بفعل القسم إذ يصح أن يكون بدلًا عن المقسم به، فيكون معنى الكلام أقسم بالليل لا مطلقًا، بل بوقت غشيانه، وطمسه آثار النهار، وإزالته الأنوار الساطعة، الشاملة للجو، والبر، والبحر، فإنه من الآيات الباهرات الدالة على القدرة القاهرة، ومثله يقسم به لا مطلق الليل، أو يقدر مضاف قبل الليل، أي: وعظمة الليل وقت غشيانه.
وكذلك القسم بالنجم حين سقوطه إذ يدلُّ على أنه مقهور تحت القدرة ليس له اختيار في حركاته، ومثل [ذلك] (١) الجرم المنير العظيم بعد كونه تجتليه أبصار الناظرين يصير مفقودًا كأن لم يكن شيئًا مذكورًا آية لا تخفى على أحد، فيلائم أن يكون مُقْسَمًا به.
وأما ثانيًا: فلأنه علل عدم الجواز بقوله: فلأن قَسَمه تعالى قديم، وإذا كان قَسَمه قديمًا، فقد وقع فيما فَرَّ منه: لأنه يكون "إذا" مستقبلًا [قطعًا] (٢) لحدوث الأزمان، والأوقات، والنجم، بل جميع الكائنات ما عدا الذات، والصفات، على أنك، وإن جعلت "إذا" للحال، فالإشكال باق: لأن قَسَمه لم يقع وقت غشيان الليل، فلا يصح الكلام إلَّا بأحد التقديرين على ما ذكرنا، وكون المُقْسَم به مستقبلًا، والقسم قديمًا لا مانع منه لقوله: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾ [الحجر: ٧٢]، وقولِه: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١].
стр. 597
وأما ثالثًا: فلأن الحال، والاستقبال لا تنافي بينهما، وإنما التبس عليه الحال الذي هو قسيم الماضي، والمستقبل المذكور في علم الصرف بالحال المذكور في علم النحو، أعني ما يُبَيِّن هيئة الفاعل، أو المفعول به، وهذه الحال تجتمع، مع الماضي، والحال، والمضقبل، بل تكون جملة اسمية.
والحاصل: أن هذا الحال لفظ يبين هيئة الفاعل، أو المفعول به قَيْد للعامل، والحال الذي ينافي الاستقبال أجزاء من أواخر الماضي، وأوائل المستقبل [وعدم جواز كونه حالًا صحيح لا لما توهمه، بل لأن الحال قيد للفعل العامل، فيكون المعنى على وقوع القسم في ذلك الوقت، وهو فاسد] (١).
قوله: "الثامن: الباء للإلصاق حقيقة، ومجازًا".
أقول: الباء تستعمل لمعان كثيرة عَدَّ المصنف منها جملة: فالأول: الإلصاق نحو: به عيب، وربما أطلق الإلصاق مجازًا نحو: بررت بزيد، أي: بقربه إذ لا لصوق بزيد.
والثاني: [التعدية نحو: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧].
стр. 598
والفرق بين ذهب به، وأذهبه: أن الأول يفيد أنه لم يبق منه شيء بخلاف الثاني] (١)، فإنه ليس كذلك، فالباء أبلغ، ذكره في الكشاف (٢).
الثالث: الاستعانة نحو: كتبت بالقلم.
الرابع: المصاحبة نحو: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٣].
والبدلية نحو: قول عمر (٣): "ما يسرني لو أن لي بها الدنيا وما فيها"، قاله حين استأذن رسول الله في العمرة، فقال له: "لا تنسنا من دعائك يا أُخَيَّ" (٤).
стр. 599
الخامس: المقابلة نحو: بعته بألف.
السادس: المجاورة نحو: سألت بزيد، أي: عنه.
والاستعلاء نحو: قام بالسطح، أي: عليه.
والقسم نحو: بالله لأفعلن كذا.
والغاية نحو: أحسن بي، أي: إليَّ.
والتوكيد - وهي الزائدة - نحو: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨] (١).
وقد تقع للتبعيض نحو مسحت بالمنديل، عند بعض النحاة، كالأصمعي، وأبي عليّ وابن مالك.
التاسع: "بل للعطف، والإضراب".
أقول: من الحروف المتداولة كلمة بل، وهي تشتمل على العطف، وهو معلوم، والإضراب، وهو صرف الحكم عن المتبوع إلى التابع، ويبقى المتبوع كالمسكوت عنه سواء كان الكلام موجبًا نحو: جاءني زيد، بل عمرو، أو منفيًا نحو: ما جاءني زيد، بل عمرو، وهذا على رأي الجمهور.
стр. 600
وقيل: تفيد في النفي عدم الحكم في المتبوع قطعًا [عند الجمهور] (١)، والمراد بالحكم الثابت [للتابع] (٢) في النفى: هو الثبوت كالمجيء مثلًا في قولك:
ما جاءني زيد، بل عمرو، أي: جاء عمرو.
واستشكله بعض (٣) الأفاضل: بأنه لا صرف عن المتبوع لا للإثبات، ولا للنفي.
أما الإثبات: فلأن الكلام (٤) نفي، وأما النفي:
فلأن الحكم الثابت للتابع هو المجيء وليس مسندًا إلى المتبوع، فلا يوجد صرف الحكم على مذهبهم، وإنما يصح على مذهب المبرد: لأن مذهبه ثبوت الحكم الذي هو النفي للتابع، وصرف النفي عن المتبوع صحيح (٥).
[ويمكن أن يجاب - من طرف الجمهور -: بأن الحكم المثبت لتابع هو المصروف عن المتبوع، وتقدير الكلام صرف الحكم الذي ورد عليه النفي، وهو المجيء مثلًا، إذ النفى أداة ترد على الإيجاب] (٦).
стр. 601
وفي عبارة الشيخ ابن الحاجب: أن الحكم على الأول كان خطأ (١)، فحكم بعض الأفاضل المذكور آنفًا: بأن مذهبه عدم المجيء في المتبوع قطعًا في قولك: جاءني زيد، وعمرو. قلت: عبارة الشيخ يجب تأويلها: بأن مراده: أن المقصود لما كان الاخبار عن التابع، والمتبوع لم يكن مقصودًا بالإخبار، فالتعرض له غلط من المتكلم.
وإنما قلنا: يجب تأويله: لأن القول: بأن المجيء منتف عن المتبوع لم يقل به أحد، ولا يدل عليه كلامه صريحًا، ولا دلالة للفظ عليه، وصاحب المفتاح سَوَّى بين مذهب الجمهور، والمبرد في النفي، قال: "وما جاءني بكر، بل خالد، لإفادة مجيء خالد تارة، ولا مجيئه أخرى" (٢).
وتحقيق معنى بل على ما شرحناه من نفائس الأبحاث.
ثم حاصل كلام المصنف: أن الإضراب نوعان:
الأول: لإبطال ما تليه، ومُثِّل في بعض الشروح (٣) بقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٧٠]، وهذا - في التحقيق - هو القسم الذي بعد النفي: لأن قولهم: ﴿بِهِ جِنَّةٌ﴾ أرادوا به نفى حقيقة ما جاء به، إطلاقًا للملزوم، وإرادة اللازم، إذ الجنون يقتضي عدم الإرادة في الأفعال، وعدم الفرق بين الحسن، والقبيح، فالمجيء بالحق عنه بمراحل.
стр. 602
الثاني: هو الانتقال من غرض إلى غرض آخر نحو: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [المؤمنون: ٦٢، ٦٣]، وهذا -[أيضًا] (١) عائد إلى النفي إذ الكفار كانوا يزعمون: أن لا حشر، ولا نشر، فرد عليهم بأن الأمر ليس كما تزعمون، نحن نضبط أحوالكم، لسنا عنكم غافلين، بل أنتم الغافلون الذين قصر فكرهم على الحطام الفاني (٢).
قوله: "العاشر: بيد".
أقول: من تلك الكلمات المتداولة لفظة بيد، وهي تأتي بمعنى غير، كذا ذكر في بعض كتب اللغة (٣).
وتكون علة نحو: "أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش" (٤) أي: لأني من قريش، وهذا فيه نظر قوي، وهو أن كونه
стр. 603
من قريش لا يقتضي أن يكون أفصح من قريش (١). والحق: أنه من قبيل المدح بما يشبه الذم، وهو نوع من المحسنات البديعية، كما في الحديث: أن جارية (٢) عائشة (٣) ﵂ حين سألها النبي ﷺ عن أخبار عائشة - فقالت: "لا عيب فيها غير أنها جارية حديثة سن تنام عن عجين أهلها، فتأكله الداجن" (٤).
стр. 604
وقول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب (١)
[ولنا - في مدح السلطان المعظم سيد الغزاة صاحب الروم، فاتح القسطنطينية نصره الله - شعر:
هو الشمس إلَّا أنه الليث باسلا ... هو البحر إلَّا أنه مالك البر (٢)
فرجع إلى معنى الغير، وإليه ذهب جمهور المتأخرين (٣).
قوله: "الحادي عشر: ثم".
أقول: ثم في العطف تفيد التشريك في الإعراب، أو الحكم، مع التراخي في الزمان، والرتبة.
والمصنف قيد المهلة بالأصح، والترتيب بمخالفة العبادي (٤).
стр. 605
وشبهة الفريقين - في نفي المهلة، والترتيب -: أشياء [ما وَلَّت] (١) عند الجمهور نحو قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: ٦]، ولا شك: أن الجعل قبل خلق سائر المخلوقات، فلا ترتيب، وحيث لا ترتيب لا مهلة بالطريق الأولى.
الجواب: أن معنى الآية أنه تعالى خلقكم من نفس واحدة، وكأنه قيل: كيف كان بدأ الخلق؟ ، أجاب: بأنه خلقها، ثم جعل منها زوجها، ثم ذرأكم على التعاقب على ما تشاهدون الآن بينكم أمة بعد أمة، فلفظ "ثم" عاطفة، جعل على خلق المقدر صفة للنفس، فهي على الترتيب، والمهلة.
стр. 606
هذا تحقيق الجواب على الوجه المرضي، وبعض الشارحين (١) لما لم يصل إلى هذا التدقيق فاضطرب، وأجاب - أولًا -: بأن ثم بمعنى الواو، وثانيًا: بأنها للترتيب الذكري (٢).
قوله: "الثاني عشر: حتى لانتهاء الغاية غالبًا".
أقول: حتى مثل: ثم في الترتيب، والمهلة، مع زيادات أخرى:
الأول: أن المعتبر في حتى ترتب أجزاء ما قبلها ذهنًا [من الأضعف إلى الأقوي، أو بالعكس، ولا يعتبر الترتيب الخارجي لجواز ملابسة الفعل لما بعدها قبل ملابسة الأجزاء الأخر نحو: مات كلّ أب لي حتى آدم، أو في أثنائها نحو: مات الناس حتى الأنبياء، أو في زمان واحد نحو: جاءني القوم حتى خالد، إذا جاؤوا معًا، والخالد أضعفهم، أو أقواهم.
وينصب الفعل بعدها تارة نحو: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] (٣).
стр. 607
وتكون ابتدائية، تقع بعدها الجملة الاسمية نحو قوله:
فما زالت القتلى تمج دماؤها
بدجلة حتى ماء دجلة أشكل (١)
والفعلية المضارعية نحو: ﴿حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] بالرفع، وهي للحال حينئذ، فيكون ما بعدها كلامًا مستقلًا، مسببًا عما قبلها، ولذلك امتنع أن تقول: كان سيري حتى أدخلها، بالرفع: لأن كان الناقصة تبقى بلا خبر لانقطاع ما بعدها عما قبلها لاستقلاله.
وكذلك امتنع: أَسِرتَ حتى تدخلها الآن، الأول: يجب أن يكون سببًا للثاني في الابتدائية، ولا يصح الأول أن يكون سببًا لكونه مشكوكًا فيه، ولهذا دخله الاستفهام، ولو حملت كان على التامة صح الكلام في المسألة الأولى.
وقد تجيء للتعليل نحو: أسلم حتى تدخل الجَنَّة أي لتدخل.
وتكون للاستثناء نادرًا.
стр. 608
واعلم: أن أصل معنى حتى: هي الغاية، فتحمل على الغاية مهما أمكن، فإذا تعذر تحمل على غيرها (١) مجازًا بحسب القرائن.
قوله: "الثالث عشر: رب للتكثير".
أقول: من الكلمات المتداولة لفظ: رب، وهي جارَّة، ولها صدر الكلام: لأنها لإنشاء معنى التقليل عند الجمهور.
وقد صرحوا: بأنها نقيضة كم الخبرية التي هي لإنشاء التكثير، أو موضوعة للتكثير، وهو مذهب بعض النحاة.
وليس لهم - في ذلك - دليل، إلَّا أنهم رأوا ظاهر قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] إذ وَدَّ - أنهم [يوم القيامة] (٢) كونهم مسلمين في الدنيا - كثير بلا ريب، فيكون حقيقة فيه.
الجواب: أنها في الآية المذكورة للتقليل: لأنهم مستغرقون في العذاب، مدهوشون، فزعًا حانت منهم إفاقة، فتمنوا الإسلام.
стр. 609
وقيل: معنى التقليل فيها: أنهم لو كانوا يودون الإسلام في الدار الآخرة مرّة كان الإسراع إلى الدين، والإيمان واجبًا عليهم، فكيف، وهم يودونه كلّ لمحة (١).
ومن أحكامها: أن مدخولها نكرة، موصوفة، أو ضمير مبهم.
ولها أبحاث أخر مذكورة في كتب النحو، فلتطلب هناك.
قوله: "الرابع عشر: على".
أقول: من تلك الكلمات المتداولة، كلمة على، وهي حرف وضع للاستعلاء مطلقًا، حسيًا نحو: زيد على الفرس، أو عقليًا نحو: لزيد على عمرو دين.
وقد تكون اسمًا نحو: من عليه في قوله: "غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها" (٢).
стр. 610
فهي حقيقة في الحرفية، فلا يحتاج استعمالها حرفًا إلى قرينة، بخلاف ما إذا كانت اسمًا، فإنه يحتاج إلى قرينة نحو دخول حرف الجر عليها، ولو قدم المصنف كونها حرفًا على كونها اسمًا كان أولى، كما لا يخفى (١).
وتكون للمصاحبة نحو: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أي: مع حبه.
والمجاورة نحو: رضي عليه، أي: عنه.
والتعليل نحو: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وتكون ظرفًا، وزائدة، وتكون للاستدراك (٢).
стр. 611
وأما لفظ: علا فِعْلًا ماضيًا، فليس من المادة المذكورة، إذ يكتب هذا بالألف، والأول بالياء، فهما متمايزان كتابة، كما امتازا معنى.
قوله: "الخامس عشر: الفاء للترتيب".
أقول: من تلك الحروف المتداولة لفظ: الفاء، وهي عاطفة معناها الترتيب بلا مهلة نحو: جاء زيد فعمرو.
ثم قول المصنف: والتعقيب في كلّ شيء بحسبه، إشارة إلى جواب سؤال مشهور، وهو أن القول: بأن الفاء للترتيب بلا مهلة قد لا يطرد، بدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣].
ولا شك: أن اخضرار الأرض متراخ عن نزول المطر. وكذا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤]، وأمثال ذلك كثيرة في كلام العرب.
أجاب: بأن التعقيب أمر نسبي يختلف باختلاف الأمور المترتبة عظمًا، وحقارة.
стр. 612
ولا شك: أن إحياء الأرض [الميتة] (١) بعد استيلاء اليبس عليها، وذهاب نضارتها من الآياتِ الباهرة على قدرة الصانع، فحصول [مثل] (٢) هذا الأمر العظيم في أقلّ من أسبوع لا يعد متراخيًا.
وكذلك انقلاب النطفة علقة بعد أن كان ماء مهينًا في الرحم ممتزجًا بماء آخر مثله، ولم يعالج بما يوجب انعقاده، ولم يغير لونه بصبغ بعد أن كان أبيض، مثل هذا لا تعد تلك المدة بالنسبة إليه مهلة، وتراخيًا.
ثم الترتيب المعنوي معلوم، كما في قولك: جاء زيد فعمرو.
والذكري: هو أن يكون الترتيب في الذكر لا في الحكم كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ (٣) قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤]، فإن مجئ البأس مقدم على الإهلاك وكذلك كلّ فاء دخلت على المفصل بعد المجمل.
وقد يراد، مع التعقيب سببية (٤) ما قبلها لما بعدها (٥).
стр. 613
قوله: "السادس عشر: في، للظرفين".
أقول: من تلك الحروف المتداولة لفظة: في، وهي للظرفين، ولو قال: في للظرفية - كما ذكره المحققون - لشمل المكان، والزمان.
المكان نحو قولك: صليت في المسجد، والزمان نحو: قدم زيد في الليل.
والظرفية: استقرار الشيء في الشيء.
والنحاة يذكرون أنها على قسمين: حقيقية نحو الماء في الكوز، ومجازية نحو العز في القناعة.
ولو حمل معنى الاستقرار على ما يعم الحسي، والمعنوي كان أولى كما تقدم في على: لأن أهل اللغة لم يقيدوه بأن يكون حسيًا.
وإذا حمل على ذلك المعنى الأعم يشمل جميع الأقسام التي ذكرها المصنف كما لا يخفى على المتأمل.
المصاحبة نحو: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ﴾ [الأعراف: ٣٨] أي: مصاحبين لهم.
والتعليل نحو: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤] أي: لأجله.
والاستعلاء نحو: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي: عليها.
стр. 614
والتوكيد نحو: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ [هود: ٤١] إذ الركوب يستعمل بدون في، فهي مزيدة توكيدًا.
والتعويض عن أخرى محذوفة نحو: "زهد زيد فيما رغب، أي: فيه".
والأصل: زهد ما رغب فيه، كذا نسب إلى ابن مالك (١).
وتكون بمعنى الباء السببية نحو: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١١] أي: ينبتكم، ويكثركم بسبب التناكح، والازدواج.
وبمعنى إلى، نحو: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩] أي: إليها غيظًا.
وبمعنى من، نحو "ذراع في الجنة خير من الدنيا وما فيها" (٢) أي: منها (٣).
стр. 615
قوله: "السابع عشر: كي للتعليل".
أقول: من تلك الحروف كلمة "كي"، ومعناها التعليل نحو: أسلمتُ كي أدخل الجنة، وهى ناصبة [للفعل المضارع بنفسها، هو المختار.
وقيل: حرف جر تقدر أن بعدها] (١)، ومنعه الشيخ ابن الحاجب، وأسنده بصحة قولك: أسلمت لكى أدخل الجنة، إذ لو كانت حرف جر لم تدخلها اللام، وهو كلام قوي.
والمصنف جعل كونها بمعنى أن المصدرية منافيًا لكونها للتعليل على ما ذكره شارحو كلامه (٢).
واستدل بعضهم (٣) على التنافي بدخول اللام عليها في قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]، فإنها لو كانت للتعليل لم يدخل عليها اللام.
وهذا ليس بشيء: لأن كون الحرف مصدريًا معناه راجع إلى اللفظ، وتصرفه إنما هو في لفظ الفعل إما بنصبه، أو بجعله في حكم المصدر، وكونه لكذا، أي: للتعليل راجع إلى المعنى، فلا تنافي بين المعنيين.
стр. 616
ألا ترى أن الحروف الجارَّة كلها مشتركة في عمل الجر، مع اختلاف معانيها.
وأما الاستدلال بدخول اللام على عدم كونها للتعليل، فسقوطه ظاهر: لأن اللام هناك للتأكيد، ألا ترى أنك لو حذفت اللام كان التعليل بحاله، مع أن الحرف قد يجرد عن معناه بحسب المقامات (١).
قوله: "الثامن عشر: كل اسم لاستغراق أفراد المُنَكَّر، والمعرَّف المجموع".
أقول: من تلك الكلمات المتداولة لفظة كل، نحو: كل رجل كذا، أي: كل فرد من جنس الرجال.
وضبط كلام المصنف: أنها تفيد استغراق الأفراد، إذا دخلت على مفرد، مُنَكَّر، كما ذكرناه، أو معرَّف إذا كان مجموعًا نحو: أخذ زيد كل الدراهم.
وإذا كان المعرَّف مفردًا تفيد الإحاطة، والشمول في الأجزاء نحو: رأيت [كل] (٢) زيد، أي جميع أجزائه.
وفي بعض الشروح (٣) هنا عن/ ق (٥٠/ أمن أ) والد المصنف كلام غريب، وهو أنه استشكل كون "كل" في الجمع المعرَّف لإحاطة الأفراد:
стр. 617
لأن الجمع المعرَّف قبل دخول كل، يفيد هذه الفائدة، إذ الجمع المحلَّى باللام مستغرق عند المحققين.
واختار - في الجواب -: أن اللام تفيد العموم في مراتب ما دخلت عليه، وكل تفيد العموم في أجزاء كل من تلك المراتب.
فإذا قلت: كل الرجال، أفادت اللام استغراق كل مرتبة من مراتب جمع الرجال، وأفادت كل، استغراق الآحاد.
وبعد ركاكة عبارته فيه نظر: أما أولًا: فلأن ما اختاره من أن الجمع المحلَّى باللام يفيد استغراق مراتب الجمع، قول مردود ذكره صاحب المفتاح (١) / ق (٥١/ أمن ب) في تفسير قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤].
ورده المحققون: إذ لا ريب في أن قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤، ١٤٨] معناه كل فرد لا كل جمع.
وأما ثانيًا: فلأن ما ذكره يدل على عدم جواز استثناء زيد في مثل جاءني الرجال إلا زيدًا: لأنه لم يتناوله لفظ الجمع.
قال صاحب التلويح: "لا يقال: المستثنى في مثل جاءني الرجال إلا زيدًا، ليس من الأفراد: لأن أفراد الجمع جموع لا آحاد، لأنّا نقول: الحكم
стр. 618
في الجمع المعرَّف الغير المحصور إنما هو على الآحاد لا على الجموع بشهادة الاستقراء، والاستعمال" (١).
فإن قلت: في الجواب عن ذلك الإشكال؟ .
قلت: الجواب: هو أن الجمع المعرَّف، قبل دخول كل، ظاهر في الاستغراق، فإذا دخل عليه كل، صار نصًا لم يختلف فيه، هكذا حقق المقام، وجانب الأباطيل، والأوهام (٢).
وسيأتي مباحث كل، في مبحث العام مستوفاة إن شاء الله تعالى.
قوله: "التاسع عشر: اللام للتعليل".
أقول: من تلك الحروف المتداولة اللام، وهي الجارة، المكسورة.
وإنما قيدنا بذلك ليخرج لام الابتداء، والتعريف، وهي تأتي لمعان.
منها: التعليل نحو: جئتك للسمر، والاستحقاق نحو: ويل لمن كذب نبيًا.
والاختصاص نحو: الجُلّ للفرس، والملك نحو: المال لزيد.
وللعاقبة نحو: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] إذ لم يكن الغرض كونه عدوًا بل ابنًا، وهذا راجع إلى التعليل
стр. 619
لا حقيقة، بل مجازًا: لأنه شبه ما ترتب على فعلهم بالغرض المقصود من الفعل، وأدخل عليه ما يدخل الغرض استعارة تبعية.
والتمليك نحو: وهبت الكتاب لزيد، أي: ملَّكتَه.
والحق: أن التمليك داخل في الاختصاص، وكذا الملك، فتأمل.
أو شبه الملك نحو: أبحت له، وهذا - أيضًا - يرجع إلى الاختصاص.
والتأكيد - وهو الذي يأتي بعد النفي الداخل على كان - نحو: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، وتسمى لام الجحود.
والتعدية نحو: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣].
والتأكيد - أي: المبالغة في صدور الفعل - نحو: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] أي: ما يريد، وحيث لا معارض له في مشيئته أكده باللام.
وبمعنى إلى، نحو: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [الأعراف: ٥٧] أي: إلى بلد.
وبمعنى على نحو: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] أي: عليها.
وفي نحو: قوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أي: فيه.
وبمعنى عند، نحو: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وسماه في "الكشاف" لام التوقيت (١).
стр. 620
وبمعنى من، نحو: سمعت له، أي: منه.
وبمعنى عن، نحو: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]. إذ لو كان على أصله لكان القياس الخطاب في ﴿سَبَقُونَا﴾.
ولم يذكر المصنف إلا المعاني المشهورة، ولها معان أُخر (١).
تكون (٢) / ق (٥٠/ ب من أ) للقسم في مقام التعجب نحو قول الشاعر:
لله يبقى على الأيام ذو حِيَدٍ ... بمشْمَخرٍّ به الظَّيَّان والآسُ (٣)
стр. 621
قوله: "العشرون: لولا".
أقول: من تلك الحروف المتداولة كلمة لولا، وهى تدخل على الفعل تارة، وعلى الاسم أخرى.
فإذا دخلت الاسم تكون حرف امتناع يدل على أن الثاني امتنع لوجود الأول، فوجود الأول علة لامتناع الثاني نحو: "لولا عليّ (١) لهلك عمر".
وما ذكرناه من العلية ينبغي أن يكون مراد المصنف، وإلا ليس في الكلام شرط يقتضي جوابًا.
وإذا وقع بعدها فعل (٢) / ق (٥١/ ب من ب) فإن كان مضارعًا، فللحث، والترغيب، في الفعل، وهو معنى التحضيض، وإن كان في الماضي، فللتوبيخ، واللوم على الترك، ولا يلام على شيء إلا وكان
стр. 622
مطلوبًا وجوده، فهي لطلب الفعل مطلقًا، وما ذكروه تفصيل لذلك الطلب. قال: وقد تأتي للنفي، ومثل لذلك بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس: ٩٨] أي: ما كانت.
والمحققون - على أنها على أصلها - وهو التوبيخ، أي: لم لا تؤمنون قبل معاينة العذاب، وحصول البأس الذي لا ينفع الإيمان عنده، تعليلًا لعدم قبول إيمان فرعون عليه لعائن الله، عاش أربع مئة سنة ما مسه فيها ألم يومًا، ولم يصرف يومًا بصره إلى أمر المعاد، وتحصيل الجنة الباقية، ولما أدركه غضب الله، وأحاط به سرادقات القهر والانتقام آمن ثلاثة أنواع من الإيمان: إذ قوله: ﴿آمَنَتْ﴾ نوع من الإيمان: لأنه كان دهريًا، وقول الدهري: آمنت إسلام منه، ثم قال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ نوع ثان من الإيمان، وقوله: ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١) نوع ثالث من الإيمان.
وإنما قيد قوله: بالإله الذي آمنت به بنو إسرائيل قطعًا للشركة، والربوبية التي كان يدعيها لنفسه الخبيثة أيام شوكته الذاهبة، ودولته الخاسرة.
стр. 623
ثم مدح قوم يونس على تلافيهم قبل حصول البأس الذي جرت سنة الله تعالى بعدم الرأفة، والرحمة على من يضطر عنده إذ لم يبق له اختيار، والإيمان تكليف لا يوجد لدى الاضطرار (١).
قوله: "لو: حرف شرط للماضي، ويقل للمستقبل، قال سيبويه: حرف لِمَا كان سيقع لوقوع غيره" (٢).
أقول: من تلك الكلمات المتداولة لفظ: لو، وهو حرف موضوع لتعليق حصول أمر في الماضي بحصول أمر آخر مقدر فيه.
هذا أصل وضعه، ثم حصول المقدر في الماضي مقطوع بعدمه، فينتفي الحصول المعلق عليه لانتفاء الشرط.
فمن عَرَّف بأن لو: لانتفاء الثاني لانتفاء الأول - أي انتفاء الجزاء معلل بانتفاء الشرط، أو قال: معناه امتناع الجزاء لامتناع الشرط - كما قاله صاحب المفتاح - أخذ بالحاصل، وتعبير عن معنى اللفظ بلازمه.
ثم قد اعترض على هذا بعض المحققين (٣)، وقال: "الشرط السبب، والمشروط مسبب، ولا يلزم من انتفاء السبب الواحد انتفاء المسبب:
стр. 624
لجواز أن يكون لشيء أسباب كثيرة، بل الأمر بالعكس: لأن انتفاء المسبب دليل على انتفاء الأسباب كلها".
ونقح كلامه بعض الأفاضل (١): بأن قوله: الشرط سبب، باطل لأن الشرط ملزوم، والملزوم أعم من أن يكون سببًا، إذ ربما كان الشرط، والجزاء مسببين عن سبب واحد كقولنا: إن كان النهار موجودًا كان العالم مضيئًا: لأن/ ق (٥١/ أمن أ) سببهما طلوع الشمس ولكن دليله تام: لأن الشرط ملزوم/ ق (٥٢/ أمن ب) وانتفاء الملزوم لا يوجب انتفاء اللازم بل الأمر بالعكس.
يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
استدل - بعدم الفساد الذي هو انتفاء اللازم على عدم التعدد الذي هو انتفاء الملزوم، كما أطبق عليه أئمة المنطق -: أن نقيض الجزاء ينتج نقيض الشرط دون العكس.
والجواب - عما ذكراه -: هو أن "لو" في كلام العرب مستعمل على وجهين:
أحدهما: ما ذهبا إليه، وهو الاستدلال بأن انتفاء اللازم يوجب انتفاء الملزوم، كما ذكر في الآية الكريمة.
الثاني: أن يكون الانتفاء أن معلومين في نفس الأمر، فلا استدلال بأحدهما على الآخر للعلم بهما، فتستعمل "لو" لبيان سببية الانتفاء، أي: انتفاء [الجزاء] (٢).
стр. 625
مثال: لو جئتني أكرمتك، مخاطبك عالم بأن لا مجيء، ولا إكرام، ولكن عرَّفته أن سبب انتفاء الإكرام - في نفس الأمر - هو انتفاء المجيء.
فالقولان مستقيمان، لكن هذا الاستعمال الثاني هو الأكثر، وكلام سيبويه، وكلام غيره - وهو الامتناع للامتناع - والرد على الاستعمال الأكثر.
وقد تستعمل في المستقبل بمعنى إن، نحو: "اطلبوا العلم ولو بالصين" (١)، أي: وإن كان العلم المطلوب حاصلًا في الصين، وهو الذي أشار إليه المصنف بأنه قليل، نقل (٢) هذا عن المبرد.
وقد تستعمل للاستمرار، والدوام، أي: لزوم الجزاء، مع الشرط، ونقيضه، وهذا في كل شرط يكون ترتب الجزاء على نقيض الشرط أولى،
стр. 626
وأليق من ترتبه على الشرط نحو: لو أهنتني لأكرمتك، أي: إكرامي لازم على كل حال، لأن وجوده مع الإهانة، دليل على أنه مع عدمه أولى.
ومنه قول عمر: "نعم العبد صهيب (١) لو لم يخف الله لم يعصه" (٢) فتأمل! .
وقيل: يكون لمجرد الربط ليس إلا، وأما الامتناع، أو الانتفاء يحصل من القرائن، وليس بشيء لمخالفته إجماع علماء العربية، والمنطق.
стр. 627
واختار المصنف - وفاقًا لوالده ﵀: أنها لامتناع الشرط واستلزام التالي سواء كان التالي مثبتًا أو منفيًا ثم ينتفي التالي إن كان بين التالي والمقدم مناسبة عرفية، أو عقلية، ولم يكن للمقدم خلف من ماصدقات التالي ليحصل التالي في ضمنه نحو: لو كان إنسانًا، لكان حيوانًا: إذ لا يلزم من انتفاء الإنسان انتفاء الحيوان لوجود الخلف من سائر أنواع الحيوان، بخلاف ما إذا لم يكن له خلف نحو: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
ونحن نقول - في هذا المختار -: نظر من وجوه: الأول: أنه لا يمكن أن يكون وضع "لو" لما ذكره: لأنها إذا وضعت لامتناع الشرط لا يعقل أن تدل على استلزام الشرط نفسه للجزاء: لأنك إذا قلت: لو جئتني لأكرمتك، فدلت لو على امتناع المجيء، وإذا كان المجيء ممتنع الوجود، كيف يستلزم وجوده، وجود الجزاء؟ .
الثاني: قوله: "ثم ينتفي التالي إن كان بينه، وبين المقدم مناسبة" غير سديد: لأنه جعل وجود الشرط ملزوم [الجزاء] (١)، ولا يلزم من انتفاء الملزوم انتفاء اللازم، وإن كان اللازم عقليًا، فكيف بالمناسبة المذكورة (٢) / ق (٥٢/ ب من ب).
стр. 628
فإن قلت: قد قال المصنف: إن انتفاء التالي يكون لازمًا إذا لم يوجد خلف المقدم.
قلت: وجود الخلف، وعدمه لا دخل له في دلالة الكلمة، والاستدلال بها.
ألا ترى: أن المنطقيين أجمعوا على عدم جواز الاستدلال بانتفاء المقدم على انتفاء التالي، وإن كان التالي مساويًا للمقدم نحو: لو كان هذا إنسانا لكان ناطقًا (١) / ق (٥١/ ب من أ).
الثالث: أنها إذا لم تدل على انتفاء التالي - لأنها موضوعة لامتناع الشرط الذي وجوده مستلزم لوجود الجزاء، مع عدم دلالته على ثبوت الجزاء، أو انتفائه، وترتب انتفاء الجزاء يكون ناشئًا من المناسبة المذكورة - يكون مخالفًا لإجماع أهل العربية لإجماعهم على أنها لامتناع الجزاء، لامتناع الشرط، أي: امتناع الشرط علة لامتناع الجزاء.
وأهل المنطق: لأنهم مطبقون على أنها لانتفاء الشرط لانتفاء الجزاء، أي: انتفاء الجزاء علة لانتفاء الشرط: لأن ما اختاره لا يوافق شيئًا من المذهبين.
الرابع: لا ريب - عند من يعتد به - أن "لو"، وضعت لتعليق أمر بآخر، مع الجزم بانتفاء المعلق عليه في الماضي قطعًا، فيلزم انتفاء المعلق أيضًا.
стр. 629
وعلى ما اختاروه لا تعليق إذ "لو"، موضوعة لانتفاء الشرط الذي وجوده مستلزم لوجود الجزاء.
وأما الانتفاء المذكور إنما حصل من المناسبة، فلا ربط بين الانتفاءين، فتأمل! .
فإن قلت: قوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] ما معناه؟ ، ومن أي قبيل هو من الواردة لبيان السببية - على ما ذهب إليه الجمهور -، أو للاستدلال؟ .
قلت: قيل: إنه للاستدلال على صورة القياس الاقتراني، أي: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا﴾، فينتج: لو علم الله فيهم خيرًا لتولوا.
واعترض: بأنه على تقدير علم الله فيهم خيرًا التولي غير ممكن.
أجيب: بأن علم الله فيهم خيرًا محال، والمحال يجوز أن يستلزم المحال.
ورده بعض الأفاضل (١): بأن "لو"، لم تستعمل في فصيح الكلام في القياس الاقتراني، وإنما تستعمل في الاستثنائي الذي يكون المستثنى فيه يقتضي التالي، نحو: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، لكن لم تفسدا، فلا آلهة، بل الآية واردة لبيان السببية، أي: سبب انتفاء
стр. 630
الإسماع هو العلم بانتفاء الخير فيهم، ثم ابتدأ كلامًا آخر، وقال: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا﴾ [الأنفال: ٢٣] كيف، ولم يسمعهم؟ ، فهو من قبيل: "لو لم يخف الله لم يعصه".
ثم جوز الفاضل المذكور آنفًا أن تكون "لو" في قوله: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا﴾ على أصله لبيان السببية، ومعناه: أن انتفاء التولي حاصل منهم لانتفاء الإسماع من الله تعالى.
ولما توجه: أن انتفاء التولي خير، وقد أخبر الله تعالى أنه لا خير فيهم.
أجاب: بأن عدم التولي ليس بخير مطلقًا، بل إذا سمعوا أحكام الله، ولم يتولوا، وأما إذا لم يتولوا لعدم الإسماع إياهم لعلمه بأن لا خير فيهم، فلا خير في عدم التولي إذا.
ثم قول المصنف: "وثبت إن لم يناف"، أي: ثبت التالي إن لم يناف وجوده انتفاء المقدم، وناسب بالأولى نحو: "لو لم يخف الله لم يعصه".
إشارة إلى ما ذكرناه من أنه تستعمل للدوام، واللزوم، إذا كان ترتبه على نقيض الشرط أولى.
وقوله: "إن لم يناف" زائد، لا فائدة في ذكره: لأنه شرط أن يكون مناسبًا لنقيض الشرط من باب الأولى، فكيف يتصور أن يكون منافيًا لانتفاء الشرط؟
وقوله: "أو المساواة: كـ: لو لم تكن ربيبة لما حلت للرضاع".
стр. 631
وقوله: "أو الأدون كقولك: لو انتفت أخوة النسب لما حلت للرضاع".
من فروع: لو لم يخف الله، والملحقات به لعدم التفاوت في أصل المراد.
قوله: "وترد للتمني، والعَرْض، والتحضيض".
مثال التمني: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] / ق (٥٣/ أمن ب).
والعرْض نحو: لو نزلت بنا ليلة [حيث يعلم أنه لا ينزل.
والتحضيض: حيث] (١) يكون القصد الحث على الفعل.
قوله: "والتقليل / ق (٥٢/ أمن أ) نحو قوله ﷺ : "تصدقوا، ولو بظلف (٢) محرق" (٣) ".
أي: لا تردوا السائل محرومًا، ولو تصدقتم عليه بأدنى شيء خير من رده خائبًا.
стр. 632
والحق: أن هذا من قبيل ما استعمل فيه "لو"، مستقبلًا، إذ معناه: الحث على التصدق، كما قدمنا في قوله: "اطلبوا العلم، ولو بالصين" (١)، والتقليل عُلِمَ من خصوص المثال.
ولو قال: زيد صديقك القديم أهل للبر، ولو أعطيته جميع ما تملكه كان المعنى بحاله على الاستقبال (٢).
قوله: "الثاني والعشرون: لن".
أقول: من تلك الأحرف المتداولة كلمة لن، وفي أصلها خلاف، فهى حرف مقتضب، عند سيبويه، وهو إحدى الروايتين عن الخليل، وأصلها: لا أن، عند الفراء (٣).
وعملها: نصب المضارع، ومعناها: نفي الفعل المستقبل، بلا تأكيد، وتأبيد عند المصنف، والتأكيد، والتأبيد مفوض إلى القرائن.
стр. 633
والأظهر: أن معناها: التأكيد، والتأبيد هو المتبادر في مواطن الاستعمال، إلا لقرينة صارفة. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر: ٣٤]. إذ لا ريب أنهم نفوه على التأبيد.
وقول موسى - صلوات الله عليه -: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧].
وقول أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف: ٨٠].
وقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧].
وحيث قارنه التأبيد يكون نصًا في التأبيد، وبدونه ظاهرًا.
وهذه الاستعمالات الكثيرة دعوى القرينة فيها بعيد جدًا.
وأما الجواب - عن استدلال "الكشاف" (١) بها في: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]- واضح.
إذا قلنا: إنها ظاهرة في التأبيد يجب صرفها عن ظاهرها للدلائل الدالة على وقوع الرؤية، أو لن تراني في دار التكليف (٢).
стр. 634
وقولنا: تفيد التأبيد، معناه: ما دام التكليف باقيًا.
ألا ترى: أنه تعالى نفى تمني اليهود الموت على سبيل التأبيد بقوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥]، مع أن اليهود في جهنم يتمنون الموت كل ساعة.
قوله: "وترد للدعاء"، نحو: لن تصاب بأمر تكرهه.
والحق: أن هذا ليس خاصة معناه، بل جميع أدوات النفي تشاركه.
نحو: لا زلت منصورًا على الأعداء.
قولِه: "الثالث والعشرون: ما، ترد اسمية، وحرفية".
أقول: من تلك الحروف المتداولة لفظة: ما، وهى مشتركة بين الاسم، والحرف.
فالاسمية موصولة نحو: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
وموصوفة نحو: مررت بما يعجب، أي شيء معجب، فهى إذًا نكرة موصوفة.
وللتعجب نحو: ما أحسن الدين، والدنيا إذا اجتمعا.
واستفهامية نحو: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٥١]؟
وشرطية نحو: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢].
وقسمها المصنف قسمين: زمانية نحو: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]، وغير زمانية كما ذكرنا من المثال.
стр. 635
والحق: أن الزمانية، وعدم الزمانية ليس راجعًا إلى معنى الشرط إذ معنى الشرط تعليق أمر بآخر، ولا نظر في ذلك إلى كونه زمانيًا، أو غير زماني، بل لا يتصور التعليق إلا في الزمان.
فذلك الذي ذكره بعض النحاة، وتبعهم المصنف هو معنى الدوام، لا الزمان، يظهر بالنظر في الأمثلة التي ذكروها للزماني.
والحرفية منها المصدرية، وقسمها - أيضًا - إلى الزمانية نحو: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] , وإلى غير الزمانية نحو:
يسر المرء ما ذهب الليالي ... وكان ذهابهن له ذهابا (١)
والكلام فيها، كالكلام في الشرطية (٢) / ق (٥٢/ ب من أ)، وأن الزمان ليس راجعًا إلى المعنى المصدري ونافية نحو: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤].
وزائدة للتأكيد إما كافة (٣) / ق (٥٣/ ب من ب) نحو: قلما يوجد مثل زيد فاضل.
وغير كافة إما عوض نحو: افعل كذا إما لا، أي: إن كنت لا تفعل غيره.