قال بعض المحققين (١): هذا هو الأصح لتكون القرآنية مقطوعًا بها، ويكون النظر والاجتهاد في كونها آية مستقلة، أم مع ما بعدها؟ وهو كلام في غاية المتانة، وعلى كلا التقديرين لفظة "من" في كلام المصنف تبعيضيه (٢).
لنا -على المختار وهو أنها من القرآن-: اتفاق الصحابة على كِتْبتها في المصاحف العثمانية كلها، ولا إجماع يوجد من الصحابة على حكم شرعي مثل هذا؛ لأن كِتْبة المصاحف كان بعد مشاورات،
стр. 387
ومراجعات بحيث لم يكد يخفى على أحد، وبدون ذلك لم يرضوا حيث لم يكن قرأنًا كالنقط والشكل.
والحق: أن هذا الإجماع يدل على كونه قرآنًا، وأما على كونه آية في موضع، فلا.
والدليل على كونها آية من كل سورة، الأحاديث الواردة: كقول ابن عباس: "سرق الشيطان من الناس آية" (١).
وحديث أبي هريرة (٢): "سورة الفاتحة سبع آيات أولهن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" (٣).
стр. 388
وحديث أم سلمة (١): "قرأ رسول الله ﷺ الفاتحة، وعد البسملة آية منها" (٢)، وعليه قراء الكوفة، ومكة، وجم غفير من الفقهاء.
стр. 389
قيل: شرط كونها آية من السور أن يتواتر ذلك في جميع محالها على أنها قرآن ولم يتواتر ذلك.
ويحتمل -حينئذ- أن تكون آية فردة أنزلت للفصل كما هو عند الحنفية (١)، فلا يثبت (٢) مدعاكم.
قلنا: إجماع قراء مكة والكوفة كاف في ذلك.
فإن قلت: إذا تواترت قرآنًا عند طائفة يجب أن يكفر منكر ذلك، كما هو الشأن في سائر القطعيات.
أجيب: بأن منكر القطعي إنما يكفر حيث يخلو المقام عن الشبهة، وأما عند قوة الشبهة لم يوجب التكفير، وفي البسملة الشبهة قوية من الجانبين، فامتنع التكفير.
هذا، وأنا أقول: لو تأمل الفريقان حق التأمل لم يقع نزاع في البسملة أصلًا.
وتحقيق ذلك: أن الفريقين متفقان على أن التواتر عند طائفة لا يستلزم أن يكون عند طائفة أخرى متواترًا، كما في القراءات المتواترة؛ لأن الإجماع على أن من قرأ بإحدى القراءات السبع، فقد قرأ كلام الله حقًّا.
стр. 390
وإذا كان أحد القراء السبعة (١) مخالفًا للباقين، وخلافه غير قادح - في كون قراءته قطعية، وما يقرأه هو القرآن الذي نزل به جبريل على رسول الله ﷺ ، فكيف بالبسملة إلى اتفق ابن كثير (٢)، والكسائي (٣)،
стр. 391
وعاصم (١) على كونها قرآنًا، وهل بعد هذا التأمل أحد يجترئ على أن ينكر كونها قرأنًا وآية من كل سورة؟
وهذا تحقيق تفردنا به لم يعرج عليه أحد قبلنا والله الموفق.
قوله: "لا ما نقل آحادًا".
أقول: ما نقل آحادًا ليس بقرآن قطعًا (٢)؛ لانعقاد الإجماع على أن التواتر شرط في إطلاق لفظ القرآن، والإجماع على أحد قولي العصر الأول يُلْحِق القول الآخر بالعدم: كالإجماع على منع بيع أم الولد (٣).
стр. 392
فقول المصنف: "على الأصح" (١)، كان الواجب عدم ذكره، مع أنه لم يذكر الخلاف أحد يعتد به (٢).
стр. 393
وقد نقل الإمام -المتفق على كمال دينه، وعلمه العالم الرباني- النووي (١) اتفاق الفقهاء على أن من قرأ بالشاذ يستتاب، ولا تجوز القراءة به في وقت من الأوقات (٢).
стр. 394
ومن الشارحين (١) من قال: إنه كان متواترًا في العصر الأول لعدالة ناقليه، ويكفى التواتر فيه.
قلت: ليت شعري مَنْ نقل أنه كان متواترًا؟ ! وأيُّ عدل نقله (٢)؟
قوله: "والسبع متواترة".
أقول: القراءات السبع المشهورة (٣) بين الأمة متواترة بلا نزاع (٤)، وإنما
стр. 395
النزاع في بعض الكيفيات: كالمد (١) الفرعي، والإمالة (٢)، وتخفيف الهمز، ونحوه (٣).
стр. 396
ذهب الشيخ ابن الحاجب: إلى أن ما كان من قبيل الأداء ليس متواترًا (١).
وشبهته -على ما نقل عنه بعض المحققين (٢) من أئمة القرآن- مقدار المد، والتحقيق لا يمكن ضبطه: لأن المد المختلف فيه مُثِّل بأنه مقدار ألفين، أو ثلاث، أو خمس، وهذا لا يمكن ضبطه من قراءته ﷺ ، وليس هو مثل: مالك، وملك، وسراط، وصراط.
وما ذكره الشيخ ابن الحاجب واختاره المصنف مردود؛ لأن نقلة مراتب المد والإمالة وغيرها هم نقلة أصل القراءات، وهم عدد التواتر في كل عصر، والخصم معترف بذلك (٣).
стр. 397
وإذا كان الأمر على ما ذكر، فتلك الشبهة ساقطة؛ لأن ضبط كل شئ بحسبه، ولا تكليف بما فوق الوسع، والنقلة التي بلغت حد التواتر إذا قالوا: المد الفرعي قدر ثلاث ألفات، ونقل على الوجه المذكور عصرًا بعد عصر، ثبت ذلك عندنا قطعًا وصار -في الجزم بأنه قرآن- كسائر كلماته المتفق عليها.
وأما أن القارئ هل يمكنه الإتيان بذلك القدر من غير نقصان، وزيادة؟ ذلك أمر لا يتعلق بنا إذ الكلام في كونه معلومًا كونه من القرآن تواترًا لا في أن زيدًا وعمرًا هل يقدران على قراءته كما نزل به جبريل، وهذا مما لا ريب فيه.
стр. 398
وما نقله عن أبي شامة (١)، وهو أن المختلف فيه غير متواتر، وذلك مثل زيادة تشديد الحرف ونقصانه -مردود؛ لأن [مناط] (٢) كونه قرآنًا هو التواتر، فإن كان المختلف فيه منقولًا عند طائفة تواترًا ثبت كونه قرآنًا، وإلا فلا، ولا يلزم ثبوته عند غيره كأصل القراءة (٣).
قوله: "ولا تجوز القراءة بالشاذ".
أقول: هو الذي نقل آحادًا، وقد تقدم تحقيقه (٤).
قوله: "والصحيح أنه ما وراء العشرة".
стр. 399
أقول: شرط كون المنقول قرآنًا هو التواتر، وهو العمدة.
وذكر بعض المتأخرين (١) شرطين آخرين:
أحدهما: موافقة الرسم تحقيقًا أو تقديرًا.
والآخر: موافقة العربية، أي يكون له وجه نحوي (٢).
والحق: أن هذين الأمرين [لازمان] (٣) للتواتر لا يحتاج إلى إفرادهما بالذكر يرشد إلى هذا قول الغزالي في "المستصفى": طريق إثبات الكتاب هو التواتر فقط (٤).
стр. 400
وقد اتفق المحققون سلفًا وخلفًا على أن القراءات الثلاث (١) المنسوبة إلى الأئمة الثلاثة، أعني: أبا جعفر يزيد بن القعقاع (٢) إمام القراء بمدينة رسول الله ﷺ ، ويعقوب الحضرمي (٣) البصري، والبزار، أعني خلفًا (٤)، وهو أحد راويي (٥) حمزة
стр. 401
من فم (١) الصلح (٢) - متواترة قرئ بها في جميع الأمصار والأعصار من غير نكير في وقت من الأوقات، فثبت كونها قرآنًا؛ إذًا لا يتوقف -بعد التواتر- إلا مبتدع جاحد، ولو فرضنا أن ما وراء العشرة اتفق نقله متواترًا لم نقف في كونه قرآنًا قطعًا؛ إذ لا دليل في الشريعة يدل على حصر، ومن فهم من قوله ﷺ : "إن هذا القرآن أنزل على سبعة (٣) أحرف (٤) "، أن المراد القراءات السبع المشهورة، فقد غلط في ذلك (٥).
стр. 402
وقول المصنف: "وفاقًا للبغوي (١) ووالده"، يريد أنه ثبت عندهما تواتر الثلاثة؛ إذ لا يمكن ترجيح هنا بوجه آخر قطعًا (٢).
стр. 403
قوله: "وقيل: ما وراء السبعة" أي: شاذ (١)، وقد علمت أنه مردود (٢).
قوله: "أمّا إجراؤه مجرى الآحاد هو الصحيح".
يريد أن القراءة الشاذة، وإن لم يثبت كونها قرآنًا، ولكن لا يلزم من انتفاء القرآنية انتفاء الخبرية، فهو دائر بين كونه قرآنًا وكونه خبرًا وكلاهما مما يحتج به (٣)،
стр. 404
وإلى هذا ذهب الحنفية أيضًا في إيجاب التتابع في كفارة اليمين لقراءة عبد الله ابن مسعود (١).
واختيار المصنف هو هذا، وفيه نظر؛ لأن الحصر في القرآنية والخبرية ممنوع، لجواز كونه مذهب الراوي، وهو عند المصنف ليس بحجة (٢).
استدلالهم: بأن الشافعي أوجب قطع يمين السارق بالقراءة الشاذة ضعيف، لاحتمال ثبوت رفعه عنده (٣)، ولهذا يوجب التتابع في كفارة اليمين على الصحيح من مذهبه.
стр. 405
قوله: "ولا يجوز ورود ما لا معنى له في الكتاب (١) والسنة".
أقول: ترجمة هذه المسألة -كما ترجم بها المصنف، وكما ترجم البيضاوى بقوله: "لا يخاطبنا الله بمهمل" (٢) - ليس بملائم لمحل النزاع؛ لأن أحدًا لم يقل: إن في القرآن شيئًا لا معنى له، أو مهمل لا وضع له كما ستقف عليه من استدلالهم.
بل الحق أن يقال: لا يرد في القرآن ما لا يَقْدِر أحد على التوصل إلى معناه.
لنا: أن القرآن كله هدىً وشفاء، ولا فائدة -أيضًا- في إنزال ما لا يصل أحد إلى فهمه، إذ الإعجاز واستنباط الأحكام بدونه حاصل (٣).
стр. 406
قال الغزالي: "وما لا توقيف فيه يؤول بما يعرفه أهل اللغة ويناسب اللفظ من حيث الوضع؛ إذ الظاهر أن الله لا يخاطب العرب بما لا يعرفه أحد من الخلق" (١).
استدل الخصم (٢) -وهم الحنفية، والطائفة المذكورة في المتن (٣) -.
بأوائل السور؛ إذ لا يظهر منها معنًى بعد التأمل الوافر فيها.
وبقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧]، فإنه ذم على اتباع المتشابه، وما ذلك إلا لعدم القدرة على الوصول إلى معناه.
стр. 407
ولوجوب الوقف على: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ في: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾؛ لكون ﴿يَقُولُونَ﴾ (١) حالًا من المعطوف دون المعطوف عليه (٢)؛ لعدم استقامة المعنى.
أُجيب -عن الأول-: بأن المقطعات في أوائل السور أسماء للسور، أو للقرآن، أو أسماء مسمياتها الحروف التي يركب منها القرآن صرح بذلك المحققون (٣).
وعن الثاني: بأن ذم الذين يتبعون المتشابه ليس لأنه لا يمكن الوصول إلى معناه، بل لأنهم يؤولونه تأويلًا مخالفًا لقوانين الشرع، ولذلك حكم عليهم بكون قلوبهم زائغة عن الحق، ولو كانوا طالبين للحق، وكان مطلوبهم غير ممكن لأرشدهم إلى الحق، كما في قصة موسى إذ ﴿قَالَ
стр. 408
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وأرشده بأن هذه الأجسام الفانية لا تقدر على ذلك، وجعل دك الجبل تسلية له (١).
وعن الثالث: بأن الوقف على: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ مختلف فيه: منهم من وقف على ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾، وهم القائلون: بأن المتشابه يمكن الوصول إلى معناه (٢).
стр. 409
قولهم: المعطوف يختص بالحال.
قلنا: يجوز حيث لا لبس، كما في قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] (١).
стр. 410
واعلم أن الأدلة -من الطرفين- لا تفيد القطع، بل كلها ظواهر إذ لهم أن يقولوا: فائدة إنزال المتشابه كبح عنان الراسخ في العلم عن الخوض فيه ومنعه منه، وهذا عنده أشد تعبًا من بذل المجهود في استعلام الحكم من المحكم؛ لأن النفوس مجبولة على الحرص والشغف بما منعت منه، والله أعلم بحقيقة الحال.
ولا يراد من اللفظ غير ظاهره إلا بدليل يدل على ذلك (١) خلافًا للمرجئة (٢)، وهم طائفة يقولون: إن المعاصى لا تضر مع الإيمان، كما أن الطاعات لا تنفع بدونه، وبنوا على هذا الأصل الفاسد أن الآيات والأحاديث الواردة في وعيد الفساق والعصاة يراد بها خلاف الظاهر، وهو التنفير والترهيب، وبطلان هذا لا يحتاج إلى دليل.
стр. 411
قوله: "وفي بقاء المجمل".
أقول: المجمل عند الفقهاء: ما أفاد شيئًا معينًا لا يعينه اللفظ: كالقرء (١) مثلًا.
وقد اختلف في أنه هل يمكن بقاء لفظ مجمل في القرآن، أو في الحديث غير مبين؟
قال ببقائه طائفة، ومنعه آخرون (٢).
стр. 412
والحق: التفصيل، وهو أن ذلك المجمل إن كان متعلقًا باعتقاد، وبكيفية عمل لم يبق إلى وفاته، ولا يمكن ذلك لما سيأتي أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (١)، وإلا فلا مانع من بقائه.
قوله: "والحق أن الأدلة النقلية قد تفيد اليقين".
أقول: الأدلة النقلية -بدون قرينة- لا تفيد القطع بالحكم لاحتمال مجاز أو اشتراك، أو غير ذلك مما يخل بالتفاهم.
وأما مع انضمام قرينة قطعية: كالتواتر على أن المراد باللفظ الفلاني في المورد الفلاني كذا، أو انعقد الإجماع على ذلك، فإنه يفيد كون المراد ذلك قطعًا.
ولذلك لا يجوز للمجتهد: أن يخالف ما انعقد الإجماع عليه؛ لأن المجمع عليه لا يمكن أن يكون خلاف حكم الله، لأن أمته ﷺ لا تجتمع على الضلالة (٢).
فإفادة اليقين بمثل هذه القرينة مسلم، ولكن المتن القطعي إذ خلا عن هذه القرينة لا يفيد قطعًا، ويظهر ذلك في: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]
стр. 413
في قوله تعالى: [وفي لفظ] (١): ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (٢)، فإن المتن في الكل سواء، مع أن المراد من الأول قطعي دون الثاني، وذلك واضح (٣).
والحق: أن النفي والإيجاب لم يرد على شيء واحد، فإن الذي يقول: لا دلالة قطعية في النقليات يريد كذلك نظرًا إلى الدليل مع قطع النظر عن القرائن، والذي يقول به يضم إليه القرينة، ومن قال: إن اللفظ -بعد القرينة- لا يفيد، فهو مكابر (٤).
* * *
стр. 414
باب المنطوق والمفهوم
قوله: "المنطوق والمفهوم، المنطوق: ما دل عليه اللفظ في محل النطق".
أقول: المنطوق -اصطلاحًا-: شيء دل عليه اللفظ في محل النطق (١)، فقد صار المنطوق من قبيل المدلول، وهو يوافق ما ذكره الآمدي، فإنه قال: "المنطوق: ما فهم من اللفظ نطقًا في محل النطق، والمفهوم: ما فهم من اللفظ في غير محل النطق" (٢).
وقد فسره بعض المحققين (٣) بنفس الدلالة (٤)؛ لأنه قال: "المنطوق: أن يدل اللفظ على معنًى في محل النطق، والمفهوم: أن يدل اللفظ على معنًى لا
стр. 415
في محل النطق" (١)، ويمكن أن يجعل المصدر بمعنى المفعول، فيستوي معنى العبارتين.
ثم المنطوق على ثلاثة أقسام؛ لأنه إن دلَّ على المعنى صريحًا، وهو ما وضع له اللفظ، فيشمل المطابقة والتضمن، وهذا -في الحقيقة- قسمان داخلان تحت الصريح.
والثالث: ما دل عليه اللفظ التزامًا.
ثم الصريح منه ينقسم إلى نص: وهو الذي يفيد معنًى لا يحتمل الغير كالأعلام، فإنها لا تحتمل غيرها بوضع واحد قطعًا.
وظاهر: إن احتمل مرجوحًا: كلفظ الأسد، فإنه إذا أطلق يدل على الحيوان المفترس دلالة ظاهرة، ويحتمل احتمالًا مرجوحًا أن يكون المراد الرجل الشجاع، لكن المتبادر هو الأول. وسيأتي تتمة لهذا في بحث المفهوم إن شاء الله.
стр. 416
قوله: "واللفظ إن دل جزؤه على جزء المعنى، فمركب، وإلا فمفرد".
أقول: كان الأولى تقديم هذا البحث على المنطوق والمفهوم؛ لأن اللفظ ينظر في أفراده وتركيبه -أولًا- ثم يلاحظ منطوقه ومفهومه، ثم (١) ما لا يدل جزؤه على جزء معناه صدقه بأمور أربعة:
الأول: أن لا يكون لذلك اللفظ جزء مثل: ق. عَلَمًا، أو يكون له جزء ولا يدل كزاء زيد، أو يدل على معنى، ولا يكون ذلك المعنى جزء معنى اللفظ حالة الإطلاق: كعبد الله عَلَمًا، أو يكون جزء معنى اللفظ ولا يكون مرادًا: كالحيوان الناطق إذا جعل عَلَمًا لإنسان، فإن دلالة جزء اللفظ على جزء المعنى -وإن كان واقعًا- ولكن حالة العَلَمية ليست بمرادة؛ لأن المراد من اللفظ -في العَلَم- هو المعنى العَلَمي.
لا يقال: إذا كان عبد الله عَلَمًا لا يدل إلا على الذات المعينة؛ لأنّا نجزم بأن من أطلق لفظ عبد الله -على ذلك المعين- لا يخطر بخاطره معنى العبودية، ولا معنى الألوهية، فكيف يدل وقد أجمعوا على ذلك؟
قلنا: دلالة اللفظ لا تتبع الإرادة، بل توجد بدونها، كما في إرادة المعنى المطابق من اللفظ، مع أن دلالة الالتزام لا تنفك عنها، وإن لم تكن مرادة.
وتحقيق ذلك: أن دلالة اللفظ [على المعنى] (٢) عبارة عن التفات الذهن من اللفظ إلى المعنى.
стр. 417
هذا، ودلالة اللفظ على ما وضع له مطابقة، وعلى جزئه تضمن، وعلى ما يلازمه في الذهن التزام مثل: دلالة الإنسان على الحيوان الناطق مطابقة، وعلى أحدهما تضمن، وعلى قابلية العِلْم والكتابة التزام (١).
واعتبر اللزوم الذهني؛ لأن اللزوم الخارجي غير معتبر؛ لأن الدلالة الالتزامية موجودة مع التنافي في الخارج: كدلالة العمى على البصر مع المنافاة في الخارج.
ثم حَكَمَ المصنف: بأن دلالة المطابقة لفظية، والتضمن والالتزام عقليتان (٢)، وهذا ما عليه بعض أهل العربية (٣).
стр. 418
وعند جهور المنطقيين الثلاث لفظية؛ لأنها تستفاد من اللفظ، وهذا صريح في كلام المصنف حيث جعل القسم دلالة اللفظ، وإذا كان المقسم دلالة اللفظ، فالأقسام لفظية ضرورة [تأمل] (١).
قوله: "ثم المنطوق إن توقف الصدق أو الصحة على إضمار، فدلالة اقتضاء".
أقول: قد عرفت مما سبق: أن المنطوق على قسمين: صريح، وغير صريح، وهو ما دل عليه اللفظ التزامًا، وهذا القسم الثاني هو الذي ينقسم إلى اقتضاء وإشارة وإيماء، ثم وجه الانقسام هو أن ذلك المنطوق الذي هو القسم الثاني إما أن يكون مقصودًا للمتكلم، أو لا، فإن كان مقصودًا فذلك بحكم الاستقراء قسمان:
أحدهما: أن يتوقف الصدق، أو الصحة الشرعية أو العقلية عليه، وهذا يسمى: دلالة اقتضاء، أما الصدق فنحو قوله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" (٢)، فإن الصدق موقوف على تقدير المؤاخذة، أو نحوها
стр. 419
ليصدق مضمونه؛ لأن وجود الخطأ والنسيان ووقوعهما في أمته لا يمكن إنكاره.
وأما الصحة العقلية: فنحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] إذ خطاب القرية لا يُجوِّزه العقل جريًا على العادة، وإنما قيد بالعادة لجواز السؤال من نبي بخرق العادة؟ فلا بد من هذا القيد، وإن أطلق المحقق العلامة (١).
стр. 420
والصحة الشرعية: نحو قول القائل: اعتق عبدك عني، فإنه لا بد من حصول الملك قبل الإعتاق لعدم جواز إعتاق ملك الغير ضرورة.
الثاني -من قسمي المقصود-: وهو أن يُقْرَن بحكم لولا حمله على التعليل يكون غير لائق بالمقام فيدل عليه، وإن لم يصرح به، ويسمى: إيماء، وسيأتي ذكره بأقسامه في باب القياس إن شاء الله تعالى.
والقسم الثاني: وهو الذي لا يكون مقصودًا للمتكلم يسمى: دلالة إشارة نحو قوله ﷺ في النساء: "ناقصات عقل ودين، قيل: ما نقصان دينهن؟ قال: تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلى" (١) فدل على أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا (٢)، وعلم -أيضًا- أنه أقل الطهر (٣)، ولا شك أن بيانهما لم يكن مقصودًا منه، ولكن لزم حيث بالغ في نقصان دينهن،
стр. 421
كما بالغ في نقصان عقلهن حيث جعل شهادة امرأتين بمثابة شهادة رجل واحد، فدل على أن نهاية ما يصل إليه نقصان دينها هو هذا القدْر.
وقد علمت من هذا التحرير، والتحقيق: أن كلام المصنف قاصر عن إفادة المرام؛ لأنه أسقط الإيماء، وقسم المنطوق، والمنقسم إنما هو غير الصريح، والصريح قسم واحد (١).
قوله: "المفهوم: ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق".
أقول: مفهوم اللفظ -وهو ما عدا المنطوق بأقسامه- قسمان: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة؛ لأن حكمه إن كان موافقًا للمنطوق، فهو مفهوم موافقة، وإلا فمفهوم مخالفة (٢).
стр. 422
فالأول: يسمى فحوى الخطاب، وكذلك لحن الخطاب عند الجمهور، والمصنف جعله مخصوصًا بقسم منه، وهو ما إذا كان مساويًا (١).
ثم حقيقة مفهوم الموافقة لا تنفك عن التنبيه بالأدنى على الأعلى كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، وقوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، فإن التأفيف، والذَّرَّة، والدينار تدل على أن الحكم في الأعلى بالطريق الأولى.
وفى "المنتهى": هو التنبيه بالأدنى على الأعلى، وبالأعلى على الأدنى (٢)، وحذف القسم الثاني في "المختصر" (٣)، واقتصر على القسم (٤) الأول:
стр. 423
لأنه يوخذ معنى الأدنى على وجه يشمل معنى الأعلى: كالمناسبة مثلًا يقال: التأفيف أدنى مناسبة بالتحريم من الضرب، والذَّرَّة أدنى مناسبة بالجزاء من الدينار والدرهم والقنطار، وإن كان أعلى من الدينار لكنه أدنى مناسبة للتأدية من الدينار، فيُكتفى بالأدنى على الأعلى لاندراج الكل تحته، وإذا كان المذكور أدنى مناسبة كان المسكوت عنه أشد مناسبة بالحكم، وهذا مبني على أن لا تعد المساواة من مفهوم الموافقة: كالاستدلال بحرمة أكل مال اليتيم على حرمة إحراق ماله إذ لا مزية في استحقاق الإثم لأحدهما على الآخر، وقد عده الغزالي منه (١).
ثم الاستدلال بمثله مقبول اتفاقًا (٢)، إنما الكلام في صدق هذا الاسم عليه.
ثم اختلف في أن الاستدلال بالمفهوم هل هو قياس شرعي، أم لا؟
اختار إمام الأئمة الشافعي ﵁، وتبعه الإمامان (٣) -: أنه قياس شرعي؛ لأنه إلحاق أصل بفرع لعلة مستنبطة، فيكون قياسًا شرعيًّا لصدق حده عليه.
стр. 424
وقيل: لفظي، وهذا هو المختار (١)؛ لأن من عرف اللغة يفهم هذا الحكم، وإن [لم] (٢) يرد بذلك الشرع (٣).
قال الغزالي في "المستصفى": "فإن قلت: هذا قياس إذ الضرب حرام قياسًا على التأفيف.
قلت: إن أردت أنه محتاج إلى استنباط وتأمل، فهو خطأ، وإن أردت أنه إلحاق مسكوت بمنطوق، فهو صحيح" (٤).
والذي يجب أن يحمل عليه كلام الشافعي ﵁: هو أن صورته صورة قياس شرعي، ويؤخذ منه حكم شرعي كما في سائر
стр. 425
الأقيسة، وإن كان المقيس معلومًا -لغة- بخلافه في بقية الأقيسة؛ إذ رِفعته وجلالة قدره أعلى من أن يلتبس عليه ما يفهمه غيره بلا توقُّف (١).
قوله: "فقال الغزالي والآمدي: فهمت من السياق والقرائن، وهي مجازية من إطلاق الأخص على الأعم".
أقول: ذكر الإمام الغزالي: أن مجرد ذكر الأدنى لا يحصل منه التنبيه على الأعلى ما لم يعلم المقصود من الكلام، وما سيق له، فلولا معرفتنا بأن الآية إنما سيقت لتعظيم الوالدين لما فهمنا حرمة الضرب من قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾؛ إذ قد يأمر السلطان بقتل إنسان، ويقول: لا تقل له أف، ولكن اضرب عنقه (٢)، وليس في كلامه ذكر المجاز لا صريحًا ولا كناية (٣)، وما زعمه المصنف: من أن الدلالة المذكورة