وقوله: "أو الأدون كقولك: لو انتفت أخوة النسب لما حلت للرضاع".
من فروع: لو لم يخف الله، والملحقات به لعدم التفاوت في أصل المراد.
قوله: "وترد للتمني، والعَرْض، والتحضيض".
مثال التمني: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] / ق (٥٣/ أمن ب).
والعرْض نحو: لو نزلت بنا ليلة [حيث يعلم أنه لا ينزل.
والتحضيض: حيث] (١) يكون القصد الحث على الفعل.
قوله: "والتقليل / ق (٥٢/ أمن أ) نحو قوله ﷺ : "تصدقوا، ولو بظلف (٢) محرق" (٣) ".
أي: لا تردوا السائل محرومًا، ولو تصدقتم عليه بأدنى شيء خير من رده خائبًا.
стр. 632
والحق: أن هذا من قبيل ما استعمل فيه "لو"، مستقبلًا، إذ معناه: الحث على التصدق، كما قدمنا في قوله: "اطلبوا العلم، ولو بالصين" (١)، والتقليل عُلِمَ من خصوص المثال.
ولو قال: زيد صديقك القديم أهل للبر، ولو أعطيته جميع ما تملكه كان المعنى بحاله على الاستقبال (٢).
قوله: "الثاني والعشرون: لن".
أقول: من تلك الأحرف المتداولة كلمة لن، وفي أصلها خلاف، فهى حرف مقتضب، عند سيبويه، وهو إحدى الروايتين عن الخليل، وأصلها: لا أن، عند الفراء (٣).
وعملها: نصب المضارع، ومعناها: نفي الفعل المستقبل، بلا تأكيد، وتأبيد عند المصنف، والتأكيد، والتأبيد مفوض إلى القرائن.
стр. 633
والأظهر: أن معناها: التأكيد، والتأبيد هو المتبادر في مواطن الاستعمال، إلا لقرينة صارفة. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر: ٣٤]. إذ لا ريب أنهم نفوه على التأبيد.
وقول موسى - صلوات الله عليه -: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧].
وقول أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف: ٨٠].
وقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧].
وحيث قارنه التأبيد يكون نصًا في التأبيد، وبدونه ظاهرًا.
وهذه الاستعمالات الكثيرة دعوى القرينة فيها بعيد جدًا.
وأما الجواب - عن استدلال "الكشاف" (١) بها في: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]- واضح.
إذا قلنا: إنها ظاهرة في التأبيد يجب صرفها عن ظاهرها للدلائل الدالة على وقوع الرؤية، أو لن تراني في دار التكليف (٢).
стр. 634
وقولنا: تفيد التأبيد، معناه: ما دام التكليف باقيًا.
ألا ترى: أنه تعالى نفى تمني اليهود الموت على سبيل التأبيد بقوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥]، مع أن اليهود في جهنم يتمنون الموت كل ساعة.
قوله: "وترد للدعاء"، نحو: لن تصاب بأمر تكرهه.
والحق: أن هذا ليس خاصة معناه، بل جميع أدوات النفي تشاركه.
نحو: لا زلت منصورًا على الأعداء.
قولِه: "الثالث والعشرون: ما، ترد اسمية، وحرفية".
أقول: من تلك الحروف المتداولة لفظة: ما، وهى مشتركة بين الاسم، والحرف.
فالاسمية موصولة نحو: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
وموصوفة نحو: مررت بما يعجب، أي شيء معجب، فهى إذًا نكرة موصوفة.
وللتعجب نحو: ما أحسن الدين، والدنيا إذا اجتمعا.
واستفهامية نحو: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٥١]؟
وشرطية نحو: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢].
وقسمها المصنف قسمين: زمانية نحو: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]، وغير زمانية كما ذكرنا من المثال.
стр. 635
والحق: أن الزمانية، وعدم الزمانية ليس راجعًا إلى معنى الشرط إذ معنى الشرط تعليق أمر بآخر، ولا نظر في ذلك إلى كونه زمانيًا، أو غير زماني، بل لا يتصور التعليق إلا في الزمان.
فذلك الذي ذكره بعض النحاة، وتبعهم المصنف هو معنى الدوام، لا الزمان، يظهر بالنظر في الأمثلة التي ذكروها للزماني.
والحرفية منها المصدرية، وقسمها - أيضًا - إلى الزمانية نحو: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] , وإلى غير الزمانية نحو:
يسر المرء ما ذهب الليالي ... وكان ذهابهن له ذهابا (١)
والكلام فيها، كالكلام في الشرطية (٢) / ق (٥٢/ ب من أ)، وأن الزمان ليس راجعًا إلى المعنى المصدري ونافية نحو: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤].
وزائدة للتأكيد إما كافة (٣) / ق (٥٣/ ب من ب) نحو: قلما يوجد مثل زيد فاضل.
وغير كافة إما عوض نحو: افعل كذا إما لا، أي: إن كنت لا تفعل غيره.
стр. 636
أو غير عوض نحو: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (١).
قوله: "الرابع والعشرون: مِن، لابتداء الغاية".
أقول: من تلك الحروف المتداولة كلمة من، ذكر المصنف: أن معنى الابتداء غالب فيها، وعبر عنه - في "المحصول" -: بأنه المشهور، ثم اختار أنها للتمييز. لوجوده في جميع معانيه (٢).
والبيضاوي: أنها للبيان، وغيره مجاز دفعًا للاشتراك (٣).
وفي أصول الحنفية: أنها حقيقة في التبعيض (٤).
مثال الابتدائية: سرت من البصرة.
ومثال التبعيضية: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٤] على الأصح.
والتبيين: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠].
والتعليل نحو: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٣٢].
والبدل نحو: "ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (٥).
стр. 637
والغاية [نحو] (١): فلان قريب من زيد، أي: إليه، والحق: أنها ابتدائية، أي: المسافة منه قريبة إلى زيد.
وتنصيص العموم نحو: ما في الدار من أحد، إذ بدون من لفظ ما ظاهر في العموم، ومع من نص لا يحتمل غيره، ولفظ من زائدة، والنصوصية من خصوص المقام، لا أنها معنى من.
وللفصل، أي: التمييز بين الشيئين نحو: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
قيل: وتدخل على ثاني الضدين في هذه الصورة، كما في هذه الآية الكريمة.
قوله: "ومرادفة الباء" مصدر من باب المفاعلة نحو: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] أي: به".
[وبمعنى] (٢) عن نحو: ﴿قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٩٧] أي: عن هذا.
أو في نحو: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] أي: فيه.
وعند نحو: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] أي: عند الله.
стр. 638
وعلى نحو: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ [الأنبياء: ٧٧] (١) أي: عليهم.
قوله: "الخامس والعشرون: من".
أقول: من تلك الكلمات المتداولة لفظ من، وهى تكون شرطية نحو: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء: ٩٤].
واستفهامية نحو: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦].
وموصولة نحو: أكرمن من تعرفه.
ونكرة موصوفة نحو:
كفى بنا فضلًا على مَن غيرِنا ... حبُّ النبيِّ محمدٍ إيانا (٢)
وأثبت أبو علي الفارسي "من" التامة نكرة بمعنى إنسان، أو شخص.
والجمهور: لم يثبتوه لعدم الظفر بشاهد يعتمد عليه (٣).
стр. 639
قوله: "السادس والعشرون: هل".
أقول: من تلك الحروف المتداولة لفظ: هل، وهى للتصديق، أي: للسؤال عنه نحو: هل قام زيد.
والجمهور: لم يقيدوا التصديق، والمصنف قيده بالإيجابي احترازًا عن التصديق السلبي.
والظاهر: أنها اختصت بالإيجابي: لأن أصلها أن تكون بمعنى قد، مع همزة الاستفهام.
وقد جاء صريح الهمزة معها نحو:
سائل فوارسَ يربوعٍ بشدتنا ... أَهلْ رأونا بسفح القاعِ ذي الأكمِ (١)
ولا معنى للهمزة، مع قد في الفعل المنفي، يعرف بالتأمل! .
ولما كانت لطلب التصديق، امتنع أن يقال: أزيد قام أم عمرو؟ .
ولأن وقوع المفرد بعد أم دليل كون أم متصلة، وبين "أم" المتصلة و"هل" تدافع: لأن المتصلة لطلب التصور، أي: تعينه بعد الحكم، وهل لطلب التصديق، فيتنافيان.
стр. 640
ويقبح: هل زيدًا ضربت: لأن التقديم يستدعى حصول/ ق (٥٣ / أمن أ) التصديق.
وإنما الكلام في المفعول أزيد هو، أم عمرو؟ .
فإن قلت: إذا كان التصديق حاصلًا ينبغى أن يكون ممتنعًا لا قبيحًا، وإلا فما وجهه؟
قلت: يحتمل أن يكون [زيدًا مفعولًا] (١) لفعل يفسره الفعل الظاهر، لكن لما لم يشتغل الفعل المفسر بالضمير قبح لذلك.
واعلم: أن هل، إذا دخلت المضارع صيرته نصًا في الاستقبال [فإذا وقع ضرب من مخاطبك على أخيه، فلا يصح أن تقول: هل تضرب زيدًا، وهو أخوك لا، لأن الجملة الحالية تنافي الاستقبال] (٢)، بل لأن الفعل الواقع في الحال لا ينكر بلفظ موضوع للاستقبال.
وتنقسم هل إلى بسيطة/ ق (٥٤/ أمن ب)، ومركبة، فالبسيطة، يكون الوجود في تصديقها محمولًا نحو هل العشاء موجودة؟ ، والمركبة يكون الوجود فيها معلومًا، والمحمول يكون صفة مرتبة على الوجود نحو: هل حركة زيد سريعة، أو بطيئة (٣)؟ .
стр. 641
ثم المصنف ترك الهمزة، وكان الأولى ذكرها: لأنها أصلية في باب الاستفهام، وأوسع معنى لوقوعها في التصور سؤالًا عن المحكوم عليه، نحو: أزيد قائم، أم عمرو؟ والمحكوم به، نحو: في الخابية عسلك، أم في الزق (١)؟ وفي التصديق نحو: أقام زيد، أم عمرو؟ وباقي أدوات الاستفهام كلها للتصور فقط.
قوله: "السابع والعشرون: الواو لمطلق الجمع".
أقول: من تلك الحروف المتداولة الواو، وهى للجمع المطلق، أي: للجمع المشترك بين المعية، والترتيب، فإذا قلت: جاء زيد، وعمرو أفاد صدور المجيء عنهما، ويحتمل أن يكون مجيء زيد قبل عمرو، والعكس، والمعية، كذا ذكره أبو على الفارسي، ونص عليه سيبويه في الكتاب في خمسة عشر موضعًا (٢)، هذا هو المختار نقلًا، ودليلًا، وقيل: للترتيب، وقيل: للمعية (٣).
стр. 642
لنا - على المختار - ما نقلناه من أئمة العربية، ولو كان للترتيب، لكان قولنا: جاء زيد، وعمرو يعد تكرارًا، ولو كان للمعية لكان تناقضًا.
قالوا: قال الله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، والسجود بعد الركوع إجماعًا.
قلنا: مستفاد من قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١) جمعًا بين الأدلة.
قالوا: لما نزل: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] قال ﷺ : "أبدأ بما بدأ الله به" (٢).
قلنا: لنا، لا علينا إذ لو كان مستفادًا منه لما أمر به.
قالوا: خطب أعرابي عند رسول الله ﷺ ، فقال: "من أطاع الله ورسوله، فقد اهتدى، ومن عصاهما، فقد غوى".
فقال ﷺ : "بئس خطيب القوم أنت، قل: ومن عصى الله ورسوله" (٣)، فلو كان الواو لمطق الجمع - على ما زعمتم - لما كان فرق بين العبارتين، ولو لم يكن فرق لما رده، وما ذاك إلا أن في العطف ترتيبًا لم يكن في عدمه لعدم فارق آخر.
قلنا: الفارق: هو التعظيم إذ الإفراد بالذكر مُؤْذِن بالتعظيم، ومعصيتهما لا ترتيب فيها، إذ مخالفة الرسول ﷺ عين مخالفة الله لأنه مبلغ عنه.
стр. 643
قالوا: لو قال - لغير المدخول بها -: أنت طالق، وطالق، وطالق تقع واحدة، وإذا قال لها: أنت طالق ثلاثًا تقع الثلاث، فلو لم تكن الواو للترتيب لم يكن فرق في المسألتين.
قلنا: عدم وقوع الثلاث ممنوع إذ قال به مالك في المسألة الأولى أيضًا، وهو قول قديم للشافعي (١).
وأما قوله الجديد، وهو المذهب، فالفرق أن قوله/ ق (٥٣ / ب من أ) - في الصورتين (٢) -: أنت طالق جملة مستقلة تفيد وقوع الطلاق، بل توقف على شيء آخر (٣).
وقوله: ثلاثًا. بيان متصل به يقبل منه، ويحمل على أنه قصد بقوله: أنت طالق [إيقاع الثلاث بخلاف قوله: وأنت طالق لا يصلح بيانًا لقوله: أنت طالق] (٤) فيتم الكلام به، وتحصل البينونة.
فإن قيل: فقد نقل عن مالك أنها مثل ثم، في وجه ذلك؟ .
أجيب: بأن مالكًا قاله - في المدخول بها -: وهو أنه إذا قال - لها -: أنت طالق، وطالق، ثم قال: أردت بالثانية تأكيد الأولى، لا يقبل منه لظهور الواو في عدم الترتيب.
قالوا: وفي هذه الصورة مثل ثم، فكما لا يقبل دعوى التأكيد في ثم، فكذا في الواو.
стр. 644
باب الأمر
قوله: "الأمر".
أقول: أي هذه المباحث التي تشرع فيها مباحث الأمر (١)، وقد تقدم منا تحقيق هذا الكلام، ونعيده لبعد العهد (٢).
فنقول: الأمر، أي: الهمزة، والميم، والراء كيف تركب هذه الحروف حقيقة في القول الطالب للفعل مطلقًا، أي: من غير ملاحظة علو، ولا استعلاء؟
قال المولى المحقق عضد الملة والدين - نور الله مرقده -: "لا نريد بالأمر هنا مسماه، كما يراد بالألفاظ مسمياتها عند إطلاقها، بل نريد به هذه؛ أم ر، مركبة، كما يراد لفظ "في" إذا قلنا: في حرف جر.
стр. 645
ونقول: ضرب فعل ماض، ويضرب فعل مضارع، وزيد مركب من حروف ثلاثة" (١).
وما ذكرنا من القول الطالب للفعل، هو معنى قول المصنف: القول المخصوص، ولهذا القول المخصوص صيغة، وهى افعل، ونظائره.
فمعنى قولك: أمر زيد (٢) / ق (٥٤/ ب من ب) عَمرًا بالقيام، أي: قال له: قم، مجاز في الفعل، دفعًا للاشتراك.
وقيل: للقدر المشترك بينهما، أي: بين القول والفعل، فيكون متواطئًا (٣).
وقيل: مشترك لفظًا كالعين للباصرة، والجارية.
أبو الحسين البصري (٤) من المعتزلة: إذا قيل: أمر فلان، ترددنا بين
стр. 646
القول، والفعل، والشأن، والصفة، وهو آلة الاشتراك، فيكون مشتركًا بين الأربعة (١).
قلنا: ممنوع، بل يتبادر القول، فيكون الباقي مجازًا، ولو لم يتبادر كان الحمل على الحقيقة في القول، والمجاز في الباقي واجبًا لكونه خيرًا من الاشتراك (٢).
قوله: "وحَدُّه: اقتضاء فعل غيرِ كَفٍّ مدلولٍ عليه بغير كُفَّ".
أقول: حدَّه الشيخ ابن الحاجب ﵀ بقوله: "اقتضاء فعل غير كَفٍّ على جهة الاستعلاء" (٣).
стр. 647
فورد عليه: كف نفسك، فإنه من صيغ الأمر، وقد خرج بقولك: غير كف، فلا يكون جامعًا، وقيد الاستعلاء يخل بالجمع - أيضًا - لوجود حقيقة الأمر بدون الاستعلاء كقول فرعون - عليه لعائن الله لقومه -: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١١٠، والشعراء: ٣٥] لانتفائه قطعًا لكونه كان يدعي الربوبية، فلا مستعلى عليه في زعمه، وقد استعمله.
فاحترز المصنف عن الاعتراض، فأسقط قيد الاستعلاء، [وزاد قيدًا] (١) وهو قوله: "مدلول عليه بغير كف"، فدخل فيه كف.
واعلم: أن بعض المحققين (٢) أجاب عن السؤالين: بأن الأمر في ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ مجاز عن ماذا تشيرون، بقرينة المقام، وبأن الكف المذكور في التعريف يراد به الكف عن مأخذ الاشتقاق كقولك: لا تضرب، يراد به الكف عن الضرب الذي هو مأخذ اشتقاق لا تضرب، فيدخل كف لأنه لا يراد به الكف عن مأخذ اشتقاقه، بل يراد به كف النفس عن شيء آخر مخصوص، أو عام، فاندفع السؤال عن الشيخ ابن الحاجب/ ق (٥٤/ أمن أ) بشقيه (٣).
وفيما أفاده - لنا - نظر لورود قولنا: كف عن الكف، إذ يصدق عليه أنه كف عن مأخذه الاشتقاق، فتأمل!
стр. 648
وقد أجاب المولى قطب الشيرازي (١): بأن مراد الشيخ ابن الحاجب غير كف، لا يكون قد اشتق منه اللفظ الدال على الاقتضاء، وذلك: بأن لا يكون كفًا، كما في اضرب، أو كان، ولكن اشتق منه الصيغة مثل: اكفف، وهذا الجواب سالم إلا أنه لا يفهم من عبارة ابن الحاجب، ولذا لم يرتضه المولى [المحقق] (٢) عضد الملة والدين، آنسه الله برحمته، وقال بورود الاعتراض، ولم يجب بشيء.
قوله: "ولا يعتبر علو، ولا استعلاء".
أقول: هذا تصريح بما علم ضمنًا: لأنه لما حده بالاقتضاء المذكور من غير تقييد بهما علم عدم الاعتبار.
قوله: وقيل يعتبران. أي: يعتبر كل واحد بانفراده عن الآخر عن طائفة، وإنما قلنا كذلك: لأن اعتبارهما مما لم يقل به أحد (٣).
стр. 649
وقد أشار في المتن إلى القائل بكل واحد من القيدين. فقال: "واعتبرت المعتزلة، وأبو إسحاق الشيرازي (١)، وابن الصباغ (٢)، وابن السمعاني (٣) العلو (٤).
стр. 650
وأبو الحسين، والآمدي، والإمام وابن الحاجب الاستعلاء" (١).
فقوله: واعتبرت. بيان، وتفصيل لقوله يعتبران، فالأولى عدم الواو.
وقوله: واعتبر أبو على الجبائي، وابنه أبو هاشم [تعيين] (٢) إرادة الطلب باللفظ/ ق (٥٥/ أمن ب) احتراز عن التهديد، فإن صيغته إذا استعملت في التهديد لا طلب فيها.
وأجيب: بأن استعماله في التهديد مجاز، فلا حاجة إلى الاحتراز.
واعلم: أن الشيخ ابن الحاجب نقل هذا المذهب عن قوم على غير الوجه الذي نقله المصنف، فإنه قال: "وقال قوم: صيغة افعل، أي: الأمر صيغة افعل، بإرادات ثلاث: وجود اللفظ، أي: إرادة وجوده احترازًا عن النائم إذا قال: افعل، ودلالته على الأمر، أي: الطلب احترازًا عن التهديد، ونحوه، والامتثال، احترازًا عن المبلّغ، والحاكي.
стр. 651
ورده بأنه تهافت: لأن المراد بالأمر إن كان هو اللفظ فسد لقوله: "وإرادة دلالته على الأمر" واللفظ غير مدلول عليه، وإن كان المعنى فسد لقوله: "الأمر صيغة افعل" والمعنى ليست صيغة [افعل] (١) ".
وأجاب - عنه - المحقق (٢): بأنه أريد في الأول اللفظ، وفي الثاني المعنى، فإنه يطلق عليهما، فلا تهافت.
قوله: "والطلب بديهي".
أقول: لما أخذ الاقتضاء الذي هو مرادف للطلب في تعريف الأمر - ومعرفة المحدود موقوفة على معرفة الحد، وأجزائه، والاقتضاء ليس بمعلوم، فيحتاج إلى تعريفه - أشار إلى استغنائه عن التعريف لكونه بديهيًا.
هذا، وكان الأولى أن يقدم هذا الكلام على تعريف الأمر؛ لكونه قسمًا من أقسام الطلب، ثم يقسمه، ثم يشرع في البحث عن كل قسم.
واعلم أن العلماء في الطلب، والخبر فرقتان: فرقة توجههما إلى التعريف لكونهما كسبيين كسائر الكسبيات، وفرقة تقول: باستغنائهما، وهذا هو مختار المحققين. ومحصل ما استدلوا به على مذاهبهما: أن كل واحد ممن لم يمارس العلوم، والاكتساب، يفرق بين الصادق، والكاذب في الأخبار، ويأمر، وينهى، ويستفهم في الطلب، يورد كلًا في مقامه اللائق به، فلو لم يكونا ضروريين لما تأتَّى له ذلك.
стр. 652
والجواب - عن ذلك -: أن النزاع في تصورهما بالكنه، وما ذكروه لا يدل عليه، إذ يكفي - في ذلك الإيراد - المعرفة بوجه.
والمصنف (١) / ق (٥٤/ ب من أ) لم يتعرض لذلك الاستدلال، وكأنه يزعم أن بداهتهما، أي: وصف البداهة - فيهما - ضرورية أيضًا، فخلص من الاعتراض المذكور.
قوله: "والأمر غير الإرادة" إشارة إلى نفى ما ادعاه بعض المعتزلة من أن الأمر الذي هو الاقتضاء، نفس إرادة الفعل، وبنوا على هذا تلك المسألة القبيحة، وهى أن مراد الله، قد يتخلف: لأنه أمر من ختم على قلبه بالإيمان، والأمر غير الإرادة، فأراد منهم الإيمان، لكنه تخلف (٢). تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.
قوله: "مسألة: القائلون بالنفسي".
стр. 653
أقول: القائلون بثبوت الكلام النفسي (١) اختلفوا في أن الأمر، أي: الاقتضاء هل له صيغة تخصه، أم لا؟
قال إمام الحرمين، وتبعه كثير من المتأخرين: "إن هذه الترجمة خطأ إذ لا خلاف في أنه يعبر عن الطلب القائم بالنفس، مثل: أمرتك، وعن الإيجاب - خاصة - مثل: أوجبت عليك، والندب نحو: ندبت لك هذا الأمر، إنما الخلاف في مدلول صيغة افعل ما هو؟ وهذه العبارة (٢)، / ق (٥٥/ ب من ب) قاصرة عن تلك الإفادة" (٣).
قال بعض الأفاضل (٤): "ولا يبعد أن يقال: هذه التخطئة خطأ: لأن المراد أن الطلب هل له صيغة للدلالة عليه بهيئته بحيث لا يدل على غيره، كما أن للماضي، والمضارع صيغة تدل عليه كذلك؟
ولا خفاء في أن أمرت، ومأمور أنت بكذا، ونحوهما ليس كذلك لكونهما أخبارًا" (٥).
стр. 654
هذا أصل كلامه، وفيه نظر: لأن قول الإمام، ومن تبعه: إن الخلاف إنما هو في مدلول صيغة افعل، ما هو، هل يخص الأمر، أم لا؟ فإذا كان المراد هذا - وترجم المسألة: بأن الأمر هل له صيغة - يتناوله مثل: أمرت، وأنت مأمور، يصدق على كل منهما أنه صيغة تخص الأمر، ولا مخالف فيه، ولا هو من المقصود في شيء، بل الخلاف في أن صيغة افعل، ونحوه أي شيء معناه، أي يخص الأمر أم لا؟
فالذي أبداه هذا الفاضل من قوله: "المراد أن الطلب هل له صيغة للدلالة عليه بهيئته بحيث لا يدل على غيره" هو الذي أراده المحققون، وخطَّؤوا الترجمة المذكورة، لقصورها عن المراد، فكيف يخطئون؟ وكيف يستقيم الرد عليهم؟
فإن قلت: في الصواب في الترجمة؟
قلت: الصواب في الترجمة أن يقال: هل صيغة افعل، ونحوه مخصوصة بالطلب، أم لا؟
والعجب: أن المصنف قال: "والخلاف في صيغة افعل" ولم يتنبه على فساد تلك العبارة (١).
стр. 655
قال بنفيه الشيخ الإمام في السنة أبو الحسن الأشعري، أي: لم يثبت عنده أن صيغة افعل، ونحوه مختصة بالطلب، فقيل: لأنه متوقف في معناه، وقيل: لكونها لفظًا، مشتركًا عنده (١).
وابن الحاجب نسب التوقف إلى الشيخ، والقاضي أبي بكر، والاشتراك إلى غيرهما (٢).
قوله: "وترد للوجوب".
أقول: صيغة افعل - في لغة العرب - ترد لمعان كثيرة.
стр. 656
قال الإمام الغزالي: "تستعمل في خمسة عشر معنى (١) "، وكذا الإمام في "المحصول" (٢) والمصنف قد ارتقى بها إلى ستة وعشرين معنى (٣):
الوجوب: نحو ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
والندب: نحو ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣].
والإباحة: نحو ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢].
والتهديد: نحو ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠].
وإرادة الامتثال: كقولك - لصاحبك -: سامرني.
والإذن: كقولك - لمن طرق الباب -: ادخل.
والتأديب: نحو "كل مما يليك" (٤).
стр. 657
[والإرشاد: نحو ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]] (١).
والإنذار: نحو ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ [الزخرف: ٨٣].
والامتنان: نحو ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٨٨].
والتسخير: نحو ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦]. / ق (٥٥/ أمن أ).
والتكوين: نحو ﴿كُنْ فَيَكُوُنُ﴾ [النحل: ٤٠ ويس: ٨٢].
والتعجيز: نحو ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣].
والإهانة: نحو ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩].
والتسوية: نحو ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦].
والدعاء: نحو ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧].
والتمني: نحو "ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي" (٢): لأن الشاعر لشدة شوقه استطال ليله، وجعل/ ق (٥٦/ أمن ب) انجلاءه كالمستحيل.
стр. 658
والاحتقار: نحو ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ [الشعراء: ٤٣].
والخبر: نحو "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" (١). أي تصنع ما شئت.
والإنعام: نحو ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]. والحق: أنه للإباحة، كما سبق، وفي كثير من المعاني مناقشة ظاهرة، ولكن لم نتعرض لها لعدم زيادة فائدة، فاقتفينا أثر المصنف.
والتفويض: نحو ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢].
والتعجب: نحو ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ [الإسراء: ٤٨ والفرقان: ٩].
والتكذيب: نحو ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣].
والمشورة: نحو ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢].
والاعتبار: نحو ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ٩٩].
قوله: "والجمهور حقيقة في الوجوب".
стр. 659
أقول: بعد الاتفاق على استعمال صيغة افعل، ونحوه في المعاني المذكورة اختلف في أن الاستعمال في الكل حقيقة، أم في بعضها حقيقة، وفي البعض مجاز؟
والجمهور: على أنها حقيقة في الوجوب، وفي الغير مجاز (١).
ثم قال المصنف: "ومن قال بالوجوب، وهم الجمهور، اختلفوا في ذلك الوجوب هل عُلِم لغة، أو شرعًا، أو عقلًا؟ ".
والذي ذكره منقول عن القاضي أبي بكر، ولكن القول بأن الوجوب عُلِم بالشرع، أو بالعقل في غاية السقوط، إذ وضع المسألة إنما هو في معنى صيغة افعل، ونحوه لغة، هل يختص بالطلب، أم لا؟ فلا وجه للتردد فيه.
ونحن نذكر المذاهب التي ذكرها المصنف على وجه الضبط، ونشير إلى ما هو الحق بعد ذلك.
стр. 660
وقيل: للندب، وإليه ذهب أبو هاشم من المعتزلة (١).
وقال الشيخ أبو منصور الإمام المشهور الماتريدي (٢) من الحنفية: للقدر المشترك بين الوجوب، والندب، وهو مطلق الطلب (٣).
وقيل: بالاشتراك لفظًا بينهما.
وتوقف القاضي، والغزالي، والآمدي فيهما، أي: محتمل أن يكون مشتركًا في الوجوب والندب، ويحتمل [أن يكون] (٤) مشتركًا معنويًا (٥).
وقيل: بالاشتراك لفظًا بين الوجوب، والندب، والإباحة.
стр. 661
قيل: في الثلاثة المذكورة، والتهديد أيضًا.
وقال عبد الجبار من المعتزلة: لإرادة الامتثال مطلقًا، فيشمل الوجوب، والندب (١).
وقال أبو بكر الأبهري (٢) من المالكية: أمر الله تعالى للوجوب، وأمر النبي ﷺ لا يخلو إما أن يكون من عند نفسه، فندب، أو حاكيًا عن الله فوجوب.
وقيل: بالاشتراك بين الخمسة، وهى الوجوب، والندب، والإباحة، والكراهة، والحرمة (٣).
قوله: "والمختار - وفاقًا للشيخ أبي حامد، وإمام الحرمين -: حقيقة في الطلب الجازم".
стр. 662
أقول: مختار المصنف: أن صيغة افعل، ونحوه حقيقة في الوجوب لغة وفقًا لمن ذكره، وإذا وردت هذه الصيغة من الشارع دلت على الوجوب، وهذا بعينه هو مذهب الجمهور، إذ لا معنى لقولهم: إن الأمر للوجوب، إلا ما ذكره المصنف، إذ لا وجوب إلا بالشرع (١).
وتحقيقه: أن صيغة افعل، ونحوه تدل على الطلب الجازم [لغة، وذلك الطلب الجازم] (٢) المانع من النقيض، [والمعرَّف] (٣)(٤) / ق (٥٥/ ب من أ) بالوجوب، الذي يعاقب على تركه. ولا فائدة في العدول عن قول الجمهور.
وأما القول: بأن عند الجمهور يحتمل أن يكون الوجوب المستفاد منها شرعًا، أو عقلًا، كما ذكره المصنف في صدر البحث - وما اختاره المصنف (٥) / ق (٥٦/ ب من ب) هو الطلب الجازم لغة - فقد سبق منا هناك، بطلان ذلك وأنه لا معنى له: إذ الكلام في مدلول صيغة الأمر لغة، ولهذا ترك المحققون ذلك الترديد.
стр. 663
لنا - على مختار المصنف، وهو مذهب الجمهور -: الاستدلال بها على الوجوب من غير نكير، فكان إجماعًا.
وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، لامه على ترك المأمور به، ولا لوم إلا على ترك الواجب، فيكون قوله: ﴿اسْجُدُوا﴾ [الأعراف: ١١] للوجوب (١).
وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، ذمهم على عدم الامتثال لقوله: ﴿ارْكَعُوا﴾ ووجه الاستدلال: ما ذكرنا في اسجدوا.
وقوله: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣]، والمراد بالأمر قوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢].
وقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦].
ولا ريب: أن هذه الأدلة - وإن لم تفد القطع - تفيد غلبة الظن، وأصل الظن كاف في مثل هذه المسألة (٢).
стр. 664
ثم للمصنف كلام عجيب - في شرحه للمختصر - وهو أنه قال: "لقائل أن يقول: قد وجدنا أوامر مستعملة في غير الوجوب، فلو اقتضى مجرد الأمر الإيجاب لزم، إما التعارض بين الموجب والمانع. وإما ترك الوجوب، مع الموجب السالم عن المعارض. وإما ثبوت الوجوب في صور عدم الوجوب.
بيان الملازمة: أن اقتضاء الإيجاب، إما أن يترتب في تلك الصور التي قيل فيها بعدم الوجوب، فيثبت الوجوب، في صور عدم الوجوب، أو لا يترتب، فإن لم يكن المانع لزم ترك الموجب السالم عن المانع، وإن كان لمانع لزم التعارض بين الموجب والمانع، واللوازم كلها منتفية، الأول بالإجماع، والثاني والثالث: لأن الأصل عدم كل واحد منهما.
ولا جواب لهذا الاعتراض إلا ببيان: أن التعارض بين المقتضي، والمانع، فيحتاج المستدل إلى دليل آخر" (١). هذا كلامه.
وإنما قلنا: إنه كلام عجيب: لأن الدعوى أن الأمر المجرد عن جميع القرائن مفيد للوجوب ظاهرًا، فحيث تجرد عن جميع القرائن يحمل على الوجوب للدلائل المذكورة، وحيث وجدت قرينة صارفة عن الوجوب كالإجماع الدال على عدم وجوب الأكل من الطيبات، والتخيير المنافي للوجوب في قوله: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] يحمل على ما دل عليه القرينة، كما هو شأن سائر الحقائق مع المجازات: لأن دلالة الألفاظ وضعية يجوز تخلف مدلولاتها عنها.
стр. 665
فما أبداه من البحث، والمناظرة خارج عن القانون.
قوله: "وفي وجوب اعتقاد الوجوب قبل البحث [خلاف] (١) العام".
يريد: أن لفظ الأمر إذا ورد من الشارع يحمل على الوجوب إذا خلا عن قرائن غيره.
وأما قبل الفحص عن الصارف، هل يجب اعتقاد الوجوب، أم لا؟ فيه الخلاف المذكور في العام.
وفي شروحه: أن الأصح يجب اعتقاد الوجوب، كما في العام يجب اعتقاد عمومه (٢).
وفيه نظر: لأن الخلاف في العام، إنما ذكره المحققون في الحمل على العموم قبل البحث عن المخصص.
قال صاحب التلويح: حكم العام التوقف فيه عند عامة الأشاعرة، حتى يقوم دليل العموم، أو الخصوص.
وعند جمهور العلماء: الحكم في جميع ما يتناوله اللفظ - قطعًا، ويقينًا - عند مشايخ/ ق (٥٧/ أمن ب) العراق/ ق (٥٦/ أمن أ) من الحنفية.
ظنًا عند جمهور الفقهاء، والمتكلمين، وهو مذهب الشافعي" (٣).
стр. 666
فإذا كان تناوله ظنًا عنده، فكيف يجب اعتقاد عمومه؟ وكذلك الأمر حمله على الوجوب، مشروط بعدم الصارف عنه، كما هو شأن الحقيقة، مع المجاز، غايته: التبادر إلى الفهم، قبل الفحص عن الصارف.
ولا شك: أن الظهور إنما يفيد الظن لا الاعتقاد، فالحق أن يقال: يجب حمله على الوجوب: لأنه يجب اعتقاد الوجوب.
قوله: "فإن ورد بعد الحظر قال الإمام: أو استئذان، فللإباحة".
أقول: اختلف القائلون: بأن الأمر المجرد عن القرائن للوجوب في الأمر الوارد بعد الحظر.
قيل: للوجوب. وقيل: للندب. وترك المصنف الندب.
وذكر صاحب التلويح، وأسند إلى سعيد بن جبير (١): أن الانسان إذا انصرف من الجمعة، ندب له أن يساوم شيئًا، ولو لم يشره (٢).
стр. 667
إمام الحرمين، ومن تبعه توقفوا فيه (١).
الموجب - وهو الإمام في "المحصول"، وصدر الشريعة من الحنفية -: إن الدلائل الدالة على أنه حقيقة في الوجوب دلت مطلقًا عليه، وكونه بعد الحظر لا تأثير له (٢).
والحق: أنه للإباحة على ما اختاره الشيخ ابن الحاجب والمصنف: لأن النهي يدل على التحريم، فورود الأمر بعده يكون لرفع التحريم هو المتبادر، فالوجوب، أو الندب زيادة لا بد له من دليل (٣).
стр. 668
قيل: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠]
قلنا: معارض بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، فالوجه ما ذكرناه من التبادر (١).
ثم هذا الخلاف إنما هو عند انتفاء القرينة، وأما عند وجودها، يحمل على ما يناسب المقام بلا خلاف.
وأما النهي الوارد بعد الأمر، منهم من طرد فيه القياس، وحمله على الإباحة، وقيل: للكراهة.
الجمهور - وهو مختار المصنف -: أنه للتحريم.
وقيل: لإسقاط الوجوب، فيعود الحال إلى ما كان عليه قبل الوجوب من إباحة، أو تحريم بحسب المقام (٢).
стр. 669
وتوقف إمام الحرمين، وتبعه الإمام الرازي في المحصول (١).
لنا - على المختار، وهو التحريم -: أن صيغة النهى [ظاهرة في] (٢) التحريم، وتقدم الأمر لا يصلح قرينة على أن النهي للإباحة، أي: رفع الوجوب: لأن صيغة النهي لم ترد للإباحة، بخلاف [صيغة] (٣) الأمر، كما قدمنا، ولا يقاس أحدهما على الآخر.
وقيل (٤): لأن النهى يدل على رفع المفاسد، والأمر يدل على جلب المصالح، واعتناء الشارع برفع المفاسد أكثر منه بجلب المصالح.
وليس بشيء: إذا النهي، والأمر لم يتعارضا حتى يرجح النهى بما ذكر، بل التعارض إنما هو بين التحريم، والإباحة، كما كان في الأمر - الوارد بعد الحظر - بين الوجوب والإباحة.
стр. 670
[والذاهب إلى الإباحة] (١) كأنه توهم أن النهي يرفع الوجوب، وإذا رفع الوجوب ثبت التحريم، وغفل عن معنى النهي، وهو التحريم الذي هو مدلول النهي حقيقة.
قوله: "مسألة: الأمر لطلب الماهية لا لتكرار، ولا مرة، والمرة ضرورية".
أقول: معنى التكرار: وقوع الشيء مرة بعد أخرى، فإن كان الأمر مطلقًا تجب المداومة (٢) / ق (٥٧/ ب من ب)، وإن كان مؤقتًا يجب في كل وقت قَدَّره الشارع، كصلاة الفجر.
ثم لا خلاف في أن الأمر المقيد بالتكرار يفيد ذلك، وإنما الكلام في الأمر المجرد عن التقييد بالتكرار، والمرة، ففيه مذاهب خمسة:
الأول - وهو المختار -: لا تكرار، ولا مرة (٣).