← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 132415

الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (1 869 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ومنهم من قال: المتعلق هو ذلك المعنى العام الذي يندرج فيه معنى الحرف، وسيأتي لهذا زيادة بيان في بحث الحروف إن شاء الله تعالى. وكذا قوله: "والفعل، والمشتق إلَّا تبعًا"، نسبته إليه لا وجه [له] (١) إذ أطبق أهل العربية، والأصول على أن الاستعارة [الواقعة] (٢) في الأفعال، والصفات تقع في المصادر أولًا، ثم تسري فيها. والسر في ذلك: أن وجه الشبه قائم بالطرفين [وقيامه بهما يقتضي أن يكون كلّ من الطرفين] (٣) موصوفًا به، ولا يصلح للموصوفية إلَّا الأسماء (٤). قوله: "وكذا في الأعلام" وإن كان يفهم منه الوصفية كحاتم، وأبي لهب، وما ذهب إليه المصنف خلاف ما عليه المحققون (٥)، إذ قالوا: إذا قلت: رأيت حاتمًا، وأردت به شخصًا معينًا، وإنما أطلقت عليه لفظ حاتم

стр. 562

بعد التشبيه به في الجود، فهو مجاز، لكونه استعارة تصريحية، وهي مجاز لغوي عند المحققين. وكذلك إذا قلت: رأيت اليوم أبا لهب، وأردت شخصًا معينًا، وقصدت كونه كافرًا مثله يكون استعارة. في ذكره الغزالي (١) (٢) هو كلام في غاية الحسن والدقة، فلا وجه لعدم قبوله. قوله: "ويعرف بتبادر غيره إلى الفهم". أقول: شرع يبين أمارات يعرف بها المجاز، وقد ذكر الأصوليون أن المجاز يعرف تارة بتصريح أهل اللغة به، أو بحده، أو بخاصة من خواصه [الأول: مثل أن يقولوا: هذا مجاز، والثاني: أن يقولوا: هذا مستعمل في غير ما وضع له، والثالث: أن يقولوا: هذا مشروط بالقرينة، أو يصح نفيه] (٣). وتارة: يعرف استدلالًا (٤)، والمصنف ترك القسم الأول لوضوحه وذكر للثاني وجوهًا.

стр. 563

منها: تبادر غيره إلى الفهم: لذا انتفاء القرينة عكس الحقيقة، فإنها تعرف بأن لا يتبادر غير المعنى الحقيقي لولا القرينة. وأورد المشترك إذا استعمل في معناه المجازي لعدم تبادر الغير إذ لا يدلُّ على شئ من معانيه الحقيقية إلَّا بالقرينة، فلا تبادر. والجواب: أنه عند انتفاء قرينة المجاز يدلُّ على أن المراد أحد المعاني، وإن لم يعلم على التعيين مراد المتكلم، وذلك كاف في تبادر غيره. ومنها: صحة النفي كقولك - للبليد -: حمار، إذ يصح في نفس الأمر سلبه، أي: سلب الحمار عنه، وإنما قيدنا بنفس الأمر لصحة قولنا: ما أنت بإنسان لغة، إذ الصحة اللغوية لا تقتضي صدق الكلام، فليفهم ذلك. وكما أن صحة النفي على الوجه المذكور علامة المجاز، عدم صحته على ذلك الوجه أمارة الحقيقة، ولذا لم يصح أن يقال - للبليد -: ليس بإنسان في نفس الأمر. فإن قيل: صحة النفي في المجاز تتوقف على أنه ليس شيئًا من معانيه الحقيقية، وكونه ليس شيئًا منها يتوقف على كونه مجازًا، فيكون دورًا، وكذلك في الحقيقة إذ عدم صحة النفي متوقف على كونه حقيقة، وكونه حقيقة موقوف على عدم الصحة المذكورة، فيكون دورًا صريحًا.

стр. 564

الجواب: أن الاعتراض المذكور إنما يتم أن لو أُطلِق لفظ على معنى، ولم يُعلَم أنه حقيقة فيه، أو مجاز، أما إذا عُلِم أن للفظ المستعمل معنى مجازيًا، ومعنى حقيقيًا، ولم يُعلَم أيهما مراد هنا لخفاء القرينة، فصحة نفي المعنى الحقيقي دليل على أن المجازي هو المراد، فيُعلَم أن اللفظ مجاز. مثلًا إذا قيل: طلع البدر علينا (١): من ثنيات الوداع (٢). وقد صح في هذا المقام أن يقال: إن الطالع ليس هو القمر الحقيقي علم أن المراد إنسان كالقمر، ويعلم مما ذكرنا حال الحقيقة. ومنها: عدم وجوب اطراده، والمراد بعدم الاطراد أن يستعمل لفظ لمعنى العلاقة، ثم لا يستعمل ذلك اللفظ، أو لفظ آخر في معنى آخر، مع وجود تلك العلاقة كالقرية تستعمل في أهلها نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي: أهلها، والعلاقة المحلية، مع [عدم] (٣) جواز استعمال البساط في أهله، مع وجود العلاقة.

стр. 565

وكالراوية تستعمل في المزادة للمجاورة، مع عدم جواز استعمال الشبكة في الصيد، مع وجود العلاقة المذكورة. وأشار بعدم الوجوب إلى أمرين: أحدهما: وجوب الاطراد في الحقيقة. والثاني: جواز الاطراد في بعض أفراد المجاز كالأسد للشجاع، فإنه مطرد. والحاصل: أن عدم الاطراد دليل المجاز، والاطراد ليس دليل الحقيقة. وأورد على الحقيقة: الفاضل، والسخي، والقارورة. توجيه الإيراد: أن هذه الألفاظ حقائق، مع أن الفاضل، والسخي لا يطلقان على الله، والقارورة لا تطلق على غير الزجاجة. الجواب: شرط الاطراد عدم المانع، وفي الأولين: المانع الشرعي، منع، وهو كون أسمائه توقيفية، وفي الثاني: المانع اللغوي إذ قُيِّد لدى الوضع بالزجاج. فإن قلت: قد صرح كثير من المحققين: أن المعنى إذا كان صحيحًا لا يتوقف في إطلاق الاسم عليه تعالى، فعلى ذلك الأصل هل يصح إطلاق الفاضل، والسخي عليه تعالى؟ قلت: لا؛ لأنهم شرطوا أن لا يكون اللفظ موهمًا بالنقص، ولفظ السخي، والفاضل إنما يستعمل حيث يكون المحل قابلًا للبخل، والجهل.

стр. 566

واعترض الشيخ ابن الحاجب: بأنه يلزم الدور، لأن عدم الاطراد إنما يعلم بعدم الوضع للمعنى المستعمل فيه، فلو علم عدم الوضع بعدم الاطراد كان دورًا (١). الجواب: لا نسلم لزوم الدور، قوله: عدم الاطراد إنما يعلم [بعدم الوضع. قلنا: ممنوع، بل يعلم بالنقل، والاستقراء. تحقيق ذلك: أَنَّا إذا وجدنا لفظًا مستعملًا في معنى، وترددنا] (٢) فيه هل هو حقيقة، أو مجاز؟ ، ثم استقرأنا، فوجدنا ذلك اللفظ لم يستعمل في شئ آخر، مع وجود المعنى: كالنخلة للإنسان الطويل، مع وجود الطول في غيره، ولم يطلق عليه، علمنا أنه مجاز. ومنها: جمعه على خلاف جمع الحقيقة كلفظ الأمر، فإنه حقيقة في القول، ويجمع على أوامر، وإذا أطلق على الفعل مجازًا يجمع على أمور. ومنها: التزام تقييده نحو: نار الحرب، وجناح الذل، واعلم أن مثله من قبيل الاستعارة التخيلية. والجمهور: على أن اللفظ مستعمل في معناه الحقيقي، وإنما المجاز في إثباته لما ليس له، خلافًا للسكاكي حيث جعل في مثله اللفظ مستعملًا في الصورة الوهمية الشبهية في معناه الأصلي (٣).

стр. 567

ومنها: توقفه على المسمى الآخر نحو: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠]. وهذا القسم من المجاز (١) يخص باسم المشاكلة، والعلاقة المصاحبة في الذكر، وهذا إذا لم يعتبر التشبيه، وإلا يصح إطلاقه ابتداء، فتأمل! ومنها: استحالة الحقيقي نحو: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] أي: بقدرته الكاملة (٢). واعلم: أن المختار سماع العلاقة - نوعًا - كالمجاورة، والجزئية، والكلية، فإن العرب اعتبروا هذه الأنواع (٣). وأما الأشخاص، فلا يشترط سماعها، بل ذلك مفوض إلى المتكلم، ولكن بشرط أن لا يتجاوز عن تلك الأنواع.

стр. 568

والآمدي: قد توقف (١) فيما إذا أطلق اسم السبب مثلًا على المسبب، هل يجوز عكسه من غير سماع، [ويقاس] (٢) عليه إطلاق اسم المسبب، [أم لا يكفي؟ ] (٣). قوله: "المعَرَّب لفظ غيرُ عَلَمٍ استعملته العرب". أقول: المعرب لفظ موضوع في غير لغة العرب تصرفت فيه العرب بالنقل، مع معناه من تلك اللغة، فاعتورت (٤) عليه جميع أحكام لفظ العرب عَلَمًا كان، أو غيره. والمصنف قيده بغير (٥) العَلَم: لأنه [اختار] (٦) -كما عزاه إلى الشافعي- أنه ليس واقعًا في القرآن. ونحو إبراهيم، وفرعون - بإطباق أهل العربية- ألفاظ عجمية، ولهذا منع منها الصرف.

стр. 569

وما عدا العَلَم، فالأكثر على عدم وقوعه في القرآن، وهو نص الشافعي في "الرسالة" (١). والحق: أن ما يتوهم أنه معَرَّب من غير الأعلام لم يقم عليه دليل إذ يحتمل أن يكون من قبيل توافق اللغات، كالتنور، والصابون، والأصل في كلام العرب أن يكون عربيًا حتى يقوم دليل على خلافه. وأما الاستدلال بقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، فليس بقوي إذ الضمير راجع إلى السورة، لأن القرآن يطلق على الكل، والبعض حقيقة.

стр. 570

ولئن سلمنا عوده (١) إلى المجموع يطلق العربي على ما غالبه عربي. قيل: مجاز، فلا يصار إليه إلَّا بقرينة. قلنا: لو سلم: معناه عربي الأسلوب. فإن قيل: بعض تلك الأوزان خارجة عن أوزان كلام العرب. قلنا: الحمل على الشذوذ، أولى من حمله على أنه من لغة أخرى. قوله: "مسألة: اللفظ إما حقيقة". أقول: كون اللفظ حقيقة تارة، ومجازًا أخرى شائع بلا نكير (٢). وأما هل يجوز أن يكون حقيقة، ومجازًا معًا؟ ففيه تفصيل؛ لأنه إما أن يكون بوضعين، كالدابة إذا استعمل في الفرس حقيقة عرفية، ومجازًا لغويًا. وإما أن يكون بوضع واحد، وهذا محال، إذ يلزم النفي والإثبات من جهة واحدة، لعدم تعدد الجهة، فتأمل! وقد علمت سابقًا: أن اللفظ قبل الاستعمال لا يوصف بالحقيقة والمجاز: لأن الاستعمال قيد فيهما (٣).

стр. 571

قوله: "ثم هو محمول على عرف المخاطب". أقول: اللفظ الوارد في كلام الشارع إن دل بمنطوقه على معنى شرعي، فلا يعدل عنه: لأنه ﷺ بعث لبيان الأحكام الشرعية. وإن لم يكن له معنى شرعي يتعين الحمل على العرفي: لأنه كثيرًا ما يحال الحكم الشرعي على العرف عند انتفاء النص، فإن لم يكن له معنى عرفي يحمل على الحقيقة لغة، وإلا، فعلى المجازي (١). واعلم: أن الترتيب المذكور إنما يراعى عند عدم الصارف. وأما إذا وجد الصارف يعدل عن الأصل المذكور. ومن قال (٢): "هذا الترتيب إنما هو عند استعمال الشرعي، والعرفي إلى حد يسبق إلى الذهن أحدهما دون اللغوي. فأما إذا لم يفهم أحدهما إلَّا بقرينة، صار مشتركًا بين المفهومين" (٣). فلا يلتفت إليه، لأن المنطوق إذا دل على المعنى الشرعي لا يجوز العدول عنه كيف كان. فإن قلت: تقييد المصنف بالعرف العام، هل له فائدة؟

стр. 572

قلت: لا، بل حذفه أولى ليشمل العرف الخاص (١)، لكن ينبغي أن يعلم أن العرف العام، يقدم على العرف الخاص. قال الإمام - في "المحصول" -: "فإن خاطب الله تعالى طائفتين بخطاب هو حقيقة في شئ عند إحداهما، وعند الأخرى في شئ آخر، وجب أن يحمل كلّ منهما على ما يتعارفه، وإلا يلزم أن يكون قد خاطب الله بما ليس بظاهر بدون القرينة" (٢). هذا الذي ذكرناه هو المختار عند الجمهور، وخالف الإمام الغزالي، والآمدي في النفي، أي: ما ذكر من الترتيب إنما هو في الإثبات. وإذا كان الكلام مشتملًا على معنى النفي سواء كان فيه حرف النفي، أو معناه كقوله ﷺ : "دعي الصلاة أيام أقرائك". فعند الإمام مجمل، وعند الآمدي يعدل إلى اللغة لتعذر الشرعي (٣). قال الإمام الغزالي - في "المستصفى" -: "قوله: "لا تصوموا يوم النحر" إن حمل على الشرعي دل على انعقاده، إذ لولا إمكانه لما قيل: لا تفعل، إذ لا يقال - للأعمى -: لا تبصر" (٤).

стр. 573

وهذا الاستدلال منه ضعيف، إذ لا يشك أحد في أن قوله: "لا تصوموا يوم النحر" المنهي عنه هو الصوم الشرعي الذي هو عبارة عن الإمساك من طلوع الفجر إلى الغروب. وكذا في قوله: "دعي الصلاة أيام أقرائك" المنهي عنه هي الصلاة الشرعية. قوله: "وفي تعارض المجاز والحقيقة المرجوحة". أقول: إذا صارت الحقيقة مهجورة بأن لا يستعمل اللفظ في معناه الحقيقي (١)، فالمجاز اتفاقًا، وإلا فإن لم يصر المجاز متعارفًا، أي: غالبًا في التفاهم (٢)، فالعمل بالحقيقة اتفاقًا. وإن صار متعارفًا، فالعمل بالحقيقة عند أبي حنيفة، وبالمجاز عند صاحبيه (٣). له: أن الأصل لا يترك ما أمكن، والفرض أن الحقيقة لم قجر فيجب المصير إليها.

стр. 574

لهما: أن العبرة بالراجح، فلا يجوز العدول إلى المرجوح. والمختار - عند الشافعي -: أن مثله مجمل (١)، وإليه أشار المصنف بقوله: "ثالثها: المختار مجمل"، والبيضاوي بقوله: "وإن غلب تساويا" (٢) ومَثَّلَه بالطلاق، فإنه في اللغة: لإزالة القيد مطلقًا، وفي عرف الشرع: غلب على رفع النِّكَاح. ثم وجه التساوي: أن كلًّا من المجاز، والحقيقة راجح من وجه ومرجوح من وجه. بيان ذلك: أن الحقيقة - من حيث إن اللفظ موضوع للمعنى الحقيقي - راجحة، ومن حيث الاستعمال مرجوحة، والمجاز بالعكس، فتساويا. فإن قلت: [إذا كان الأمر على ما ذكرت ينبغي أن لا يقع الطلاق إلَّا بالنية، مع أنه صريح عند القائل بالتساوي. قلت: ] (٣) لما تساويا حمل على المعنيين، كما في الاشتراك، فيقع به الطلاق، ولأنه في الأصل لرفع القيد مطلقًا، وفي المجاز لرفع القيد الخاص، فعلى أي معنى حمل يقع.

стр. 575

أما على الثاني، فراجح، وأما على الأول: فلأنه إذا رفع القيد مطلقًا أي قيد كان، فقد رفع القيد الخاص، وهو النِّكَاح. قوله: "وثبوت حكم يمكن كونه مرادًا من خطاب، لكن مجازًا لا يدلُّ على أنه المراد منه، بل يبقى الخطاب على حقيقته". أقول: إذا ورد من الشارع لفظ له معنى مجازي كاللمس مثلًا في قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، والمائدة: ٦] إذ معناه المجازي هو الجماع. وقد ثبت أن المجامع يجب عليه التيمم لفقد الماء [فهل وجوب التيمم المذكور - بعد اللمس - يدلُّ على أن المراد معناه المجازي لوجوب التيمم على المجامع عند فقد الماء، أم لا يدلُّ؟ ] (١). اختيار المصنف - وهو الصواب -: أنه لا يدلُّ (٢): لأن ثبوت الحكم المذكور لم ينحصر طريقه في حمل اللفظ على المجاز لجواز استناد ذلك الحكم إلى دليل آخر من نص، أو إجماع، أو قياس، وذِكْرُ التيمم، مع اللفظ لا يصلح قرينة صارفة، وهو ظاهر، وكأنه منشأُ وَهْمِ الخصم،

стр. 576

وإلا فأي ملازمة بين ثبوت وجوب التيمم، وبين كون اللمس في الآية محمولًا على معناه المجازي؟ هذا على طريق البحث والمناظرة، وإلا فلا إلزام على الشافعي ﵁، وإن حمل على المجازي لجواز الجمع بين الحقيقة والمجاز عنده، فاللمس عنده محمول على المعنيين. قوله: "الكناية لفظ استعمل في معناه مرادًا منه لازم المعنى". أقول: لما كان مدار الحقيقة والمجاز، هو الاستعمال - لا الدلالة والإرادة - حكم المصنف: بأن الكناية لفظ مستعمل في المعنى الموضوع له مرادًا من ذلك الاستعمال لازم معنى الموضوع له، فتكون الكناية (١) من قبيل الحقيقة: لأن الاستعمال إنما هو في الموضوع له، وإن أريد غيره.

стр. 577

الثاني: أن المشهور أن الفرق بين المجاز والكناية إنما هو بأن الانتقال في المجاز من الملزوم إلى اللازم، وفي الكناية من اللازم إلى الملزوم، عليه أطبق المحققون، وكلام (١) المصنف يخالفه صريحًا. فإن قلت: قولهم: إن الانتقال في الكناية من اللازم إلى الملزوم غير سديد: لأن اللازم قد يكون أعم كالتنفس للإنسان، فلا ينتقل منه إذ لا دلالة للعام على الخاص بوجه. قلت: اللازم المذكور - في تعريف الكناية - ليس اللازم بالمعنى المذكور في المعلوم العقلية، بل بمعنى التابع، والرديف كطول النجاد، فإنه تابع لطول القامة عرفًا، ولكن شرط ذلك التابع أن يكون مساويًا للمتبوع، أو أخص، وإلا لا ينتقل منه الذهن إلى المتبوع. والحاصل: أن هذا اللازم الذي هو بمعنى التابع، والرديف لا يطلق، ويراد به المتبوع إلَّا بعد كونه ملزومًا، لكن أي لزوم كان عقلًا، أو عرفًا، أو عادة، ويمكن أن يحمل كلام المصنف على هذا، ويسقط عنه السؤال الأول لكن خلاف الاصطلاح. قال صاحب المفتاح (٢): "مبني الكناية على الانتقال من اللازم إلى الملزوم، ومبني المجاز على الانتقال من الملزوم إلى اللازم" (٣).

стр. 578

فإن قلت: فالكناية من أي قبيل، حقيقة هي، أم مجاز، أم لا حقيقة، ولا مجاز؟ قلت: الجمهور على أنها من الحقيقة، أي: قسم منها. قال صاحب المفتاح - في آخر بحث الكناية -: "اللفظ إذا استعمل، فإما أن يراد معناه، وهو الحقيقة، أو يراد غير معناه، وهو المجاز، أو يراد معناه وغير معناه، وهو الكناية" (١). وعلى هذا يكون اللفظ مستعملًا في كلّ من المعنيين، فيدخل في الحقيقة لصدق تعريف الحقيقة على الكناية: لأن اللفظ مستعمل فيما وضع له، فيكون كلّ من المعنيين غرضًا أصليًا، وإن كان أحد جزئي الغرض الأصلي - وهو المعنى الموضوع له - وسيلة إلى الجزء الآخر، أعني: المعنى المكنى عنه، وهو طول القامة في قولنا: زيد طويل النجاد. وأُورد على هذا التقرير: بأن الكناية قد توجد بدون المعنى الحقيقي كقولنا - لمن لا نجاد له -: فلان طويل النجاد، كناية عن طول قامته (٢)، فلا حقيقة في هذه الكناية، ولما أجاب عنه بعض الأفاضل: بأنه لا بد في الكناية من تصوير المعنى الموضوع له - لينتقل الذهن إلى المكني عنه، فيكون الموضوع له مقصودًا في الكناية من حيث

стр. 579

التصوير، وإن لم يكن مقصودًا تصديقًا - رد أفضل المتأخرين (١): بأن المجاز - أيضًا - كذلك إذ لا يمكن الانتقال هناك - أيضًا - بدون تصوير الملزوم، فالقول بذلك في أحدهما دون الآخر تحكم. واختار أن الأولى أن يقال: بجواز إرادة المعنى الموضوع له في الكناية دون المجاز إذ لا بد فيه من قرينة مانعة عن إرادة الموضوع له، وعلى هذا تكون الكناية قسمًا ثالثًا لا تدخل في المجاز، ولا في الحقيقة. قوله: "والتعريض: لفظ استعمل في معناه ليُلوَّح بغيره". أقول: التعريض: هو اللفظ الدال على معنى لا من جهة الوضع الحقيقي، ولا المجاز، بل يفهم المعنى من جانب اللفظ. والعُرض - بالضم - هو الجانب، كذا ذكره ابن الأثير (٢) في "المثل السائر" (٣).

стр. 580

ولما لم يستعمل اللفظ في المعنى المعرض به كأنه وقع اللفظ منحرفًا عنه، فكل منهما في جانب، بخلاف ما إذا استعمل فيه حقيقة أو مجازًا، فإنه يكون المعنى تلقاء اللفظ، وتجاهه. وإذا علم: أن اللفظ ليس مستعملًا في المعنى المعرض به، وإنما يؤخذ المعنى من السياق، فيجوز أن يوجد التعريض، مع كلّ من الكناية، والمجاز، والحقيقة، كما لا يخفى (١). ولنذكر مثالًا يقاس عليه، وهو قوله ﷺ : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٢)، المعنى الأصلي: انحصار الإسلام، فيمن سلم المسلمون من لسانه، ويده. والمعنى المكني عنه - الذي هو المقصود من الحديث - هو انتفاء الإسلام عن المؤذي مطلقًا. والمعنى المعرض - الذي هو المقصود من الكلام سياقًا - هو نفى الإسلام عن المؤذي المعين (٣). فتحرر: أن المجاز، والحقيقة، والكناية، إذا كان واحد منها مقصودًا من الكلام استعمالًا، لا ينافي أن يكون التعريض مقصودًا سياقًا.

стр. 581

وقول المصنف: "فهو - أي: التعريض - حقيقة أبدًا". تقييده بالأبد حشو: إذ مقصوده الاحتراز عن الكناية على ما صُرح به في بعض شروحه (١). والكناية لم [يقل] (٢) أحد: بأنها حقيقة في وقت دون وقت (٣) حتى يحترز عنها، بل هي - دائمًا - حقيقة على ما هو المشهور، أو واسطة بين المجاز، والحقيقة على ما تقدم تحقيقه. ولو قال: حقيقة من كلّ وجه، لكان له وجه، كما لا يخفى.

стр. 582

قوله: "الحروف". أقول: ترك المصنف تعريف الحرف: إما لأنه معلوم في كتب النحو، أو لأن في تعريفه إشكالًا. ونحن نذكر تعريفه، وما عليه من الإشكال، مع الجواب، ونزيد عليه أبحاثًا شريفة إن شاء الله تعالى. فنقول: عرض بعض النحاة الحرف بأنه: لفظ لا يدلُّ على معنى في نفسه، وبعضهم بأنه: لفظ يدلُّ على معنى في غيره، وبعضهم بأنه: لفظ [لا يستقل] (١) بالمفهومية، وهي متقاربة (٢). فذهب الجمهور: إلى أن معنى هذه العبارة: هو أن الفعل، والاسم، والحرف لا يفيد المعنى [التركيبي] (٣) إلَّا بذكر المتعلق (٤)، وأما المعنى

стр. 583

الإفرادي، فالفعل، والاسم يستقلان بإفادته دون الحرف، إذ لفظة "من"، مثلًا: لا تدل على معنى بدون ذكر البصرة (١)، والكوفة (٢)، مثلًا. ولما توجه السؤال: بأن كثيرًا من الأسماء كذلك مثل: ذو، وفوق، [وعلى] (٣)، وعن، والكاف، اسمين، فإنه لا فائدة فيها بدون ذكر المتعلق. أجابوا: بأن اشتراط ذكر المتعلق في الحرف إنما هو بحسب الوضع، وأما في الأسماء المذكورة، ونظائرها، إنما هو بحسب اتفاق الاستعمال. ولمَّا لاح - على هذا الكلام - آثار الضعف - إذ الاشتراط في أحدهما وضعًا، والآخر استعمالًا تحكم لا يشهد لصحته عقل، ولا نقل - عدل عنه بعض المحققين (٤) تقصيًا عن الإشكال المذكور، قال: "وضع اللفظ للمعنى قد يكون بخصوص اللفظ لخصوص المعني، كما في الأعلام، وقد

стр. 584

يكون بخصوص اللفظ لعموم المعني، كاللفظ الموضوع للمعنى الكلي نحو: رجل، وفرس، حتى إذا أطلق لفظ رجل على زيد بخصوصه يكون مجازًا. وأما إذا أطلق من حيث عمومه، وأن زيدًا مما صدقات ذلك المعنى العام يكون حقيقة". وقد يكون اللفظ خاصًا، والمعنى كذلك، والوضع يكون عامًا، مثل: أسماء الإشارة وضمير الخاطب، والتكلم، والموصول، فيكون الوضع عامًا، واللفظ، والمعنى خاصين. مثاله: لفظة "هذا" وضعت لكل مشار إليه منفردًا عن الآخر، بمعنى أنه لوحظ كلّ فرد لدى الوضع بخصوصه تحت مفهوم المشار إليه الكلي، فهذا المفهوم الكلي ليس موضوعًا له، كما في رجل، وفرس، بل هو الأمر الذي صار لأجله الوضع عامًا، فالموضوع له هو تلك الخصوصيات، التي تقع، مشارًا إليها. إذا تقرر هذا. فنقول: الحرف من هذا القبيل: لأن لفظة "من" مثلًا، إنما وضعت لكل ابتداء بخصوصه: لأن لفظة "من" لو كان معناها الابتداء مطلقًا كانت اسمًا، لا حرفًا، فهي موضوعة لكل ابتداء (١) خاص على ما ذكرنا. والابتداء - سواء كان في الذهن، أو في الخارج - لا يعقل بدون متعلقه: لأن الابتداء نسبة من النسب، فلا يتعين بدون المنسوب إليه، فلا بد في دلالة "من" على معناه من ملاحظة متعلقه ضرورة، بخلاف الاسم،

стр. 585

والفعل؛ لأن الاسم قد يكون المراد به الذات نحو رجل، وفرس، وقد يكون للنسبة مطلقًا كلفظ الابتداء، والانتهاء، وقد يكون للذات باعتبار النسبة نحو ذو، وفوق. والفعل يدُل على نسبة الحدوث إلى موضوع ما. فلفظ "عن"، و "الكاف"، إذا أريد بهما تجاوز، وتشبيه مطلقًا من غير نظر إلى خصوصية، فهما اسمان، وإن أريدا بخصوصهما، فهما حرفان، ويعلم ذلك بالقرائن، كما في سائر الألفاظ المشتركة، فتأمل! قوله: "أحدها: إذن". أقول: من الحروف - الذي يتداولها الأصوليون - إذن (١)، وهي تكون جوابًا، وجزاء، كما إذا قال لك صاحبك: لأزورنك، قلت له: إذن أكرمك، فقد أجبته، وجعلت ما بعده جزاء لزيارته.

стр. 586

هذا كلام سيبويه (١)، فجعله بعض النحاة كليًا حيث وقع، وأول ما لم يكن من ذلك ظاهرًا متى دخل في القاعدة الكلية، وجعله بعضهم أكثريًّا، وقد أشار إليه المصنف في المتن (٢)، وهي ظاهرة في سبقية ما قبلها لما بعدها، به صرح كثير من النحاة. الثاني - من الحروف المتداولة -: إنْ بالكسر، ومعناه الشرط نحو: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، والأصل في استعمالها الشك، وعدم الوثوق بوقوع الشرط نحو: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وقد يُنَزَّل المحقق منزلة المشكوك فيه، فيستعمل فيه "أن" لنكتة نحو: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥]، وهي أن صدور الإسراف عن العارف باقتدار الله سبحانه، وشدة ما أعده للمسرفين، ينبغى أن يكون على سبيل الندرة والشك. وقد تأتي للنفي، وهي نظيرة "ما"، في النفي الحالي نحو: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٤٠].

стр. 587

وقد تأتي زائدة نحو: ما إن زيد قائم، ومعنى زيادتها: أَنها إذا حذفت لم يختل أصل المعني، لا أن لا فائدة لها أصلًا، إذ تفيد التأكيد قطعًا. وكذلك جميع ما يقع في القرآن الكريم، والأحاديث مما يطلق عليه باصطلاح النحاة لفظ الزيادة من هذا القبيل، فليكن على خاطرك (١). الثالث - من تلك الحروف -: أو، للشك نحو: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٣]. وتأتي للإبهام على السامع كقولك لصاحبك: لأعطينك هذا، أو ذاك، وأنت مضمر لأحدهما، معينًا. وتقع للتخيير نحو: جالس العلماء، أو الأشراف. وبمعنى الواو كما في بيت النابغة (٢): ألا ليتما هذا الحمامُ لنا ... إلى حمامتنا أو نصفُه فقدِ (٣)

стр. 588

على ما أنشده قطرب (١)، واستحسنه ابن جني لمجيء الواو صريحًا في بعض روايات البيت (٢). وللتنويع، والتقسيم: كما في قولهم - في حد الحكم -: بالاقتضاء، أو التخيير كما سبق، وعليه حمل الشافعي رضى الله عنه قوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] (٣).

стр. 589

وبمعنى إلى نحو: لألزمنك، أو تعطيني حقي. وقيل: بمعنى إلَّا، أي: إلَّا أن تعطيني، فلا ألزمنك. وللإضراب نحو قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ (١) أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] أي: بل يزيدون. وما نقله عن الحريري (٢): من أن "أو"، قد تأتي للتقريب نحو: ما أدري أسَلَّم، أو وَدَّع، فهو راجع إلى الشك، لكن لا حقيقة، بل تجاهلًا (٣).

стр. 590

الرابع: أيْ، بسكون الياء للتفسير نحو: قدم، أي: تقدم، من قدم بمعنى تقدم لغة فيه، وقد عده صاحب المفتاح من حروف العطف (١)، وهي من حروف النداء عند جمهور النحاة (٢). واختلف فيها، فقيل: للقريب، وعليه الأكثر، وقيل: للبعيد، وقيل: للمتوسط (٣). قوله: "وبالتشديد للشرط". أقول: ألحَقَ بحث أيّ المشددة، بأيْ المخففة، وإن كانت الأولى حرفًا، وهذه اسمًا للمناسبة الصورية. والمشددة تارة: تكون شرطًا نحو: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]. واستفهامًا نحو: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]. وموصولة نحو: ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩]، وهي مبنية، موصولة حذف صدر صلتها، كما في الآية المذكورة (٤).

стр. 591

ودالة على معنى الكمال نحو: رأيت زيدًا عالمًا، أيّ عالم، أيْ (١) كاملًا في علمه. وتقع حالًا عن المعرفة بالمعنى المذكور نحو: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١، ٦٧]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤، ١٨٣]. ومن الأسماء المتداولة بين الأصوليين تداول الحروف المذكورة "إذ" وهي موضوعة للظرفية في الزمان الماضي. ولو ذكر المصنف الحروف على نسق واحد، ثم أردفها بالأسماء كان أولى من إيرادها مختلطة. وتكون اسمًا مجردًا نحو: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦] لكونه مفعولًا به ظاهرًا.

стр. 592

وبدلًا من المفعول به نحو: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ [المائدة: ٢٠]. وقد يضاف إليها اسم يدلُّ على الزمان نحو: يومئذ، وحينئذ. وتجئ للاستقبال عند بعض النحاة، وهو مختار المصنف نحو: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧٠، ٧١]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]. وأجاب الجمهور: بأن هذا ليس ناشئًا من لفظ إذ، بل لكونه واقعًا في كلام من صدقه مقطوع به، والمستقبل في كلامه بمنزلة الماضي. وتستعمل تعليلًا نحو: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ [الزخرف: ٣٩]، وقولِه: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١]. واختلف في كونها حرفًا حينئذ، أو ظرفًا، الأول مروي عن سيبويه، وقيل: ظرف، والتعليل مستفاد من قوة الكلام لا من اللفظ، وهذا كلام باطل لا وجه له إذ لا معنى [لإذ] (١) سوى التعليل في بعض المواطن، فالقول بأن التعليل ليس مستفادًا عنه، قول يأباه الطبع السليم.

стр. 593

وترد للمفاجأة -بعد بينا، وبينما- نحو: فبينما العسر إذا دارت مياسير (١) فهي حرف حينئذ، وهو مختار إمام النحو [سيبويه] (٢). وقيل: ظرف مكان، وقيل: ظرف زمان (٣). قوله: "السابع: إذا للمفاجأة". أقول - من تلك الكلمات المتداولة -: إذا الفجائية، ويقع المبتدأ بعدها دائمًا نحو: إذا إنه عبد القفا واللهازم (٤)، ونحو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠]، واختلف فيها على ثلاثة مذاهب:

стр. 594

الأول: أَنها حرف، وهو المختار عند الأخفش، وابن مالك (١)، ورجح بأن المفاجأة معنى من المعاني كالاستفهام، والنفي، والشرط، والأصل في المعاني أن تؤدى بالحروف. وقيل: ظرف مكان، وإليه ذهب المبرد (٢)، ومن تبعه. وقيل: ظرف زمان، وإليه ذهب صاحب الكشاف (٣)، وابن الحاجب.

стр. 595

وتستعمل في الاستقبال ظرفًا، مضمنًا فيه معنى الشرط نحو: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠]. أو مجردًا عن الشرط نحو: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] لعدم الجواب. واعلم أنها في الشرط عكس إن: لأنها تستعمل في محقق الوقوع نحو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] لَمَّا كانت الحسنة، وهي الخصب (١) والرخاء، والعافية غالبًا أتى بلفظ إذا، ولما كان القحط، والمرض قليلًا أتى بإن في السيئة. وقد تستعمل في الماضي نادرًا نحو: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] لنزول الآية بعد وقوع القصة. وترد للحال - أيضًا - نحو: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١]. قيل (٢): علامة كونها للحال وقوعها بعد القَسَم لأنها لو كانت للاستقبال لم تكن ظرفًا لفعل القسم؛ لأنه إنشاء لا إخبار عن قسم ثان، لأن قسمه سبحانه قديم، ولا يكون المحذوف حالًا لأن الحال، والاستقبال متنافيان. وليس بشئ، أما أولًا: فلأنه لا يلزم من كونها استقبالية تعلقها

стр. 596

بفعل القسم إذ يصح أن يكون بدلًا عن المقسم به، فيكون معنى الكلام أقسم بالليل لا مطلقًا، بل بوقت غشيانه، وطمسه آثار النهار، وإزالته الأنوار الساطعة، الشاملة للجو، والبر، والبحر، فإنه من الآيات الباهرات الدالة على القدرة القاهرة، ومثله يقسم به لا مطلق الليل، أو يقدر مضاف قبل الليل، أي: وعظمة الليل وقت غشيانه. وكذلك القسم بالنجم حين سقوطه إذ يدلُّ على أنه مقهور تحت القدرة ليس له اختيار في حركاته، ومثل [ذلك] (١) الجرم المنير العظيم بعد كونه تجتليه أبصار الناظرين يصير مفقودًا كأن لم يكن شيئًا مذكورًا آية لا تخفى على أحد، فيلائم أن يكون مُقْسَمًا به. وأما ثانيًا: فلأنه علل عدم الجواز بقوله: فلأن قَسَمه تعالى قديم، وإذا كان قَسَمه قديمًا، فقد وقع فيما فَرَّ منه: لأنه يكون "إذا" مستقبلًا [قطعًا] (٢) لحدوث الأزمان، والأوقات، والنجم، بل جميع الكائنات ما عدا الذات، والصفات، على أنك، وإن جعلت "إذا" للحال، فالإشكال باق: لأن قَسَمه لم يقع وقت غشيان الليل، فلا يصح الكلام إلَّا بأحد التقديرين على ما ذكرنا، وكون المُقْسَم به مستقبلًا، والقسم قديمًا لا مانع منه لقوله: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾ [الحجر: ٧٢]، وقولِه: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١].

стр. 597

وأما ثالثًا: فلأن الحال، والاستقبال لا تنافي بينهما، وإنما التبس عليه الحال الذي هو قسيم الماضي، والمستقبل المذكور في علم الصرف بالحال المذكور في علم النحو، أعني ما يُبَيِّن هيئة الفاعل، أو المفعول به، وهذه الحال تجتمع، مع الماضي، والحال، والمضقبل، بل تكون جملة اسمية. والحاصل: أن هذا الحال لفظ يبين هيئة الفاعل، أو المفعول به قَيْد للعامل، والحال الذي ينافي الاستقبال أجزاء من أواخر الماضي، وأوائل المستقبل [وعدم جواز كونه حالًا صحيح لا لما توهمه، بل لأن الحال قيد للفعل العامل، فيكون المعنى على وقوع القسم في ذلك الوقت، وهو فاسد] (١). قوله: "الثامن: الباء للإلصاق حقيقة، ومجازًا". أقول: الباء تستعمل لمعان كثيرة عَدَّ المصنف منها جملة: فالأول: الإلصاق نحو: به عيب، وربما أطلق الإلصاق مجازًا نحو: بررت بزيد، أي: بقربه إذ لا لصوق بزيد. والثاني: [التعدية نحو: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧].

стр. 598

والفرق بين ذهب به، وأذهبه: أن الأول يفيد أنه لم يبق منه شيء بخلاف الثاني] (١)، فإنه ليس كذلك، فالباء أبلغ، ذكره في الكشاف (٢). الثالث: الاستعانة نحو: كتبت بالقلم. الرابع: المصاحبة نحو: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٣]. والبدلية نحو: قول عمر (٣): "ما يسرني لو أن لي بها الدنيا وما فيها"، قاله حين استأذن رسول الله في العمرة، فقال له: "لا تنسنا من دعائك يا أُخَيَّ" (٤).

стр. 599

الخامس: المقابلة نحو: بعته بألف. السادس: المجاورة نحو: سألت بزيد، أي: عنه. والاستعلاء نحو: قام بالسطح، أي: عليه. والقسم نحو: بالله لأفعلن كذا. والغاية نحو: أحسن بي، أي: إليَّ. والتوكيد - وهي الزائدة - نحو: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨] (١). وقد تقع للتبعيض نحو مسحت بالمنديل، عند بعض النحاة، كالأصمعي، وأبي عليّ وابن مالك. التاسع: "بل للعطف، والإضراب". أقول: من الحروف المتداولة كلمة بل، وهي تشتمل على العطف، وهو معلوم، والإضراب، وهو صرف الحكم عن المتبوع إلى التابع، ويبقى المتبوع كالمسكوت عنه سواء كان الكلام موجبًا نحو: جاءني زيد، بل عمرو، أو منفيًا نحو: ما جاءني زيد، بل عمرو، وهذا على رأي الجمهور.

стр. 600

وقيل: تفيد في النفي عدم الحكم في المتبوع قطعًا [عند الجمهور] (١)، والمراد بالحكم الثابت [للتابع] (٢) في النفى: هو الثبوت كالمجيء مثلًا في قولك: ما جاءني زيد، بل عمرو، أي: جاء عمرو. واستشكله بعض (٣) الأفاضل: بأنه لا صرف عن المتبوع لا للإثبات، ولا للنفي. أما الإثبات: فلأن الكلام (٤) نفي، وأما النفي: فلأن الحكم الثابت للتابع هو المجيء وليس مسندًا إلى المتبوع، فلا يوجد صرف الحكم على مذهبهم، وإنما يصح على مذهب المبرد: لأن مذهبه ثبوت الحكم الذي هو النفي للتابع، وصرف النفي عن المتبوع صحيح (٥). [ويمكن أن يجاب - من طرف الجمهور -: بأن الحكم المثبت لتابع هو المصروف عن المتبوع، وتقدير الكلام صرف الحكم الذي ورد عليه النفي، وهو المجيء مثلًا، إذ النفى أداة ترد على الإيجاب] (٦).
следующие страницы →