقائق، وجمع الضدين.
وفي جواز التكليف به تردد بناء على جواز تصوره واقعًا، أي المكلف به يستدعي جواز تصوره واقعًا، والممتنع هل يتصور واقعًا؟ فيه تردد، وسنحققه بعد شرح كلام المصنف.
إذا تحرر هذا، فنقول: ذهب المصنف إلى ما ذهب إليه البعض من جواز التكليف بالمحال حتى الممتنع بالذات: كجعل القديم حادثًا، وعكسه (١).
ونقل عن أكثر المعتزلة والغزالي، ومن تبعه من المتأخرين عدم الجواز في الممتنع الذي ليس امتناعه لعلم الله عدم الوقوع (٢).
стр. 359
وذهبت معتزلة بغداد، والآمدي إلى عدم الجواز في الممتنع ذاتًا (١).
ونقل عن إمام الحرمين: أن ما تعلق العلم بعدم وقوعه لا يطلب وقوعه؛ لاستحالة الطلب (٢)، ولكن يجوز ورود صيغة الأمر لا للطلب، بل لمعنًى آخر: كالإهانة في قوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦] (٣).
ثم قال المصنف: "والحق وقوع الممتنع بالغير لا بالذات" (٤).
أقول: لما تقرر أن فعله لا يعلل بالغرض، فله أن يكلف بما لا يطاق، وإن كان ذاتًا، لكن لم يقع النزاع إلا في القسم الثاني، والنزاع إنما هو في الجواز لا في الوقوع.
فإن قيل: قد وقع التكليف بالممتنع ذاتًا، وهو أنه تعالى أخبر عن طائفة بأنه ختم على قلوبهم (٥) فهم لا يؤمنون، وقد أمرهم بالإيمان في كم
стр. 360
آيةٍ، فقد أمرهم أن يجمعوا التصديق بالله ورسوله مع عدمه، وهو جمع بين النقيضين عقلًا.
قلنا: ليس ما ذكرتم محلًا للنزاع، بل هو من القسم الأول المتفق على وقوعه، وذلك: أن الإيمان هو تصديق النبي بما علم مجيئه به ضرورة إجمالًا، فهم لم يخاطبوا بأنهم لا يؤمنون، بل أخبر الله نبيه ﷺ (١) أنهم لا يؤمنون ولو سمعوا، ولم يصدقوا به، فلا إشكال، أما لو سمعوا وصدقوا به كان من المستحيل ذاتًا، وأنّى يثبت ذلك وفي آذانهم وقر، ومن بينهم وبينه حجاب (٢)!
قيل: التكليف بالمحال واقع قطعًا؛ لأن الاستطاعة مع الفعل لا قبله، وأفعال العباد مخلوقة لله تعالى، ومن هذين الأصلين نسب التكليف بالمحال إلى الأشعري، وإلا فالأشعري لم يصرح بذلك (٣).
قلنا: لو صح ما ذكرتم لكان كل تكليف من قبيل المحال، وهو خلاف الإجماع، فيكون مردودًا، وهذا جواب جدلي.
стр. 361
وتحقيق الجواب: أن الاستطاعة المجوزة للتكليف عبارة عن سلامة الأسباب والآلات، لا الاستطاعة إلى تكون [مع] (١) الفعل، وأن أفعال العباد وإن كانت مخلوقة لله تعالى واقعة بقدرته، ولكن قدرة العبد متعلقة بها كسبًا بخلاف المتنازع فيه فإنه ليس متعلق القدرة الحادثة (٢)، كما تقرر في صدر البحث.
ومما يجب التنبه له: أن المراد بالتكليف هو المعنى الذي سبق في بحث الأحكام الذي من لوازمه استحقاق الثواب والعقاب، لا الطلب الذي يراد منه التعجيز، كما في التحدى بالقرآن، أو التسخير، كما في قوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [لأعراف: ١٦٦]، فإنه لم يخالف أحد في جوازه.
فقد ظهر أن تفصيل إمام الحرمين لم يتضمن زيادة فائدة:
[لأنه قائل بعدم الجواز في القسمين الأخيرين، كما هو مختار الغزالي ومن تبعه (٣).
стр. 362
فإن قلت: إمام الحرمين لو كان موافقًا للغزالي لم يفرده المصنف بالذكر، بل مذهب الإمام عدم الجواز في الثلاثة؛ لأنه قال: طلب الفعل محال ممن هو عالم باستحالة وقوع الفعل المطلوب.
قلت: يجب حمل كلامه على القسمين الأخيرين بقرينة الإجماع، وإنما أطلق لظهوره] (١).
وأن قول المصنف: والحق وقوع الممتنع بالغير لا بالذات ليس بحق لما علمت أن قسمًا من الممتنع بالغير، وهو الذي ليس متعلق القدرة الحادثة لم يقل أحد بوقوعه مع كونه ممكنًا في ذاته، وهو الذي أشرنا إليه في صدر البحث أنه الذي وقع النزاع فيه. وتحقيق هذه المسألة على هذا الوجه من نفائس الأبحاث، والله الموفق.
قوله: "مسألة: الأكثر أن حصول الشرط الشرعي ليس شرطًا في صحة التكليف".
أقول: قد اختلف في أن حصول الشرط الشرعي هل هو شرط في صحة التكليف أم لا؟
ولا بد -أولًا- من معرفة معنى الشرط، فالشرط -عندهم- ما يتوقف عليه وجود الشيء ولا يكون موثرًا فيه ولا مستلزمًا له، بل يوجد بدون المشروط: كالطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة، فإنها شروط شرعية للصلاة، ووجودها بدون الصلاة معلوم ضرورة، وإنما قيد الشرط بالشرعي؛
стр. 363
لأن العقلي -كالحياة، والقدرة- لا خلاف في اشتراط وجوده، ومناط الخلاف هو شرط الصحة شرعًا لا شرط الوجوب، ولا شرط وجوب الأداء [للاتفاق على أن شرط الوجوب ما لم يتحقق لا يكلف به، وكذا شرط وجوب الأداء] (١) ما لم يتحقق لم يجب الآداء (٢).
إذا تقرر هذا فنقول: ذهب الجمهور إلى أن التكليف بالمشروط لا يتوقف على وجود الشرط الشرعي.
وخالف في ذلك الشيخ أبو حامد (٣)، وبعض الحنفية. وصوروا الخلاف في مسألة جزئية وهي: تكليف الكافر بالفروع (٤).
стр. 364
لنا -على المختار وهو وقوعه-: أن النصوص من الأوامر والنواهي مطلقة في جميع الموارد من غير تفرقة بين مكلف، ومكلف فيجب القول بالعموم لوجود المقتضى وعدم المانع.
стр. 365
قيل: الكفر مانع.
قلنا: ممكن الإزالة كالحدث.
قالوا: مع الكفر لا يصح وبعده لا قضاء، فلا فائدة (١).
قلنا: تضعيف العذاب على الكافر، قالوا: لو كان واجبًا لوجب القضاء.
قلنا: ممنوع إذ القضاء بأمر جديد، وإنما لم يؤمروا بالقضاء ترغيبًا لهم.
وفرق قوم بين الأوامر والنواهي، واستدلوا: بأن النواهي من باب الترك، وهي لا تحتاج إلى النية، بخلاف الأوامر فإنها متعلقة بالأفعال، وهي لا تصح بدون النية.
стр. 366
واستصوبه بعض الفضلاء (١) محتجًّا: بأنه لا معنى لكون الإيمان شرطًا شرعيًّا لترك الزنى، أو لصحته (٢)، وليس بشيء؛ لأن الإتيان بالمأمور به، والاجتناب عن المنهي عنه للامتثال يتوقف على النية ليصير شرعيًّا، فلا تفاوت بين كف النفس وسائر الأفعال، فكما أن الإيمان شرط في الصلاة ليعتد بها شرعًا (٣)، فكذلك شرط لترتب الثواب على كف النفس الموعود بقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠].
وقال طائفة: المرتد مكلف لاستصحاب أحكام الإسلام لا غيره (٤)،
وقد عرفت عدم الفرق في النصوص.
стр. 367
ونقل المصنف عن والده: أن مناط الخلاف إنما هو خطاب التكليف وما يرجع إليه من الوضع، لا إتلاف الأموال ولا الجنايات، ولا ترتب آثار العقود (١)، فإن الكافر، والمسلم في ذلك سيّان.
وأقول: هذا كلام لا طائل تحته؛ لأن محل النزاع أن ما له شرط شرعي هل يجوز التكليف به قبل وجود الشرط، أم لا؟ كما تقدم، وما لا خطاب تكليف فيه لا صريحًا، ولا ضمنًا، فهو خارج عن البحث.
ثم مسألة تكليف الكافر بالفروع من جزئيات تلك القاعدة المذكورة فيما كان له شرط شرعي: كالإيمان، والطهارة، وستر العورة للصلاة، وأما ما لا شرط له شرعي (٢) يتوقف عليه: كالإتلاف والجنايات، وترتب آثار العقود - فلا وجه للاختلاف فيه (٣).
стр. 368
والحاصل: أن ما ذكره خارج عن محل النزاع، والله أعلم.
قوله: "مسألة لا تكليف إلا بفعل".
أقول: قد اختلف في متعلق النهي: ذهب الجمهور إلى فعل، وهو كف النفس عن الفعل المنهي عنه، خلافًا لأبي هاشم، ومن تبعه [فإنهم] (١) قالوا: هو العدم، وهو نفي الفعل (٢).
стр. 369
وقال قوم: هو فعل الضد، وهذا هو عين المذهب المختار؛ إذ كف النفس من جزئيات فعل الضد (١).
قوله: "وقيل: يشترط قصد الترك" (٢)، خارج عن محمل النزاع؛ لأن الكلام في متعلق النهي، وماذا يصح له عقلًا.
وأما مقارنة القصد، فإنما يعتد به لتحصيل الثواب (٣)، فلا وجه له في معرض تقسيم المذاهب، ولذلك ترى المحققين لم يذكروا سوى قسمين، وهما الأول والثالث.
قال الإمام في "المحصول": "المطلوب بالنهي -عندنا- فعل الضد، خلافًا لأبي هاشم" (٤).
стр. 370
البيضاوي: "مقتضى النهي -عندنا- فعل الضد، ثم قال -في جواب أبي هاشم حيث استدل على أن ترك الزنى مدح-: قلنا: المدح على الكف" (١)، اختار أنه فعل الضد، ثم حكم عليه وعينه بالكف، فقد صرح بأن الكف من الأضداد.
لنا: أن العدم غير مكلف به؛ لأنه غير مقدور لأن العدم الأصلي مستمر، فلا يكون للقدرة فيه أثر مستند إليها.
قالوا: (٢) يكفي في الأثر أن لا يفعل فيستمر، أو يفعل فلا يستمر (٣).
قلنا: ممنوع؛ لأن الأثر هو الفعل الحاصل بعدما لم يكن، واستمرار الشيء بالمعنى المذكور لا يسمى أثرًا، وإن اصطلح عليه، فلا يجدي؛ إذ الكلام في متعلق النواهي الواردة في كلام الشارع وتعيين ما كلف به.
وقد سبق أن متعلق الخطاب فعل المكلف، ولا ريب في أن استمرار العدم الأصلي لا يُعَدُّ من فعل المكلف قطعًا.
وتحقيق هذه المسألة -على هذا الوجه- مما لم يَحُمْ أحد حوله، والله الموفق.
стр. 371
قوله: "والأمر -عند الجمهور- يتعلق بالفعل قبل المباشرة".
أقول: هذه المسألة من غوامض مسائل الأصول (١).
ونحن نذكر ما قصده المصنف من نقل المذاهب، ونحقق الحق بعد ذلك إن شاء الله تعالى.
ذكر أن الجمهور: على أن الأمر يتعلق بالفعل بعد دخول وقته قبل المباشرة على وجه الإلزام (٢).
стр. 372
ولو بدل لفظ الأمر بالتكليف كالشيخ ابن الحاجب (١) كان هو الصواب؛ إذ لا يتفاوت الأمر والنهي في ذلك.
ثم قال: والأكثر من الجمهور على الاستمرار حال المباشرة خلافًا للإمامين (٢)، فإنه عندهما ينقطع، وإلا يلزم تحصيل الحاصل (٣).
стр. 373
وقال قوم: لا يتوجه التكليف إلا عند المباشرة (١)، وحكم المصنف بأنه التحقيق (٢).
واستشكل: بأنه إذا كان التكليف عند المباشرة، فلمَ وقع اللوم قبلها؟
أجاب: بأنه لِيمَ على كف النفس عن الفعل، وذلك الكف منهيّ عنه.
هذا، وإن شئت تحقيق المقام بما لا مزيد عليه، فاسمع لما يتلى عليك.
أقول: قد نقل عن الشيخ الأشعرى: أن القدرة الكاسبة للفعل مقارنة له ولا يجوز تقدمها؛ لأنها عرض، وعنده أن العرض لا يبقى زمانين (٣)، فلو تقدمت لزم وقوع الفعل بلا قدرة، وهو محال فثبت أنها معه (٤)، فالتكليف بالفعل لا يكون إلا عند المباشرة لا قبله، وعلى هذا مشى جمهور الأصوليين.
стр. 374
وهذا باطل، بل لا يرتضي أحد من الناس بهذا المذهب فضلًا عن إمام أهل السنة.
وذلك؛ لأن هذا القول خارق للإجماع؛ إذ القاعد عند دخول الوقت مكلف بالقيام إلى الصلاة إجماعًا.
ومخالف لنص الكتاب مثل: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨].
ولأن مفهوم التكليف الذي هو الاقتضاء الجازم يستدعي الحصول في الزمان المستقبل، كما سبق تحقيقه في بحث الأحكام (١).
وعليه قاعدة اللغة، كما عرف في بحث الأمر والنهي، وسيحقق هناك (٢).
والذي ثبت عن الأشعري: أن القدرة مع الفعل حق، ولكن لا يلزم أن يكون التكليف معه، بل التكليف الذي هو الطلب سابق على المطلوب المقدور، فالطلب سابق، والمطلوب المقدور لاحق.
فإن قلت: إذا كان القدرة على الفعل معه، فالتكليف قبل القدرة تكليف بالمحال، والأشعري، وإن قال بجوازه لم يقل بوقوعه.
قلت: الاستطاعة عند الأشعري تطلق على القدرة المذكورة، وعلى سلامة الأسباب والآلات، وصحة التكليف مبنية على الثانية لا على الأولى، فاندفع الإشكال.
стр. 375
ويؤيد ما قلنا ما ذكره بعض المحققين (١): من أن التكليف بالفعل ثابت قبل حصوله ومنقطع بعده اتفاقًا، وهل هو باق حال الحدوث؟
قال به الشيخ، ومنعه إمام الحرمين والمعتزلة.
فإن قلت: فما الحق في المسألة - ما ذهب إليه الشيخ، أم الذي اختاره الإمام من الانقطاع؟
قلت: الحق ما ذهب إليه الشيخ، وبيان ذلك يتوقف على معرفة مقدمة، وهي أن التأثير هل هو معنى مغاير للأثر في الخارج، أم هو عينه؟
مختار الشيخ: أن الأثر عين التأثير في الخارج.
ولا شك أن التكليف موجود مع التأثير، وإلا لم يكن التأثير مكلفًا به، وإذا كان موجودًا معه -وهو عين الأثر عند الشيخ- فقد صح أن التكليف حال حدوث الأثر باق.
فإن قلت: كيف يتصور عدم بقاء التكليف بعد وقوع الفعل، والتكليف أزلي، وما ثبت قِدَمه امتنع عدمه؟
قلت: الزائل هو التكليف التنجيزي لا التعلق العقلي الأزلي كما تقدم مثله في المباحث السابقة.
فقد تبين بهذا التقرير أن الشيخ قائل بثبوت التكليف قبل الفعل، وهو مستمر حال الحدوث، ولم يتوجه إشكال على ما هو المختار عنده،
стр. 376
والإشكال إنما كان ينشأ من عدم تحقيق معنى الاستطاعة، والحكم بالمغايرة بين التأثير والأثر في الخارج.
وإذا ظهر لك هذا علمت أن قول المصنف: لا يتوجه التكليف إلا عند المباشرة هو التحقيق، بمعزل عن التحقيق، وما تكلف بعده من تقدير السؤال والجواب مما لا معنى له، وكل ذلك إنما نشأ من عدم تحقيق معنى الاستطاعة، واغترَّ بظاهر قولهم: الاستطاعة مع الفعل.
قوله: "مسألة: يصح التكليف، ويوجد معلومًا للمأمور إثره".
أقول: قد اختلف في أنه هل يصح التكليف بالفعل مع علم الآمر بانتفاء شرطه في وقته، أم لا؟
الجمهور على صحته، خلافًا لإمام الحرمين (١) والمعتزلة (٢).
стр. 377
لنا: لو لم يصح لم يعلم إبراهيم وجوب الذبح لانتفاء شرطه في وقته، وهو عدم النسخ [نريد أن الآمر، وهو الله تعالى كان عالمًا بانتفاء الشرط، مع أنه أوجب الذبح على إبراهيم وكلفه به] (١).
لنا -أيضًا-: لو لم يصح ذلك لم يعص أحد؛ لأن كل فعل لم يصدر عن المكلف لا بد من انتفاء شرط من شروطه كمتعلق إرادة الله به مثلًا، فلو كان كل شرط علم الآمر عدم وجوده في وقت المشروط المأمور به مانعًا من التكليف لم تكن الصلاة المتروكة -عمدًا- تاركها عاص؛ لأنه ليس مكلفًا بها؛ لأن الآمر عالم بانتفاء شرط في الوقت، وهو باطل إجماعًا.
المخالف: لو صح ما ذكرتم لزم التكليف بالمحال؛ لأن الفعل عند انتفاء شرطه ممتنع الوقوع، واللازم باطل.
قلنا: الإمكان الذاتي موجود؛ لأن الإتيان بالفعل في وقته أمر متعارف عادة، وذلك كاف في صحة التكليف.
وأما الإمكان: بمعنى استجماع الشرائط، فهو الذي وقع النزاع فيه.
стр. 378
قالوا: لو صح لصح، مع علم المأمور -أيضًا- وهو باطل اتفاقًا.
قلنا: الفرق ظاهر؛ لانتفاء فائدة [التكليف] (١) هنا بخلافه هناك؛ إذ لا معنى للتكليف مع علم المأمور بأنه لا يقع؛ لانتفاء شرطه لأن الغرض من التكليف هو الابتلاء، ومع علم المأمور بانتفاء شرط الفعل لم يعقل ابتلاء، هذا تقرير الكلام على ما عليه المحققون.
وقد خالف المصنف في الشق الثاني، وجوز (٢) علم المأمور -أيضًا- بانتفاء الشرط (٣)، وقد عرفت الفرق بينهما.
стр. 379
وأما عند جهل الآمر حيث يتصور الجهل (١)، فالاتفاق على جوازه.
قوله: "خاتمة: الحكم قد يتعلق على الترتيب".
أقول: قد ختم مقدمة الكتاب بمسألة فرعية خارجة عن الفن؛ لاشتمالها على نوع غرابة، جريانها في أكثر الأحكام.
وهي أن الحكم قد يتعلق بفعل المكلف، مع اشتراط الترتيب، فيحرم الجمع: كأكل المذكَّى مع أكل الميتة، إذ جواز أكل الميتة مشروط بعدم الظفر بالمذكَّى.
أو يباح: كالوضوء مع التيمم، فإن الجمع بينهما مباح.
ومعناه: أنه لو أتى به على وجه التعليم لشخص، أو على وجه التعلم يباح له ذلك، ولا يأثم [لا أن] (٢) التيمم مع الوضوء غير صحيح شرعًا.
أو يسن الجمع: كالجمع بين خصال الكفارة، فإن الواحد واجب، والإتيان بالجميع مستحب.
وقد يتعلق الحكم على سبيل البدل، ويحرم الجمع: كتزويج المرأة من كل من الخاطبين، فإن الجمع حرام، ومن كل بدل الآخر جائز، والله أعلم.
стр. 380
الكتاب الأول في الكتاب ومباحث الأقوال
стр. 381
الكتاب الأول في الكتاب ومباحث الأقوال
قوله: "الكتاب الأول في الكتاب".
أقول: لمّا فرغ من المبادئ والمقدمات التي تنبني عليها مسائل الفن، شرع فيها وابتدأ بالأبحاث المتعلقة بالكتاب؛ لأن مرجع الأدلة كلها إليه، بل إلى الكلام النفسي (١) القائم بذاته -تعالى -كما سنحققه عن قريب.
والكتاب -لغة-: مصدر بمعنى المكتوب (٢) غلب على كتاب الله - تعالى المنزل على نبينا عليه أفضل الصلاة وأكمل التسليم- في عرف الشرع، كما غلب عند أهل العربية على كتاب سيبويه (٣).
стр. 382
ويستعمل مرادفًا للقرآن، لكن القرآن أشهر منه، ولهذا فسره به.
وهو كلام الله المنزل على رسوله محمد، المكتوب في المصاحف، المنقول إلينا نقلًا متواترًا للإعجاز بسورة منه (١).
فبعضهم: جمع الصفات كلها للتوضيح (٢).
وبعضهم: اقتصر على الإنزال والكتابة في المصاحف؛ لأن المقصود معرفته بصفاته المشهورة عند من لم يشاهد التحدي من النبوة (٣).
وبعضهم: اعتبر الإنزال والإعجاز، إذ الكتابة، والنقل ليسا من الأوصاف اللازمة، وإليه نحا المصنف (٤).
فقوله: "اللفظ المنزل". يشمل الكتب السماوية بأسرها، وقوله: "على محمد"، يخرجها.
стр. 383
وقوله: "للإعجاز"، يخرج الأحاديث القدسية؛ لأنها منزلة من عند الله، لكن ليست للإعجاز، إذ نظم ذلك غير معجز ولا مصون عن تصرف الغير.
وقوله: "بسورة منه" تعميم لمعنى الإعجاز في أجزائه، وتخصيص للقدر المتحدى به.
والمراد: أقصر سورة منه؛ لأن السورة -وإن كانت نكرة في الإثبات- لكن أريد بها العموم، كما لا يخفى.
والسورة: طائفة من القرآن مترجم أولها وآخرها (١) توقيفًا، أقلها ثلاث آيات (٢). والقيد الأخير لإخراج الآية، وإطلاق السورة أعم من أن تكون سورة أو مقدارها، فهو من عموم المجاز.
стр. 384
وقوله: "منه" صفة سورة، أي: من جنس المنزل إذ المراد بالمنزل أعم من الكل والبعض، فإن القرآن يطلق على الكل المجموعي، وكل بعض منه، وهو المناسب للغرض الأصولي؛ إذ الاستدلال على الأحكام إنما هو بالأبعاض لا غير، وإنما وصف السورة؛ لأن السورة أعم من أن تكون في القرآن، أو غيره بدليل سورة الإنجيل.
فإن قلت: إذا كان المراد البعض، فيتناول كل بعض ولو حرفًا، وليس كذلك قطعًا، وإن أريد قدر معين، فما ذلك، وما الدليل على ذلك التعيين (١)؟
قلت: أريد بعض معين، وذلك هو المقدار الذي يصلح أن يكون مآخذ الحكم، قلَّ لفظه أو كثُر، وغرض الأصولي قرينة المقام.
ثم قوله: "المتعبد بتلاوته" مما لم يتعرض له المحققون، وهو غير محتاج إليه إذ منسوخ التلاوة لم يخف على أحد حتى الصبيان يعلمون أنه ليس بقرآن، ولا ثبت أنه كان قرآنًا؛ لأن طريق ثبوت مثله التواتر، ولا تواتر فيه أنه كان فنسخ، بل نقل ذلك الخبر آحادًا.
واعلم أن القرآن والكتاب لفظان مشتركان بين المعنى القائم بذاته تعالى -وهي صفة تنافي السكوت والآفة- وبين اللفظ المتلو على ألسنة العباد الحادث.
стр. 385
وعلى الأول: كل منهما عَلَم شخصي لذلك المعنى القائم بذاته تعالى.
وعلى الثاني: عَلَم جنس لاختلاف المحال، وهي ألسنة العباد، إذ اختلاف المحال ينافي التشخص؛ لأن البياض القائم بالورق غير البياض القائم بالثلج بلا ريب واللفظ حقيقة في كلا المعنيين، والمنكر لأحدهما كافر؛ لانعقاد الإجماع على ذلك.
ومن قال (١) بتشخصه بالمعنى الثاني يلزمه أن لا يكون ما يقرأه زيد وعمرو قرآنًا ضرورة انتفاء التشخص، وهو باطل قطعًا.
قوله: "ومنه البسملة أول كل سورة -غير براءة- على الصحيح".
أقول: نقل عن الشافعي رضى الله عنه في كون البسملة من القرآن قولان.
وللأصحاب طريقان: إحداهما: أن له قولين في كل سورة، وأصحها: أن له قولًا واحدًا في الفاتحة، وهو: أنها آية مستقلة فيها، وفي البواقي قولين، وذلك: لأن الأحاديث في الفاتحة كثيرة جدًّا بخلاف سائرها.
ومن الأصحاب من حمل (٢) القولين على كونها مستقلة، أم مع ما بعدها آية؟
стр. 386
قال بعض المحققين (١): هذا هو الأصح لتكون القرآنية مقطوعًا بها، ويكون النظر والاجتهاد في كونها آية مستقلة، أم مع ما بعدها؟ وهو كلام في غاية المتانة، وعلى كلا التقديرين لفظة "من" في كلام المصنف تبعيضيه (٢).
لنا -على المختار وهو أنها من القرآن-: اتفاق الصحابة على كِتْبتها في المصاحف العثمانية كلها، ولا إجماع يوجد من الصحابة على حكم شرعي مثل هذا؛ لأن كِتْبة المصاحف كان بعد مشاورات،
стр. 387
ومراجعات بحيث لم يكد يخفى على أحد، وبدون ذلك لم يرضوا حيث لم يكن قرأنًا كالنقط والشكل.
والحق: أن هذا الإجماع يدل على كونه قرآنًا، وأما على كونه آية في موضع، فلا.
والدليل على كونها آية من كل سورة، الأحاديث الواردة: كقول ابن عباس: "سرق الشيطان من الناس آية" (١).
وحديث أبي هريرة (٢): "سورة الفاتحة سبع آيات أولهن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" (٣).
стр. 388
وحديث أم سلمة (١): "قرأ رسول الله ﷺ الفاتحة، وعد البسملة آية منها" (٢)، وعليه قراء الكوفة، ومكة، وجم غفير من الفقهاء.
стр. 389
قيل: شرط كونها آية من السور أن يتواتر ذلك في جميع محالها على أنها قرآن ولم يتواتر ذلك.
ويحتمل -حينئذ- أن تكون آية فردة أنزلت للفصل كما هو عند الحنفية (١)، فلا يثبت (٢) مدعاكم.
قلنا: إجماع قراء مكة والكوفة كاف في ذلك.
فإن قلت: إذا تواترت قرآنًا عند طائفة يجب أن يكفر منكر ذلك، كما هو الشأن في سائر القطعيات.
أجيب: بأن منكر القطعي إنما يكفر حيث يخلو المقام عن الشبهة، وأما عند قوة الشبهة لم يوجب التكفير، وفي البسملة الشبهة قوية من الجانبين، فامتنع التكفير.
هذا، وأنا أقول: لو تأمل الفريقان حق التأمل لم يقع نزاع في البسملة أصلًا.
وتحقيق ذلك: أن الفريقين متفقان على أن التواتر عند طائفة لا يستلزم أن يكون عند طائفة أخرى متواترًا، كما في القراءات المتواترة؛ لأن الإجماع على أن من قرأ بإحدى القراءات السبع، فقد قرأ كلام الله حقًّا.
стр. 390
وإذا كان أحد القراء السبعة (١) مخالفًا للباقين، وخلافه غير قادح - في كون قراءته قطعية، وما يقرأه هو القرآن الذي نزل به جبريل على رسول الله ﷺ ، فكيف بالبسملة إلى اتفق ابن كثير (٢)، والكسائي (٣)،