← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 132415

الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (1 869 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الأول: أن يكون الوضع عامًا، وكذا الموضوع له كالنكرات، أو يكون الوضع خاصًا، والموضوع له كذلك مثل الأعلام، أو يكون الوضع عامًا، والموضوع له خاصًا كسائر المعارف، فكأن الواضع قال: عينت لفظ "هذا" لكل مشار إليه، ولفظ "أنت" لكل مخاطب، فالوضع واحد عام، والموضوع له كل واحد من الأفراد بخصوصه، فامتازت عن النكرات إذ هناك لم يعتبر الأفراد المخصوصة، بل إما وضع اللفظ للماهية الصادقة على الأفراد، أو لفرد منتشر على المذهبين كما قدمنا. وأما كون الوضع خاصًا، والموضوع له عامًا، فغير معقول، فالقسم الأخير من الأقسام الأربعة ليس موجودًا، والثلاثة الأول موجودة. وبهذا التحرير زال الإشكال بحذافيره، وهذا البحث هو الذي أشرنا إليه بأنه سيأتي. وأما الجواب -عن الثاني-: وهو الفرق بين عَلَم الجنس، واسمه هو أن في اسم الجنس النكرة مذهبين: أحدهما: أنه موضوع للفرد المنتشر، وعلى هذا لا إشكال: لأن عَلَم الجنس ليس موضوعًا لفرد، بل للحقيقة. وثانيهما: أنه موضوع للماهية، وحينئذ يحصل الإشكال. والجواب: أن في عَلَم الجنس يلاحظ الحضور الذهني، وفي اسم الجنس لم يلاحظ.

стр. 492

فإن قلت: [الواضع] (١) إذا وضع لفظة بإزاء معنى، لا بد وأن يلاحظ [المعنى] (٢)، وكذلك القائل: جاءني رجل، لا بد وأن يلاحظ معناه. قلت: قولنا: لم يلاحظ فيه. الجواب: لأن الحضور الذهني، وإن كان حاصلًا لم يلاحظ في النكرة بخلاف المعرفة، فإن الملاحظة واجبة فيه، وعدم اعتبار الشيء ليس اعتبارًا لعدمه (٣)، فتأمل! . قوله: "مسألة: الاشتقاق ردّ لفظ إلى آخر". أقول: الاشتقاق -لغة-: الاقتطاع مأخوذ من الشق، وهو القطع، واصطلاحًا: ما ذكره المصنف (٤)، وهو على ثلاثة أقسام (٥):

стр. 493

صغير: وهو ما إذا وافق الأصل الفرع في الحروف، والترتيب نحو خرج من الخروج. وكبير: إن وافق في الحروف دون الترتيب، نحو: جبذ من الجذب. وأكبر: إن لم توجد حروف الأصل، بل ما يناسبها نحو: نعق، ونهق (١). وقد ذكر صاحب المفتاح: أن علم الاشتقاق علم مستقل حيث قال -في خاتمة كتابه-: "أين هم عن علم الاشتقاق؟ أين هم عن علم الصرف؟ " (٢). [وإنما نبهنا عليه، وإن لم يكن مقصودًا هنا: لأن بعض الأفاضل جعله جزءًا من علم الصرف] (٣). قوله: "ولو مجازًا"، يريد تعميم الاشتقاق في الحقيقة، والمجاز تعريضًا بمن (٤) منعه في المجاز كالقاضي، والغزالي (٥)، فإن

стр. 494

الغزالي ذكر أن أمر فرعون في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] بمعنى الشأن مجازًا، فلا يشتق منه أمر، ولا مأمور. والدليل على الاشتقاق من المجاز قولهم: نطقت الحال بكذا، أي: دلت: لأن النطق مستعمل في الدلالة، أولًا، ثم اشتق منه اسم الفاعل على ما هو القاعدة في الاستعارة التبعية في المشتقات (١)، وقيد الحروف بالأصلية: لأن الحروف المزيدة لا اعتداد بها. قوله: "ولا بد من تغيير" تصريح بما علم ضمنًا إذ رد لفظ إلى آخر لا يمكن إلا بعد التغير الأولى في العبارة، التغير بياء واحدة، والتغير إما أن يكون لفظًا أو تقديرًا، إذ الفتحة في طلب ماضيًا، غيرها في طلب مصدرًا، وكذلك سكون اللام في فلك مفردًا، غيره في فلك جمعًا، وقد ضبط أقسام التغيير بعض الفضلاء (٢)، فارتقت إلى خمسة عشر قسمًا (٣)، وحظ الأصولي من الاشتقاق: أن اللفظ المشتق إذا وقع في لفظ الشارع كيف

стр. 495

يستدل به على الحكم؟ ولا شك أن المشتق من حيث إنه مشتق لا يعلم بدون معرفة الاشتقاق، فلذلك صدر البحث به". قوله: (١) وقد يطرد المشتق كاسم الفاعل، وقد يختص كالقارورة". وقد تبين لك -قبل هذا- أن مناط الإطراد هو عموم اللفظ: لأن الواضع قد وضع لفظ ضرب لكل من قام به الضرب بخلاف القارورة، فإنه وضع مقيدًا بالزجاج، فالقارورة: ما استقر فيه الشيء بقيد كونه زجاجًا، فالمعنى في الأول يصحح الاطلاق، وفي الثاني مرجح. قوله: "ومن لم يقم به وصف لم يجز أن يُشتق منه اسم". أقول: المدعَى -في هذه المسألة-: أنه لا يجوز أن يشتق لفظ الصفة لشئ، والمعنى الذي هو مأخذ الاشتقاق قائم بغيره (٢)، فلا يجوز أن يقال: زيد ضارب إلا إذا قصد أن الضرب قائم به سواء صدقت القضية، أو كذبت إذ المقصود بيان طريق اللغة، والقانون في إجراء الصفات على الموصوفات.

стр. 496

وجوزت المعتزلة: حيث جوزوا إطلاق المتكلم على الله تعالى بمعنى أنه خالق الكلام في الغير: كالشجرة إلى أوجد فيها الكلام حين جمع موسى الكلام منها، ولهم في إثبات صفات الله -تعالى- اضطراب، وسنحققه في علم الكلام إن شاء الله تعالى (١). لنا -على إثبات المدعى- الاستقراء التام، وذلك يفيد القطع. قالوا: القتل، والضرب أثر، وهو قائم بالمفعول. قلنا: ممنوع، بل هو التأثير، وهو قائم بالفاعل. قالوا: يطلق على الله الخالق، والخلق غير المخلوق. والجواب: ليس محل النزاع، إذ محل النزاع فعل قائم بالغير، وهذا مجموع قائم بنفسه، وإن كان بعضه قائمًا ببعضه إذ على تقدهـ تسليم أن الخلق نفس المخلوق (٢) مفهومه يصدق على جميع الحوادث، والحوادث بعضها جواهر قائمة بنفسها، وبعضها أعراض قائمة بالجواهر، والمجموع ليس قائمًا بغيره.

стр. 497

قوله: "ومن بنائهم -على التجويز المذكور- أنهم يسمون إبراهيم ذابحًا، ولهم خلاف في أن إسماعيل مذبوح، أو لا". واعلم أن ابتناء هذه المسألة على أصل المعتزلة في غاية البعد، إذ هذه المسألة مستقلة لا تعلق لها بذلك الأصل؛ لأن الخلاف هنا بيننا وبينهم، إنما هو في جواز النسخ قبل التمكن من الفعل كما سيأتي (١). فعندنا يجوز أن ينسخ الحكم قبل التمكن من الفعل، والدليل على ذلك قصة إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه إذ أمر بالذبح، ونسخ قبل التمكن من الفعل، وهم منعوا ذلك. وأجابوا عن هذا الاستدلال تارة بأنه لم يؤمر إلا بمقدمات الذبح، وقد أتى بها، وتارة يقولون: بل أتى بالذبح، ويروون في ذلك خبرًا موضوعًا، وهو أنه ذُبح، ولكنْ التأم موضع الذبح، فإنه كان كلما قُطِع جزء التأم مكانه.

стр. 498

وبالجملة: ذُبح، أولم يُذبح، الذبح قائم بالذابح، وإن ذهبوا إلى ما نقل عنهم من أن الضرب قائم بالمضروب، كما قدمنا، فلا وجه لقول المصنف: اتفاقهم على أن إبراهيم ذابح بناء على الأصل المذكور، فتأمل! قوله: "وإن قام به" أي بالشيء "ما له اسم" كالكلام مثلًا، وجب أن يشتق له، أي: لمن قام به، اسم كالمتكلم. وأما المعاني إلى لا أسماء لها كأنواع الروائح والآلام، فلا يشتق لمن قامت به اسم للاستغناء بالإضافة كما تقدم (١). قوله: "الجمهور على اشتراط بقاء المشتق منه في كون المشتق حقيقة". أقول: قد اختلف في أن بقاء المعنى شرط في كون المشتق حقيقة، أم لا؟ فيه مذاهب (٢): أحدها: اشتراطه، وثانيهما: نفيه. وثالثها: شرط إن

стр. 499

كان البقاء ممكنًا (١)، وإلا [فآخر جزء] (٢)، ونمسب المصنف إلى الجمهور [أنهم يشترطون البقاء إن أمكن، وإلا فآخر جزء بقاؤه كاف] (٣). المشترطون مطلقًا قالوا: بعد انقضاء المعنى يجوز نفيه، وهو أمارة المجاز. قلنا: نفيه مطلقًا، أو في الحال؟ الأول: ممنوع، والثاني: مسلم، ولا يفيدكم إذ نفي الخاص لا يستلزم نفي العام، نوضحه: أن الثبوت في الحال أخص من الثبوت مطلقًا. وقد يجاب -عن هذا-: بأن المراد النفي المقيد بالحال (٤) لا نفي المقيد بالحال، والسلب المطلق لازم للسلب المقيد.

стр. 500

قالوا: -ثانيًا- لو لم يشترط بقاء المعنى، وصح إطلاقه حقيقة على الماضى يصح إطلاقه على المستقبل كذلك، واللازم منتف. أجيب: بأنه لا يلزم من عدم اعتبار قيد كونه حالًا -نظرًا إلى الماضي- عدم اعتباره مطلقًا، إذ ربما كان المشترك بين الماضي والحال مشروطًا، وهو كون الضرب حاصلًا في الجملة. النافون لاشتراط بقاء المعنى قالوا: أجمع أهل اللغة على صحة ضارب أمس، وأنه اسم فاعل، والأصل في الإطلاق الحقيقة. الجواب: مجاز بدليل إجماعهم على صحة ضارب غدًا، وهو مجاز اتفاقًا. قالوا -ثانيًا-: لو اشترط لم يصح مؤمن لنائم إذ معنى الإيمان، وهو التصديق ليس بقائم به [والحالة هذه] (١). الجواب: مؤمن عرفًا استصحابًا للحكم، وإن لم يصدق لغة، وأجاب عنه بعض الأفاضل (٢): بأنه غير محل النزاع، إذ النزاع إنما هو فيما يدل عل الحدوث من الصفات لا ما يدل على الثبوت منها: لأن

стр. 501

الاتصاف هنا كاف في صحة الإطلاق ما لم يطرأ عليه مناف (١)، ومحصله ما ذكرناه في الجواب من الاستصحاب. واعلم أن قول المصنف: الجمهور على اشتراط بقاء المشتق منه في كون المشتق حقيقة، وإلا فآخر جزء، يشعر بأن هذا مذهب رابع غير الثلاثة التي قدمنا ذكرها، وليس كذلك، بل مذهب من يشترط بقاء المعنى. ولما أورد عليه: بأن البقاء لو كان شرطًا لما كان مثل: متكلم، ومخبر حقيقة، ولو حين المباشرة، واللازم باطل اتفاقًا. ووجه الملازمة: أن [حصول] (٢) هذه الأفعال إنما يمكن بتقصي أجزائها شيئًا فشيئًا، فلا تجتمع الأجزاء في حين من الأحيان قط، فقبل الحصول لا تحقق، وبعد الحصول قد انقضى. أجاب: بأن اللغة مبنية على المساهلة (٣) وإلا لخرجت أكثر الأفعال التي هي من الأصول كيضرب ويمشى، ضرورة أنها تحصل تدريجيًا، فالبقاء في جزء كاف، أي: ما دام مباشرًا لجزء منه، فهو حقيقة، وعند انقضاء الأجزاء بأسرها يصير مجازًا، نعم لما كانت الدلائل لا تفيد قطعًا مال بعض المحققين (٤) إلى التوقف، وإنما لم نذكر أدلة من

стр. 502

اشترط البقاء إن أمكن: لأنها علمت من أدلة المشترط مطلقًا، غايته أن المشترط مطلقًا اعتد ببقاء جزء ما، وهذا لم يعتد به (١)، والله أعلم. قوله: "ومن (٢) ثم كان اسم الفاعل حقيقة في الحال، أي: حال التلَبُّس خلافًا للقرافي (٣) ". أقول: هذا تفريع على مذهب الجمهور، وهو اشتراط البقاء، وعبارة المصنف غير سديدة (٤)، وكان الأولى أن يقول: لم يكن اسم الفاعل (٥) حقيقة إلا في حال التلبس، وكان الأولى -أيضًا- تقديم مذهب الوقف ليظهر تفرعه على مذهب الجمهور.

стр. 503

ثم الحال المعتبرة في كون اسم الفاعل حقيقة هو حال التلبس بالفعل كما قدمنا من التكلم، والإخبار مثلًا، لا حال النطق، كما توهمه بعضهم، وبني على ذلك إشكالًا بالزاني، والسارق، إذ الزاني، والسارق في زماننا بعد انقطاع الوحي يجلد، ويقطع، مع أنه لم يكن حال الخطاب موجودًا. وأجاب عن هذا الإشكال: بأن النزاع في اسم الفاعل، واشتراط البقاء فيه إنما هو فيما إذا كان محكومًا به، وأما إذا كان محكومًا عليه كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢]، فهو حقيقة مطلقًا (١)، وهذا كلام من لا تحقيق عنده. [أما أولًا: فلأن] (٢) الكلام في اللغة هل يشترط بقاء المعنى للإطلاق حقيقة، أم لا؟ ولا ريب في أن كون اللفظ محكومًا عليه، أو محكومًا به لا دخل له في هذا لا نفيًا، ولا إثباتًا. وأما ثانيًا: فلأن وجوب الحكم في مسألة الزاني والسارق، ليس مبنيًا على أن الصفة في النصين المذكورين وقع محكومًا عليه، وأنه حقيقة مطلقًا، بل لأن الشارع رتب الحكم على الوصف الصالح للعلية، فحيث وجد

стр. 504

الوصف وجد الحكم، كما رتب الزكاة على السوم في قوله: "في السائمة زكاة"، مع أن القول: بأن اسم الفاعل حقيقة في المستقبل مخالف للإجماع (١). وأما قوله: الخلاف إنما هوفيما إذا كان محكومًا به كقولنا: زيد زانٍ، أو زيد سارق (٢)، مع أنه كلام مخترع لم يقل به أحد لم يجد نفعًا: لأنه إذا قامت البنية عند الحاكم بأن زيدًا سارق في الزمان الماضى تقطع يده عند القائل بأنه مجاز في الماضي، فأي فائدة شرعية يعتد بها في هذه التفرقة؟ وقد حققنا لك المقام بما لا مزيد عليه، فاعتمده، والله الموفق. وقد توهم بعضهم (٣) -أيضًا- أن الخلاف إنما هو في المشتق الذي زال [معنى] (٤) المشتق منه، ولم يتصف المحل بضد آخر، أما إذا اتصف المحل بضد آخر كالأبيض الذي زال بياضه، واتصف المحل بالسواد، فإن أطلق عليه الأبيض لا يكون ذلك إلا مجازًا، وكل هذا عدول عن الصواب، بل ليس الخلاف إلا في بقاء المعنى كما تقدم في صدر البحث. وأما أن المحل -بعد زواله- هل اتصف بالضد أو بغيره، فلا التفات إليه.

стр. 505

قوله: "وليس في المشتق إشعار بخصوصية الذات"، يريد أن الوصف أعني المشتق على ما ذكره النحاة في باب منع الصرف [مُعرَّف] (١) بأنه الذي وضع لذات مبهمة باعتبار معنى هو المقصود (٢)، وإذا كان لدى الوضع قيد الإبهام معتبرًا، فلا إشعار بالخصوصية (٣). فإذا قلت: الأسود جسم يكون مفيدًا لعدم إشعار الأسود بالجسم بخلاف ما إذا قلت: الإنسان حيوان، وإن صح الحمل، ولكن لا فائدة فيه (٤). وخرج -أيضًا- أسماء الزمان، والمكان، والآلة عن تعريف المشتق لدلالتها على شيء معين، وهو المكان، والزمان، والآلة، والمراد هو التعين النوعي كما لا يخفى.

стр. 506

قوله: "مسألة: المترادف واقع خلافًا لثعلب (١)، وابن فارس (٢) ". أقول: قد علمت فيما سبق أن الألفاظ المترادفة هي التي وضعت لمعنى واحد، وهل هي واقعة، أم لا؟ الصحيح وقوعها: للتواتر في بعض الألفاظ كليث، وأسد في الأجسام، وحَبَسَ ومَنَعَ في المعاني (٣).

стр. 507

قالوا: لو وقع لعري عن الفائدة إذ أحد اللفظين كاف. قلنا: ممنوع إذ الفائدة لا تنحصر في الدلالة على الموضوع له، بل فائدته التوسعة في اللغة، وربما كان أحدهما صالحًا للروى (١) دون الآخر، أو للتجنيس (٢). قالوا -ثانيًا-: تعريف للمعَرَّف، وهو باطل. قلنا: لكل منهما علامة، وتوارد العلامات جائز، ثم النافون لَمَّا منعوا وقوع الترادف قالوا: وما يُظن أنه من الترادف، فهو من اختلاف الذات، والصفة: كالإنسان، والناطق، أو اختلاف الصفات كالمنشئ، والكاتب، أو الصفة، وصفة الصفة كالمتكلم، والفصيح، أو الذات، وصفة الصفة كالإنسان، والفصيع، وكل هذا عدول عن الصواب. واعلم أن الواضع إذا كان واحدًا، فالفائدة في الترادف ما ذكرنا، وأما إذا كان الواضع متعددًا، فالأمر فيه واضح: لأنه ربما كان

стр. 508

أحد الواضعين في الشرق، والآخر في الغرب، ولا علم لأحدهما بوضع الآخر (١). ومن ذهب: إلى أنه لم يقع في الأعاء الشرعية إنما أخبر عن وجدانه، يدل على هذا عبارة الإمام -في "المحصول" في آخر بحث الحقيقة الشرعية-: "الأظهر أنه لم يوجد، فيقدر بقدره" (٢). ومن رد عليه بالفرض، والواجب (٣)، فقد اشتبه عليه اصطلاح الفقهاء (٤)، بالحقيقة الشرعية، إذ المراد بها: ما وضع الشارع كالصلاة، والحج، والزكاة على ما سيأتي تحقيقه.

стр. 509

وأما الحد، مع المحدود: كالحيوان الناطق، مع الإنسان، فليس من الترادف في شيء إذ الحد يدل على أجزاء الماهية تفصيلًا، والمحدود (١) يدل عليها إجمالًا، أي: الحد يدل على الأجزاء بأوضاع متعددة، والمحدود يدل بوضع واحد، وكذلك نحو حسن، وبسن، وعطشان، ونطشان، ليس من قبيل المترادفين: لأن [هذه التوابع] (٢) لا تفرد، ولو أفردت لم تفد، وإذا اجتمعت مع المتبوع، أفادت نوع تقوية لوقوعها في كلام البلغاء، فيبعد عراؤها عن الفائدة (٣). قوله: "ووقوع كل من الرديفين مكان الآخر"، عطف على قوله: "إفادةٌ" (٤) ولو قدم هذه المسألة على مسألة التابع كان أولى، كما لا يخفى (٥).

стр. 510

والحق -في هذه المسألة-: أنه لما كان كل من اللفظين دالًا على المعنى الواحد بلا تفاوت، فيما يرجع إلى الوضع، والدلالة، فلا مانع من استعمال أحدهما في موضع الآخر، أي: بدلًا عنه (١)، وما ذكره الإمام- من أن: من الابتدائية معناها بالفارسية: أز، بفتح الهمزة، وسكون الزاي المعجمة، فلا يجوز استعمال أحدهما مكان الآخر، وإلا يكون ضم مهمل إلى مستعمل، وإذا جاز هذا في لغتين يتأتي في لغة أيضًا (٢) -كلام ساقط: إذ عدم جوازه في اللغتين ممنوع. ولو سلم، فالفرق واضح، إذ ثم اختلاط اللغتين بخلاف هنا (٣).

стр. 511

ثم قول المصنف: "إن لم يكن تَعَبُّدٌ بلفظه"، إشارة إلى ما اختاره الشافعي ﵁ من عدم جواز تبديل لفظ التكبير بمرادفه (١)، وقد أشار إليه الشيخ ابن الحاجب حيث قال: "لو صح لصح خداي أكبر" (٢)، وأجيب بالتزامه، ولما لم يكن مذهب المصنف احترز عنه (٣). وبما ذكرنا خرج الجواب عن قول البيضاوي، والهندي (٤) أيضًا حيث منعا اللغتين (٥). قوله: "مسألة: المشترك واقع". أقول: الاشتراك اللفظي: هو وضع اللفظ الواحد لمعنيين فأكثر، بتعدد الوضع (٦).

стр. 512

وفيه خلاف، والصحيح أنه ممكن، بل واقع، وقيل: واجب الوقوع، وقيل: ممتنع الوقوع، وقيل: بين النقيضين فقط، وقيل: في القرآن، وقيل: والحديث (١). لنا -على المختار، وهو وقوعه مطلقًا-: إجماع أهل اللغة على أن القرء للطهر والحيض معًا على البدل، والجون للأبيض والأسود كذلك من غير ترجيح. فقولنا: معًا احتراز عما إذا كان لواحد بعينه. وقولنا: على البدل احتراز عن المتواطئ: لأنه للقدر المشترك. وقولنا: من غير ترجيح احتراز عن الحقيقة والمجاز. الموجب: لو لم يكن المشترك واقعًا لخلت أكثر المسميات. بيان الملازمة: بأن المسميات غير متناهية، والألفاظ متناهية، أما تناهي الألفاظ، فلأنها مركبة من حروف التهجي، وهي متناهية، والمركب من المتناهي متناهٍ قطعًا. وأما أن المسميات غير متناهية. فظاهر.

стр. 513

الجواب: بمنع المقدمتين إذ لا نسلم [أن] (١) المركب من المتناهي متناه، وسند المنع أسماء العدد، فإن المبدأ متناه، والمركب غير متناه إذ لا حد منه ينقطع سلسلة العدد، وأيضًا: لا نسلم أن المعاني غير متناهية: لأن محل النزاع هي المعاني المتضادة، والمختلفة لا المتواطئ، فإن لفظ الإنسان مثلًا يدل على جزئيات غير متناهية، ولو سلم ذلك كله لا يستلزم وجوب الاشتراك لجواز الامتياز بالإضافة، فلا يتم التعريف. المانع مطلقًا: إنما وضعت الألفاظ للإفادة والافهام، والاشتراك مخل بذلك. قلنا: [مع] (٢) القرينة لا اختلال، ولئن سلم لا يدل على الامتناع إذ ربما يكون المراد الإيهام والإجمال، كما في الأجناس. وذهب الإمام -في "المحصول"-: إلى أن وضع اللفظ -مشتركًا- بين وجود الشئ، وعدمه [لا يجوز] (٣)، واستدل: بأن اللفظ إنما وضع ليفيد شيئًا وإلا كان عبثًا، والمشترك بين النفي والإثبات، لا يفيد شيئًا سوى التردد، وهذا معلوم لكل (٤). والجواب -عنه-: هو الجواب عن المنع مطلقًا، أي: بدون القرينة مسلم، ويرتفع ذلك، مع القرينة.

стр. 514

ومن منع وقوعه: في القرآن، والحديث يعلم جوابه من الأجوبة السابقة، مع أن في القرآن: ثلاثة قروء (١)، وعسعس (٢)، أي: أقبل، وأدبر، وفي الحديث: "دعي الصلاة أيام أقرائك" (٣). قالوا: إن وقع غير مبين لا يفيد، أو مبينًا، فيطول (٤). الجواب: غير مبين، وربما كان المراد: الإجمال، وإن سلم كونه مفصلًا، فائدته الاستعداد للامتثال وقت البيان. قوله: "مسألة: يصح إطلاقه على معنييه مجازًا". أقول: هذه مسألة [استعمال] (٥) المشترك في معنييه، وأكثر، وتحرير محل النزاع: أنه هل يصح أن يراد [بإطلاق] (٦) واحد من المشترك معانيه؟ أي: كل واحد أفرادا لا المجموع من حيث هو المجموع- بأن

стр. 515

يقال: رأيت العين، ويراد بها الجارية، [والباصرة، وفي الدار الجون، أي: الأسود والأبيض، وأقرأت هند، أي: حاضت، وطهرت- قيل: لا يجوز] (١). وقيل: يجوز في النفي دون الإثبات (٢)، وإليه ذهب صاحب (٣) الهداية من الحنفية، صرح بذلك في باب الوصية (٤). وقيل: يجوز مطلقًا (٥).

стр. 516

ولا يخفى أن محل الخلاف هو ما إذا أمكن الجمع في القصد كما تقدم من الأمثلة، وأما ورود صيغة الأمر- مثلًا- من الشارع يراد به الوجوب والإباحة، فلا قائل بجوازه، وعن الشافعي: أنه يجب الحمل على المعنيين عند التجرد عن القرائن (١)، وهذا معنى (٢) عموم المشترك الذي قال به الشافعي خلافًا لأبي حنيفة (٣).

стр. 517

وإذا استعمل في المعنيين هل هو حقيقة فيهما، أم مجاز؟ فيه خلاف: ذهب الشافعي، وتبعه القاضي إلى أنه حقيقة (١)، وقال بذلك القاضي عبد الجبار (٢)، والجبائي من المعتزلة. ومن قال بالامتناع، لم يفرق بين الجمع والمفرد، وهو المختار. قال الإمام -في "المحصول"-: "بعض من أنكر جوازه في المفرد جوز في الجمع، ثم قال: والحق أنه لا يجوق" (٣)، وهو كما قاله؛ لعدم فرق يُعتد به. وشبهة القائل به: أن لفظ الجمع يدل على الأفراد، فيجوز أن يراد به أفراد مختلفة الحقيقة، وليس بشيء، إذ الذي يمنع إرادة المعنيين في المفرد لا يصح منه دعوى الاختلاف في الجمع، وهو واضح، إذ الجمع إنما يدل على أضعاف ما يدل عليه المفرد، والغرض أن المفرد لم يرد به سوى معنى واحد.

стр. 518

[وتصدير] (١) المصنف البحث بقوله: يصح إطلاقه على معنييه مجاز -ثم ذكر الشافعي، ونسبة كونه حقيقة إليه- صريح في أن المختار عنده كونه مجازًا، وإليه ذهب إمام الحرمين، والشيخ ابن الحاجب (٢)، وهذا ليس بشئ إذ قد قدمنا: أن محل النزاع هو إرادة كل من المعنيين، ولا شك أن اللفظ موضوع للمعنيين بوضعين مختلفين، ولم يخرج اللفظ -بالاستعمال في المعنيين -عن كونه حقيقة لكون اللفظ مستعملًا فيما وضع له، نعم لو أريد المجموع من حيث هو المجموع كان مجازًا إذ اللفظ لم يوضع للمجموع. والفرق بين الكل الأفرادي والمجموعي، واضح يظهر ذلك في قولنا: كل الرجال يحمل هذه الصخرة، وكل الرجال يشبعه هذا الرغيف (٣)، فالحق الذي لا محيد عنه: هو ما ذهب إليه إماء الأئمة الشافعي عليه من الله الرحمة متواصلة إلى يوم الدين.

стр. 519

ثم القاضي أبو بكر الباقلاني -وإن قال بكونه حقيقة- لم يقل بكونه ظاهرًا فيهما، بل قال: إنه مجمل يتوقف على البيان (١) لا يعمل به بدونه قياسًا، ولكن يحمل على المعنيين احتياطًا (٢)، وهذا كلام قليل الجدوى. وقد نقل المصنف عن الغزالي: أنه يصح أن يراد بالمشترك المعنيان لا لغة، وفي شروحه، أي: لا حقيقة، ولا مجازًا (٣). وكلام الغزالي -في "المستصفى"- لا يدل على شيء من ذلك، وهو أنه، أورد قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: ١٨] إلى آخر الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] إلى آخر الآية، ثم قال: "هذا يعضد الشافعي، ويفتح هذا الباب في معنيين يتعلق أحدهما بالآخر، فإن طلب المغفرة يتعلق بالمغفرة، ولكن الأظهر -عندنا-: أن هذا إنما أطلق على

стр. 520

معنى واحد مشترك بين العنيين، وهو العناية بأمر النبي لشرفه، وحرمته، والعناية من الله مغفرة، ومن الملائكة استغفار، ومن المؤمنين دعاء، وصلاة عليه، وكذلك العذر (١) عن السجود" (٢). وليس في هذا الكلام شيء مما قاله المصنف (٣)، ولا أنه لا حقيقة ولا مجاز، بل صرح بأنه من عموم المجاز (٤): لأنه أراد بلفظ واحد معنى مجازيًا يشمل المعاني المرادة من اللفظ، كما سنحققه في باب المجاز إن شاء الله تعالى، بل نقول: لا يجوز- عقلًا- أن يستعمل لفظ على قانون اللغة استعمالًا صحيحًا، ولا يكون مجازًا، ولا حقيقة. وقيل: يجوز في النفي، مثاله: لا عين عندي، ولا جون في الدار؛ لأن النفي يفيد العموم بخلاف الإثبات.

стр. 521

الجواب: أن المدعي الظهور، وهو حاصل في الإثبات أيضًا. وما ذهب إليه بعض (١) الحنفية من أن المراد بالسجود في الآية هو الانقياد ليس بشئ إذ لو كان المراد الانقياد والتسخير، لم يكن لقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨] فائدة إذ جميع الناس بل جميع الكائنات مسخرة لأمره. وكذا كون المراد من الصلاة غير ما وضع له، وهو إرادة التعظيم بعيد. قوله: "والأكثر أن جمعه باعتبار معنييه مبني عليه". أقول: ذهب قوم من العلماء إلى الفرق بين الجمع، والمفرد، أي: جَوَّزَ في الجمع دون المفرد، مستدلًا: بأن الجمع له مدلولات متعددة هي مدلولات المفردات، فيجوز أن يراد به المعاني باعتبار المفردات، وليس بشيء: لأن آحاد الجمع يجب أن يكون من جنس واحد، فما أريد بالمفرد هو الذي يراد أضعافه في الجمع كما تقدم، وإليه أشار المصنف بقوله: "مبني عليه"، أي: من يُجَوِّز في المفرد الإطلاق على ما فوق الواحد يُجَوِّز في الجمع، ومن لا، فلا (٢).

стр. 522

والخلاف -في الإطلاق على الحقيقي، والمجازي- هو الخلاف في الاشتراك غير أن القاضي خالف أصله قائلًا: بأن [المجاز] (١) غير ما وضع له اللفظ بخلاف المشترك، فإنه موضوع لكل من المعنيين (٢)، وفرقه ضعيف بلا خفاء (٣). وادعى الغزالي: أن هذا أقرب من استعمال اللفظ المشترك، ولم يبين القرب بوجه كلي جار في جميع الصور، بل مَثَّل بالنكاح الذي وضع للوطء، واستعمل في العقد مجازًا: لأن العقد مقدمة الوطء (٤). والظاهر: أن وجه القرب هو أن بين المعنى المجازي، والحقيقي لا بد من علاقة بخلاف معاني الاسم المشترك إذ لا يلزم أن يكون هناك علاقة، بل ربما كانت المعاني في غاية البعد، فيظهر بذلك قرب المجاز في سائر المجازات لوجود العلاقة في الكل.

стр. 523

قوله: "ومن ثم"، تفريع على المذهب الصحيح، وهو أن اللفظ يحمل على معناه الحقيقي، والمجازي معًا عند القرينة الدالة على جواز إرادتهما نحو قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، حيث حمل صيغة أفعل على الوجوب الذي هو معناه الحقيقي، وعلى الندب الذي هو معناه المجازي بقرينة لفظ الخير (١) الذي تعلق به الصيغة. والظاهر: أن المراد النوافل: إذ قوله: ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ٧٧] معناه: بما تعبدتم به من الفرائض، وافعلوا سائر الخيرات التي ما تعبدتم بها، خلافًا لمن لم يجوز الجمع، فإنه مستعمل عنده إما في الوجوب، أو في الندب، وكذلك من يقول: بأنه موضوع للقدر المشترك بين الوجوب، والندب، وهو الرجحان، وسيأتي أنه ضعيف. قوله: "والمجازان"، أي: الخلاف في أنه هل يجوز أن يراد من لفظ واحد معنياه المجازيان، أم لا؟ هو الخلاف في المشترك، والبحث هو البحث سؤالًا، وجوابًا (٢)، والله أعلم. قوله: "الحقيقة لفظ مستعمل".

стр. 524

أقول: الحقيقة -لغة- فعيل بمعنى الفاعل من حَقَّ الشيء إذا ثبت، والتاء فيه للنقل من الوصفية إلى الاسمية. واصطلاحًا: ذات الشيء (١)، ولما كان اللفظ -بالنسبة إلى المعنى الموضوع له -ثانيًا- له بحسب الوضع، فكأنه ذات المعنى، وبالنسبة إلى المعنى المجازي كالعارض له سمي حقيقة جريًا على الاصطلاح. قوله: "لفظ" جنس يشمل الحقيقة، وغيرها، وقوله: "مستعمل"، يخرج اللفظ قبل الاستعمال: لأنه ليس بحقيقة، كما أنه ليس بمجاز، وقوله: ["فيما"] (٢) وضع له، يخرج المجاز، والغلط كقولك: خذا هذا الفرس مشيرًا إلى كتاب. قوله: "ابتداء"، يشمل الحقيقة اللغوية، والعرفية، والشرعية، كالأسد، والدابة، والصلاة، أما اللغوية (٣) [فظاهرة] (٤) وأما

стр. 525

العرفية، والشرعية، فلأن الدابة وإن كانت -لغة- لكل ما يدب على الأرض، لكن عرفًا خصت بالفرس، وقيل: بذوات القوائم الأربع، فبالنظر إلى العرف وضع ابتداء، ولا ينافي كون اللغة ابتداء أيضًا، وقس عليه الصلاة- مثلًا- فإنها -في اللغة- وضعت للدعاء، وفي الشرع للأركان المخصوصة، ويصدق أن اللفظ وضع لكل منهما ابتداء كما عرفت (١). وعبارة المصنف أولى من عبارة الشيخ ابن الحاجب: "الحقيقة اللفظ المستعمل في وضع أول" (٢): لأنه يشكل بالحقيقة التي لا مجاز لها (٣)، ولا اشتراك فلا وضع آخر، اللهم إلا أن يقال: يُكتفَى بالفرض والتقدير، وهو بعيد. وزاد جمهور المحققين (٤): اصطلاح التخاطب، ورأوا الحد بدونه مختلًا: لأنه إذا كان اصطلاح التخاطب لغة مثلًا، واستعمل لفظ الصلاة

стр. 526

في الأركان المخصوصة يكون مجازًا؛ لأنه وإن كان لفظ الصلاة يصدق عليه أنه موضوع للأركان ابتداء، ولكن ليس في اصطلاح التخاطب، وكذلك إذا كان اصطلاح التخاطب هو الشرع يكون عكس القضية، وقس عليه العرف، وترك المصنف ذلك القيد: لأن ترتيب الحكم على المشتق يشعر بعلية المشتق منه، فكأنه قيل: لفظ مستعمل فيما وضع له ابتداء من حيث إنه موضوع له. ولا شك أن استعمال اللغوي لفظ الصلاة في الأركان ليس من حيث إنه موضوع له، بل لعلاقة بينه وبين الموضوع له، كما سيأتي في المجاز إن شاء الله تعالى. هذا، ولكن يتوجه على الكل إيراد آخر أقوى منه، وهو أنه إما أن يراد بالوضع الشخصي، أو النوعي، وكلاهما غير مستقيم. أما الأول: فلأنه يخرج كثير من الحقائق: لأنا قد قدمنا أن المنسوب، والمصغر، وجميع المركبات، وبالجملة كل ما يكون دلالته بحسب الهيئة لا المادة، موضوع بالنوعي، مع أنها حقائق اتفاقًا. وإن أريد أعم من الشخصي، والنوعي دخل المجاز لأنه موضوع بالنوع أيضًا. والجواب: أن المراد بالوضع، أعم من الشخصي، والنوعي، ولا يدخل المجاز، تحقيق ذلك: أن الواضع إما أن يعين لفظًا بإزاء معنى كالفرس، والرجل، ولا ريب في أن هذا من الحقيقة.

стр. 527

وإما أن يعين اللفظ للمعنى في ضمن قاعدة كلية مثل أن يقول: المنسوب كل لفظ ألحق بآخره ياء مشددة، واسم الفاعل من الثلاثي يكون على فاعل، فمثل هذا يكون حقيقة: لأن اللفظ يدل على المعنى الموضوع له المعين بلا قرينة. وقد يكون الوضع النوعي بقاعدة من واضع اللغة بأن يقول: إذا وضع اللفظ بإزاء [معنى] (١) معين، ثم منع من إرادته مانع من قرينة صارفة، كما إذا قيل: رأيت أسدًا (٢) على المنبر يخطب، فذلك اللفظ مستعمل فيما يتعلق بالموضوع له تعلقًا خاصًا، ومثل هذا مجاز. والحاصل: أن الوضع -عند الإطلاق- يراد به اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه سواء كان ذلك التعيين بأن يفرد اللفظ بعينه للمعنى بالتعيين، أو يدرج في القاعدة الدالة على التعيين إذ لا يحتاج في كليهما إلى القرينة، وانتفاء القرينة الصارفة دليل الحقيقة. فإذا قلت: رأيت الأسود على السروج من حيث إن المراد بها الشجعان بقرينة السروج، فاللفظ مجاز من حيث إنه جمع محلَّى باللام، وقد ثبت عن الواضع أن كل محلَّى باللام للعموم، فهذا الجمع للعموم حقيقة، فتدبر، والله أعلم. قوله: "ووقعَ الأُوليان".

стр. 528

أقول: الحقيقة اللغوية [والعرفية] (١) -كالأسد للحيوان المفترس، والدابة لذوات القوائم الأربع- لم يخالف في [إمكانها، بل وقوعها. [وأما الشرعية] (٢) أصلية كانت، أو فرعية، ففيها خلاف. قال شرذمة لا يعتد بهم بعدم] (٣) إمكانها مطلقًا (٤)، ويشبه أن يكون القائل بهذا هو القائل بأن بين اللفظ والمعنى مناسبة ذاتية، ومع سقوطه بديهة، وبما قدمنا من الدليل على بطلانه يرد عليهم العرفية لقولهم: بجوازها، مع أن علة المنع مطردة. ثم الجمهور على وقوع الشرعية، الفرعية كالصلاة للأركان المقصودة المخصوصة. لنا -على مختار الجمهور-: أن الصلاة، والزكاة، والحج -لغة- الدعاء، والنماء، والقصد مطلقًا، ولا شك أن الشارع لم يوجب تلك

стр. 529

المعاني، بل أوجب غيرها بتلك الألفاظ من غير قرينة، فتكون حقائق في عرفه، ولم يعن بالشرعي إلا ذلك (١). قالوا: مستعمل في اللغة، والقيود المذكورة، والزيادات المعتبرة شروط لوقوع الفعل على المطلوب شرعًا إذا الصلاة الواجبة هي الدعاء، ولكن شُرِط مع الدعاء الركوع والسجود، وكذلك ما يتوهم من الحقائق الشرعية على هذا النمط. الجواب: النقض بالأخرس المنفرد إذ هو مُصَلٍّ إجماعًا من غير دعاء، ولا اتباع لداع. قالوا -ثانيًا-: مجازات، قلنا -لغة-: ممنوع إذ لم يَعْرِف أهل اللغة هذه المعاني، وشرعًا هو المدعَى، وأيضًا من علامات الحقيقة السبق إلى الفهم. ولا شك: أن لفظ الصلاة إذا أطلق يتبادر الفهم إلى تلك الأركان، ولم يخطر الدعاء بالخاطر. قالوا -ثالثًا-: لو كان كذلك لفهَّمها الشارع المكلفين، وإلا يكون تكليفًا بالمحال، ولو فهَّمها لنقل إلينا: لأنا مكلفون مثلهم، والآحاد في مثله لا يفيد، ولا تواتر. قلنا: يعلم بالتكرار، والقرائن كما في تعلُّم الأطفال اللغات.

стр. 530

قالوا -رابعًا-: لو وقعت لوقع في القرآن بعضها لا محالة، ولم يكن القرآن عربيًا: لأن المدعَى أن العرب لم تفهم معناها، ولا هي من موضوعات العرب. الجواب: عربية [بوضع] (١) الشارع، ولا تنافي، ولو سلم لم يخرج القرآن بذلك [عن كونه] (٢) عربيًا إذ ما غالبه عربب، فهو عربب كشِعْر غالبه عربي، أو المراد بكون القرآن عربيًا عربي أسلوبه. وذهبت المعتزلة: إلى وقوعها مطلقًا فرعية -كما ذكرنا- أو أصلية كالإيمان، والكفر (٣). واستدلوا: بأن الإيمان -لغة- التصديق، وشرعًا هو العبادات: لأنها الدين المعتبر لقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] مشيرًا إلى فعل العبادات، والدين: الإسلام، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] والإسلام هو الإيمان لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وعورض بقوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]. قالوا: لو كان الفاسق مؤمنًا لم يكن مخزيًا بدليل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التحريم: ٨].
следующие страницы →