← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 132415

الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (1 869 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

في الأركان المخصوصة يكون مجازًا؛ لأنه وإن كان لفظ الصلاة يصدق عليه أنه موضوع للأركان ابتداء، ولكن ليس في اصطلاح التخاطب، وكذلك إذا كان اصطلاح التخاطب هو الشرع يكون عكس القضية، وقس عليه العرف، وترك المصنف ذلك القيد: لأن ترتيب الحكم على المشتق يشعر بعلية المشتق منه، فكأنه قيل: لفظ مستعمل فيما وضع له ابتداء من حيث إنه موضوع له. ولا شك أن استعمال اللغوي لفظ الصلاة في الأركان ليس من حيث إنه موضوع له، بل لعلاقة بينه وبين الموضوع له، كما سيأتي في المجاز إن شاء الله تعالى. هذا، ولكن يتوجه على الكل إيراد آخر أقوى منه، وهو أنه إما أن يراد بالوضع الشخصي، أو النوعي، وكلاهما غير مستقيم. أما الأول: فلأنه يخرج كثير من الحقائق: لأنا قد قدمنا أن المنسوب، والمصغر، وجميع المركبات، وبالجملة كل ما يكون دلالته بحسب الهيئة لا المادة، موضوع بالنوعي، مع أنها حقائق اتفاقًا. وإن أريد أعم من الشخصي، والنوعي دخل المجاز لأنه موضوع بالنوع أيضًا. والجواب: أن المراد بالوضع، أعم من الشخصي، والنوعي، ولا يدخل المجاز، تحقيق ذلك: أن الواضع إما أن يعين لفظًا بإزاء معنى كالفرس، والرجل، ولا ريب في أن هذا من الحقيقة.

стр. 527

وإما أن يعين اللفظ للمعنى في ضمن قاعدة كلية مثل أن يقول: المنسوب كل لفظ ألحق بآخره ياء مشددة، واسم الفاعل من الثلاثي يكون على فاعل، فمثل هذا يكون حقيقة: لأن اللفظ يدل على المعنى الموضوع له المعين بلا قرينة. وقد يكون الوضع النوعي بقاعدة من واضع اللغة بأن يقول: إذا وضع اللفظ بإزاء [معنى] (١) معين، ثم منع من إرادته مانع من قرينة صارفة، كما إذا قيل: رأيت أسدًا (٢) على المنبر يخطب، فذلك اللفظ مستعمل فيما يتعلق بالموضوع له تعلقًا خاصًا، ومثل هذا مجاز. والحاصل: أن الوضع -عند الإطلاق- يراد به اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه سواء كان ذلك التعيين بأن يفرد اللفظ بعينه للمعنى بالتعيين، أو يدرج في القاعدة الدالة على التعيين إذ لا يحتاج في كليهما إلى القرينة، وانتفاء القرينة الصارفة دليل الحقيقة. فإذا قلت: رأيت الأسود على السروج من حيث إن المراد بها الشجعان بقرينة السروج، فاللفظ مجاز من حيث إنه جمع محلَّى باللام، وقد ثبت عن الواضع أن كل محلَّى باللام للعموم، فهذا الجمع للعموم حقيقة، فتدبر، والله أعلم. قوله: "ووقعَ الأُوليان".

стр. 528

أقول: الحقيقة اللغوية [والعرفية] (١) -كالأسد للحيوان المفترس، والدابة لذوات القوائم الأربع- لم يخالف في [إمكانها، بل وقوعها. [وأما الشرعية] (٢) أصلية كانت، أو فرعية، ففيها خلاف. قال شرذمة لا يعتد بهم بعدم] (٣) إمكانها مطلقًا (٤)، ويشبه أن يكون القائل بهذا هو القائل بأن بين اللفظ والمعنى مناسبة ذاتية، ومع سقوطه بديهة، وبما قدمنا من الدليل على بطلانه يرد عليهم العرفية لقولهم: بجوازها، مع أن علة المنع مطردة. ثم الجمهور على وقوع الشرعية، الفرعية كالصلاة للأركان المقصودة المخصوصة. لنا -على مختار الجمهور-: أن الصلاة، والزكاة، والحج -لغة- الدعاء، والنماء، والقصد مطلقًا، ولا شك أن الشارع لم يوجب تلك

стр. 529

المعاني، بل أوجب غيرها بتلك الألفاظ من غير قرينة، فتكون حقائق في عرفه، ولم يعن بالشرعي إلا ذلك (١). قالوا: مستعمل في اللغة، والقيود المذكورة، والزيادات المعتبرة شروط لوقوع الفعل على المطلوب شرعًا إذا الصلاة الواجبة هي الدعاء، ولكن شُرِط مع الدعاء الركوع والسجود، وكذلك ما يتوهم من الحقائق الشرعية على هذا النمط. الجواب: النقض بالأخرس المنفرد إذ هو مُصَلٍّ إجماعًا من غير دعاء، ولا اتباع لداع. قالوا -ثانيًا-: مجازات، قلنا -لغة-: ممنوع إذ لم يَعْرِف أهل اللغة هذه المعاني، وشرعًا هو المدعَى، وأيضًا من علامات الحقيقة السبق إلى الفهم. ولا شك: أن لفظ الصلاة إذا أطلق يتبادر الفهم إلى تلك الأركان، ولم يخطر الدعاء بالخاطر. قالوا -ثالثًا-: لو كان كذلك لفهَّمها الشارع المكلفين، وإلا يكون تكليفًا بالمحال، ولو فهَّمها لنقل إلينا: لأنا مكلفون مثلهم، والآحاد في مثله لا يفيد، ولا تواتر. قلنا: يعلم بالتكرار، والقرائن كما في تعلُّم الأطفال اللغات.

стр. 530

قالوا -رابعًا-: لو وقعت لوقع في القرآن بعضها لا محالة، ولم يكن القرآن عربيًا: لأن المدعَى أن العرب لم تفهم معناها، ولا هي من موضوعات العرب. الجواب: عربية [بوضع] (١) الشارع، ولا تنافي، ولو سلم لم يخرج القرآن بذلك [عن كونه] (٢) عربيًا إذ ما غالبه عربب، فهو عربب كشِعْر غالبه عربي، أو المراد بكون القرآن عربيًا عربي أسلوبه. وذهبت المعتزلة: إلى وقوعها مطلقًا فرعية -كما ذكرنا- أو أصلية كالإيمان، والكفر (٣). واستدلوا: بأن الإيمان -لغة- التصديق، وشرعًا هو العبادات: لأنها الدين المعتبر لقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] مشيرًا إلى فعل العبادات، والدين: الإسلام، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] والإسلام هو الإيمان لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وعورض بقوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]. قالوا: لو كان الفاسق مؤمنًا لم يكن مخزيًا بدليل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التحريم: ٨].

стр. 531

الجواب: أنه مخصوص بالصحابة، أو كلام مستأنف، وسيأتي تحقيق هذا في علم الكلام في هذا الكتاب على وجه أبسط إن شاء الله تعالى. وتوقف الآمدي في المسألة، فلم يجزم بشئ (١). وقول المصنف: " [ومعنى الشرعي: ما لم يُستفد اسمُه إلا من الشرع، وقد يطلق على المندوب، والمباح"] (٢) - بعد أن قدم أن الحقيقة لفظ مستعمل فيما وضع له ابتداء، وأن الحد شامل للشرعية -كلام قليل الجدوى إذ قد علم ذلك، مع أن قوله: "وقد يطلق على المندوب والمباح"-، خارج عن البحث (٣): لأن قولهم: المباح مشروع معناه: فعل تعلق [به حكم الشارع: لا أن الشارع وضع بإزائه لفظًا كالصلاة، والزكاة، فتأمل] (٤). [قوله: "والمجاز] (٥): اللفظ المستعمل بوضع ثان لعلاقة".

стр. 532

أقول: عرف المجاز بأنه اللفظ المستعمل (١) فخرج المهمل، وما لم يستعمل. وقوله: "بوضع ثان"، أخرج الحقيقة مطلقًا (٢) لما سبق من الاستعمال فيها بوضع أول. وقوله: "العلاقة" أخرج الغلط [من الألفاظ] (٣) وما نقل من الأعلام لغير علاقة، كأسد وكلب. واعلم: أن الحقيقة، والمجاز (٤) من الألفاظ المشتركة بين العقلي، واللغوي، فالحقيقة العقلية: إسناد الفعل، أو شبهه إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر، والمجاز العقلي: إسناد الفعل أو شبهه إلى غير ما هو له لملابسة بين الفعل، وبينه كقولك: سرتني رؤيتك، وأنبت الربيع البقل. واختيار السكاكي: أن ما يتوهم كونه مجازًا عقليًا داخل في سلك الاستعارة بالكناية، وليس قسمًا على حدة (٥).

стр. 533

والشيخ ابن الحاجب أنكره رأسًا قال: "وقول عبد القاهر -في نحو أحياني اكتحالي بطلعتك-: إن المجاز في الإسناد بعيد". قال المولي المحقق -في شرحه-: "لاتحاد الجهة، فإنه لا فرق في اللغة بين قولنا: سرني رؤيتك، وبين ضرب زيد، ومات عمرو" (١). والحاصل: أن يجعل الفعل مجازًا عن التسبب العادي، فإذا قلت: صام نهاره معناه: نسبت نهاره للصوم، وإذا قلت: أنبت الربيع البقل: نسبت الربيع لحصول الفعل، وهذا تعسف ظاهر لا حاجة إليه، مع أنه مخالف لعلماء العربية، ولا يستقيم في مثل جَدَّ جِدُّ إذ لا معنى للتسبب هنا. وإن شئت ضبط الكلام في هذا المقام، قلت: لا شك أن إسناد الفعل إلى شيء يقتضي قيامه به، وإذا أسند إلى غير ما هو له من المصدر، والزمان، والمكان، فلا بد من صرفه عن ظاهره بتأويل إما في المعنى، أو في اللفظ، واللفظ إما المسند، أو المسند إليه، أو الهيئة التركيبية الدالة على الإسناد. الأول: مذهب الشيخ عبد القاهر، وعليه أطبق علماء البيان (٢)، فالمجاز -عندهم- بحسب الفعل حيث أسند الفعل إلى غير ما يقتضي [الفعل] (٣) إسناده إليه بتأويل.

стр. 534

الثاني: أن المسند مجاز عن المعنى الذي يصح إسناده إلى المسند إليه المذكور، وهو معنى التسبب الذي أشرنا إليه، وإليه ذهب الشيخ ابن الحاجب (١). الثالث: أن المسند إليه استعارة بالكناية عما يصح الإسناد إليه حقيقة، والإسناد قرينة الاستعارة [وهو مختار السكاكى] (٢). الرابع: إن شُبِّه تلبَّس غير الفاعل (٣) بتلبسه، فيكون تشبيه حالة بأخرى، كقولك: أراك أيها الفتى تقدم رِجلًا، وتؤخر أخرى، فيكون استعارة تمثيلية، وهذا لم يذهب إليه أحد، وإنما أبداه احتمالًا بعض الأفاضل (٤).

стр. 535

هذا، وقد علمت: أن اللفظ بعد الوضع، وقبل الاستعمال ليس بحقيقة، ولا مجاز، ويعلم ضرورة: أن قبل الوضع لا يعقل مجاز، ولا حقيقة (١)، وأما وجود الحقيقة بدون المجاز: بأن يوضع لفظ المعنى، ولا يستعمل في غيره متفق على جوازه (٢). وعكسه: وهو أن يوجد لفظ لم يستعمل في معناه الحقيقي أصلًا مختلف فيه (٣).

стр. 536

احتج القائل - بعدم الجواز -: بأن الوضع إنما يكون لإفادة الألفاظ معانيها، وإذا لم يستعمل [في الموضوع له] (١) انتفت فائدته. الجواب: لا نسلم حصر الفائدة فيما ذكرتم: لأن استعماله في المجاز لاتصاله بالموضوع له فائدة جليلة. والحق الذي لا محيد عنه: أن المجاز إن كان لغويًا، فلا بد له من معنى حقيقي إذا استعمل فيه اللفظ يكون حقيقة، وذلك: لأن الاستعمال في غير الموضوع له لا يعقل بدون تحقق الموضوع له. وإن كان المجاز عقليًا، فلا بد من شئ إذا أسند إليه كان حقيقة: لأن الإسناد إلى غير ما هو له فرع لتحقق ما هو له، [هذا ما اختاره الإمام، والسكاكي (٢)، خلافًا للشيخ عبد القاهر، مستدلًا بقولهم: أقدمني بلدك حق لي عليك، فإنه لا يوجد فاعل حقيقي لو أسند إليه الفعل كان حقيقة] (٣).

стр. 537

وأما تحقق الاستعمال، فلا تدعو إليه ضرورة، وكذا وجود الإسناد إلى ما هو له مما لا يحتاج إليه. وأما تفصيل المصنف بقوله: "والأصح لما عدا المصدر"، ومعناه -على ما نقل (١) عنه-: أن لفظ المشتق كالرحمن مثلًا، وإن لم يستعمل حقيقة قط إذ لا يستعمل في غير الله، واستعماله فيه حقيقة محال (٢)، وهذا

стр. 538

المجاز لا بد وأن يستعمل مصدره المشتق منه حقيقة، كالرحمة - فشئ لا يساعده عقل، ولا نقل. أما الأول: فلأن المشتق موضوع بوضع مغاير للمشتق منه بلا ريب، وإذا كان كذلك، فأي لزوم في أن اللفظ المشتق إذ كان مجازًا يكون مصدره مستعملًا في معناه الموضوع له ليصير حقيقة؟ [وإن جنح] (١) إلى الاستقراء، والتتبع لكلام البلغاء، واستعمالاتهم، وأنَّى يتم له ذلك! ؟ وكيف السبيل إلى الإحاطة بجزئيات المشتق بأسرها؟ وإن نظر إلى لفظ الرحمن، وأن مصدره مستعمل في معناه الحقيقي، فذلك لم يخالف فيه أحد، ولكن لا يجدي نفعًا. وأما الثاني: فلأن علماء البيان، والأصول مطبقون على ما ذكرنا من عدم التفرقة، وإن خالف فيه أحد، فلا يلتفت إليه لمخالفته العقل والنقل. والعجب: كيف يخفى عليه فساد مثل هذا حتى لم يرض بذكره احتمالًا بل اتخذه مذهبًا (٢)؟ . وتحرير هذه المباحث على هذا الوجه لا تجده في غير كلامنا، والله الموفق. قوله: "وهو واقع خلافًا للأستاذ".

стр. 539

أقول: المجاز واقع في كلام العرب (١)، خلافًا للشيخ أبي إسحاق الاسفراييني، وأبي عليّ الفارسي (٢)، مطلقًا، أي: في شئ من كلام العرب (٣)، وليس لهم دليل سوى الاستبعاد (٤).

стр. 540

والحق: أن فساد هذا المذهب، أظهر من أن يحتاج إلى الاشتغال به. وهو واقع في القرآن، والحديث، خلافًا للظاهرية (١).

стр. 541

لنا - على وقوعه في القرآن -: "قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي أهل القرية، فهو مجاز بالنقصان: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] إذ ليس الواقع جزاء سيئة حقيقة، وقوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤]، وقوله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ٢٤]. قالوا - أولًا -: لو وقع يلزم الكذب: لأنه يصدق نفيه، فلا يصدق هو، وإلا يلزم الإثبات، والنفي معًا. قلنا: محل الحكم مختلِف إذ النفى للحقيقة، والإثبات للمجاز، فلا محذور. قالوا - ثانيًا -: يكون البارى متجوزًا، ولا يطلق (١) عليه. قلنا: عدم الإطلاق: لعدم الإذن لا لعدم الصحة لغة، والكلام فيه. ولما كانت الحقيقة أصلًا، والمجاز فرعًا، فلا يعدل من الأصل إلى الفرع إلَّا لنكتة يعتد بها، وهي: إما كون الحقيقة أثقل على اللسان من لفظ المجاز كالخنفقيق للداهية، أو كون لفظ الحقيقة كريهًا في السمع، فيعدل إلى المجاز، كالغائط أصله المكان [المنخفض] (٢) أطلق مجازًا على قضاء الحاجة،

стр. 542

أو كون المتكلم، أو المخاطب جاهلًا بلفظ الحقيقة، أو كون المجاز أشهر، أو للوزن، أو للقافية، أو للسجع (١). والمجاز - في الكلام، وإن كان كثيرًا - فليس بغالب خلافًا لابن جني (٢) من أئمة العربية. وشبهته: أنك إذا قلت: رأيت زيدًا، أو ضربته قلمًا، يكون رأيت جميع أجزائه، أو وقع ضربك عليها (٣)، وهو مردود إذ الألفاظ المذكورة قد استعملت في الموضوع لها، وأما أن المرئي بعض، أو كلّ لا دخل له في كون اللفظ حقيقة، بل لو لم ير من زيد شيئًا، وقال: رأيت زيدًا يكون حقيقة، غايته: أن القضية تكون كاذبة. قوله: "ولا معتمدًا حيث يستحيل المعنى"، يريد أن المجاز خلَف يعدل إليه الصارف عن إرادة المعنى الحقيقي، فيستدعي إمكان المعنى الحقيقى.

стр. 543

خلافًا للإمام أبي حنيفة، حيث لم يشترط الإمكان حتى لو قال - لعبد معروف النسب، وهو أكبر سنًا منه -: هذا ابني، يعتق عنده، وعند صاحبيه - وفاقًا للجمهور - لا يعتق، ويكون هذا لغوًا من الكلام (١). دليل الجمهور: أن الأصالة، والخلفية إنما يعتبران في الحكم الذي هو المقصود من الكلام. وله: أن الحقيقة، والمجاز من أوصاف اللفظ، فالأصالة، والخلفية في التكلم الذي هو إخراج اللفظ من العدم إلى الوجود لا في الحكم. والحق: أن إمكان المعنى الحقيقي على ما ذهب إليه الجمهور مشكل: لأن كثيرًا من المجازات الواقعة في كلام العرب، بل في كلام الله تعالى مما لا إمكان لمعانيها الحقيقية مثل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] (٢)،

стр. 544

و: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] (١)، وأما إذا كان المعنى الحقيقي ممكنًا، كما إذا قال للأصغر سنًّا - منه بحيث يولد مثله لمثله - فالمذهب عندنا، وعندهم حصول العتق، وإن كان معروف النسب (٢)، إطلاقًا للملزوم وإرادة اللازم، فيكون مجازًا مرسلًا، والعلاقة اللزوم. قوله: "وهو والنقل خلاف الأصل".

стр. 545

أقول: قد تقدم: أن الأصل يطلق، ويراد به الراجح تارة، وهو المراد هنا، يعني إذا وقع لفظ في أي استعمال كان، وله معنى حقيقي، ومعنى مجازي، فالحمل على الحقيقى واجب: لكونه راجحًا، والعمل بالراجح واجب، ولا يجوز الحمل على المجاز إلَّا بعد قيام قرينة صارفة، وكذا المنقول عنه أصل، بالنظر إلى المنقول إليه، والعلة ما ذكرناه في الحقيقة والمجاز (١). قوله (٢): "وأولى من الاشتراك". أقول: يريد بيان تعارض ما يخل بالفهم، وهو ما يكون خلاف الأصل. فقال: المجاز، والنقل أولى من الاشتراك، أما المجاز، فلأن لفظ النِّكَاح مثلًا يحتمل أن يكون حقيقة في الوطء، مجازًا في العقد، وأن يكون مشتركًا. المختار -عند الجمهور-: أن المجاز أولى لكثرة مفاسد الاشتراك وفوائد المجاز. أما مفاسد الاشتراك [فمنها: أن يخل بالتفاهم عند خفاء القرائن دون المجاز إذ حينئذ يحمل على الحقيقة.

стр. 546

ومنها: ] (١) أنه ربما يؤدي إلى خلاف المراد، كما إذا قال: طلق في القرء، فربما يفهم منه جواز الطلاق في الحيض، وهو نقيض المراد، وذلك من آفة الاشتراك. ومنها: أنه يحتاج إلى القرينة لكل معنى وضع بخلاف المجاز، فإنه يستغي بقرينة. وأما فوائد المجاز: فمنها أنه أغلب في كلام العرب بخلاف الاشتراك، فيلحق المتنازع فيه بالأعم الأغلب. ومنها: أنه أبلغ بإطباق البلغاء: لأنه كالدعوي، مع البينة نحو: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤]، أين هذا من قولك: شاب رأسى؟ ! ومنها: أنه يكون أوفق بحسب المقام لعذوبة فيه، أو لثقل الحقيقة هكذا قيل (٢)، وفيه نظر: لأن العذوبة، والثقل من أوصاف اللفظ. والفرض: أن اللفظ واحد دائر بين كونه مشتركًا بين المعنيين، أو حقيقة في أحدهما، مجازًا في الآخر، فلا يتأتى ما ذكره. ومنها: أنه يتوصل بحمله على المجاز إلى أنواع من محاسن البديع (٣)،

стр. 547

كالسجع (١) نحو: حمار ثرثار، والمقابلة (٢): نحو صنعت للأشهب الأدهم (٣)، أو إلى الروي نحو: عارضننا أُصُلًا فقلنا الربربُ ... حتى تبدَّى الأُقحوانُ الأشنبُ (٤) ولو قال: سنهن الأبيض، فسد عليه الشعر.

стр. 548

وقد عورض هذا الاستدلال: بأن فوائد الاشتراك لا توجد في المجاز، ومفاسد المجاز لا توجد في الاشتراك، فتعارضا، تساقطا، إذ من فوائد الاشتراك صحة الاشتقاق من اللفظ بالمعنيين. ومنها: أنه مستغن عن العلاقة، ومنها: عدم مخالفة الظاهر دونه، ومنها: عدم الغلط عند عدم القرينة. والحق: ما اختاره بعض المحققين (١) من أن الأغلبية سالمة عن المعارض، فيتم به ما ذهب إليه الجمهور (٢). والنقل - أيضًا -: أولى من الاشتراك (٣) مثاله: الزكاة، يحتمل أن يكون لفظًا [مشتركًا] (٤) بين النماء، والقدر المخرج من المال، وأن يكون موضوعًا للنماء، ونقله الشرع إلى القدر المخرَج، وإنما كان أولى: لأنه لا إجمال فيه قبل النقل [وبعده] (٥) لإفراد مدلوله في الحالتين.

стр. 549

والإمام - في "المحصول" - اعترض: بأن الاشتراك لم ينكره أحد من المعتبرَين، والنقل أنكره كثير من المحققين. الثاني: أن الاشتراك إن وجد فيه القرينة عمل به، وإن لم توجد يتوقف فيه، وعلى كلا التقديرين لا محذور، وأما النقل، فربما لا يعرف النقل الجديد، فيحمل على المعهود الأول، فيقع الغلط في العمل. الثالث: أن الاشتراك ربما يكون بوضع واحد مثل أن يقول المتكلم: وضعت هذا اللفظ لهذا [ولهذا بالاشتراك، وأما النقل، فيتوقف على وضعه أولًا، ثم على نسخه ثانيًا، ثم على وضعه وضعًا جديدًا] (١)، والموقوف على أمر واحد أولى من الموقوف على أمور كثيرة (٢). ثم قال: "الجواب: أن الشرع إذا نقل اللفظ عن معناه اللغوي إلى معناه الشرعي، فلا بد وأن يشتهر ذلك اللفظ، ويبلغه حد التواتر، وعلى هذا تزول المفاسد كلها" (٣). قلت (٤): أما قوله: "أنكر النقل كثير من المحققين" ممنوع: لأنك إذا استقريت كلام أهل العربية، والأصول، والمعقول لا ترى محققًا إلَّا وهو قائل به.

стр. 550

وأما قوله: "إن وجد القرينة في الاشتراك عمل به، وإلا يتوقف فيه" كلام باطل على أصله إذ عند عدم القرينة يحمل على المعنيين وجوبًا عند الشافعي كما تقدم. قوله: "وأما النقل، فربما لا يُعْرَف النقل الجديد، فيحمل على المعهود الأول" كلام مختل إذ الفرض أن اللفظ دار بين كونه منقولًا، أو مشتركًا، فكيف يستقيم قوله: فلا يعرف النقل الجديد إذ الكلام فيما إذا لم يعلم، ويحتمل الأمرين؟ وأما قوله: "الاشتراك ربما يكون بوضع واحد" كلام لا يعقل إذ الكلام في المشترك لفظًا، ولم يقل أحد: إنه بوضع واحد يتصور، بل ذاك المشترك المعنوي: كالإنسان، والحيوان (١). وأما قوله - في الجواب -: "إن الشرع إذا نقل اللفظ يبلغه حد التواتر" (٢)، فكلام باطل من وجوه: الأول: أن الكلام في المنقول مطلقًا لا في المنقول شرعًا. الثاني: أن الكلام فيما إذا لم يعلم كونه منقولًا، ولا مشتركًا كما تقدم، وأما إذا علم كونه منقولًا ليس محلًا للنزاع.

стр. 551

الثالث: أن الحكم - على الشارع بأنه إذا نقل لفظًا يبلغه حد التواتر - لا يصح لا نقلًا، ولا عقلًا، أما نقلًا فواضح، وأما عقلًا، فلأن أكثر الأحكام الشرعية إلى أمر بالتبليغ فيها إنما تثبت بالآحاد، فبأي علة امتاز النقل في الألفاظ حتى وجب أن يبلغه حد التواتر؟ قوله: "قيل: ومن الإضمار". أقول: ذكر المصنف أنه قيل: النقل، والمجاز أولى من الإضمار، إشارة إلى أن المختار عنده أن الثلاثة متساوية. والحق: أن المجاز خير من النقل (١): لأن المجاز لا يستلزم نسخ الأول، بخلاف النقل كالصلاة في عرف الشرع. وأما المجاز والإضمار، فسيان لاستوائهما في استدعاء القرينة (٢)، فإذا وقع التعارض بقي اللفظ مجملًا إلى أن تظهر قرينة مرجحة لأحدهما، ومن رجح المجاز على الإضمار نظر إلى شيوعه، وكثرة وروده في كلام البلغاء.

стр. 552

مثاله: قول القائل - لمن ليس بابن له -: هذا ابني، يحتمل أن يكون مجازًا مرسلًا، أي: معزَّز، إطلاقًا للملزوم، وإرادة للازمه، وأن يكون المضاف مقدرًا، أي: مثل ابني. ومثال تعارض النقل، والإضمار قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] قيل: أخذه، فإذا سقط صح البيع، وقيل: الربا منقول إلى العقد، فيفسد، وإن طرحت الزيادة، فلا يصح البيع. إلى الأول: ذهب أبو حنيفة، وإلى الثاني: الشافعي ﵄ (١). قوله: "والتخصيص أولى منهما". أقول: التخصيص أولى من النقل والمجاز، يعني أن اللفظ إذا احتمل الثلاثة، فالحمل على التخصيص أولي، أما أنه أولى من المجاز، فلأن الباقي بعد التخصيص متعين، بخلاف المجاز، فإن اللفظ ربما كان له مجازات متساوية، فالمتعين أقرب إلى الفهم، فيكون أولى. وإذا كان أولى من المجاز، فيكون أولى من النقل: لأن المجاز أولى من النقل كما تقدم. مثاله: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]. قيل: بالتخصيص: لأن لفظ "ما" عام، فأخرج عنه الناسي، وإليه ذهب الإمام أبو حنيفة ﵀.

стр. 553

وقيل: ما ذبح لغير الله كما كان أهل الجاهلية يذبحون بأسماء آلهتهم فيكون (١) مجازًا (٢). فإن قلت: المجاز انتقال من الملزوم إلى اللازم، ولا يلزم من ترك اسم الله ذكر أسماء الآلهة. قلت: يكفى في المجاز اللزوم العرفي، ولما كان دأبهم ذلك كفى في اللزوم، وانتقال الذهن، وأما اللزوم العقلي إنما يعتبر عند المنطقيين، وأنت إذا تأملت في كلام البلغاء، وجدت المجازات أكثرها من هذا القبيل.

стр. 554

واعلم: أنَّا وإن قلنا: إن التخصيص أولى من المجاز لا يلزم من ذلك في هذه الآية إلزام الشافعي: لأن هذه الآية، وإن كان الظاهر منها ما ذكروه، لكن بعد التدقيق يجب المصير إلى ما ذهب إليه، وهو أن قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] جملة حالية لعدم جواز العطف على الإنشائية قبلها، ولا على الصلة لعدم استقامة المعني، تقديره: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه حال كون ذلك مقيدًا بالفسق. ومحصله: كلوا مما لم يذكر اسم الله عليه إلَّا في حالة كونه فسقًا، نظيره: قولك - لعبدك -: لا تضرب زيدًا، وهو يصلي، كيف لا، وقد ثبت: أن الأحوال قيود للأفعال، والمُقيَّد من حيث إنه مقيد ينتفى بانتفاء قيده، فالأكل المنهى عنه ينتفى بانتفاء كونه فسقًا. ثم الاحتمالات في التعارض خمسة (١)، وإذا قيس أحد الاحتمالات على البواقي يحصل عشر مسائل.

стр. 555

والمصنف لم يذكرها مفصلة إلَّا أنه يعلم من عبارته تلك العشرة: لأنه حكم - أولًا - بأن المجاز، والنقل أولى من الاشتراك، فقد علم مسألتان. ثم أشَار بقيل: إنهما أولى من الإضمار، فعلم مسألتان أخريان، فهذه أربع. وذكر أن التخصيص أولى من المجاز، والنقل، فهاتان، مع الأربع ست مسائل. وإذا علم: أن التخصيص أولى منهما، فهو أولى من الذي هما أولى منه، وهو الاشتراك، أو مساوٍ لهما، وهو الإضمار، فهاتان، مع تلك الست ثماني مسائل. والتاسعة: ما فهم من قيل، ومن الإضمار، وهو التساوي بين الثلاثة. والعاشرة: رجحان المجاز على النقل، كما قدمنا، وليس لكلام المصنف بذلك إشعار، وكأنه اختار التساوي، والأمر في ذلك سهل. قوله: "وقد يكون بالشكل". أقول: لما فرغ من ذكر التعارض شرع يبين ما هو ضروري في المجاز، وهي العلاقة، وهي - مطلقًا - أمر يتصل به المعنى المجازي بالمعنى

стр. 556

الحقيقي لينتقل الذهن من المعنى الحقيقى إليه لدى الإطلاق، أو يعقله، وقد اضطربت كلمتهم في ضبطها، حصرها بعض المحققين (١) في خمسة وجوه، واجتهد بعضهم (٢)، فبلغ حمسة وعشرين وجهًا (٣)، وحصرها بعضهم (٤) في تسعة والمصنف ضبطها في اثني عشر وجهًا: الأول: الشكل، كإطلاق الفرس على الصورة المنقوشة إذ هو حقيقة في الحيوان الصاهل، والعلاقة الشكل. الثاني: الصفة الظاهرة، كالأسد للشجاع، والعلاقة الشجاعة دون البخر، فإنه وصف خفى لا ينتقل الذهن بواسطته. الثالث: المآل، وهو ما يصير إليه قطعًا، إما لموجب هو البرهان، أي: الدليل القاطع نحو: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: ٣٠]، أو لعادة مستقرة كإطلاق لفظ الخمر على العصير بأن (٥) شأنه وعادته أن يصير خمرًا إن لم يعالج بمانع يمنعه. الرابع: الضد، نحو المفازة للمهلك، والتبشير للإنذار.

стр. 557

الخامس: المجاورة، كالراوية للمزادة، وهي اسم للجمل الذي يحمل المزادة. السادس: الزيادة، مثل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] على رأي من يقول: بزيادتها (١).

стр. 558

السابع: النقصان، نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] (١). الثامن: السبب للمسبب، نحو: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] (٢) أي: قدرته، ولما كان ظهور آثار القدرة على اليد في الأغلب عند سببًا لها. التاسع: الكل للبعض، نحو: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩] أي: بعضها. العاشر: إطلاق لفظ المتعلق على ما تعلق به، نحو: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] أي: مخلوقه. وعكسه الثلاثة: وهو إطلاق المسبب على السبب كإطلاق النبات على الغيث، نحو: أمطرت السماء نباتًا، وإطلاق الجزء على الكل نحو:

стр. 559

إطلاق العين على الجاسوس، وإطلاق اسم ما تعلق به الشيء على ذلك الشيء، نحو إطلاق لفظ المفعول على الفعل نحو: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] أي: الفتنة. الرابع عشر: إطلاق الفعل على القوة نحو: الخمر مسكر أي في الدَّن (١). قوله: "وقد يكون في الإسناد". أقول: المجاز كما يكون في المفرد، يكون في الإسناد نحو: أنبت الربيع البقل، وقد تقدم شرحه، مع الخلاف فيه. وكما يكون المجاز في الأسماء يكون في الأفعال، والحروف نحو: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وقوله: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] استعمل الماضي في معنى المضارع، ولفظ "في" بمعنى "على" (٢). قوله: "ومنع الإمام الحرفَ مطلقًا"، أي: لم يجوز المجاز في الحرف مطلقًا لا أصالة، ولا تبعًا، وليس في كلام [الإمام] (٣) شئ من هذا (٤).

стр. 560

قال - في المحصول -: "أما الحرف، فلا يدخل فيه المجاز بالذات: لأن مفهومه غير مستقل بنفسه" (١). وهذا موافق لكلام أهل العربية، والأصول، فإن البلغاء مطبقون على أن الاستعارة في الحرف تبعية. [قال صاحب المفتاح] (٢): "الاستعارة في الحروف تجري - أولًا - في متعلقاتها، ثم تسري فيها - ثم قال -: والمراد بمتعلقات الحروف ما يعبر به عن معناها كقولنا: من، معناها. ابتداء الغاية". تحقيق ذلك: أن ما اشتهر بين الناس أن "مِن"، معناها الابتداء، و "إلى" معناها الانتهاء، فيه تسامح، إذ لو كان الأمر على ظاهره لكانت هذه الحروف أسماء لدلالتها على معانيها. بل معنى "من" ابتداء خاص، ومعنى "إلى" انتهاء خاص لا يفهم بدون ذكر المتعلق قطعًا، فتجري الاستعارة - أولًا - في المتعلق، ثم في الحرف. ولهم في ذلك المتعلق خلاف: منهم من قال: هو المجرور بمن مثلًا في قولك: سرت من البصرة.

стр. 561

ومنهم من قال: المتعلق هو ذلك المعنى العام الذي يندرج فيه معنى الحرف، وسيأتي لهذا زيادة بيان في بحث الحروف إن شاء الله تعالى. وكذا قوله: "والفعل، والمشتق إلَّا تبعًا"، نسبته إليه لا وجه [له] (١) إذ أطبق أهل العربية، والأصول على أن الاستعارة [الواقعة] (٢) في الأفعال، والصفات تقع في المصادر أولًا، ثم تسري فيها. والسر في ذلك: أن وجه الشبه قائم بالطرفين [وقيامه بهما يقتضي أن يكون كلّ من الطرفين] (٣) موصوفًا به، ولا يصلح للموصوفية إلَّا الأسماء (٤). قوله: "وكذا في الأعلام" وإن كان يفهم منه الوصفية كحاتم، وأبي لهب، وما ذهب إليه المصنف خلاف ما عليه المحققون (٥)، إذ قالوا: إذا قلت: رأيت حاتمًا، وأردت به شخصًا معينًا، وإنما أطلقت عليه لفظ حاتم

стр. 562

بعد التشبيه به في الجود، فهو مجاز، لكونه استعارة تصريحية، وهي مجاز لغوي عند المحققين. وكذلك إذا قلت: رأيت اليوم أبا لهب، وأردت شخصًا معينًا، وقصدت كونه كافرًا مثله يكون استعارة. في ذكره الغزالي (١) (٢) هو كلام في غاية الحسن والدقة، فلا وجه لعدم قبوله. قوله: "ويعرف بتبادر غيره إلى الفهم". أقول: شرع يبين أمارات يعرف بها المجاز، وقد ذكر الأصوليون أن المجاز يعرف تارة بتصريح أهل اللغة به، أو بحده، أو بخاصة من خواصه [الأول: مثل أن يقولوا: هذا مجاز، والثاني: أن يقولوا: هذا مستعمل في غير ما وضع له، والثالث: أن يقولوا: هذا مشروط بالقرينة، أو يصح نفيه] (٣). وتارة: يعرف استدلالًا (٤)، والمصنف ترك القسم الأول لوضوحه وذكر للثاني وجوهًا.

стр. 563

منها: تبادر غيره إلى الفهم: لذا انتفاء القرينة عكس الحقيقة، فإنها تعرف بأن لا يتبادر غير المعنى الحقيقي لولا القرينة. وأورد المشترك إذا استعمل في معناه المجازي لعدم تبادر الغير إذ لا يدلُّ على شئ من معانيه الحقيقية إلَّا بالقرينة، فلا تبادر. والجواب: أنه عند انتفاء قرينة المجاز يدلُّ على أن المراد أحد المعاني، وإن لم يعلم على التعيين مراد المتكلم، وذلك كاف في تبادر غيره. ومنها: صحة النفي كقولك - للبليد -: حمار، إذ يصح في نفس الأمر سلبه، أي: سلب الحمار عنه، وإنما قيدنا بنفس الأمر لصحة قولنا: ما أنت بإنسان لغة، إذ الصحة اللغوية لا تقتضي صدق الكلام، فليفهم ذلك. وكما أن صحة النفي على الوجه المذكور علامة المجاز، عدم صحته على ذلك الوجه أمارة الحقيقة، ولذا لم يصح أن يقال - للبليد -: ليس بإنسان في نفس الأمر. فإن قيل: صحة النفي في المجاز تتوقف على أنه ليس شيئًا من معانيه الحقيقية، وكونه ليس شيئًا منها يتوقف على كونه مجازًا، فيكون دورًا، وكذلك في الحقيقة إذ عدم صحة النفي متوقف على كونه حقيقة، وكونه حقيقة موقوف على عدم الصحة المذكورة، فيكون دورًا صريحًا.

стр. 564

الجواب: أن الاعتراض المذكور إنما يتم أن لو أُطلِق لفظ على معنى، ولم يُعلَم أنه حقيقة فيه، أو مجاز، أما إذا عُلِم أن للفظ المستعمل معنى مجازيًا، ومعنى حقيقيًا، ولم يُعلَم أيهما مراد هنا لخفاء القرينة، فصحة نفي المعنى الحقيقي دليل على أن المجازي هو المراد، فيُعلَم أن اللفظ مجاز. مثلًا إذا قيل: طلع البدر علينا (١): من ثنيات الوداع (٢). وقد صح في هذا المقام أن يقال: إن الطالع ليس هو القمر الحقيقي علم أن المراد إنسان كالقمر، ويعلم مما ذكرنا حال الحقيقة. ومنها: عدم وجوب اطراده، والمراد بعدم الاطراد أن يستعمل لفظ لمعنى العلاقة، ثم لا يستعمل ذلك اللفظ، أو لفظ آخر في معنى آخر، مع وجود تلك العلاقة كالقرية تستعمل في أهلها نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي: أهلها، والعلاقة المحلية، مع [عدم] (٣) جواز استعمال البساط في أهله، مع وجود العلاقة.

стр. 565

وكالراوية تستعمل في المزادة للمجاورة، مع عدم جواز استعمال الشبكة في الصيد، مع وجود العلاقة المذكورة. وأشار بعدم الوجوب إلى أمرين: أحدهما: وجوب الاطراد في الحقيقة. والثاني: جواز الاطراد في بعض أفراد المجاز كالأسد للشجاع، فإنه مطرد. والحاصل: أن عدم الاطراد دليل المجاز، والاطراد ليس دليل الحقيقة. وأورد على الحقيقة: الفاضل، والسخي، والقارورة. توجيه الإيراد: أن هذه الألفاظ حقائق، مع أن الفاضل، والسخي لا يطلقان على الله، والقارورة لا تطلق على غير الزجاجة. الجواب: شرط الاطراد عدم المانع، وفي الأولين: المانع الشرعي، منع، وهو كون أسمائه توقيفية، وفي الثاني: المانع اللغوي إذ قُيِّد لدى الوضع بالزجاج. فإن قلت: قد صرح كثير من المحققين: أن المعنى إذا كان صحيحًا لا يتوقف في إطلاق الاسم عليه تعالى، فعلى ذلك الأصل هل يصح إطلاق الفاضل، والسخي عليه تعالى؟ قلت: لا؛ لأنهم شرطوا أن لا يكون اللفظ موهمًا بالنقص، ولفظ السخي، والفاضل إنما يستعمل حيث يكون المحل قابلًا للبخل، والجهل.
следующие страницы →