أنه لا بد وأن تفسر تلك العناية من أين حصلت؟ وإذا فسرت تلك العناية، فتارة تكون للاختصاص، وتارة تكون للتبرك، وغر ذلك مما يلائم المقام، وناهيك بالشيخ عبد القاهر، وعلى ذلك أطبق المحققون بعده.
والتخصيص الذي قال به الجمهور، وأنكره الشيخ ابن الحاجب هو الحصر المصطلح عليه، وهو إئبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه، خلافا لوالد المصنف حيث قال بالاختصاص ونفى عنه الحصر (١).
ونقل عنه أنه قال: الفضلاء لم يقولوا في تقديم المعمول بلفظ الحصر، بل إنما أتوا بلفظ الاختصاص (٢).
وحاصل ما قاله راجع إلى ما ذكره الشيخ ابن الحاجب من أن مجرد التقديم للاهتمام، ثم قال: والحصر كما في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] يفهم من القرائن لا من التقديم، غاية ما في ذلك: أن الشيخ ابن الحاجب لا يطلق الاختصاص على ما قدم، وهذا يطلقه.
واستدل على ما نقل عنه بعض الشارحين (٣): بأنه لو كان التقديم يفيد الحصر لأفاده في قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]،
стр. 457
ولا يجوز إرادة الحصر لفساد المعنى؛ لأنه قبل دخول الهمزة -على تقديم الحصر- يكون معناه: غير دين الله يبغون، وبعد دخول همزة الإنكار الذي هو معنى النفي يكون المنكر حصر الطلب في غير دين الله، ولا يلزم منه اشتراك الطلب لدين الله، ولغير دين الله.
ونحن نقول: قد ذكر الشيخ عبد القاهر، ونقل عنه المحققون أن النفي إذا دخل كلامًا فيه قيد، تارة يتوجه إلى القيد مع بقاء أصل الفعل كقولك -وقد ضربت عبدك-: ما ضربته عبثًا. وتارة يتوجه إلى المقيد، فيُنفَى مع قيده كقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧] إذ القتل منفي من أصله، والاعتماد في ذلك على القرائن.
فإذا تقرر هذا، فنقول: في قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] إنما توجه النفي المستفاد من الهمزة على أصل الفعل، وهو طلب غير دين الله مطلقًا، لا على اليد الذي هو معنى الحصر المستفاد من التقديم قبل دخول الهمزة كما ظهر لك في قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ وهذا مما لا ريب فيه.
وأما قوله: "إن الفضلاء لم يذكروا إلا لفظ التخصيص"، مما لا ينبغى أن يصدر عن مثله؛ لأن الاعتبار بالمعنى لا باللفظ، وحيث أرادوا بالاختصاص معنى الحصر، فلا فرق بين التعبير عنه بلفظ الحصر أو الاختصاص.
стр. 458
قال (١) الزمخشري (٢) في أول سورة التغابن: "قُدم الظرفان ليدل بتقديمهما على اختصاص الملك، والحمد بالله تعالى -ثم قال ما حاصله-: إن الحمد إذا اختص بالله ولم يتجاوزه، فكيف يحمد الإنسان على فعله الحسن؟
وأجاب: بأن ذلك الحمد مجاز" (٣)، مع أن الشيخ عبد القاهر الذي هو قدوتهم كلامه مشحون بلفظ الحصر.
وفي بعض الشروح (٤): أنه قد يحتج لتغايرهما بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥]، إذ لا يجوز أن يقال بحصر رحمته؛ لأنه لا يمكن حصرها، وقد التبس عليه معنى الحصر المراد هنا -وهو إثبات الحكم للمذكور، ونفيه عما عداه- بالحصر الذي هو الإحصاء والإحاطة (٥).
стр. 459
ولا يشك عاقل في صحة قولنا: رحمة الله منحصرة في المؤمنين، أي في الآخرة لا تتجاوزهم إلى الكفار، وإن كانت رحمته لا يحاط بها كمًّا، ولا كيفًا، وإنما نتعرض لهذه المباحث نصحًا للمستفيدين الطالبين للحق، وإلا فسقوطها في غاية الجلاء، والله الموفق.
قوله: "مسألة إنما".
أقول: قد سبق أن [من] (١) المفاهيم مفهوم إنما، ولما كان فيه أبحاث وتدقيق جعله مسألة مفردة.
واعلم أنهم قد اختلفوا في إفادة كلمة "إنما"، معنى الحصر، وهو إثبات الحكم المذكور، ونفيه عما عداه.
فقالت طائفة: لا تفيد؛ لأن "إن" لتاكيد مضمون الجملة، و "ما" الكافة لا نفي فيها فلا حصر (٢).
ثم القائلون: بأنها تفيد فرقتان: فرقة تقول بأنها تفيده نطقًا (٣)، والأخرى تفيده فهمًا (٤).
стр. 460
والحق: أنه يفيد الحصر، ويفيده فهمًا: أما الأول: فلأنه قد استعمله الفصحاء في مواضع الحصر، وأثبته أئمة النحو في كتبهم، وأئمة التفسير مجمعون على ذلك، وبه فسروا كلام الله تعالى، ومثله ثبت بدون ذلك، فكيف وقد تطابق عليه هؤلاء الجماهير من كل طائفة؟
وأما أن ذلك مفهوم لا منطوق، فلأنه إنما يدل على الإثبات في الجزء الأخير، والنفي عما يقابله، والنفي فيه ليس بصريح لا منطوق، ويدل على ذلك -أيضًا- جواز: إنما زيد قائم لا قاعد، مع عدم جواز: ما زيد إلا قائم لا قاعد.
ومما يجب التنبه له: أن النفي والاستثناء إنما يستعملان إذا كان المخاطب مصرًّا على الانكار بخلاف إنما، فإنه يستعمل فيما إذا يكن مصرًّا.
стр. 461
فإن قلت: على ما ذكرت من إفادة "إنما" الحصر يشكل قوله ﷺ : "إنما الربا في النسيئة" (١)، و: "إنما الولاء لمن أعتق" (٢)، ونظائرهما، إذ ربا الفضل ربًا إجماعًا، والولاء لغير المعتق ثابت عند عدم المعتق.
قلت: قد قدمنا أن المفاهيم أمور ظاهرة تعتبر عند عدم معارض أقوى، وإذا عارض مفهوم "إنما" الإجماع -كما في المثالين المذكورين- سقط الاستدلال به، وليكن هذا على ذكر منك ينفعك في كثير من المواضع.
ولفظ الْكِيا (٣) في المتن بكسر [الكاف] (٤) وفتح همزة الوصل، إذ اللام فيه للتعريف، ولفظ كيا مجردًا عن اللام اسم جنس لطائفة
стр. 462
من (١) ملوك العجم كتُبَّع لملوك حمير، وقيصر لملوك الروم، وكسر الهمزة على ما في بعض الشروح (٢) سهو ظاهر (٣).
وأما كلمة "أنما" بفتح الهمزة ذكر المصنف أنها فرع المكسورة، والفرع تابع للأصل، وأيده بالنقل عن الزمخشري أنها تفيد الحصر.
وفي بعض الشروح (٤) هنا كلام غريب، وهو أنه نقل عن الزمخشري أنه قال بالحصر في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] ثم نقل أنه اعترض -عليه: بأن الحصر فيه باطل؛ لاقتضائه أنه لم يوح إليه شيء سوى التوحيد، ثم قال: وهذا الاعتراض عجيب؛ لأن الزمخشري يلتزم ذلك بناء على مذهبه الفاسد في نفى الصفات، بل لعل هذا هو مأخذه في دعواه الفاسدة (٥).
стр. 463
وأنا أقول: إذا اعترض بأن هذا الحصر يفيد حصر الوحي في التوحيد وهو باطل؛ لأن الوحي مشتمل على أحكام الدنيا والآخرة والقصص والإخبار عن المغيبات.
فيجاب: بأن الزمخشري ملتزم ذلك بناء على نفيه الصفات القديمة، [فهل هذا الجواب أبعد من السوال، أم الضب من النون؟ ] (١).
وإذا تأملت ذلك، فالجواب عن الاعتراض: هو أن القصر في مثله إضافي إذ المشركون كانوا يعتقدون الشركة في الألوهية، فرد الشركة بالحصر المذكور في الواحد القديم، تعالى وتقدس، فالحصر إنما هو بالنظر إلى ما يقابل التوحيد لا إلى سائر الأحكام وغيرها مما أُوحي إليه، كما إذا تنازع طائفة في أن زيدًا فاضل، أم عمرو، واعتقدوا الشركة، قلت: لا فاضل إلا زيد لم تنف الفضل عن كل من في الدنيا، بل إنما نفيت عمن وقع النزاع فيه، وهذا مما لا يُشك فيه، وعليه إطباق البلغاء، والله أعلم.
* * *
стр. 464
الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع
تأليف
الإمام شهاب الدين أحمد بن إسماعيل الكوراني
(٨١٢ هـ - ٨٩٣ هـ)
تحقيق
د/ سعيد بن غالب كامل المجيدي
[الجزء الثاني]
(ح) الجامعة الإسلامية، ١٤٢٨ هـ.
فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر
المجيدي، سعيد بن غَالب كَامِل
الدُّرَر اللوامع فِي شرح جمع الْجَوَامِع للكوراني/ سعيد بن غَالب كَامِل المجيدي - الْمَدِينَة النورة، ١٤٢٨ هـ.
٢٨٨٠ ص؛ ١٧ × ٢٤ سم
ردمك: ٢ - ٥٨٠ - ٠٢ - ٩٩٦٠
١ - أصُول الْفِقْه
أ - العنوان
ديوي ٢٥١
٣٦٢٠/ ١٤٢٨
رقم الْإِيدَاع: ٣٦٢٠/ ١٤٢٨
ردمك: ٢ - ٥٨٠ - ٠٢ - ٩٩٦٠
جَمِيع حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للجَامعة الإسْلاميَّة بِالْمَدِينَةِ المنوَّرة
стр. 468
باب مبدأ اللغات وطرق معرفتها
قوله: "من الألطاف حدوث الموضوعات اللغوية".
أقول: الألطاف جمع لطف (١)، وهو فعل من الله تعالى يُقَرِّب به العبد من الطاعة، ويُبْعِده من المعصية، واللام فيه عوض عن المضاف إليه، والحدوث: حصول الشيء بعد عدمه، وكان المناسب للطف لفظ الإحداث، كما وقع لابن الحاجب (٢)، وكأن المصنف توهم -على ما يفهم من بعض الشروح (٣) - أن ذلك مختص بمذهب التوقيف، والحدوث يشمل المذاهب كلها. وليس بشئ: لأن حدوثه لا بد له من محدث، وهو الله تعالى: لأنه خالف العباد، وأفعالهم (٤)، بل لو قيل: وجه العدول أن الاحداث لما كان من نعم الله تعالى،
стр. 469
فالحدوث أولى: لأنه متفرع عليه، وأقرب إلى العباد منه لكان -في الجملة- وجهًا.
ثم نقول: لما كان الإنسان مدنيًا -بالطبع- لا بد له في أمر المعاش، والمعاد من مشاركة، مع بني نوعه تعليمًا، وتعلّمًا في المعاملات، والعبادات -أقدره الله بلطفه على الصوت، وتقطيعه ليدل بني نوعه على ما في ضميره بأسهل ما يكون، وهو خروج النفس الضروري الذي لا يحتاج فيه إلى مؤنة، ومشقة، مع عموم الفائدة لتناوله الموجود، والمعدوم، والمحسوس، والمعقول، ووجوده لدى الحاجة، وانتفائه لدى انقضائها، ولما كان التفكر في هذا من أفضل العبادات -مع أن الحاجة داعية إليه في هذا الفن- صدر البحث بأنه من لطف الله تعالى، وأشار إلى أنه أَفْيد، وأيسر من الكتابة، والإشارة كما قدمناه.
وأخذ في تعريف الموضوعات، فقال: هي الألفاظ الدالة على المعاني، فخرج -بقيد الألفاظ-: الدوال الأربع، وهي: الخطوط، والعقود، والإشارة [والنصب] (١) أو بالدلالة على المعنى المهمل، فإنه لفظ: لأن اللفظ صوت يعتمد على المخرج حرفًا، فصاعدًا، مهملًا كان، أو مستعملًا، وكل المفرد، والمركب، وسيأتي تحقيق معنى الوضع في المركب إن شاء الله تعالى.
стр. 470
ثم طريق الثبوت النقل -عن أئمة اللغة: كالأصمعي (١)، والخليل (٢)، والأخفش- إما تواترًا: كالسماء، والأرض، والفرس، والإنسان، وإما آحادًا: كأكثر اللغات المسطرة في كتب اللغة.
أو النقل، مع العقل كما (٣) إذا نقل: أن الجمع المحلَّى باللام يفيد العموم، ونقل أن الاستثناء: هو الإخراج بعد الدخول.
فإذا قلت: الرجال -في قولنا: جاءني الرجال-: جمع محلَّى باللام، وكل جمع محلى باللام يدخله الاستثناء، فهذا الجمع يدخله الاستثناء
стр. 471
[فالمادة] (١) نقلية، والصورة عقلية (٢)، وأما العقل المجرد، فلا دخل له في وضع اللغات (٣).
قوله: "ومدلول اللفظ".
أقول: مدلول اللفظ إما معنى أو غيره، والمراد بالمعنى -هنا- ما يقابل اللفظ لا ما يرادف العَرَض.
والمعنى: إما كلي، أو جزئي: لأنه إما أن يمنع نفس تصوره عن وقوع الشركة، أو لا، فالأول: جزئي كزيد، والثاني: كلي كإنسان، والمثلث (٤).
وغير المعنى أعني اللفظ: إما مفرد مستعمل: كمدلول الكلمة، فإن الكلمة لفظ وضع للاسم، والفعل، والحرف، وكل من الثلاثة لفظ مفرد، مستعمل.
أو مهمل: كأسماء حروف الهجاء، أي: كمدلولاتها، فإن مدلول الألف -أ-، ومدلول الباء -ب-، وهذه الدلولات لم توضع بإزاء شيء.
стр. 472
أو لفظ مركب مستعمل: كمدلول لفظ الخبر نحو زيد قائم، وأمثاله، أو مهمل: كمدلول لفظ الهذيان، وهذا بعيد: لأن وجود مركب إسنادي لا يكون له معنى في غاية البعد.
قوله: "والوضع جَعلُ اللفظ دليلًا على المعنى".
أقول: إطلاق المصنف الوضع يشمل الوضع الشخصي: كما في أكثر الألفاظ، والنوعي: كما في المجاز على ما سنحققه عن قريب إن شاء الله تعالى.
وإذا كان الوضع: عبارة عن جعل اللفظ بإزاء المعنى (١)، فإرادة الجاعل كافية في تخصيص الألفاظ بالمعاني.
ولا يشترط مناسبة بين المدلول، واللفظ الدال، خلافًا لعباد بن سليمان (٢) الصيمري، وبعض المعتزلة، وأهل التكسير (٣)، وهم الذين
стр. 473
يزعمون أن الحروف المبسوطة إذا اجتمعت على صيغ مخصوصة كان لها خواص، وتأثيرات، ونقل المصنف: أن المنقول -عنهم- مختلف فيه، فإن كان الذي قالوا به: هو المعنى الأول، وهو أن بين المعنى، واللفظ مناسبة مرعية -عند الواضع في وضع الألفاظ- باعثة له على اختصاص بعض الألفاظ ببعض المعاني دون بعض، فله وجه في الجملة، أشار إليه بعض أئمة العربية (١).
مثل: القصم بالقاف للكسر، مع الإبانة، والفصم بالفاء للكسر بدون الإبانة: لأن القاف من الحروف الشديدة دون الفاء، فروعي في معناه الزيادة، وكما ذكره الصرفيون (٢) في عدم إعلال (٣) حَيَدَى (٤) بفتح الياء، وهو الحمار البطر الذي يفر من ظل نفسه.
стр. 474
قالوا: إنما لم يعل لتدل حركة الحرف على حركة المعنى، وكذلك الحيوان، وهذا وإن لم يجر في جميع الكلمات إلا أنه يصلح شبهة.
وإن كان هو المعنى الثاني، فلا حجة له قطعًا: لأن اللفظ الموضوع (١) لأحد الضدين كالجون، الموضوع للأسود مثلًا، لو كان له مناسبة ذاتية -على ما زعموا- لم يجز وضعه لضده الذي لم يناسبه اللفظ، وإلا يلزم تخلف ما بالذات إذ في هذا الاصطلاح لا دلالة على ذلك الضد.
هكذا ينبغي أن يفهم، ولا يلتفت إلى ما مثلوا به من أنه لو كان كما ذكروه لما صح وضع اللفظ للضدين، أو النقيضين إذ عليه منع (٢) ظاهر لا يخفى.
قوله: "واللفظ موضوع للمعنى الخارجي".
أقول: اللفظ لا يستلزم المعنى لذاته، كما تقدم، بل معناه إنما يتعين بتعيين الواضع، فذلك المعنى الموضوع له -لغة- هل هو أمر ذهني، أو موجود خارجى؟ فيه خلاف.
стр. 475
ذهب المصنف: إلى أنه خارجي، ونسب عكسه إلى الإمام، ونقل عن والده: أن الموضوع له هو المعنى من حيث هو، ومحل الخلاف -كما صرح به المصنف- هو الاسم النكرة لا المعرفة (١).
إذا تقرر هذا، فنقول: نقل المحققون من أئمة العربية أن الاسم النكرة موضوع للحقيقة من حيث هي.
وقيل: لمفرد مفسر متناول لجميع الأفراد على سبيل البدل (٢)، وعلى كلا التقديرين، فالمدلول كلي، وإذا كان كليًا لا بد وأن يكون في الذهن إذ كل موجود خارجي جزئي حقيقي.
واعلم أنا قد قدمنا: أن للأشياء وجودات مختلفة، وجود في الكتابة، ووجود في العبارة، ووجود في الذهن، ووجود في الخارج.
وقد اتفق المحققون (٣) -في مباحث الألفاظ-: على أن الكتابة تدل على العبارة، والعبارة تدل على ما في النفس، وما في النفس يدل على ما في الخارج.
стр. 476
والفرق بين هذه الدلالات: أن الأخيرة، أي: دلالة الصور الذهنية على الأمور الخارجية دلالة طبيعية لا يختلف فيها الدال، ولا المدلول، وفي الباقيتين وضعية، تختلف باختلاف الأوضاع إلا أن العلاقة بين العبارة، والصور الذهنية أشد من العلاقة بين الكتابة، والعبارة.
ومنشؤه كثرة الاحتياج: إذ النفس تعودت باستفادة المعنى من اللفظ حتى إن المفكر في المعنى وحده يجري اللفظ الذي يريد تصور معناه على لسانه كأنه يناجي نفسه.
فقد ثبت: أن الصور الذهنية هي مدلولات الألفاظ، وهي منطبقة على ما في الخارج إن كان للمتصور خارج.
والذي يحسم مادة الشبهة: أن الإنسان لفظ موضوع بإزاء الحيوان الناطق، ودلالته على المجموع مطابقة، وعلى كل واحد من الأجزاء تضمن، والمطابقة مفسرة بدلالة اللفظ على تمام ما وضع له.
ولا شك: أن الحيوان، والناطق صورتان ذهنيتان، والأمور الخارجية (١)، -زيد، وعمرو، وبكر- ليس للفظ الإنسان عليها دلالة، بل الصور الذهنية منطبقة عليها، فقد تحقق أن الموضوع له اللفظ هي الصور الذهنية لا المعاني الخارجية، كما اختاره المصنف، ولا المعنى من حيث هو على ما ذهب إليه والده، ويجيء لهذا زيادة بسط في بحث المجاز إن شاء الله تعالى.
стр. 477
وليس كل معنى له لفظ وضع له -لغة- بل كثير من المعاني كالروائح، إنما يعبر عنها بالإضافة كروائح المسك وسائر المشمومات، أو بالصفة، مثل رائحة طيبة وخبيثة، بل إنما وضع اللفظ لكل معنى محتاج إلى اللفظ، أي: شديد الحاجة إليه، صرح به الإمام (١)، وإن لم يكن شديد الحاجة إما أن يوضع له، أو يعبر عنه بالإضافة، أو بالوصف (٢).
قوله: "والمحكم المتضح المعنى".
أقول: المحكم -عند الشافعية- ما حفظ عبارته عن الإجمال، فيشمل النص والظاهر.
والمتشابه: ما تفرد الله به، أي: بعلمه، وربما أطلع بعض خواصه على بعض المغيبات (٣)، يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧].
стр. 478
هذا شرح كلام المصنف، وفيه نظر: لأن المتشابه فيه مذهبان كما قدمنا:
مذهب السلف: أن الله منفرد بذلك لا يطلع عليه غيره كمدة بقاء الدنيا، ووقت قيام الساعة.
ومذهب الخلف: أن المتشابه ما فيه إجمال، وغموض لا يتضح (١) المقصود منه إلا بعد فحص شديد.
والحكمة -في ذلك- رفع درجات الراسخين، ونيل ما لا يناله غيرهم لأداءات قرائحهم، والمصنف مزج أحد المذهبين بالآخر.
قال الإمام: "اللفظ المشهور المتداول بين الناس لا يجوز أن يكون له معنى خفي يختص به بعض الأذكياء كما يقول -مثبتو الأحوال (٢) -: الحركة: معنى يوجب كون الذات متحركة" (٣)، والعلم: معنى يوجب لن قام به العالمية، فكون الذات متحركة، وكون الشئ عالمًا -عندهم- أمر وراء الحركة، والعلم.
стр. 479
والجمهور: لا يقولون بذلك، بل ليس وراء العلم، والحركة في العالم، والمتحرك شيء، وقد عرفوا الحال: بأنه صفة لا موجودة، ولا معدومة قائمة بموجود (١)، والمسألة قليلة الجدوى في هذا المقام لا وجه لذكرها: لأن الكلام في الموضوعات اللغوية، وهذا أمر اصطلاحي، من أراد معرفته، فليتبع اصطلاحهم، وكذلك نظائره، وتبع المصنف الإمام في ذلك، وأوردها في إثر المتشابه لكونه مشتملًا على الخفاء، فناسب ذكره معه.
قوله: "مسألة: قال ابن فورك (٢)، والجمهور: اللغات توقيفية".
أقول: لما بطل قول الصيمري: إن دلالة الألفاظ ذاتية، فثبت أنها وضعية إذ لا قائل بالفصل، وإذا كانت وضعية، فالواضع إما هو الله تعالى، وإليه ذهب الشيخ الأشعري، وتبعه الجمهور.
وإذا كان الواضع هو الله، فطريقة التوقيف منه إما بالوحي إلى آدم مثلًا، أو بأن يخلق الله الأصوات، والحروف التي هي الألفاظ الدالة، الموضوعة للمعاني، ثم يسمعها الواحد، أو الجماعة إسماع قاصد للدلالة على المعاني، أو بخلق علم ضروري في واحد، أو جماعة بأن هذه الألفاظ تدل على هذه المعاني.
стр. 480
وذهب الآمدي: إلى أن خلق الأصوات، والعلم الضروري طريق واحد (١).
وذهب أكثر المعتزلة: إلى أنها اصطلاحية، وضعها البشر، والتعريف حصل بالإشارة، والقرائن: كالطفل، فإنه يتعلم اللغة بالتكرار مرة بعد أخرى، مع قرينة الإشارة، وغيرها.
وقال الأستاذ: القدر المحتاج إليه توقيفي، والباقي محتمل (٢).
وقيل: عكسه، أي: القدر المحتاج إليه اصطلاحي، والباقي محتمل للاصطلاح والتوقيف.
وتوقف كثير من العلماء عن القول بشيء من هذه المذاهب لعدم تمام أدلتها (٣).
стр. 481
والمذهب المختار -عند المصنف، وعليه المحققون- عدم القطع (١) بشيء من المذاهب المذكورة لانتفاء موجبه.
والظاهر: مذهب الشيخ، وأتباعه (٢)، هذا ضبط المذاهب المعتبرة (٣)، ونحن نشير إلى أدلة المذاهب على وجه الاقتصار، مع أجوبتها.
دليل الأشعري قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] وكذلك الأفعال، والحروف لعدم القائل بالفصل.
قالوا: ألهمه بأن يضع الألفاظ للمعاني، قلنا: خلاف الظاهر، وكذلك قولهم: علمه باصطلاح سابق، الجواب هو الجواب.
قالوا: علم الحقائق بدليل ﴿عَرَضَهُمْ﴾. قلنا: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ (٤) يدفعه إذ هو ظاهر في أن التعليم لها، فيرجع الضمير إلى المسميات.
стр. 482
والاستدلال بقوله: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] ضعيف إذ الإقدار على الوضع والتعليم سيان في كون كل منهما آية.
المعتزلة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] يدل على سبق اللغة، وإلا يلزم الدور. قلنا: إذا علم آدم، فلا دور.
والأستاذ: إن لم يكن المحتاج إليه توقيفًا يلزم الدور.
قلنا: يعلم بالترداد، كما في الأطفال، فلا دور، والجواب عن عكس مذهبه هو الجواب.
قوله: "مسألة: قال القاضي، وإمام الحرمين .... " إلى آخره.
أقول: قد اختلف في أن اللغة هل تثبت قياسًا، أم لا؟ ، اختار المحققون: عدم ثبوتها.
ومحل النزاع -على ما صرح به الشيخ ابن الحاجب- ما يثبت عمومه عن أهل اللغة:
كرفع الفاعل، ولفظ رجل، والضارب، والمتكلم (١).
стр. 483
وتحقيق ذلك: أن واضع اللغة، قد يضع اللفظ الخاص للمعنى الخاص كالخمر لماء العنب إذا اشتد، وقذف بالزبد، والضرب، والقتل، ونظائرهما.
وقد يضع قاعدة كلية منطبقة على جزئيات كثيرة: كالمصغر، والمنسوب، والأسماء المشتقة، والمضاف، والمضاف إليه، فلا يلزم سماع ما صدقاتها من الوضع، بل يكفي سماع القاعدة منه.
والاستعمال مفوض إلى المتكلم بشرط أن لا يتجاوز ذلك القانون اللغوي، ومثل هذا يسمى وضعًا نوعيًا، وكذلك المركبات، وجميع المجازات من هذا القبيل، إنما الكلام في القسم الأول: مثل الخمر، فإن الواضع اعتبر فيه معنى المخامرة، فحيث وجد المعنى هل يطلق عليه الخمر، أم لا؟ فيه الخلاف المذكور:
الجمهور: على عدم الجواز (١).
стр. 484
وفرقت طائفة بين الحقيقة، والمجاز، فجوزت في الأول، ولم تجوز في الثاني لكونه فرعًا لا يعتد به.
لنا -على المذهب المختار، وهو عدم الجواز-: أنه كما يحتمل أن يكون ملحقًا به، يحتمل أن يكون الواضع صرح بالمنع من طرد اللفظ على كل ما وجد فيه ذلك المعنى؛ لأن وجود المعنى في الأسماء المجردة علة للترجيح لا للإطلاق بخلاف الصفة، والوضع النوعى كما قدمنا.
ألا ترى: أنه قد منع طرد القارورة (١)، والأبلق، والأجدل، والأخيل، مع وجود المعنى في الغير، وإذا قام الاحتمال، فالإلحاق تحكم.
قالوا: دار الاسم مع الوصف إذ قبل تخمره، ووصف الإسكار ليس بخمر، فإذا طرأ المعنى سمي به، وإذا زال، زال الاسم، والدوران مظنة العلية.
قلنا: كما دار مع الوصف دار مع المحل، فالوصف جزء العلة، أي: علة التسمية كونه ماء عنب مع الوصف.
قالوا: قلتم: بالقياس شرعًا، فيجوز لغة بالطريق الأولى.
قلنا: هناك الإجماع انعقد على حجيته بخلاف هنا.
قالوا: قال به الشافعي، وهو الإمام المقدم في اللغة حيث قاس النباش على السارق، فأوجب القطع، وقاس النبيذ على الخمر، فأوجب الحد.
стр. 485
قلنا: قاس شرعًا إذ زوال العقل، وأخذ مال الغير، وصف مناسب للحكم: لأنه قاس وصف النباش، ووصف النبيذ على وصف السارق، ووصف الخمر (١).
قوله: "مسألة: واللفظ والمعنى".
أقول: هذا تقسيم اللفظ -بالنظر إلى المعنى- وهو أربعة أقسام:
الأول: أن يتحد اللفظ والمعنى، والمراد باتحادهما أن يكون اللفظ الواحد دالًا على المعنى الواحد: كالإنسان، والفرس، وزيد، وعمرو، فإن مَنعَ نفسُ تصور ذلك المعنى وقوعَ الشَّرِكَة، فالمعنى جزئي، ويطلق على اللفظ الدال عليه مجازًا.
وإن لم يمنع، فكلي، سواء كان موجودًا كالإنسان، أولم يوجد شيء من أفراده، مع إمكانه كالعنقاء، أو مع امتناعه كشريك الباري تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.
وبعض الشراح (٢) رجح تعريف المصنف- بمنع نفس التصور عن الشركة في الجزئي، وعدمه في الكلي- على تعريف الشيخ ابن الحاجب
стр. 486
بقوله: فإن اشترك في مفهومه (١) كثيرون، فكلي، وإن لم يشترك، فجزئي، بأن تعريف ابن الحاجب يوهم شرطية الاشتراك، وهو ليس بشرط (٢)، وكأنه نظر إلى الوجود الخارجى، ولم يعتبر الأفراد الذهنية، وقد علمتَ أن الاشتراك وعدمه، إنما هو بالنظر إلى الأفراد الذهنية، والذهن هو مناط الكلية والجزئية. والأفراد الخارجية -وإن كانت موجودة- لا التفات إليها.
وتعريف الشيخ في غاية الحسن، ونهاية الكمال، مع أنه يصلح أن يكون شرحًا لكلام المصنف: لأن منع نفس تصور الشيء عن وقوع الشركة معلل بانتفاء الشركة، وعدمه بالاشتراك.
وذلك الكلي: إن استوت أفراده، فمتواطئ: كتساوي زيد وعمرو في الإنسانية.
والتواطؤ: التوافق سمي به لتوافق الأفراد فيه.
ومُشكِّك: إن تخالف بالشدة والضعف (٣): كالبياض، فإنه في الثلج أشد منه في العاج، أو التقدم والتأخر: كوجود العلة، مع وجود المعلول،
стр. 487
أو الإمكان والوجوب كوجود الواجب، والممكن (١)، وإنما سمي مشككًا: لأنه إن نظر إلى اشتراك المعنى يوهم التواطؤ، وإن نظر إلى التفاوت يوهم عدمه.
وإن تعدد اللفظ، والمعنى، فالمعاني متباينة حقيقة، والألفاظ -أيضًا- توصف بالتباين.
وإن اتحد المعنى دون اللفظ، فالألفاظ مترادفة: كالليث، والأسد (٢).
وعكس هذا، وهو أن يتحد اللفظ، ويختلف المعنى إن كان ذلك اللفظ حقيقة فيهما: كالجون، والقرء، للأبيض، والأسود، والطهر، والحيض (٣)، فاللفظ مشترك (٤).
وإن لم يوضع لهما، ففي الموضوع له حقيقة، وفي المنقول إليه مجازًا إن لم يشتهر في الثاني، وإن اشتهر، ففى الثاني يكون حقيقة أيضًا، ويعبر عن الأول بالمنقول عنه، وعن الثاني بالمنقول إليه: كالصلاة، فإنها -لغة- هو الدعاء نقل
стр. 488
في الشرع إلى الأركان المفتتحة بالتكبير، المختتمة بالتسليم، وصار عند أهل الشرع (١) حقيقة في المعنى الثاني فبالنظر إلى وضع اللغة استعماله في الأركان المذكورة مجاز، وبالنظر إلى وضع الشرع بالعكس (٢).
قوله: "والعَلَم: ما وضع لمعين".
أقول: الجزئي إنما يذكر في العلوم في مقابل الكلى لا استقلالًا، فإن الجزئي قليل الجدوى في إفادة الأحكام.
والمصنف -بعد أن ذكر الجزئي في مقابلة الكلى- أفرد قسمًا منه بالذكر ليبين أقسامه، وهو العلم، وعرفه: بأنه اللفظ الذي وضع لمعين لا يتناول غيره (٣).
فبقوله: "وضع لمعين"، خرج النكرات، وبقوله: "لا يتناول غيره"، خرج سائر المعارف.
وكان يجب عليه زيادة قولهم: بوضع واحد: لئلا تخرج الأعلام المشتركة، فإنها وإن كانت متناولة غيرها، لكن لا بوضع واحد، بل بأوضاع متعددة (٤).
стр. 489
ثم التعين إن كان خارجيًا، فالعَلَم شخصي، وإن كان ذهنيًا، فالعلَم جنسي.
فالأول: كزيد، والثاني: كأسامة، فإنه موضوع للحقيقة من حيث هي ملحوظًا حضورها في الذهن.
وإن وضع اللفظ للماهية من غير ملاحظة الحضور الذهني، فذلك اللفظ اسم الجنس (١).
وهنا مواضع بحث لا بد من تحقيقها: الأول: قوله: لمعين يتناول جميع المعارف عليه عول أكثر العربية (٢)، وفي كون غير العلَم موضوعًا لمعين إشكال: لأن ضمير الخطاب: كـ "أنتَ" مثلًا مستعمل في كل مخاطب، وكذلك اسم الإشارة مثل: "هذا" مستعمل في كل مشار إليه قريب، ومثله: ذاك، وذلك في المتوسط، والبعيد، وكذا حال الموصول ولا فارق بين هذه الأقسام،
стр. 490
وبين النكرة بحسب المعنى إذ الرجل مثلًا موضوع لمفهوم كلي، وهو ذكر من بني آدم، مجاوز حد الصغر، فهو مستعمل في كل ما صدق عليه هذا المفهوم.
ولما استشعر هذا الإشكال بعض الفضلاء (١) غير التعريف، وقال: "المعرفة ما وضع ليستعمل في شيء بعينه، أي: وإن لم يكن الموضوع له معينًا، لكن الموضوع مستعمل في معين بخلاف النكرة، فإن استعماله ليس في معين" (٢).
وليس بشئ إذ على ذلك التقدير يكون اللفظ دائمًا مستعملًا في غير موضوع له، لأن الوضع عنده إنما هو للمفهوم الكلي، والاستعمال في الجزئيات، ولم يقلبه أحد.
الثاني: أن المصنف جعل عَلَم الجنس، واسم الجنس كلًّا منهما موضوعًا للماهية من حيث هي، فلم يفرق بينهما، مع ثبوت الفرق قطعًا.
الثالث: أنه قيد التعيين في الأول بالخارجي، ويفهم منه أن التعيين في الثاني ذهني، وليس كذلك إذ التعيين فعل الواضع، فهو خارجى، وإن كان المعين موجودًا ذهنيًا.
والجواب -عن الأول- ما ذكره أفضل المتأخرين (٣)، وهو أن وضع اللفظ للمعنى عقلًا لا يتجاوز عن أربعة أقسام:
стр. 491
الأول: أن يكون الوضع عامًا، وكذا الموضوع له كالنكرات، أو يكون الوضع خاصًا، والموضوع له كذلك مثل الأعلام، أو يكون الوضع عامًا، والموضوع له خاصًا كسائر المعارف، فكأن الواضع قال: عينت لفظ "هذا" لكل مشار إليه، ولفظ "أنت" لكل مخاطب، فالوضع واحد عام، والموضوع له كل واحد من الأفراد بخصوصه، فامتازت عن النكرات إذ هناك لم يعتبر الأفراد المخصوصة، بل إما وضع اللفظ للماهية الصادقة على الأفراد، أو لفرد منتشر على المذهبين كما قدمنا.
وأما كون الوضع خاصًا، والموضوع له عامًا، فغير معقول، فالقسم الأخير من الأقسام الأربعة ليس موجودًا، والثلاثة الأول موجودة.
وبهذا التحرير زال الإشكال بحذافيره، وهذا البحث هو الذي أشرنا إليه بأنه سيأتي.
وأما الجواب -عن الثاني-: وهو الفرق بين عَلَم الجنس، واسمه هو أن في اسم الجنس النكرة مذهبين: أحدهما: أنه موضوع للفرد المنتشر، وعلى هذا لا إشكال: لأن عَلَم الجنس ليس موضوعًا لفرد، بل للحقيقة.
وثانيهما: أنه موضوع للماهية، وحينئذ يحصل الإشكال.
والجواب: أن في عَلَم الجنس يلاحظ الحضور الذهني، وفي اسم الجنس لم يلاحظ.
стр. 492
فإن قلت: [الواضع] (١) إذا وضع لفظة بإزاء معنى، لا بد وأن يلاحظ [المعنى] (٢)، وكذلك القائل: جاءني رجل، لا بد وأن يلاحظ معناه.
قلت: قولنا: لم يلاحظ فيه. الجواب: لأن الحضور الذهني، وإن كان حاصلًا لم يلاحظ في النكرة بخلاف المعرفة، فإن الملاحظة واجبة فيه، وعدم اعتبار الشيء ليس اعتبارًا لعدمه (٣)، فتأمل! .
قوله: "مسألة: الاشتقاق ردّ لفظ إلى آخر".
أقول: الاشتقاق -لغة-: الاقتطاع مأخوذ من الشق، وهو القطع، واصطلاحًا: ما ذكره المصنف (٤)، وهو على ثلاثة أقسام (٥):
стр. 493
صغير: وهو ما إذا وافق الأصل الفرع في الحروف، والترتيب نحو خرج من الخروج.
وكبير: إن وافق في الحروف دون الترتيب، نحو: جبذ من الجذب.
وأكبر: إن لم توجد حروف الأصل، بل ما يناسبها نحو: نعق، ونهق (١).
وقد ذكر صاحب المفتاح: أن علم الاشتقاق علم مستقل حيث قال -في خاتمة كتابه-: "أين هم عن علم الاشتقاق؟ أين هم عن علم الصرف؟ " (٢).
[وإنما نبهنا عليه، وإن لم يكن مقصودًا هنا: لأن بعض الأفاضل جعله جزءًا من علم الصرف] (٣).
قوله: "ولو مجازًا"، يريد تعميم الاشتقاق في الحقيقة، والمجاز تعريضًا بمن (٤) منعه في المجاز كالقاضي، والغزالي (٥)، فإن
стр. 494
الغزالي ذكر أن أمر فرعون في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] بمعنى الشأن مجازًا، فلا يشتق منه أمر، ولا مأمور.
والدليل على الاشتقاق من المجاز قولهم: نطقت الحال بكذا، أي: دلت: لأن النطق مستعمل في الدلالة، أولًا، ثم اشتق منه اسم الفاعل على ما هو القاعدة في الاستعارة التبعية في المشتقات (١)، وقيد الحروف بالأصلية: لأن الحروف المزيدة لا اعتداد بها.
قوله: "ولا بد من تغيير" تصريح بما علم ضمنًا إذ رد لفظ إلى آخر لا يمكن إلا بعد التغير الأولى في العبارة، التغير بياء واحدة، والتغير إما أن يكون لفظًا أو تقديرًا، إذ الفتحة في طلب ماضيًا، غيرها في طلب مصدرًا، وكذلك سكون اللام في فلك مفردًا، غيره في فلك جمعًا، وقد ضبط أقسام التغيير بعض الفضلاء (٢)، فارتقت إلى خمسة عشر قسمًا (٣)، وحظ الأصولي من الاشتقاق: أن اللفظ المشتق إذا وقع في لفظ الشارع كيف
стр. 495
يستدل به على الحكم؟ ولا شك أن المشتق من حيث إنه مشتق لا يعلم بدون معرفة الاشتقاق، فلذلك صدر البحث به".
قوله: (١) وقد يطرد المشتق كاسم الفاعل، وقد يختص كالقارورة". وقد تبين لك -قبل هذا- أن مناط الإطراد هو عموم اللفظ: لأن الواضع قد وضع لفظ ضرب لكل من قام به الضرب بخلاف القارورة، فإنه وضع مقيدًا بالزجاج، فالقارورة: ما استقر فيه الشيء بقيد كونه زجاجًا، فالمعنى في الأول يصحح الاطلاق، وفي الثاني مرجح.
قوله: "ومن لم يقم به وصف لم يجز أن يُشتق منه اسم".
أقول: المدعَى -في هذه المسألة-: أنه لا يجوز أن يشتق لفظ الصفة لشئ، والمعنى الذي هو مأخذ الاشتقاق قائم بغيره (٢)، فلا يجوز أن يقال: زيد ضارب إلا إذا قصد أن الضرب قائم به سواء صدقت القضية، أو كذبت إذ المقصود بيان طريق اللغة، والقانون في إجراء الصفات على الموصوفات.