← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 132415

الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (1 869 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فإذا كان تناوله ظنًا عنده، فكيف يجب اعتقاد عمومه؟ وكذلك الأمر حمله على الوجوب، مشروط بعدم الصارف عنه، كما هو شأن الحقيقة، مع المجاز، غايته: التبادر إلى الفهم، قبل الفحص عن الصارف. ولا شك: أن الظهور إنما يفيد الظن لا الاعتقاد، فالحق أن يقال: يجب حمله على الوجوب: لأنه يجب اعتقاد الوجوب. قوله: "فإن ورد بعد الحظر قال الإمام: أو استئذان، فللإباحة". أقول: اختلف القائلون: بأن الأمر المجرد عن القرائن للوجوب في الأمر الوارد بعد الحظر. قيل: للوجوب. وقيل: للندب. وترك المصنف الندب. وذكر صاحب التلويح، وأسند إلى سعيد بن جبير (١): أن الانسان إذا انصرف من الجمعة، ندب له أن يساوم شيئًا، ولو لم يشره (٢).

стр. 667

إمام الحرمين، ومن تبعه توقفوا فيه (١). الموجب - وهو الإمام في "المحصول"، وصدر الشريعة من الحنفية -: إن الدلائل الدالة على أنه حقيقة في الوجوب دلت مطلقًا عليه، وكونه بعد الحظر لا تأثير له (٢). والحق: أنه للإباحة على ما اختاره الشيخ ابن الحاجب والمصنف: لأن النهي يدل على التحريم، فورود الأمر بعده يكون لرفع التحريم هو المتبادر، فالوجوب، أو الندب زيادة لا بد له من دليل (٣).

стр. 668

قيل: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠] قلنا: معارض بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، فالوجه ما ذكرناه من التبادر (١). ثم هذا الخلاف إنما هو عند انتفاء القرينة، وأما عند وجودها، يحمل على ما يناسب المقام بلا خلاف. وأما النهي الوارد بعد الأمر، منهم من طرد فيه القياس، وحمله على الإباحة، وقيل: للكراهة. الجمهور - وهو مختار المصنف -: أنه للتحريم. وقيل: لإسقاط الوجوب، فيعود الحال إلى ما كان عليه قبل الوجوب من إباحة، أو تحريم بحسب المقام (٢).

стр. 669

وتوقف إمام الحرمين، وتبعه الإمام الرازي في المحصول (١). لنا - على المختار، وهو التحريم -: أن صيغة النهى [ظاهرة في] (٢) التحريم، وتقدم الأمر لا يصلح قرينة على أن النهي للإباحة، أي: رفع الوجوب: لأن صيغة النهي لم ترد للإباحة، بخلاف [صيغة] (٣) الأمر، كما قدمنا، ولا يقاس أحدهما على الآخر. وقيل (٤): لأن النهى يدل على رفع المفاسد، والأمر يدل على جلب المصالح، واعتناء الشارع برفع المفاسد أكثر منه بجلب المصالح. وليس بشيء: إذا النهي، والأمر لم يتعارضا حتى يرجح النهى بما ذكر، بل التعارض إنما هو بين التحريم، والإباحة، كما كان في الأمر - الوارد بعد الحظر - بين الوجوب والإباحة.

стр. 670

[والذاهب إلى الإباحة] (١) كأنه توهم أن النهي يرفع الوجوب، وإذا رفع الوجوب ثبت التحريم، وغفل عن معنى النهي، وهو التحريم الذي هو مدلول النهي حقيقة. قوله: "مسألة: الأمر لطلب الماهية لا لتكرار، ولا مرة، والمرة ضرورية". أقول: معنى التكرار: وقوع الشيء مرة بعد أخرى، فإن كان الأمر مطلقًا تجب المداومة (٢) / ق (٥٧/ ب من ب)، وإن كان مؤقتًا يجب في كل وقت قَدَّره الشارع، كصلاة الفجر. ثم لا خلاف في أن الأمر المقيد بالتكرار يفيد ذلك، وإنما الكلام في الأمر المجرد عن التقييد بالتكرار، والمرة، ففيه مذاهب خمسة: الأول - وهو المختار -: لا تكرار، ولا مرة (٣).

стр. 671

الثاني: مدلوله المرة (١). الثالث: وإليه ذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وأبو حاتم القزويني (٢) -: التكرار مطلقًا (٣) / ق (٥٦/ ب من أ) أي: سواء علق بشرط، أو لا (٤).

стр. 672

الرابع: إن علق بشرط، أو صفة نحو: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] (١). الخامس: الوقف، أي: التوقف، وعدم الجزم بشيء لا نفيًا، ولا إثباتًا (٢). لنا - على المختار -: أن مدلول الصيغة طلب ماهية الفعل مطلقًا، ولهذا يعد ممتثلًا بالمرة الواحدة، لا لأنها مدلول الصيغة، بل لأن المرة أقل ما يمكن وجود الماهية في ضمنه. إليه أشار المصنف بقوله: "والمرة ضرورية". ولنا - أيضًا -: لو كان للمرة كان تقييده به تكرارًا [وبالتكرار] (٣) تناقضًا، وكذا العكس. ولنا - أيضًا -: أن التكرار، والمرة من صفات الفعل كالقليل، والكثير، والموصوف بالصفات المتقابلة لا دلالة له على خصوصية شيء منها.

стр. 673

ولنا - على منع التكرار خاصة -: لو كان له لعم الأوقات كلها، ولزم تكليف ما لا يطاق، وهو باطل إجماعًا، وكان ينسخه كل أمر بعده، إذا كان منافيًا له. واللازم منتف اتفاقًا. القائلون: بالتكرار قالوا: النهى يفيده، فكذا الأمر. قلنا: قياس في اللغة، وقد عرفت حاله. ولو سلم فالانتهاء في النهى أبدًا ممكن دون الامتثال في الأمر، فافترقا. قالوا: تكرر الصلاة، والزكاة. قلنا: لتكرار السبب، وهو الوقت المقدر، وأيضًا معارض بالحج. قالوا: الأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي يمنع عن المنهي عنه دائمًا، فيلزم التكرار في المأمور به. قلنا: كون الأمر بالشيء نهيًا عن ضده ممنوع، ولئن سلم، فالنهي بحسب الأمر، فإن كان الأمر بالفعل دائمًا كان نهيًا عن أضداده دائمًا. وإن كان آمرًا به في وقت كان نهيًا عن الأضداد في ذلك الوقت. القائلون: بالمرة، لو قال السيد لعبده: ادخل الدار، فدخلها عد ممتثلًا. قلنا: لكون المأمور به حصل في ضمن ذلك الفرد جمعًا بين الأدلة، ولما ذكرنا من تناقض التكرار، لو كان مدلوله المرة. قوله: "وقيل: [إن علق] (١) بشرط، أو صفة".

стр. 674

[أقول] (١): القائلون: بأن الأمر لا يفيد التكرار متفقون على أنه إذا علق على علة ثابتة عليتها مثل قوله: إذا زنى فاجلدوه، يفيد التكرار لعدم جواز انفكاك المعلول عن علته، فالتكرار ليس مستفادًا من الصيغة (٢). وأما الشرط، والصفة، فالجمهور على عدم التكرار: لأن الشرط غير مستلزم للمشروط، والصفة إن ثبت عليتها فعلة، وإلا فلا استلزام.

стр. 675

قالوا (١): قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨]، و ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢]، و ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، ونظائرها بالاستقراء من الشروط، والأوصاف. قلنا: ثبت عليتها شرعًا، ولذلك لم يتكرر الحج، مع وجود شرطه، وهو الاستطاعة. قالوا: تكرر بتكرر العلة، فالشرط/ ق (٥٨/ أمن ب) أولى لانتفاء المشروط، بانتفائه، بخلاف العلة لجواز قيام علة أخرى مقامها. قلنا: لا تأثير لما ذكرتم: لأن الكلام في مقتضى التكرار، ووجود الشرط ليس بمقتضى بخلاف العلة، وقيام إحدى العلتين مقام الأخرى عند انتفائها، لا ينافي ما ادعيناه. القائلون بالوقف: لو ثبت شيء مما ذكر ثبت بالدليل، ولا دليل إذ العقل لا مدخل له في مثله، والآحاد لا يفيد العلم، والتواتر منتف. قلنا: المسألة لغوية يكفيها الآحاد. قوله: "ولا لفور خلافًا لقوم". وهم القائلون بالتكرار، فإن القول به مستلزم للفور، ووافقهم بعض من قال بالمرة. القاضي، ومن/ ق (٥٧/ أمن أ) تابعه: إما الفعل في الحال، أو العزم.

стр. 676

وقيل: مشترك بين الفور، والتراخي، والمبادِر ممتثل خلافًا لمن منع الامتثال بناء على جواز كونه للتراخي، وخلافًا لمن توقف فيه (١).

стр. 677

والحق: أن قول المصنف: "خلافًا لمن منع". لا وجه له: لأن القائل: بأنه للتراخي لم يقل به وجوبًا، بل جوازًا، صرح به المحققون (١)، بل عدم الامتثال يلائم القول بالتوقف على ما ذهب إليه طائفة من الواقفية. ثم قول المصنف: "ومن وقف". عطفًا على من منع، أيضًا، ليس على ما ينبغي: إذ الواقفية طائفتان: إمام الحرمين، ومن تبعه قالوا: بالوقف في مدلوله، لغة، أهو للفور، أم لا؟ ، لكنه لو بادر - ممتثلًا - سواء كان للفور، أو للقدر المشترك، وأما وجوب التراخي [فغير] (٢) محتمل عندهم (٣). وذهبت طائفة: إلى التوقف فيه، وفي الامتثال لاحتمال وجوب التراخي. لنا - على أن مجرده لا يقتضي الفور -: ما تقدم من الأدلة في نفي التكرار والمرة. القائلون: بالفور، قالوا: قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوَا﴾ [آل عمران: ١٣٣] نص في ذلك. قلنا: فهم من مادة الكلمة لا من الصيغة. قالوا: ذم إبليس على ترك السجود، ولو لم يقتضِ الفور لما استحق الذم، وهو ظاهر.

стр. 678

قلنا: لتقييده بالوقت لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢]. قالوا: لو قال لعبده اسقني، وأخَّر من غير مانع عد عاصيًا، ضرورة. قلنا: بقرينة المقام لا من صيغة الأمر، ونحن لا نمنع دلالته عليه، مع القرينة، بل جميع الموارد من التكرار، والفور، والتراخي مفوضة إلى القرائن. قالوا: إذا قيل: زيد قائم، وعمرو قاعد، أو قال السيد لعبده: أنت حر، أو الزوج لامرأته: أنت طالق، فهم الفور من الكل، فكذا الأمر إلحاقًا لأحد نوعي الكلام - وهو الإنشاء - بالآخر، وهو الخبر. قلنا: قياس في اللغة، ولو سلم، فالفرق واضح: لأن الأمر يدل على الاستقبال قطعًا [لعدم] (١) جواز الأمر بتحصيل الحاصل، فالحال غير محتمل، [والاستقبال القريب إلى الحال، والبعيد منه محتمل] (٢)، فلا يحمل على أحدهما إلا بالقرينة. قالوا: النهي يفيده - كما تقدم - فكذا الأمر. قلنا: قد تقدم الجواب أيضًا. قالوا: لو جاز التأخير لزم التكليف بالمحال لعدم بيان آخر وقت التأخير.

стр. 679

قلنا: نعم، لو كان واجب التأخير، وأما إذا كان جائز التأخير - كما هو المدعَى - فلا محذور، إذ له أن يوقعه في أي جزء شاء من الوقت. القائل بوجوب الفعل، أو العزم: إنه كخصال (١) / ق (٥٨/ ب من ب) الكفارة، كما ذكره، في الواجب الموسع، وقد تقدم جوابه. وهو أن المطلوب هو الفعل، والعزم على الإتيان بالواجب جار في جميع الواجبات، فلا تعلق له بالبحث. الواقفية قالوا: تعارضت الأدلة، فوجب التوقف. قلنا: بل يحصل الامتثال كيف أوقع الفعل: لأن المطلوب صدور الفعل من المكلف، مع أنّا قد بينا: أن الفورية، والتراخي إنما استفيدا من القرائن، وما ذكرنا من المختار هو المنقول عن الإمام الشافعي عليه من الله، ما يستحقه من جلائل النعم، ومواهب الكرم. قوله: "مسألة: الرازي، والشيرازي، وعبد الجبار: الأمر يستلزم القضاء". أقول: إذا أمر الشارع بفعل في وقت معين، هل يقتضي ذلك الأمر الفعل المعين بعد ذلك الوقت أداء، وقضاء، أو لا يقتضي؟ الجمهور: لا يقتضيه.

стр. 680

أبو بكر الرازي (١) من الحنفية، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية، وعبد الجبار من المعتزلة: يستلزمه (٢) (٣) / ق (٥٧/ ب من أ). لنا - على مختار الجمهور، وهو المختار -: أنا قاطعون أنه لو قال: صم يوم الخميس، لم يدل على صوم [يوم] (٤) الجمعة بوجه من الوجوه، وإذا انتفت الدلالة من سائر الوجوه، فأنى يجب! ؟ وأيضًا لو كان واجبًا به لكان أداء، ويرجع إلى الواجب المخير، كأنه قال: صل إما يوم الجمعة، أو يوم الخميس، واللازم منتف إجماعًا.

стр. 681

ويلزم: أن لا يقضى بالتأخير، وهو خلاف الإجماع أيضًا. قالوا: المأمور به هو فعل المكلف، والوقت ليس من ذاتياته، بل من ضرورياته، فاختلاله لا يؤثر في سقوط المأمور به. قلنا: كذلك، لكن قيد للفعل، والمقيَّد من حيث إنه مقيّد ينتفى بانتفاء قيده، ولذلك لم يجز تقديمه على الوقت اتفاقًا. قالوا: الوقت للعبادة كالأجل للدين، فكما لا يسقط الدين بانقضاء الأجل لا تسقط العبادة بانقضاء الوقت. قلنا: ليس كالأجل من كل وجه، وإلا لجاز التقديم عليه مثله، ولم يقل به أحد. قالوا: فيم أوجبتم القضاء؟ قلنا: بأمر جديد، وهو قوله ﷺ : "من نام عن صلاة، أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" (١). قالوا: فيكون أداء. قلنا: بل قضاء: لأنه استدراك لما سبق وجوبه.

стр. 682

هذا، وقد أفاد المولى المحقق عضد الملة والدين: أن منشأ الخلاف هو أن المقيد مفهوم، مركب من المطلق، والمقيد، فهما سيان (١). فمن ذهب إلى الأول: زعم أن انتفاء أحد الأمرين لا يستلزم انتفاء الآخر. ومن ذهب إلى الثاني: فلأن الامتياز إنما هو في الذهن، وأما نظرًا إلى الوجود الخارجي، فأمر واحد كالماهية المركبة من الجنس، والفصل، فإنها أمر واحد في الوجود الخارجي، وهذا هو الحق، كما بُيِّن في موضعه. قوله: "والأصح أن الإتيان بالمأمور به يستلزم الإجزاء". أقول: [الإجزاء] (٢) يُفَسر تارة: بحصول الامتثال به على معنى أن كون الفعل مجزئًا، هو حصول الامتثال به، وتارة: بسقوط القضاء (٣). والمختار - على كلا التفسيرين -: أن الإتيان بالمأمور به على وجهه - أي: كما أمر به الشارع - يستلزم الإجزاء خلافًا لعبد الجبار من المعتزلة، إذا فُسِّر بسقوط القضاء. لنا - على ما اختاره المصنف، وهو الأصح -: لو لم يستلزم الإتيان المذكور الإجزاء، بمعنى سقوط القضاء، لما حصل امتثال أبدًا.

стр. 683

بيان الملازمة: أنه إذا أتى به، ولم يوجب الإجزاء، فيجب عليه مرة أخرى، إذ/ ق (٥٩/ أمن ب) الفرض: أن الإتيان به على الوجه الذي أمر به الشارع لم يسقط القضاء، فلا فرق بين الإتيان به مرة، أو أكثر، واللازم باطل ضرورة، بل إجماعًا. قالوا: لو كان مسقطًا للقضاء، لكان صلاة من ظن أنه متطهر صحيحة، مسقطة للقضاء إذ ظن الطهارة كاف في جواز الإقدام، واللازم منتف. قلنا: ممنوع إذ المسألة مختلف فيها، إذ قال بالسقوط بعض العلماء، وإن سلم أنه يجب القضاء، فالمقضي واجب مستأنف، وتسميته قضاء مجاز، هكذا أجاب المولى المحقق عضد الملة والدين (١). وفيه نظر: لأنه بعد تبين أن المصلي لم يكن على طهارة، فصلاته قضاء باتفاق الفقهاء. والحق - في الجواب -: أن صلاة الظان إذا تبين خطأ ظنه لم يكن على الوجه الذي أمر به الشارع، فلو استمر ظنه كان غير آثم بما فعل. والحاصل: أنه على تقدير استمرار الظن لا قضاء، وعلى تقدير عدمه ليس من البحث: لأنه لم يأت بالمأمور به على الوجه الذي أوجبه الشارع، وهذا/ ق (٥٨/ أمن أ) جواب في غاية الحسن.

стр. 684

وفي عبارة المصنف نظر من وجهين: الأول: أنه لم يقيد الإتيان بالمأمور به على الوجه الذي أمر به الشارع، ولا بد منه. وربما يجاب - عنه -: بأنه إذا أوقعه المكلف على غير الوجه الذي أوجبه الشارع لا يكون آتيًا بالمأمور به. والثاني: أن الأصح إنما هو على التفسير الثاني للإجزاء، وهو إسقاط القضاء. وأما على التفسير الأول: فلا خلاف لأحد فيه، ولا إشعار لكلامه بذلك. [قوله: ] (١) "وأن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا به". يريد أن زيدًا إذا قال - لعمرو مثلًا -: مر خالدًا بكذا، هل يكون زيد آمرًا لخالد، أو لا؟ فيه خلاف: ومختار المصنف: أنه ليس آمرًا، وهو الحق (٢) لوجهين: الأول: أنه يلزم أن يكون القائل - لغيره -: مر عبدك بكذا متعديًا لكونه آمرًا للعبد بدون إذن سيده، ولم يقل به أحد.

стр. 685

الثاني: أنه لو قال - بعد ذلك الأمر للعبد -: لا تفعل يكون متناقضًا، وهو خلاف الإجماع. قالوا: إذا أمر رسول الله ﷺ ، وقال: إن الله يأمركم بكذا، يصدق أن الله هو الآمر. قلنا: لأنه مُبَلِّغ عنه، وكذا الوزير إذا أمر عن الأمير، وكذا كل منا إذا أمر بأوامر الشرع، فتأمل (١)! قوله: "وأن الآمر بلفظ يتناوله داخل فيه الآمر". إذا كان داخلًا تحت عموم اللفظ، يدخل في الحكم على الأصح نحو: قول السيد - لعبده -: أكرم مَنْ أحسن إليك، يدخل السيد في عموم مَنْ. والحق: أن هذا من أبحاث العام، وسيأتي تحقيقه. قوله: "وأن النيابة تدخل المامور به". أي: العبادة، أي: قد تدخل إلا إذا منع مانع، وقد فصل في الفروع موضع الصحة وعدمها، يطلب هناك (٢). قوله: "مسألة: قال الشيخ والقاضي: الأمر النفسي بشيء معين نهيٌ عن ضده الوجودي".

стр. 686

أقول: قد اختلف في الأمر هل هو نهي عن ضده، أم لا؟ ذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري، والقاضي في أحد قوليه: إلى أنه نهيٌ عن ضده (١). والقاضي - في قوله الآخر -، وعبد الجبار، وأبو الحسين من المعتزلة، والإمام، والآمدي: ليس عينه، ولكن يتضمنه (٢). إمام الحرمين، والغزالي: لا عينه، ولا يتضمنه، وهو مختار المحققين (٣)، وسوف نستدل عليه. والمصنف حكى المذاهب من غير اختيار.

стр. 687

وقال طائفة (١) / ق (٥٩/ ب من ب) من المعتزلة: في الوجوب يتضمن، لا في الندب. أما اللفظي، فليس عين المنهي عنه، ولا يتضمنه (٢). وهل النهي عن الشيء أمر بضده، أم لا؟ قيل: الخلاف هو الخلاف. وقيل: النهي يتضمن دون الأمر (٣). هذا ضبط المذاهب في المسألة. ولا بد - أولًا - من تحرير محل النزاع ليُعْلَم توارد السلب، والإيجاب على محل واحد. فنقول: ليس النزاع في أن مفهوم الأمر هو مفهوم النهي، ولا أن صيغة الأمر هو صيغة النهي، إذ فساده واضح لا يخفى على عاقل، بل

стр. 688

النزاع في أن إيجاب الشيء، أو ندبه هل هو بعينه تحريم ضده، أو يتضمنه، أو لا؟ حتى إذا قال: تحرك. هل هو بمثابة لا تسكن، أم لا دلالة له عليه؟ لنا - على المختار، وهو أنه لا نهي عنه، ولا متضمن له -: أن لو كان كذلك لزم تعقل الضد، والكف عنه، واللازم منتف ضرورة: لأن نقطع بأن الآمر بالصلاة لا يلزمه تعقل الزنى، والكف عنه لدى الأمر بالصلاة. قيل: ما ذكرتموه إنما يتأتَّى في الأضداد الجزئية: كالأكل، والشرب، ونحوهما بالنسبة إلى الصلاة، فإن تعقلها لا يلزم. وأما الضد (١) / ق (٥٨/ ب من أ) العام، أي: الفعل المنافي، فتعقله ضروري، فإن الفعل المطلوب إنما يطلب من المأمور إذا كان متلبسًا بضده، فتعقله إذ ذاك ضروري. والجواب: أنه لا يلزم اشتغاله بالضد حين الطلب: لجواز أن يكون مشتغلًا بالفعل المطلوب في الحال، ويؤمر به لتوجه الطلب في الأمر إلى الاستقبال. ولو سلم، فلا يلزم تصور الضد للعلم بالكف عن المطلوب، ولا ملازمة بين العلم بالكف، وتصور الضد، فتأمل!

стр. 689

وهنا أبحاث: الأول: أن التعيين - في قولهم -: الأمر بشيء معين، يراد به أعم من الشخصي، واحترز به عن المخير، فإنه ليس نهيًا عن ضده كذلك في الشروح (١). الثاني: أن التقييد بالنفسي لإخراج الأمر اللفظي، وصرح به المصنف بعده، مما لا معنى له بعد تحرير محل النزاع: لأن الإيجاب، أو الندب لا يتصور إلا في النفس. الثالث: أن تقييد الضد بالوجودي لغو إذ الضد لا يكون إلا وجوديًا: لأن الوجود مأخوذ في تعريفه. القائلون: بأن الأمر نفس النهي عن ضد المأمور به، قالوا: قولنا - لزيد -: اسكن مثل قولنا له: لا تتحرك لا اختلاف إلا من جهة العبارة: لأن السكون عبارة عن كون الجسم في آنين في مكان واحد. ولا ريب: أن [قولنا] (٢): اسكن، أو: لا تتحرك، يدل صريحًا عليه، واختلاف العبارة لا اعتبار به. وأيضًا لو كان مغايرًا لكان إما مثلًا، أو مخالفًا، أو ضدًا.

стр. 690

وجه الحصر: أن الشيئين إما أن يتساويا في الماهية، وصفاتها اللازمة لها، وهما المثلان كزيد، وعمرو، وإن لم يتساويا، فإما أن يتباينا بذاتهما، أو لا. فالأول: [الضدان] (١) كالسواد، والبياض. والثاني: الخلافان كالسواد، والحلاوة، والأقسام بأسرها باطلة: لأنهما لو كانا مثلين، أو ضدين لم يجتمعا: لأن المثلين، والضدين لا يجتمعان، لكن اجتماع الأمر بالشيء، والنهي عن ضده ضروري جوازه. ولو كانا خلافين لجاز اجتماع كل منهما مع الآخر، وضده كالسواد، فإنه يجتمع مع الحلاوة، والحموضة، لكن/ ق (٦٠/ أمن ب) الأمر بالشيء لا يجامع ضد النهي عن ضده: لأن ضد النهي عن ضده هو الأمر بضده، وذلك محال، لأنه أمر بفعل الشيء وضده في زمان واحد، وذلك يستلزم تجويز الجمع بين الضدين. الجواب: نختار من الأقسام المذكورة الثالث. قولكم: لو كانا خلافين لجاز وجود كل، مع ضد الآخر، أو خلافه. قلنا: الملازمة ممنوعة إذ ليس كل مخالف يجوز اجتماعه مع ضد مخالفه، ولا كل مخاف يجوز اجتماعه مع مخالف مخالفه، فإن المتضايفين يتخالفان مع التلازم بينهما، وإذ كان الخلافان متلازمين استحال اجتماع أحدهما مع ضد الآخر لاستلزامه اجتماع الضدين.

стр. 691

وإن أراد أن طلب الفعل نفسه، أي: نفس الفعل المأمور به، ترك لضده، رجع النزاع لفظيًا: لأن الذي سماه القوم طلبًا سماه القاضي نهيًا، مع توقف مثله على اللغة. وبعد اللتيا والتي، يكون تعبيرًا عن معنى واحد بلفظين مختلفين. وإنما تركنا الجواب عن دليل الأول: لأنه يعلم من الثاني، فتأمل! القائلون: بالتضمن استدلوا بوجهين: الأول: أمر الايجاب طلب فعل يذم تاركه اتفاقًا، فالذم إما على فعل الضد، أو على الكف عن المأمور به، وكل منهما/ ق (٥٩/ أمن أ) ضد للفعل المأمور به، فأيهما كان يستلزم النهى، إذ لا ذم [عليه] (١) مالم ينه عنه. قلنا: فرق بين حصول الشيء، وتصوره للإيجاب، وإن لم ينفك عن الذم على الكف عنه، أو فعل ضده، ولكن لا يلزم تعقل ذلك الكف، أو الضد لدى الايجاب، فلا تضمن إذ لا استلزام في التعقل. قالوا - ثانيًا -: فعل المأمور به واجب، ولا يتم هذا الواجب إلا بترك ضده، والترك هو الكف، والكف هو معنى النهي لا العدم لأنه غير مقدور. أجاب المولى المحقق عضد الملة والدين: بأن هذا مبني على أن كل ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، وذلك ممنوع، إلا في الشرط الشرعي (٢).

стр. 692

قلت: القائلون: بأن كل ما لا يتم الواجب إلا به واجب، سواء كان شرعيًا، أو عقليًا، أو عاديًا لهم أدلة على ذلك. فالأولى - في الجواب -: أن يقال: سلمنا أن ما لا يتم الواجب إلا به واجب، ولكن الكلام فيه من القبيل الأول إذ لا يلزم من كونه مقدمة الواجب تعقله، لأن حصول تلك المقدمة شرط لحصول الواجب؛ لأن تعقله شرط التعقل الواجب، وهذا في غاية الظهور والحُسْنِ. الفارقون - بين الوجوب، والندب، وإليه ذهب الإمام في المحصول -: أن المنع من الترك من ضروريات الوجوب دون الندب (١). وجوابه هو الجواب الذي تقدم في التضمن، وهو أن المنع من الترك من ضرورات الوجوب، لكن الآمر لا يلزمه تعقله، والكلام في هذا لا في الحصول. [وأيضًا يلزم إبطال المباح إذ ما من وقت إلا وفيه فعل مندوب، لأن استغراق الأوقات بالمندوبات. الجواب: مندوب، منع ذلك، فإن بعض الأوقات تكره فيها العبادات بأسرها] (٢). الذاهبون - إلى أن النهي عن الشيء عين الأمر بضده -: وقد استدلوا بما استدل به القاضي في الأمر، وقد علم جواب ذلك في تقرير (٣)

стр. 693

/ ق (٦٠/ ب من ب) مذهب القاضي، واستدلوا هنا - أيضًا - بأن النهي طلب ترك فعل، والترك فعل الضد؛ لأن الترك. بمعنى العدم غير مقدور، فيكون النهي عين الأمر بالضد. الجواب - عنه -: لو صح ما ذكرتم لكان فعل الزنى واجبًا لكونه ضد اللواط، وبالعكس، أيضًا، ولم يقل به عاقل، ويلزم ارتفاع المباح، إذ كل مباح ضد للزنى مثلًا، ولا قائل به سوى الكعبي [وقد أبطلناه (١)] (٢). وأيضًا: المطلوب بالنهي الكف لا الأضداد الجزئية، كما ادعيتم إذ المدعَى أن كل نهي عن شيء مخصوص أمر بضده المخصوص كقولنا: لا تتحرك [أهل] (٣) هو عين الأمر بالسكون، أم لا؟ لا مطلق الضد كالأكل، والشرب مثلًا. وإن قلتم: نريد بالضد نفس الكف: لأنه فعل محقق، فيكون ضدًا، رجع النزاع لفظيًا لأنا نسمي طلب الكف نهيًا، وطلب غيره أمرًا، وأنتم لم تفرقوا. القائلون: بالتضمن - أي: الذين ذهبوا إلى أن النهي عن الشيء يتضمن الأمر بضده - استدلوا: بأن المطلوب من النهي هو الكف، ولا يحصل إلا بفعل ضد من أضداد المنهي عنه، فكما لا يتم المطلوب من الأمر بالشيء إلا بترك جيع أضداده، لا يتم في النهي إلا بوجود أحد أضداد المنهي عنه.

стр. 694

الجواب - كما تقدم - من الإلزام الفظيع، وهو وجوب الزنى في النهي عن اللواط: لأنه أحد الأضداد، وبانتفاء المباح، كما تقدم، والله أعلم. قوله: "الأمران غير متعاقبين، أو بغير متماثلين غَيْرانِ". أقول: إذا ورد من الشارع أمران، فإن لم يتعاقبا، بأن وقع تراخ بين الأول والثاني، فالثاني غير الأول، سواء كان المأمور بهما متماثلين، أو متخالفين، وإن تعاقبا، لكن لم يكن الأمر بمتماثلين كقوله: صل، صم، فكذلك (١) / ق (٥٩/ ب من أ). وإذا تعاقبا، وكان الأمر بمتماثلين، ولم يمنع من التكرار مانع مثل: التعريف - في قولنا -: صل ركعتين، صل الركعتين. أو قرينة حالية مثل قولنا: اسق زيدًا، اسق زيدًا، فإن المرة كافية فيه عادة، ولا يكون الثاني مذكورًا بطريق العطف. قيل: غيران يحمل الكلام على التأسيس: لأن موضوعه للإفادة، فلا يحمل على التأكيد الذي هو موضوع للإعادة. وأيضًا التأسيس أكثر في كلام العرب من التأكيد، فيحمل الفرد المتنازع فيه على الأعم الأغلب. وقيل: يحمل على التأكيد: لأن التأسيس، وإن كان في الكلام أكثر إلا أن التكرار في التأكيد أكثر

стр. 695

وأيضًا الأصل براءة الذمة بواحد، والتأسيس يؤدي إلى خلاف الأصل، فيكون التأكيد راجحًا. وقيل: بالوقف للاحتمالين. وإن كان الثاني معطوفًا: قيل: التأسيس راجح لقلة التأكيد، مع العاطف. وقيل: التأكيد لتماثل المتعلقين، وهذا ضعيف. ثم إن رجح التأكيد في صورة العطف بعادي مثل التعريف وقع التعارض، فيصار إلى الترجيح، فإن وجد مرجح آخر، فذاك، وإلا وجب التوقف (١). وقد ظهر من هذا التقرير: أن قول المصنف: "فإن رجح التأكيد بعادي قدم" ليس على ما ينبغي: لأن العادي معارض بظهور العطف في المغايرة، فهو وحده لا يصلح مرجحًا، هذا إذا لم يمنع من التكرار مانع عقلي نحو: اقتل زيدًا، اقتل زيدًا، أو شرعي نحو: اعتق عبدك، اعتق عبدك، فإن التأكيد حتم/ ق (٦١/ أمن ب) في الصورتين.

стр. 696

باب النهي قوله: "النهي: اقتضاء كفٍّ عن فعل لا بقول كُفَّ" (١). أقول: حده للنهي سالم عن جميع ما يرد على من تقدمه: لأنه ترك قيد الاستعلاء، والعلو، وزاد لفظ: "لا بقول كف"، فخرج الكف المستفاد من كف، وما يرادفه، فاطرد حده (٢). والخلاف في أنه هل له صيغة تخصه؟ وهل تلك الصيغة ظاهرة في الحظر دون الكراهة، أو بالعكس، أو مشتركة، أو للقدر المشترك، أو فيها توقف؟

стр. 697

كما تقدم في الأمر (١). ثم النهي بخلاف الأمر في أمور منها: أن حكم النهي التكرار، فيستلزم الدوام، ومنها: الفور، فيجب الانتهاء في الحال. ومنها: أن تقدم الوجوب في النهي لا يصلح قرينة دالة على أنه للإباحة، نقل الأستاذ الإجماع على ذلك، بل صيغته ظاهرة في الحظر مطلقًا، بخلاف الأمر: لأن تقدم الحظر كان قرينة دالة على أنه للإباحة عند الجمهور. وفي كلام المصنف بحث من وجهين: الأول: أنه قال: وقضيته الدوام. ولم يقل: والنهي يدل على الدوام، وذكر في شرحه على مختصر ابن الحاجب: أن قول الشيخ ابن الحاجب: "وحكم النهي التكرار". ولم يقل: يدل على التكرار في غاية الحسن (٢): لأن التكرار في النهي من ضرورة الواقع لا من الصيغة، فبدل لفظ الحكم هنا بقوله: وقضيته الدوام. وهذا كلام غريب، إذ لو لم تدل الصيغة على التكرار كيف كان يستفاد منها (٣)؟ وابن الحاجب ذكر في الأمر: أنه لا يدل على التكرار عند الجمهور (٤)، فلو كان ما فهمه المصنف من كلامه، كما فهمه تناقض كلام ابن الحاجب.

стр. 698

الثاني: أن قوله: وقيل مطلقًا - بعد قوله -: وقضيته الدوام ما لم يقيد بالمرة، مما لا معنى له: لأن الدوام، مع التقييد بالمرة لا يعقل، وبدون التقييد مطلقًا قد فهم من قوله: وقضيته الدوام. هذا على ما ذكره شراح كلامه (١). ويمكن/ ق (٦٠/ أمن أ) توجيه كلامه بأن يقال: مراده أنه يفيد الدوام ما لم يقيد بمرة. وقيل: يفيد مطلق الانتهاء. والدوام، والمرة من القرائن، مثله الأمر كما سبق، وما وجهنا به كلامه هو الذي ذكره المحققون (٢). هذا، وترد صيغته للتحريم نحو: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]. والكراهة: نحو لا تصل في الوادي. والإرشاد: نحو ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١]. والدعاء: نحو ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨]. وبيان العاقبة: نحو ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩]. والتحقير، والتعليل: نحو ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [طه: ١٣١].

стр. 699

واليأس: نحو ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾ [التوبة: ٦٦]. وفي الإرادة، والتحريم (١) ما تقدم في الأمر، فراجعه (٢). وقد يكون عن واحد، وهو أكثري، وقد يكون المحرم الجمع نحو: لا تنكح الأختين، وقد يكون النهي عن الاقتصار على أحد الشيئين نحو: "لا يمشين أحدكم في نعل واحدة" (٣)، وقد يكون عن كل فرد نحو: "لا تباغضوا، ولا تحاسدوا" (٤). والحق: أن هذا مستدرك: لأنه من قبيل النهي عن الواحد. قوله: "ومطلق النهي التحريم، وكذا التنزيه في الأظهر للفساد شرعًا، وقيل: لغة".

стр. 700

أقول: هذه [مسألة] (١) كثيرة الفروع، تفرقت آراء الأصوليين فيها، ونحن نذكر (٢) / ق (٦١/ ب من ب) كلام المصنف في المذاهب، ونستدل على ما هو الحق ونشير إلى أدلة المخالفين، مع الجواب. فنقول: ذهب جهور المحققين: إلى أن نهي التحريم إذا ورد خاليًا عن سائر القرائن يدل على الفساد، وكذا نهي التنزيه في الأظهر، فيما عدا المعاملات، سواء كان ذلك راجعًا إلى أمر داخل في الحقيقة كالصلاة بدون ركن، أو إلى لازم خارج كالصلاة في الأوقات المكروهة. ويدل على الفساد في المعاملات إذا كان راجعًا إلى أمر داخل كالنهى عن بيع الملاقيح (٣). وقال الشيخ المحقق ابن عبد السلام (٤) - قدس الله روحه -: "وإن احتمل الرجوع إلى الداخل، فإنه يحمل على الداخل، ويحكم بفساده".

стр. 701

قوله: "وفاقًا للأكثر". متصل بأول الكلام، أي: ما اخترناه من أن النهي يدل على الفساد على الوجه المذكور، هو مختار الأكثر من العلماء (١). [ونفت طائفة دلالته مطلقًا (٢).

стр. 702

الغزالي، والإمام: يدل في العبادات دون المعاملات (١)] (٢). والأكثر القائلون بدلالته على الفساد اختلفوا: منهم من قال: إن تلك الدلالة شرعية (٣). ومنهم من قال: إنها لغوية (٤). ومنهم من قال: إنها معنوية، والمراد بكونها معنوية أنه يفهم ذلك عرفًا: لأن العادة جرت بأن الشيء ما لم يتضمن فسادًا لا ينهى عنه.

стр. 703

والمختار: أنها شرعية لأن المنهي عنه في قولنا: لا تصم يوم النحر هو الصوم الشرعي قطعًا، فلا بد، وأن تكون الدلالة شرعية إذ أهل اللغة لا يفهمون المعنى الشرعي، فكيف يدل اللفظ عليه؟ ومما ذكرنا علم الجواب عن المعنوية. وأيضًا: لم تزل علماء الأمصار في الأعصار يستدلون على الفساد بالنهي من غير قرينة، وقد تواتر ذلك عنهم، بحيث لم يبق للريب فيه مجال. ولا يمكن أن يقال: استدلال العلماء يدل على الفساد لغة، لما قدمنا أن تلك المعاني التي يستدل بها على الفساد فيها لم يعلمها أهل اللغة. قيل: الأمر يدل على الصحة لغة، والنهى نقيضه، فيكون مقتضيًا للفساد. قلنا: دلالة الأمر على الصحة شرعية، ونقول: بمثلها في النهي النافي لدلالته على الفساد، لا شرعًا، ولا لغة. لو دل لكان مناقضًا للتصريح بصحة المنهي عنه، واللازم منتف: لأنه يصح أن نقول: نهيتك عن الزنى، ولو فعلت لعاقبتك، لكنه يحصل به الملك. الجواب: أن المدعَى ظهور النهى في (١) / ق (٦٠/ ب من أ) الدلالة على الفساد، ويعدل عن الظاهر بالقرينة، كما هو شأن سائر الظواهر. الإمام، والغزالي: يدل على الفساد في العبادات دون المعاملات.

стр. 704

أما الأول: فلأن المراد من كون العبادة فاسدة [أن] (١) لا يحصل الإجزاء بها، والعبادة إذا كانت منهيًا عنها، فلا تكون مأمورًا بها. فالآتي بالمنهي عنه، لم يأت بالمأمور به، فلم يحصل الإجزاء الذي هو موافقة الأمر، فيكون المأتي به فاسدًا. وأما الثاني: فلأن المراد من قولنا: هذا البيع فاسد أنه لا يفيد الملك، فلو دل النهي على الفساد لدل إما بلفظه، أو بمعناه، لكن النهي لا يدل إلا على الزجر، فلا يدل لفظًا. وأما معنى، فلأنه لا استبعاد في أن يقول: / ق (٦٢/ أمن ب) نهيتك عن هذا البيع، لكن لو أتيت به حصل الملك، ولم يكن في ذلك تناقض، هذا حاصل كلام الإمام في المحصول (٢). وأما الغزالي: كلامه في المستصفى ظاهر في أنه لا يدل على الفساد لا في العبادات، ولا في المعاملات: لأنه قال: "فإن قيل: قد حمل بعض المناهي في الشرع على الفساد، دون بعض، فما الفرق؟ قلنا: لا يدل على الفساد، وإنما يعرف فساد العقد، والعبادة بفوات شرطها، وركنها - ثم قال بعد هذا الكلام -: فكل نهي تضمن ارتكابه الإخلال بالشرط يدل على الفساد من حيث الإخلال بالشرط" (٣).

стр. 705

وقال - في موضع آخر -: "فلو قام دليل على أن النهي للفساد، ونقل ذلك عن رسول الله ﷺ لكان هذا من جهة الشرع تصرفًا في اللغة بالتغيير، أو كان صيغة النهي من جهة علامة منصوبة على الفساد، ويجب قبول ذلك، ولكن الشأن في ثبوت هذه الحجة، ونقلها" (١). وإنما أكثرنا من نقل كلامه ليظهر أن كلام المصنف، مخالف له صريحًا (٢). والجواب - عما ذكروه، ما تقدم من استدلال العلماء على الفساد في المواطن الخالية عن القرائن على الفساد من غير تفرقة بين المعاملات، والعبادات، حيث كان النهي راجعًا إلى أمر داخل، حتى ادعى بعض الفضلاء (٣) التواتر في ذلك. قوله: "فإن كان لخارج كالوضوء بمغصوب لم يفد عند الأكثر، وقال أحمد: يفيد مطلقًا". أقول: ما تقدم كان إذا رجع النهي إلى أمر داخل، أو خارج لازم.
следующие страницы →