كما بالغ في نقصان عقلهن حيث جعل شهادة امرأتين بمثابة شهادة رجل واحد، فدل على أن نهاية ما يصل إليه نقصان دينها هو هذا القدْر.
وقد علمت من هذا التحرير، والتحقيق: أن كلام المصنف قاصر عن إفادة المرام؛ لأنه أسقط الإيماء، وقسم المنطوق، والمنقسم إنما هو غير الصريح، والصريح قسم واحد (١).
قوله: "المفهوم: ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق".
أقول: مفهوم اللفظ -وهو ما عدا المنطوق بأقسامه- قسمان: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة؛ لأن حكمه إن كان موافقًا للمنطوق، فهو مفهوم موافقة، وإلا فمفهوم مخالفة (٢).
стр. 422
فالأول: يسمى فحوى الخطاب، وكذلك لحن الخطاب عند الجمهور، والمصنف جعله مخصوصًا بقسم منه، وهو ما إذا كان مساويًا (١).
ثم حقيقة مفهوم الموافقة لا تنفك عن التنبيه بالأدنى على الأعلى كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، وقوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، فإن التأفيف، والذَّرَّة، والدينار تدل على أن الحكم في الأعلى بالطريق الأولى.
وفى "المنتهى": هو التنبيه بالأدنى على الأعلى، وبالأعلى على الأدنى (٢)، وحذف القسم الثاني في "المختصر" (٣)، واقتصر على القسم (٤) الأول:
стр. 423
لأنه يوخذ معنى الأدنى على وجه يشمل معنى الأعلى: كالمناسبة مثلًا يقال: التأفيف أدنى مناسبة بالتحريم من الضرب، والذَّرَّة أدنى مناسبة بالجزاء من الدينار والدرهم والقنطار، وإن كان أعلى من الدينار لكنه أدنى مناسبة للتأدية من الدينار، فيُكتفى بالأدنى على الأعلى لاندراج الكل تحته، وإذا كان المذكور أدنى مناسبة كان المسكوت عنه أشد مناسبة بالحكم، وهذا مبني على أن لا تعد المساواة من مفهوم الموافقة: كالاستدلال بحرمة أكل مال اليتيم على حرمة إحراق ماله إذ لا مزية في استحقاق الإثم لأحدهما على الآخر، وقد عده الغزالي منه (١).
ثم الاستدلال بمثله مقبول اتفاقًا (٢)، إنما الكلام في صدق هذا الاسم عليه.
ثم اختلف في أن الاستدلال بالمفهوم هل هو قياس شرعي، أم لا؟
اختار إمام الأئمة الشافعي ﵁، وتبعه الإمامان (٣) -: أنه قياس شرعي؛ لأنه إلحاق أصل بفرع لعلة مستنبطة، فيكون قياسًا شرعيًّا لصدق حده عليه.
стр. 424
وقيل: لفظي، وهذا هو المختار (١)؛ لأن من عرف اللغة يفهم هذا الحكم، وإن [لم] (٢) يرد بذلك الشرع (٣).
قال الغزالي في "المستصفى": "فإن قلت: هذا قياس إذ الضرب حرام قياسًا على التأفيف.
قلت: إن أردت أنه محتاج إلى استنباط وتأمل، فهو خطأ، وإن أردت أنه إلحاق مسكوت بمنطوق، فهو صحيح" (٤).
والذي يجب أن يحمل عليه كلام الشافعي ﵁: هو أن صورته صورة قياس شرعي، ويؤخذ منه حكم شرعي كما في سائر
стр. 425
الأقيسة، وإن كان المقيس معلومًا -لغة- بخلافه في بقية الأقيسة؛ إذ رِفعته وجلالة قدره أعلى من أن يلتبس عليه ما يفهمه غيره بلا توقُّف (١).
قوله: "فقال الغزالي والآمدي: فهمت من السياق والقرائن، وهي مجازية من إطلاق الأخص على الأعم".
أقول: ذكر الإمام الغزالي: أن مجرد ذكر الأدنى لا يحصل منه التنبيه على الأعلى ما لم يعلم المقصود من الكلام، وما سيق له، فلولا معرفتنا بأن الآية إنما سيقت لتعظيم الوالدين لما فهمنا حرمة الضرب من قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾؛ إذ قد يأمر السلطان بقتل إنسان، ويقول: لا تقل له أف، ولكن اضرب عنقه (٢)، وليس في كلامه ذكر المجاز لا صريحًا ولا كناية (٣)، وما زعمه المصنف: من أن الدلالة المذكورة
стр. 426
مجازية (١) غير مستقيم؛ لأن المجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة بين المعنيين، أو الكلمة المستعملة في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة دالة على عدم جواز إرادة ما وضع له.
ولا شك أن قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ مستعمل في معناه الحقيقي، غايته: أنه عُلِم منه حرمة الضرب بقرائن الأحوال ومساق الكلام، واللفظ لا يصير بذلك مجازًا، وكأنه لم يفرق بين القرينة المفيدة للدلالة، والقرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي، والثانية هي اللازمة للمجاز دون الأولى، والعجب أن شراح كلامه لم ينتبهوا لهذا مع ظهوره.
стр. 427
قوله: "وقيل: نقل اللفظ لها عرفًا"، يعني ذهبت طائفة إلى أن اللفظ صار حقيقة عرفية في المعنى الالتزامي (١) الذي هو الضرب في مثل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، وكذلك -في قوله-: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] صار اللفظ حقيقة في المجازاة في الأكثر، وهذا قول [باطل] (٢)؛ لأن المفردات كلها مستعملة في معانيها اللغوية، بلا ريب، مع إجماع السلف على أن في الأمثلة المذكورة إلحاقًا لفرع بأصل، وإنما الخلاف في أن ذلك بالشرع أو باللغة، كما تقدم.
وعند الحنفية يسمى: دلالة النص، وهم مجمعون على أن هذه الدلالة تفهم لغة ولا حاجة إلى ملاحظة الشرع في ذلك (٣).
قوله: "وإن خالف فمخالفة".
стр. 428
أقول: الثاني من قسمي المفهوم: مفهوم المخالفة، وهو أن يكون المسكوت عنه مخالفًا للمنطوق في الحكم (١) مثل قوله ﷺ : "في سائمة الغنم زكاة" (٢) إذ يدل على أن حكم المعلوفة مخالف لها، وهو عدم الوجوب، وله أقسام ستأتي مفصلة إن شاء الله تعالى.
стр. 429
وله شروط منها: أن لا يكون المسكوت عنه ترك لخوف، كقول من يتهم بالرفض-: أتصدق هذا الدينار على من يحب أبا بكر وعمر (١)، أو نحو الخوف: كالجهل بحكم المسكوت عنه، كما في المثال المذكور إذ لا يعلم حال المعلوفة، أو يكون المذكور خرج مخرج الغالب كقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] للاتفاق على عدم اعتبار السفر في جواز الرهن، خلافًا لإمام الحرمين، حيث زعم أنه، أي: كونه خرج مخرج الغالب ليس بظاهر يترك به أصل من الأصول (٢)، وهذا استبعاد منه خال عن الدليل، والمحققون بعده على خلافه (٣).
стр. 430
أو يكون المذكور جواب سائل: كما إذا سأله شخص: هل في السائمة زكاة؟ فأجاب: بأن في السائمة زكاة، أو للجهل بحكم المذكور دون حكم المسكوت عنه، ولا يخفى أن ذكر السؤال يغني عن هذا. أو غير الذي ذكر من الأشياء التي توجب تخصيصه بالذكر كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]: إذ مفهوم الشروط لا اعتبار به، بل إنما ذكر الشرط إيذانًا بأنهن إذا أردن التحصن، فالمولى -بذلك- أولى.
وقيل: إنما ألغى مفهوم الشرط هنا؛ لأن الإكراه على الزنى مع عدم إرادة التحصن غير ممكن، وقيل: عارضه الإجماع (١).
стр. 431
ومما يجب التنبه له: أن ما أطلقه المصنف من الشروط لا يلزم جريانها في جميع المفاهيم، بل حيث يمكن لعدم جريان شيء مما ذكر في الاستثناء، وإنما المفيدة للحصر، وفي الغاية، وأن لا يكون المسكوت عنه أولى بالحكم المذكور، ولا مساويًا له، وألا يكون مفهوم موافقة عند من يجعل المساواة معتبرة في مفهوم الموافقة، وألا يكون واسطة بين المفهومين؛ هكذا يجب أن يفهم هذا المقام.
قوله: "ولا يمنع قياس المسكوت بالمنطوق".
أقول: يريد أن المذكور، وهو ما يقتضي التخصيص بالذكر لا يمنع قياس المسكوت بالمنطوق إذا وجدت بينهما علة جامعة.
ثم استبعد المنع كأنه قال: كيف يمتنع القياس، والحال أن طائفة ذهبت إلى أن ذلك المعروض الذي عرض له القيد المذكور يعم المسكوت عنه بدون قياس؟ كما إذا قال -عند الجهل بحكم المذكور-: في الغنم السائمة زكاة، عند هذه الطائفة لفظ الغنم عام يشمل المعلوفة أيضًا، ثم نقل الإجماع على عدم العموم، وأن اللفظ لا يتناول المسكوت عنه.
стр. 432
غايته: أنه لو (١) وجد قياس يقاس عليه، وإلا فلا (٢)، وعبر بالمعروض دون الموصوف، وإن كان في المعنى موصوفًا لئلا يتوهم اختصاص البحث بالصفة، مع كونه عامًّا في جميع الموارد التي من شأنها مخالفة المسكوت للمنطوق.
قوله: "وهو صفة كالغنم السائمة، أو سائمة الغنم".
أقول: لما بين معنى مفهوم المخالفة وما فيه من الخلاف والشروط، شرع في بيان أقسامه والبحث عما يتعلق بكل قسم من المسائل، وابتدأ بمفهوم الصفة؛ لأن مباحثه أكثر، وهو بين الفقهاء أشهر (٣)، والمراد بالصفة هنا ما يشعر بالعلية مثل: "المؤمن (٤) غِرٌّ كريم" (٥)، فبينه وبين
стр. 433
الصفة النحوية عموم من وجه؛ لأن صفة المدح والذم خارجة عن هذا، ومثل: "ليُّ الواجد" (١)، و: "مَطْل الغنيّ" (٢) ليس وصفًا نحويًّا.
стр. 434
وقد قال به الإمام الجليل الشافعي والأشعري وكثير من العلماء (١).
ومنعه أبو حنيفة، والقاضي، والغزالي، والمعتزلة.
لنا: ما نقله الإمام في "البرهان": أن أبا عبيدة معمر بن المثنى (٢) لما
стр. 435
سمع قوله ﷺ : "ليّ الواجِد يحلّ عقوبته، وعِرْضه" (١) قال: هذا يدل على لَيِّ غير الواجد لا يحل عقوبته وعرضه (٢).
وقيل في قوله ﷺ : "لأن يمتلئ بطن الرجل قيحًا خير من أن يمتلئ شعرًا" (٣) المراد به هجاء رسول الله ﷺ ، فقالوا: لو كان كذلك لم يكن للامتلاء فائدة إذ ذاك قليله وكثيره سواء، فجعل الامتلاء كالشعر الكثير، وفَرَّق بينه وبين القليل، وذلك صريح في المطلوب.
وذكر الآمدي: أن القائل أبو عبيد بدون التاء (٤)، وهو قاسم بن سلام الكوفي (٥)، ويمكن التوفيق: بأن يكون كل منهما
стр. 436
قائلًا (١)؛ لأنهما إمامان في اللغة، والشافعي في اللغة لا يبارى لو لم يفهمه لغة لم يقل به.
واعترض لمخالفة الأخفش (٢)، ومنع ذلك؛ لأنه لم يثبت عنه، ولو سلم من نقلنا عنه أقعد في اللغة من الأخفش، ولو سلم فالمذكورون أوقر وأكثر، ولو سلم فالإثبات مقدم.
ولنا -عقلًا-: أن لو لم يفد لم يكن لذكره فائدة إذ غير ما ادعيناه منتف اتفاقًا، وكلام البلغاء مصون عن مثله، فضلًا عن كلام سيد الأنبياء.
قيل -عليه-: أثبتم التخصيص بالفائدة، ومثله لا يثبت إلا بالنقل.
قلنا: لم نثبته بالفائدة، بل القاعدة الكلية المنقولة عنهم: أنه إذا ظن فائدة في الكلام وغيرها يكون معدومًا تكون تلك مرادة ظاهرًا، فيندرج المتنازع فيه في تلك القاعدة.
стр. 437
قيل: لا نسلم عدم فائدة سواها، بل توكيد المذكور لئلا يتوهم تخصيص، لو قال: في الغنم زكاة، إذ يحتمل أن يكون المراد المعلوفة.
قلنا: هذا فرع عموم اللفظ، وهو ممنوع، ولو سلم العموم -في بعض الصور- كان خارجًا عن محل النزاع.
قيل: لم لا يجوز أن تكون الفائدة ثواب المجتهد بإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق قياسًا؟
قلنا: قد شرطنا عدم الرجحان والمساواة، وألا يكون مفهوم موافقة، هذا تحقيق المقام على ما ينبغي.
ولنرجع إلى شرح كلام المصنف، فنقول: إنما ذكر ثلاثة أمثلة لمكان فائدة؛ لأن الأول عنده نص في المقصود، وهو أن المنفي عنه الحكم -وهو وجوب الزكاة- إنما هي المعلوفة من الغنم، وأما لفظ السائمة مجردًا عن الموصوف هل هو من قبيل المتنازع فيه، أم لا؟ نقل فيه قولين (١).
стр. 438
وزعم: أن الظاهر عدمه، وليس بظاهر، بل مردود قطعًا؛ لأن تعريف الوصف صادق عليه.
غايته: أن الموصوف فيه مقدر، وذِكْر الموصوف وتقديره لا دخل له فيما نحن بصدده.
ألا ترى: أنهم متفقون على أن قيد الإيمان -في قولنا-: المؤمن غر كريم يخرج الكافر، مع أن وزانه وزان السائمة بلا ريب (١).
ثم قال: "وهل المنفي غير سائمتها، أو غير مطلق السوائم قولان". وأشار بهذا إلى الخلاف في المثالين الأولين (٢)؛ لأن المثال الثالث -عند من يقول: باعتبار الوصف فيه- المنفي غير مطلق السوائم لعموم المقدر.
стр. 439
والحق -في المثالين الأولين-: هو نفى الزكاة عن معلوفة الغنم، ومنهم من نظر إلى مطلق السوم، وألغى ذكر الغنم، وجعل حكم السوم عامًّا في الإبل والبقر، وليس بشيء (١) إذ لا دليل شرعًا ولا عقلًا على ذلك؛ لأن مدار ثبوت مفهوم المخالفة على الفهم -لغة- كما تقرر في صدر البحث، وإذا قيل: في سائمة الغنم زكاة، ربما لا تخطر سائمة غير الغنم بالخاطر، ولو خطر لا يحكم العقل بالاستواء، ولا يفهم أن سائمة غير الغنم كالغنم.
وعبارة المصنف -في قوله: "غير مطلق السوائم"- فاسدة؛ إذ مراده نفي المعلوفة مطلقًا لا معلوفة مقيدة، ويلزم من كلامه أن السوائم المقيدة تكون منفية يظهر ذلك فيما إذا قلت: تصدق هذه الدراهم على غير المبتدعين مطلقًا، أي ما سوى المبتدع كائنًا من كان، بخلاف ما إذا قلت: غير مطلق المبتدعين إذ لا صحة له؛ لأن كل واحد من المبتدعين
стр. 440
يصدق عليه أنه غير مطلق المبتدعين، وكذلك السوائم المقيدة، أي كل واحدة يصدق عليها أنها غير مطلق السوائم.
والصواب أن يقول: غير السوائم مطلقًا، فيتناول كل معلوفة من كل جنس، ولم ينتبه أحد من شراح كلامه لما ذكرناه، والله الموفق (١).
قوله: "ومنها العلة".
أقول: من مفهوم الصفة العلة، والفرق بين العلة والصفة: أن معنى العلية في الوصف التزامي، وفي صريح العلة مطابقي، ولقرب المعنيين أدرج المصنف العلة تحت الصفة (٢)، والإمام الغزالي -كما أنكر مفهوم الصفة- أنكر مفهوم العلة الصريحة، قال في "المستصفى": "المسلك الثامن قولهم: إن التعليق بالصفة كالتعليق بالعلة -وساق كلامه إلى أن قال-: فائدة
стр. 441
ذكر العلة معرفة العلة فقط، وليس من فائدته تعدية العلة من محلها، فإن ذلك عُرِف بورود القياس، ولولاه لكان قوله: حرمت الخمر لشدتها، لا يوجب تحريم النبيذ المشتدّ" (١).
وأجاب عن الاعتراض: بأن الشافعي إمام في اللغة، وقد قال بعلية الوصف: بأن الإمام إنما قاله اجتهادًا لا إخبارًا عن أهل اللغة (٢).
وقد عرفت الجواب عن هذا بأنه إنما علم باندراجه تحت القاعدة لا استدلالًا، وتلك القاعدة ثبتت عن الرواة الثقاة الذين هم أئمة اللغة، فلا يكون اجتهادًا.
ومما ألحق بالوصف ظرف الزمان نحو: سافر يوم الجمعة، أي: لا في غيره، واجلس أمام زيد، أي: لا وراءه.
والدليل على استفادة هذا المعنى من الظرف: أنه لو خالف المأمور استحق اللوم عرفًا على مخالفته، وذلك صريح في أن الحكم المخالف للمنطوق مفهوم منه، وإلا لما ترتب اللوم عليه جزمًا.
ومن الملحق بالوصف الحال نحو: لا تصحب زيدًا وهو عاص، وهذا لم يحتج إلى ذكره لدخوله تحت الصفة بالمعنى الذي قدمنا، إذ لا فرق في فهم الحكم المخالف بين قولنا: لا تخاطب الأمير وهو غضبان، وبين قولنا: لا تجالس الأشرار.
стр. 442
ومن الملحق بالصفة العدد: لأن العدد مميز للمعدود، فهو وصف له قائم به، فيدل على نفي الحكم عن غير ذلك الموصوف نحو: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] فلم تجز الزيادة على الثمانين، يفهم ذلك من تعريف اللغة.
قوله: "وشرط"، عطف على قوله: "صفة" لا على ما ذكر بعد قوله: "منها" لعدم دخول الشرط في الوصف، هذا ما عليه شارحو كلامه (١).
ولك أن تقول: قد تقرر في علم البلاغة: أن الشرط ظرف للجزاء، والظرف إما زمان، أو مكان، وقد ذكر المصنف: أن الظرف مطلقًا ملحق بالوصف، فلا مانع لإلحاق الشرط على هذا التأويل.
وكذلك نقول في الغاية هي معنى (٢) قائم بذي الغاية، فتدخل في الوصف المذكور، فيكون أقرب إلى الضبط، وأقل أقسامًا (٣).
стр. 443
مثال الشرط قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فخرجت غير ذات الحمل.
والغاية نحو قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] جعل غاية الحرمة الحاصلة بالطلاق نكاح الزوج الثاني، فعلم الحل بعده (١).
فإن قلت: على ما ذكرت من أن الغاية معنى قائم بذي الغاية، يلزم قيام العَرَض بالعرض، ويجتمع الضدان في المثال المذكور إذ نكاح الزوج الثاني بمعنى الوطء ضد الحرمة، وقد قلت: إنه قائم به.
قلت: لا شك أن ما يصدق عليه الغاية خارج عن ذي الغاية ليس قائمًا به، وإنما القائم به هو اتصافه بمفهوم الغاية بمعنى أنه ذو الغاية،
стр. 444
ومتصف بها، وهذا أمر اعتباري ليس موجودًا في الخارج، والعرض من أقسام الموجود، فلا محذور.
قوله: "وإنما" إلى قوله: "مسألة".
أقول: مما يدل على مفهوم المخالفة كلمة: "إنما"، مثل قوله تعالى: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠] (١)، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢]، وسيأتي تحقيق كيفية إفادته. ومن الأمور الدالة على مفهوم المخالفة: ما، وإلا، وكذلك لا النافية للجنس، أو بمعنى ليس نحو: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، ولا عالم إلا زيد، ولا قائم إلا بكر، فيعني أن محمدًا منحصر شأنه في الرسالة لا يتجاوزها إلى النجاة من الموت، فإن الصحابة لما كانوا يتعاظمون موته كأنهم معتقدون جمعه بين الصفتين، فأثبت له الرسالة، ونفى عنه التبرء من الموت.
وكذلك لا عالم إلا زيد معناه: حصر [مفهوم] (٢) العالم في زيد، وإذا انحصر في زيد لزم منه الانتفاء عمّا عدا زيد، فالمنطوق هو الإثبات للمذكور، والمفهوم هو الانتفاء عن غير المذكور.
стр. 445
هذا هو المفهوم من التركيب والمأخوذ من كلام أهل العربية إذ قالوا: إنك إذا قلت: لا عالم إلا زيد، فهو كلام مع من أخطأ في الحكم بأن اعتقد أن العالم عمرو لا زيد، أو اعتقد أن العالم زيد وعمرو كلاهما.
فإذا قلت: لا عالم إلا زيد لزم من إثباتك العلم على وجه الحصر انتفاؤه عن الغير، وخطأ ذلك الاعتقاد. وفي بعض كتب الأصول أن النفي هو المنطوق (١) وكأنه نظر إلى [تسلط النفي] (٢) على صدر الكلام.
فإن قلت: قد اتفقوا على أن معنى الاستثناء هو الإخراج، فيكون منطوقه هو المخرج المنفي.
قلت: التحقيق أن الإخراج مجاز عن عدم الدخول؛ لأن الإخراج إما عن الحكم، فلم يكن المستثى داخلًا في الحكم حتى يخرج؛ إذ لم يقل أحد: إن زيدًا -في جاءني القوم إلا زيدًا- كان داخلًا في الحكم، ثم أخرج.
وإن أريد إخراجه من اللفظ العام، أي: مما تناوله، فذلك باطل؛ إذ بالاستثناء لم يخرج زيد عن القوم مثلًا.
ومن الألفاظ الدالة على مفهوم المخالفة ضمير الفصل بين المحكوم عليه والمحكوم به، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ [الذاريات: ٥٨] وقوله: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧]، وهذا إنما يتم لو استفيد
стр. 446
الحصر من مثل قولنا: زيد هو أفضل من عمرو، وإلا ففى الأمثلة المذكورة الحصر مستفاد من تعريف الخبر؛ لأن تعريف الخبر بلام الجنس يفيد حصره في المبتدأ، كما تقرر في موضعه (١).
ومن الدوال على مفهوم المخالفة تقديم المعمول (٢) نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وبزيد مررت (٣).
قوله: "وأعلاه"، أي أعلى ما ذكر طريقة النفي والاستثناء حتى ذهب بعضهم إلى أنه من قبيل المنطوق صريحًا لسرعة الفهم منه، ويلى
стр. 447
الاستثناء إنما لتبادر المعنى إلى الأذهان مثل: الاستثناء إلا أنه أحط رتبة لكون النفي والاستثناء فيه غير صريحين، وإليه أشار بقوله: "منطوق" أي بالإشارة، وسيذكر المصنف المفاهيم كلها على الترتيب.
قوله: "مسألة المفاهيم إلا اللقب حجة لغة".
أقول: المفاهيم المذكورة كلها حجة سوى مفهوم اللقب، وهو عبارة: عما يفهم من تعليق الحكم بالاسم الخالي عن معنى الوصفية، عَلَمًا كان أو غيره، ولم يخالف في عدم اعتباره سوى شرذمة، كما أشار إليه المصنف (١).
стр. 448
لنا على عدم جوازه: لزوم المحذور في قولنا: زيد موجود، ومحمد رسول الله؛ إذ يلزم منه انتفاء الوجود عن غير زيد، والرسالة عن غير محمد ﷺ .
قالوا: لو قال -لدى الخصام-: أمي ليست بزانية يفهم منه نسبة أم الخصم إلى الزنى، حتى قال مالك (١)، وأحمد: بلزوم الحد (٢).
قلنا: ذلك انفهم من القرائن لا من اللفظ، والحق: أن بطلان هذا غنى عن الدليل.
ثم قوله "لغة": يريد أنه حجة شرعية فهمت من مجرد اللغة لا بالقياس كما تقدم تحقيقه (٣).
وقوله: "وقيل: شرعًا"، يريد أنه فهم من عبارة الشارع إذ ثبت أنه قال ﷺ حين نُهى عن الاستغفار للمشركين بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ
стр. 449
لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]: "سأزيد على السبعين" (١)، حيث اعتبر مفهوم العدد.
والصحيح: هو الأول إذ لا يشك أحد أن فهمه ﵇ ذلك منه إنما كان لغة لا توقيفًا من الله.
قوله: "وقيل معنى"، نقل عن المصنف: أن المراد هو العرف العام؛ لأنه معقول لأهله، وذلك مثل ما يقولون: لولا انتفاء الحكم عن المسكوت عنه لم يكن لذكر القيد فائدة (٢)، وقد قدمنا أن هذا دليل من يدعى أنه فهم لغة (٣).
قال المولى المحقق عضد الملة والدين قدس روحه، مستدلًا على أنه فهم لغة: "لو لم يدل التخصيص على أن المراد مخالفة المسكوت عنه للمذكور في الحكم لما كان للتخصيص فائدة للاتفاق على عدم فائدة سواه، واعترض: بأنه إثبات للوضع بالفائدة، والوضع إنما يثبت نقلًا لا غير".
والجواب: لا نسلم أنه إثبات للوضع بالفائدة، بل ثبت بالاستقراء عنهم أن كل ما ظُن أنه لا فائدة للفظ سواه تعين أن يكون فائدة اللفظ، والمراد منه والمتنازع فيه مندرج تحت تلك القاعدة (٤).
стр. 450
هذا كلامه، وهو صريح في أن هذا القسم راجع إلى اللغة، ولأن مفهوم المخالفة دليل شرعي عند القائل به، فاعتباره، واستفادته من اللفظ لا بد وأن يستند إلى أئمة اللغة، أو يعلم من الشارع، فلا معنى للعرف على ما نقل عن المصنف.
والصواب: إسقاط هذا المذهب عن الاعتبار (١)، والله أعلم.
قوله: "وأنكر أبو حنيفة الكل".
أقول: لم يقل أبو حنيفة ﵀ بشئ من المفاهيم، ووافقه الغزالي منّا، وقد تقدم تحقيق المسألة دليلًا، وجوابًا، فلا حاجة إلى إعادته (٢).
стр. 451
فإن قلت: إذا قال الشارع: "في سائمة الغنم الزكاة"، فالذي لم يقل بالمفهوم يجب عليه القول بوجوب الزكاة في المعلوفة، وإلا فما وجه المنع (١)؟
قلت: نقول: قبل خطاب الشارع لم يكن الحكم -وهو وجوب الزكاة- متعلقًا بالغنم مطلقًا، فلما أوجب في السائمة بقى أمر المعلوفة على العدم الأصلى، والعدم الأصلى ليس حكمًا شرعيًا.
قوله: "وقوم في الخبر"، أي: في الخبر الخالي عن الإلزام كقولك: في سائمة الغنم نتاج، لا مفهوم إذ نعلم قطعًا أنه لايدل الخبر المذكور على عدم النتاج في المعلوفة.
وقد ذكروا -في الفرق- أن الخبر له خارج يطابقه، أو لا يطابقه، فالخبر يشعر بوقوعه، ولا يلزم من انتفاء القول بالمفهوم في الخبر انتفاؤه في الإنشاء: لأن الإنشاء إذا لم يكن له خارج، ولم يحصل الحكم من مفهوم القيد، لم يكن هناك فائدة قط، هذا كلام الشروح (٢)، وهو ضعيف جدًّا: لأن إشعار الخبر بوقوع ذلك الخارج لا دخل له في دلالة المفهوم لا معنى، ولا لزومًا.
والمولى المحقق عضد الملة والدين، أشار إلى ضعفه أيضًا، ولم يتعرض للجواب عن هذا المذهب (٣).
стр. 452
ونحن نقول: القائلون بمفهوم المخالفة متفقون على أنه دليل ظاهر، إنما يعمل به إذا لم يعارضه دليل أقوى من نص، أو إحماع، أو مخالفة دليل قطعي عقلى، أو بديهة.
ولا شك أنك إذا قلت: في الشام الغنم السائمة، لم يدل على أن لا سائمة في العراق، وإنما لم يدل: لأنه ظاهر عارضه قطعي، وهو الإجماع، والتواتر، وبديهة العقل على أن في غير الشام من البلاد سوائم.
ألا ترى أنهم تركوا المفهوم في قوله: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]، مع كونه إنشاء: لأن الإجماع عارضه.
وإذا علمت هذا علمت سقوط ما ذكره والد المصنف من إنكار المفاهيم في كلام غير الشارع، معللًا بأن الشارع منزه عن الذهول، والغفلة بخلاف غيره (١).
وإنما كان ساقطًا: لأن الكلام في دلالته لغة، وقد تحققتَ قبل هذا أن الدلالة التفات النفس من اللفظ إلى المعنى، ولا دخل لإرادة اللافظ فيها، ولا لشعوره، والتخلف في بعض الصور إنما هو بواسطة مانع، أي: معارض أقوى.
وظهر -لك أيضًا- الجواب عن قول إمام الحرمين: وهو أن الوصف إنما يعتبر حيث ناسب الحكم، فأما إذا لم يناسب، كما إذا قيل:
стр. 453
في صغار الغنم زكاة لا يدل على الانتفاء في الكبار (١): لأنا قدمنا في صدر البحث أن المسكوت إذا كان أولى بالحكم، أو مساويًا، لا يكون مفهوم المخالفة مرادًا، بل يكون من قبيل مفهوم الموافقة (٢). ولو فرضنا أن الوصف لا يناسب لا المنطوق ولا المخالفة، يكون وصفًا ملغى لا اعتبار به، هكذا يجب أن يفهم المقام، والله أعلم.
قوله: "وأنكر قوم العدد"، مستدلًا بأنه لا يدل على الزائد، والناقص إلا بالقرينة (٣)، وقد عرفت الجواب -عنه- مما تقدم.
قوله: "مسألةُ الغايةِ: قيل: مظنون".
стр. 454
أقول: يريد الإشارة إلى مراتب المفاهيم المحتج بها:
فذكر أن الغاية أعلاها رتبة، أي: أعلى المذكورات بعدها:
لأنه قد تقدم أن أعلى الجميع النفي، والاستثناء لكونه منطوقًا صريحًا عند بعضهم. والغاية، ولفظ إنما، منطوق إشارة، ولم يذكر إنما، مع الغاية لكثرة مباحثه، فجعله مسألة مستقلة.
قال: والحق: أن الغاية مفهوم لا منطوق، وهو كذلك: لأنا إذا قلنا: لا تدخل المسجد حتى تتوضا، فالمُغَيّا هو عدم الدخول غير متوضئ قد انتهى بالتوضؤ، فيفهم منه رفع المنع من الدخول.
والذي ذهب إلى أنه (١) منطوق نظر إلى لفظ "حتى"، فإنه موضوع للانتهاء، وعلى هذا لا معنى لقولهم: إنه منطوق من قبيل الإشارة، فيما سبق.
ويتلو الشرط الغاية: فإنه لم يقل أحد بأنه منطوق، فكان أحط رتبة.
فالصفة المناسبة: إذ بعض من قال: بمفهوم الشرط لم يقل بمفهوم الصفة.
فمطلق الصفة: إذ إمام الحرمين أسقط غير المناسبة.
فالعدد بعد المذكورات: لأن من قال: بتلك المفاهيم خالف طائفة منهم في العدد.
стр. 455
وآخر المفاهيم تقديم المعمول، وإنما كان آخر المفاهيم؛ لأن التقديم كثيرًا ما يكون للاهتمام أو التبرك أو الالتذاذ بذكر المقدم، ومنه نشأت شبهة الشيخ ابن الحاجب (١) ومن تبعه، ليس بشئ؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل: ٥١] صريح في ذلك.
وما نقل عن الشيخ ابن الحاجب أنه قال: ذكر سيبويه أن تقديم المعمول إنما يكون للاهتمام، فإنهم يقدمون ما هو أهم عندهم (٢)، وإذا كان كذلك، فالتخصيص وهم مردود بما ذكره الشيخ عبد القاهر (٣) من
стр. 456
أنه لا بد وأن تفسر تلك العناية من أين حصلت؟ وإذا فسرت تلك العناية، فتارة تكون للاختصاص، وتارة تكون للتبرك، وغر ذلك مما يلائم المقام، وناهيك بالشيخ عبد القاهر، وعلى ذلك أطبق المحققون بعده.
والتخصيص الذي قال به الجمهور، وأنكره الشيخ ابن الحاجب هو الحصر المصطلح عليه، وهو إئبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه، خلافا لوالد المصنف حيث قال بالاختصاص ونفى عنه الحصر (١).
ونقل عنه أنه قال: الفضلاء لم يقولوا في تقديم المعمول بلفظ الحصر، بل إنما أتوا بلفظ الاختصاص (٢).
وحاصل ما قاله راجع إلى ما ذكره الشيخ ابن الحاجب من أن مجرد التقديم للاهتمام، ثم قال: والحصر كما في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] يفهم من القرائن لا من التقديم، غاية ما في ذلك: أن الشيخ ابن الحاجب لا يطلق الاختصاص على ما قدم، وهذا يطلقه.
واستدل على ما نقل عنه بعض الشارحين (٣): بأنه لو كان التقديم يفيد الحصر لأفاده في قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]،
стр. 457
ولا يجوز إرادة الحصر لفساد المعنى؛ لأنه قبل دخول الهمزة -على تقديم الحصر- يكون معناه: غير دين الله يبغون، وبعد دخول همزة الإنكار الذي هو معنى النفي يكون المنكر حصر الطلب في غير دين الله، ولا يلزم منه اشتراك الطلب لدين الله، ولغير دين الله.
ونحن نقول: قد ذكر الشيخ عبد القاهر، ونقل عنه المحققون أن النفي إذا دخل كلامًا فيه قيد، تارة يتوجه إلى القيد مع بقاء أصل الفعل كقولك -وقد ضربت عبدك-: ما ضربته عبثًا. وتارة يتوجه إلى المقيد، فيُنفَى مع قيده كقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧] إذ القتل منفي من أصله، والاعتماد في ذلك على القرائن.
فإذا تقرر هذا، فنقول: في قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] إنما توجه النفي المستفاد من الهمزة على أصل الفعل، وهو طلب غير دين الله مطلقًا، لا على اليد الذي هو معنى الحصر المستفاد من التقديم قبل دخول الهمزة كما ظهر لك في قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ وهذا مما لا ريب فيه.
وأما قوله: "إن الفضلاء لم يذكروا إلا لفظ التخصيص"، مما لا ينبغى أن يصدر عن مثله؛ لأن الاعتبار بالمعنى لا باللفظ، وحيث أرادوا بالاختصاص معنى الحصر، فلا فرق بين التعبير عنه بلفظ الحصر أو الاختصاص.
стр. 458
قال (١) الزمخشري (٢) في أول سورة التغابن: "قُدم الظرفان ليدل بتقديمهما على اختصاص الملك، والحمد بالله تعالى -ثم قال ما حاصله-: إن الحمد إذا اختص بالله ولم يتجاوزه، فكيف يحمد الإنسان على فعله الحسن؟
وأجاب: بأن ذلك الحمد مجاز" (٣)، مع أن الشيخ عبد القاهر الذي هو قدوتهم كلامه مشحون بلفظ الحصر.
وفي بعض الشروح (٤): أنه قد يحتج لتغايرهما بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥]، إذ لا يجوز أن يقال بحصر رحمته؛ لأنه لا يمكن حصرها، وقد التبس عليه معنى الحصر المراد هنا -وهو إثبات الحكم للمذكور، ونفيه عما عداه- بالحصر الذي هو الإحصاء والإحاطة (٥).
стр. 459
ولا يشك عاقل في صحة قولنا: رحمة الله منحصرة في المؤمنين، أي في الآخرة لا تتجاوزهم إلى الكفار، وإن كانت رحمته لا يحاط بها كمًّا، ولا كيفًا، وإنما نتعرض لهذه المباحث نصحًا للمستفيدين الطالبين للحق، وإلا فسقوطها في غاية الجلاء، والله الموفق.
قوله: "مسألة إنما".
أقول: قد سبق أن [من] (١) المفاهيم مفهوم إنما، ولما كان فيه أبحاث وتدقيق جعله مسألة مفردة.
واعلم أنهم قد اختلفوا في إفادة كلمة "إنما"، معنى الحصر، وهو إثبات الحكم المذكور، ونفيه عما عداه.
فقالت طائفة: لا تفيد؛ لأن "إن" لتاكيد مضمون الجملة، و "ما" الكافة لا نفي فيها فلا حصر (٢).
ثم القائلون: بأنها تفيد فرقتان: فرقة تقول بأنها تفيده نطقًا (٣)، والأخرى تفيده فهمًا (٤).
стр. 460
والحق: أنه يفيد الحصر، ويفيده فهمًا: أما الأول: فلأنه قد استعمله الفصحاء في مواضع الحصر، وأثبته أئمة النحو في كتبهم، وأئمة التفسير مجمعون على ذلك، وبه فسروا كلام الله تعالى، ومثله ثبت بدون ذلك، فكيف وقد تطابق عليه هؤلاء الجماهير من كل طائفة؟
وأما أن ذلك مفهوم لا منطوق، فلأنه إنما يدل على الإثبات في الجزء الأخير، والنفي عما يقابله، والنفي فيه ليس بصريح لا منطوق، ويدل على ذلك -أيضًا- جواز: إنما زيد قائم لا قاعد، مع عدم جواز: ما زيد إلا قائم لا قاعد.
ومما يجب التنبه له: أن النفي والاستثناء إنما يستعملان إذا كان المخاطب مصرًّا على الانكار بخلاف إنما، فإنه يستعمل فيما إذا يكن مصرًّا.