قوله: "وفاقًا للأكثر". متصل بأول الكلام، أي: ما اخترناه من أن النهي يدل على الفساد على الوجه المذكور، هو مختار الأكثر من العلماء (١).
[ونفت طائفة دلالته مطلقًا (٢).
стр. 702
الغزالي، والإمام: يدل في العبادات دون المعاملات (١)] (٢).
والأكثر القائلون بدلالته على الفساد اختلفوا:
منهم من قال: إن تلك الدلالة شرعية (٣).
ومنهم من قال: إنها لغوية (٤).
ومنهم من قال: إنها معنوية، والمراد بكونها معنوية أنه يفهم ذلك عرفًا: لأن العادة جرت بأن الشيء ما لم يتضمن فسادًا لا ينهى عنه.
стр. 703
والمختار: أنها شرعية لأن المنهي عنه في قولنا: لا تصم يوم النحر هو الصوم الشرعي قطعًا، فلا بد، وأن تكون الدلالة شرعية إذ أهل اللغة لا يفهمون المعنى الشرعي، فكيف يدل اللفظ عليه؟ ومما ذكرنا علم الجواب عن المعنوية.
وأيضًا: لم تزل علماء الأمصار في الأعصار يستدلون على الفساد بالنهي من غير قرينة، وقد تواتر ذلك عنهم، بحيث لم يبق للريب فيه مجال.
ولا يمكن أن يقال: استدلال العلماء يدل على الفساد لغة، لما قدمنا أن تلك المعاني التي يستدل بها على الفساد فيها لم يعلمها أهل اللغة.
قيل: الأمر يدل على الصحة لغة، والنهى نقيضه، فيكون مقتضيًا للفساد.
قلنا: دلالة الأمر على الصحة شرعية، ونقول: بمثلها في النهي النافي لدلالته على الفساد، لا شرعًا، ولا لغة.
لو دل لكان مناقضًا للتصريح بصحة المنهي عنه، واللازم منتف: لأنه يصح أن نقول: نهيتك عن الزنى، ولو فعلت لعاقبتك، لكنه يحصل به الملك.
الجواب: أن المدعَى ظهور النهى في (١) / ق (٦٠/ ب من أ) الدلالة على الفساد، ويعدل عن الظاهر بالقرينة، كما هو شأن سائر الظواهر.
الإمام، والغزالي: يدل على الفساد في العبادات دون المعاملات.
стр. 704
أما الأول: فلأن المراد من كون العبادة فاسدة [أن] (١) لا يحصل الإجزاء بها، والعبادة إذا كانت منهيًا عنها، فلا تكون مأمورًا بها.
فالآتي بالمنهي عنه، لم يأت بالمأمور به، فلم يحصل الإجزاء الذي هو موافقة الأمر، فيكون المأتي به فاسدًا.
وأما الثاني: فلأن المراد من قولنا: هذا البيع فاسد أنه لا يفيد الملك، فلو دل النهي على الفساد لدل إما بلفظه، أو بمعناه، لكن النهي لا يدل إلا على الزجر، فلا يدل لفظًا.
وأما معنى، فلأنه لا استبعاد في أن يقول: / ق (٦٢/ أمن ب) نهيتك عن هذا البيع، لكن لو أتيت به حصل الملك، ولم يكن في ذلك تناقض، هذا حاصل كلام الإمام في المحصول (٢).
وأما الغزالي: كلامه في المستصفى ظاهر في أنه لا يدل على الفساد لا في العبادات، ولا في المعاملات: لأنه قال: "فإن قيل: قد حمل بعض المناهي في الشرع على الفساد، دون بعض، فما الفرق؟ قلنا: لا يدل على الفساد، وإنما يعرف فساد العقد، والعبادة بفوات شرطها، وركنها - ثم قال بعد هذا الكلام -: فكل نهي تضمن ارتكابه الإخلال بالشرط يدل على الفساد من حيث الإخلال بالشرط" (٣).
стр. 705
وقال - في موضع آخر -: "فلو قام دليل على أن النهي للفساد، ونقل ذلك عن رسول الله ﷺ لكان هذا من جهة الشرع تصرفًا في اللغة بالتغيير، أو كان صيغة النهي من جهة علامة منصوبة على الفساد، ويجب قبول ذلك، ولكن الشأن في ثبوت هذه الحجة، ونقلها" (١).
وإنما أكثرنا من نقل كلامه ليظهر أن كلام المصنف، مخالف له صريحًا (٢).
والجواب - عما ذكروه، ما تقدم من استدلال العلماء على الفساد في المواطن الخالية عن القرائن على الفساد من غير تفرقة بين المعاملات، والعبادات، حيث كان النهي راجعًا إلى أمر داخل، حتى ادعى بعض الفضلاء (٣) التواتر في ذلك.
قوله: "فإن كان لخارج كالوضوء بمغصوب لم يفد عند الأكثر، وقال أحمد: يفيد مطلقًا".
أقول: ما تقدم كان إذا رجع النهي إلى أمر داخل، أو خارج لازم.
стр. 706
فأما إذا كان الخارج مما ينفك سواء كان في العبادات كالصلاة في الدار المغصوبة والوضوء بماء مغصوب، أو في العقود كالبيع وقت النداء، أو في الإيقاع كالطلاق حين الحيض، فالأكثر أنه لا يدل (١).
فإن قلت: ما الفرق بين الزمان، والمكان حيث كان النهي دالًا على الفساد إذا رجع إلى الزمان بخلافه في المكان؟
قلت: الفرق اللزوم، وعدمه، وتحقيق هذا: أن الأفعال الاختيارية للعباد تقتضي زمانًا، ومكانًا، وكل منهما لازم لوجود الفعل، لكن الزمان، كما يلزم الوجود، يلزم الماهية، دون المكان.
ولهذا ينقسم الفعل بحسب انقسام الزمان إلى الماضي، والمستقبل، والحال فكان أشد ارتباطًا بالفعل من المكان، فافترقا.
والإمام [أحمد] (٢) لم يفرق بين خارج، وداخل، ولازم [و] (٣) غير لازم.
وقد تقدم أنه لم يقل بصحة الصلاة في الدار المغصوبة، وقد أشرنا هناك إلى أن ما ذهب إليه، مخالف للإجماع (٤).
стр. 707
وإذا دل دليل من خارج على عدم الفساد يكون حقيقة، وإن خرج عنه البعض، كالعام [بعد التخصيص عند] (١) بعض.
قوله: "وأبو حنيفة لا يفيد".
أقول: عند الشافعية دلالة النهي على الصحة بطلانه، يكاد يلحق / ق (٦١/ أمن أ) بالبديهيات للقطع بأن مدلول: لاتبع، إلا طلب الكف عنه، مع لزوم الفساد، أو بدونه، كما تقدم.
وأما كون الصحة مدلوله الالتزامي، أو التضمني (٢) / ق (٦٢/ ب من ب)، فشئ لا يشهد له عقل، ولا لغة ولا يندرج تحت قانون شرعي.
والحنفية يقبلون القضية، ويدعون ظهور لزومها، ودلالة النهي عليها، وهذا البحث بين الطائفتين مشهور، ونحن نذكر تفصيل مذهبهم في النهي، مع إيراد أدلتهم، والجواب عنها على أحسن وجه إن شاء الله تعالى، فإن المسألة حقيقة بذلك. فنقول: المنهي عنه عندهم أربعة أقسام:
لذاته، ولجزئه، ولوصف لازم، ولوصف مجاور، وهذا التقسيم إنما هو في الأمور الشرعية. وأما الأفعال الحسية كالشرب، والزنى، فلا خلاف في أن النهي عنها لمعنى في نفسها.
فالنهي - في الأفعال الشرعية - إن كان لعين الفعل كبيع الحر، والملاقيح، فغير مشروع لعدم قابلية المحل. وكذا بيع حر مع عبد غير مشروع لكون جزء المبيع غير قابل، وهو الحر.
стр. 708
وإن كان لمجاور: كالصلاة في الدار المغصوبة، والبيع وقت النداء يصح بلا خلاف. وإن كان لوصف قائم بالفعل المنهي عنه كالصوم يوم النحر، فإن [الصوم] (١) يقوم بالوقت بخلاف الصلاة بالمكان المغصوب، فالنهي في مثله يفيد الصحة.
واستدلوا - عليه -: بأنه لو لم يدل لكان المنهي عنه غير الشرعي، واللازم باطل للقطع بأنه إذا قال: لا تصم يوم النحر، المنهي عنه هو الصوم الشرعي لا مطلق الإمساك، وكذا قوله: لا تصل في الأوقات المكروهة (٢).
الجواب: أن المراد بالشرعي هو المعنى الذي اعتبره الشارع، ووضع اللفظ بإزائه صح، أو لم يصح، ولا ريب: أن قولهم: صوم فاسد، يريدون به المعنى الشرعي، ولا معنى لوصف اللغوي بالفساد هنا.
قالوا: لو كان غير مشروع كان ممنوعًا عنه شرعًا، فلا ينهى عنه، كما لا يقال - للأعمى -: لا تبصر.
قلنا: ممنوع عنه بهذا النهي لا بدليل سابق، وأيضًا لو صح ما ذكرتم لزم صحة النكاح في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢]، ولم تقولوا به.
стр. 709
قالوا: أريد به المعنى اللغوي.
قلنا: وكذلك اللغوي ممتنع شرعًا، فلا ينهى عنه، ولو سلم فصلاة الحائض ترد نقضًا لعدم القائل بالصحة منا ومنكم، مع عدم جواز إرادة المعنى اللغوي، لأن الحائض لم تمنع من الدعاء قطعًا.
قوله: "وقيل: إن نُفِيَ عنه القبولُ"، يريد أن البحث المذكور كان فيما إذا توجه النهي على الفعل غير مقيد، فأما إذا قيد بالقبول، فالقبول هو المنتفي، وانتفاؤه لا يوجب انتفاء الصحة: لأن القبول أخص من الصحة، لكونه مناطًا للثواب، والصحة مناط لموافقة الأمر، أو لإسقاط القضاء.
وقيل: بل نفي القبول ظاهر في [نفي] (١) الفساد لقوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (٢).
والحق: أن الأول أكثر، وأن القبول عبارة عن ترتب الثواب، وعدمه عن عدمه، به صرح الإمام المحقق النووي قدس الله روحه (٣).
والحديث إنما دل على الفساد للإجماع على ذلك.
ونفي الإجزاء كنفي القبول، أي: يجري فيه القولان السابقان.
وقيل: نفي الإجزاء بالفساد أولى لما قدمنا من تفسيره، والله أعلم.
стр. 710
باب العام
قوله: "العام: لفظ يستغرق الصالح له".
أقول: من أقسام المتن العام (١) / ق (٦١/ ب من أ) والخاص، وقدم المصنف العام على الخاص:
لأن/ ق (٦٣/ أمن ب) التقابل بينهما تقابل الملكة والعدم، والملكات أجلى عند العقل، والعدمات تعرف بالملكات، أي: الوجودات، مثل العمى عدم البصر، وأيضًا العام أكثر أبحاثًا من الخاص.
وقد عُرِّف العام بتعاريف مثل قولهم: "العام اللفظ المستغرق لما يصلح له"، وهو لأبي الحسين البصري من المعتزلة (٢)، ولم يطرد لدخول أسماء العدد فيه مثل العشرة.
وقولهم: "اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدًا"، وهو للغزالي (٣)، وليس بجامع لخروج المعدوم، والمستحيل لأنهما ليسا بشيء عنده.
стр. 711
وقد يجاب - عنه - بأن الشيء يطلق عليهما لغة.
وقولهم: "ما دل على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقًا ضربة".
فبالأمر المشترك خرج أسماء العدد إذ آحاد العشرة لا تشترك في أمر.
وبقوله: مطلقًا خرج المعهود.
وبقوله: ضربة خرج النكرة نحو: رجل إذ عمومه بدلي لا شمول فيه، وهذا الحد لابن الحاجب (١).
وهذا، وإن كان سالمًا، ولكن فيه تطويل، فما اختاره المصنف أحسن إلا أن فيه بحثًا، وهو أن الصالح له يشمل النكرة لأنه يتناول ما يصلح له بدلًا، فكان الواجب أن يقول: جميع ما يصلح له.
والجواب - عنه -: أن اللام في قوله: الصالح له، للاستغراق بقرينة العام تقديره كل ما يصلح له، فيسقط الاعتراض (٢).
وهنا سؤال أشكل من هذا (٣)، وهو أن الصلوح إن أريد به صلوح الكلي للجزئيات، خرج نحو المسلمين، والرجال لأن أفرادهما ليست
стр. 712
جزئيات، أو صلوح الكل للأجزاء، خرج نحو: لا رجل في [الدار] (١) لأنه عام، مع عدم الأجزاء لكونه عامًا في جزئياته.
الجواب: أريد أعم منهما، فلا إشكال لتناوله كلًا منهما.
هذا. وقوله: "من غير حصر"، احتراز عن أسماء العدد، والمثنى، ودخل فيه الحقيقة، والمجاز، والمشترك بالنظر إلى الوضع الواحد.
قوله: "والصحيح دخول النادرة، وغير المقصودة تحته"، هذا كلام لا جدوى له: لأن النادر، وغير المقصود إن تناوله اللفظ، فهو من أفراد العام، وقد أخذ في التعريف استغراق جميع ما يصلح له، وإن لم يتناوله اللفظ، فهو خارج، فكون الشيء نادرًا، وغير مقصود لا دخل له في عموم اللفظ، بل ذاك بالنظر إلى الحكم.
قوله: "وأنه قد يكون مجازًا". يريد أن اللفظ إذا كان عامًا, ونصب قرينة، على أن المعنى الحقيقي غير مراد، فيعم في المعنى المجازي نحو: رأيت الأسود على الخيول، وإنما أفرده بالذكر توضيحًا، وإلا كان معلومًا من تعريف العام لإطلاق ما يصلح له اللفظ من غير تقييد بالوضع له.
قوله: "وأنه من عوارض الألفاظ، قيل: والمعاني".
стр. 713
أقول: لا خلاف في أن العموم من عوارض اللفظ حقيقة (١)، وهل هو في المعاني حقيقة، أو مجازًا؟
قيل: لا حقيقة، ولا مجاز، وهو ظاهر عبارة المصنف (٢).
وقيل: مجاز (٣).
وقيل: حقيقة، وهو المختار (٤). تحقيق ذلك: أن العموم لغة الشمول (٥)، وهذا المعنى موجود في كل أمر اشترك بين أمور متعددة سواء كان لفظًا نحو: من، وما، أو معنى موجود في الخارج نحو: عم المطر، والخصب، أو ذهنيًا كالكلي الذي يتصوره الإنسان، فإنه شامل لجزئياته في الذهن.
стр. 714
غايته: أن الأصوليين اعتبروا القسم الأول، واصطلحوا (١) / ق (٦٣/ ب من ب) عليه، وذلك لا يدل على عدم عروضه للمعاني لغة (٢).
قوله: "وقيل: به في الذهن". يريد أن طائفة/ ق (٦٢/ أمن أ) فرقوا بين الذهني، والخارجي، قالوا: بعروض العموم للمعنى الذهني دون الخارجي، وذلك لأن العموم عبارة عن شمول أمر واحد لمتعدد، وفي الخارج لا يتصور ذلك لأن المطر الواقع في هذا المكان، غير الواقع في ذلك المكان، بل كل قطرة منه مخصوصة بمكان خاص.
والجواب: أن مطلق الشمول كاف، وقيد المحل غير معتبر، ولو سلم ينتقض بالصوت، فإنه أمر واحد في الخارج يسمعه طائفة، فهو عام في أفراده، الخارجية.
стр. 715
قوله: "ويقال - للمعنى -: أعم، وللفظ عام". وهذا مجرد اصطلاح لا يدرك له وجه سوى التميز بين صفة اللفظ، وصفة المعنى. وما وقع في شروحه (١) من أن صيغة التفضيل اختصت بالمعنى، لكونه أهم من اللفظ فسهو إذ الأعم لم يرد به معنى التفضيل، بل الشمول مطلقًا.
ولو كان الأمر على ما توهموه، لكان اعتباره في الألفاظ أيضًا واجبًا حيث كان الزيادة مقصودة.
وقد أشار أفضل المتأخرين (٢) - إلى ما ذكرناه - في بعض تصانيفه في المنطق.
قوله: "ومدلوله كلية، أي: محكوم فيه على كل فرد مطابقة إثباتًا، وسلبًا".
أقول: لما فرغ من تعريف العام، وما يتعلق به، شرع في بيان جزئياته المستعملة في مواردها، مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧]، قال: مدلول العام في موارد الاستعمال قضية كلية يتناول الحكم فيها كل فرد، فرد، موجبة كانت القضية، كما ذكرنا من المثالين (٣)، أو سالبة نحو: لا شيء من الإنسان بجماد.
قوله: "مطابقة". قيد للمدلول: لأن المطابقة صفة الدلالة لا الحكم.
стр. 716
قوله: "لا كل" أي: إذا حكم في العام، فالحكم إنما هو على الأفراد بمعنى كل فرد، لا المجموع من حيث هو مجموع، أي: مع اعتبار الهيئة الاجتماعية.
وإن كان قد يستعمل اللفظ العام بذلك المعنى لكن ذلك ليس العموم المصطلح عليه، كما يقال: كل من في البلد لا يقدر على حمل هذا الحجر، يراد المجموع، وهذا الاستعمال قليل (١).
قوله: "ولا كلي" أي: مدلول العام هو الكلية على ما ذكرنا لا الكلي الذي لا يمنع نفس تصوره عن وقوع الشركة، كما هو مصطلح المنطقيين: لأن الاستدلال في المسائل الأصولية إنما هو بالمعنى الأول: لأن الأحكام الشرعية، إنما تعتبر بالنسبة إلى أفراد المكلفين، وهى موجودات خارجية متحققة، ومناط الكلي الأفراد العقلية، ولا نظر فيها إلى الوجود الخارجي، بل التحقيق: أن الوجود الخارجي ينافي الكلية، إذ كل موجود خارجي، جزئي حقيقي.
وما في بعض الشروح (٢) في تفسير الكلي بالماهية من حيث هي غلط فاحش: لأن الماهية من حيث هي لا توصف بالكلية والجزئية، بل كل منهما من العوارض اللاحقة ذهنًا، أو خارجًا.
وكذا ما قيل: إن هذا الذي ذكره المصنف إنما يستقيم في الإثبات لا في النفي إذ في النفي لا يرتفع الحكم عن كل فرد. وقد التبس عليه عموم السلب بسلب العموم، فإن الأول هو الذي يفيد نفي الحكم عن كل فرد
стр. 717
دون الثاني، والعجب: أنه ذكر في آخر كلامه الفرق بين عموم السلب، وسلب العموم (١).
قوله: "ودلالته على أصل المعنى قطعية".
أقول: دلالة العام على جميع ما تناوله اللفظ - قبل قيام الدليل على العموم، أو الحصول من الخارج عند الشافعية - ظنية لاحتمال دليل يدل على الخصوص، ومع الاحتمال لا قطع.
وعند عامة الحنفية قطعية، ومجرد (٢) / ق (٦٢/ ب من أ) الاحتمال لا يقدح في قطعيته (٣).
وذكر المصنف: أن دلالته [على] (٤) أصل المعنى قطعية وهو الواحد في المفرد، والثلاثة في الجمع / ق (٦٤/ أمن ب).
стр. 718
ونقل صاحب (١) التلويح: أن حكم العام - عند عامة الأشاعرة - التوقف، حتى يظهر دليل عموم، أو خصوص.
وما نقله المصنف من الجزم بأصل المعنى عن الشافعي، نقله عن الثلجي (٢)، والجبائي مع الاستدلال [عليه] (٣) بأنه متيقن، ولا يجوز إخلاء اللفظ على المعنى. واعترض عليه: بأنه إثبات اللغة بالترجيح. ولو سلم، فالحمل على العموم أحوط.
استدل الحنفية - على أن العام قطعي في مدلوله -: بأن المعنى الموضوع له لازم للفظ بحسب الوضع لا ينفك عنه بغير دليل، فما لم يقم دليل الخصوص، فالعام متناول لأفراده قطعًا، وأما مجرد احتمال الخصوص لا يقدح في قطعيَّته، كما لا يقدح احتمال المجاز في قطعية الخاص في مدلوله.
الجواب: أن دليل الخصوص قائم، وهو شيوع التخصيص في العام حتى صار مثلًا - عندهم -: ما من عام إلا وخص منه البعض.
стр. 719
ولا شك: أن الشيوع يورث [(١) احتمالًا ظاهرًا يقدح في تناوله قطعًا.
قالوا: يرتفع الأمان عن عمومات النصوص.
قلنا: ممنوع، يعمل بها ظنًا لأنه كاف للعمل. وأما القطع في الاعتقاد، فيتوقف على انتفاء دليل التخصيص، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٦] ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤ وآل عمران: ١٨٩].
وثمرة الخلاف تظهر في تخصيص الكتاب بخبر الواحد، والقياس يجوز عند الشافعية دون الحنفية (٢).
ثم إذا عم اللفظ الأشخاص، أي: أفراد المكلفين يستلزم ذلك جيع الأحوال، والأزمان، والأماكن لعدم تفاوت خطاب الشارع بسبب ذلك، وهو مختار والد المصنف (٣).
ومن خالف في ذلك - مستدلًا بانتفاء صيغة العموم فيها (٤) - فقد سها سهوًا بينًا، إذ ذلك ضروري، فلا يحتاج إلى ذكره أصالة، والله أعلم.
стр. 720
قوله: "مسألة: كل، والذي".
أقول: اختلف في أن العموم - بالمعنى المعروف عند الأصوليين -: هل له صيغة تخصه، أو لا؟
الشافعي، والمحققون: بلى له صيغة موضوعة له حقيقة (١).
وقيل: الصيغ المستعملة في العموم إنما وضعت للخصوص، وفي العموم مجاز.
واختلفت الرواية عن الشيخ الأشعري، فقال - تارة -: إنها مشتركة، وتارة بالوقف.
وقيل: بالوقف] (٢) في الأخبار، لا الأمر، والنهي (٣).
стр. 721
القاضي: قائل بالوقف، بمعنى أنا لا ندري، أحقيقة منفردًا، أم مشتركًا، أم مجازًا؟
ثم تلك الصيغ هي التي عدد المصنف بلا خلاف عند القائل بالوضع له، وبعضها مع الخلاف، فمنها: كل (١)، والذي، والتي، وجمعهما، وتثنيتهما (٢).
وأراد بقوله: "ونحوها"، كل ما يشتمل على معنى العموم بالوضع لغة، كـ: مَن في المعاني الثلاثة: الاستفهام، والشرط، والموصولية (١)، ولفظ جميع (٢)، وطُرًّا (٣)، والجمع المعرف باللام (٤)،
стр. 724
والجمع المضاف ظاهران في العموم ما لم تصرف قرينة خلافًا لأبي هاشم من المعتزلة مطلقًا (١).
ولإمام الحرمين: إن احتمل معهود (٢). وهذا مخالف لإجماع أهل العربية، والتفسير (٣).
стр. 725
وكذلك المفرد المحلَّى باللام يفيد العموم عند انتفاء قرينة العهد (١) نحو:
"المؤمن غر كريم -[أي: كل مومن] (٢) -، والكافر خبّ لئيم" (٣) كل كافر؛ لأنه عند انتفاء القرينة حَمْله على البعض ترجيح بلا مرجح خلافًا / ق (٦٣/ أمن أ) للإمام الرازي في المحصول (٤)، والخلف بينه وبين القائلين بعمومه لفظي؛ لأنه ذكر في المحصول في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] أن الاستغراق ليس ناشئًا من نفس اللفظ، بل هو من الخارج (٥).
стр. 726
والذين قالوا: بعمومه لم يقولوا: بأنه موضوع للعموم، بل اللام الداخلة على المفرد لام الجنس، وربما تفيد العموم بمعونة القرينة، كما ذكرنا من المثالين، وكما في الآية المذكورة، وكما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩] (١) وخلافًا لإمام الحرمين، والغزالي: فيما لا يكون واحده مدخول التاء نحو: تمر، وتمرة، وبر وبرة، فإنه إذا عري عن التاء، ودخله اللام يكون للاستغراق، بخلاف ما لم تدخله التاء نحو: الرجل، والدينار، فلا عموم هنا بخلافه هناك، إذ قوله: "لا تبيعوا التمر بالتمر، والبر بالبر إلا سواء بسواء" (٢) يفيد العموم.
وزاد الغزالي: الوصف بلفظ الواحد، فإن كان يوصف بالواحد كالرجل، والدينار، فلا عموم فيه، وإن لم يوصف كالذهب، فهو للعموم.
وكأنه جعل احتمال الوصف بالواحد كالتاء الموجودة، هذا شرح كلام المصنف.
стр. 727
وأما كلام الغزالي - في المستصفى - ليس ظاهرًا فيما نقله، فإنه قال: "أما الدينار، والرجل، فإنه يشبه أن يكون للواحد، والألف واللام للتعريف - ثم قال: - ويحتمل أن يقال: هو دليل على الاستغراق، فإنه لو قال: "لا يقتل المسلم بالكافر" (١)، والمرأة بالرجل (٢)، فهم المنع في الجميع لا بمناسبة قرينة التفاوت في الفضل، فإنه لو قدر حيث لا مناسبة، فلا يخلو عن الدلالة على الجنس" (٣).
стр. 728
هذا كلامه من غير زيادة (١).
[وقال - أيضًا -: "الاسم المفرد، وإن لم يكن على صيغة الجمع يفيد فائدة العموم في ثلاثة مواضع: أحدها: أن يدخل عليه الألف واللام" (٢). ولم يزد عليه] (٣).
قوله: "والنكرة في سياق النفي للعموم وضعًا".
أقول: من صيغ العموم النكرة في سياق النفي (٤)، هي على قسمين: إما "من" ظاهرة نحو: ما جاءني من أحد، أو مقدرة نحو: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، ولا عالم في البلد، فتفيد الاستغراق نصًا، وأما بدون "من"، فتفيده ظاهرًا،
стр. 729
ولهذا قال صاحب الكشاف - في قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ -: "قراءة الفتح توجب الاستغراق، والرفع يجوزه" (١).
والجمهور: على أن إفادته بحسب الوضع [لغة حتى إن أهل العربية سموه نفي الجنس.
وقيل: لزوم الاستغراق استدلالي: لأنه لنفي الجنس إذ النكرة موضوعة للماهية، وإذا نفى الماهية لا يبقى منها فرد ضرورة وجود الماهية في كل فرد.
وقد سبق منا كلام في أن وضع اللفظ هل هو للماهية، أو لفرد غير معين؟ ] (٢) فيه قولان:
فإن (٣) / ق (٦٤/ ب من ب) كان موضوعًا للفرد، فلا إشكال في إفادته لغة.
وإن كان للماهية، فكذلك: لأن النكرة المنفية موضوعة بالوضع النوعي للاستغراق كالجمع المحلَّى: لأن الجمع بدون اللام موضوع لما فوق الاثنين لغة، ومع اللام لجميع ما يتناوله اللفظ، وكلا الوضعين في الجمع نوعي، بخلاف النكرة، فإنه نوعي مع النفي، وبدونه شخصي.
قوله: "وقد يعم اللفظ عرفًا كالفحوى".
стр. 730
أقول: قد سبق أن فحوى الخطاب، وهو مفهوم الموافقة، هل يفهم لغة، أو شرعًا، أو عرفًا، أو بقرينة من القرائن، قال بكل منها طائفة.
والمختار: إفادته لغة كما تقدم، والمصنف حكى المذاهب هناك من غير اختيار (١).
وقد ذكر هنا أن العرف دل على عمومه.
إذا علم ذلك، فنقول: القائلون بالمفهوم اختلفوا (٢): / ق (٦٣/ ب من أ).
الأكثر: له عموم، ونفاه الغزالي (٣).
وبعد تدقيق النظر لا خلاف في المعني: لأنه إن أريد بالعموم ثبوت الحكم في جميع ما سوى المنطوق من الصور التي دل عليها اللفظ، فالغزالي قائل به، وإن أريد ثبوته باللفظ نطقًا، فلم يقل به أحد.
والمصنف لما ذكر أن دلالة الفحوى [على العموم] (٤) إنما هي بالعرف أردفه بقوله: " ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] " لأن تحريم الذوات ليس بمراد عرفًا، فالمراد تحريم جميع ما يباح من الأجنبيات بالنكاح من أنواع الاستمتاعات.
стр. 731
ولا يخفى عليك أن العرف هنا هو عرف الشرع لا العرف العام، وإنما أطلقه لظهوره.
وقد يفهم العموم عقلًا كترتيب الحكم على الوصف الملائم الذي له صلوح العلية؛ لعدم الانفكاك بين العلة والمعلول (١).
قوله: "وكمفهوم المخالفة"، عطف على "كترتيب الحكم (٢) " فيكون من قبيل ما دل العقل على عمومه، وهو خلاف المختار أيضًا، إذ قد سبق في بحث المفهوم أنه يدل لغة.
قوله: "والخلاف في أنه لا عموم له لفظي". تقدم شرحه.
قوله: "وفي أن الفحوى بالعرف، والمخالفة بالعقل تقدم". نبه بهذا على أنه ليس مختاره.
قوله: "ومعيار العموم الاستثناء".
стр. 732
أقول: معيار الشيء ما يعرف به ذلك، والاستثناء كذلك بالنظر إلى العام، فإن الاستثناء: هو إخراج الشيء بإلا، وأخواته لولا الإخراج لوجب الدخول (١).
فإن قلت: يشكل بأسماء العدد، وبقولك: اشتريت العبد إلا ثلاثة لوجود الاستثناء، مع عدم العموم.
قلت: مراده أن العام: هو الدال على الأفراد من غير حصر، فإذا وجد لفظ كذلك، وصح الاستثناء حكم عليه بالعموم، وأسماء العدد خارجة لكون الأفراد فيها محصورة.
وأجاب بعض الأفاضل (٢): بأن بعض العام يصلح له العام، بخلاف العشرة مثلًا، فإن العشرة لا تصلح له.
وفيه نظر: لأن الرجال، والمسلمين لا تصلح لزيد، وعمرو، ومثل العشرة، مع الإجماع على العموم.
ولو سلم ذلك، واكتفى بأن العام يصلح للبعض في الجملة بخلاف العشرة لم يدفع الإشكال: لأن قصد المعترض أن الاستثناء ليس معيار العموم لوجوده، حيث لا عموم.
فالجواب: بأن العام يصلح للبعض دون العشرة، كيف يدفع ذلك الإشكال؟
стр. 733
قوله: "والأصح: أن الجمع المنكر ليس بعام" (١). والمخالف الجبائي من المعتزلة، وأتباعه، قالوا: صح حمله على جميع الجموع، فكان عامًا (٢).
قلنا: بدلًا، لا شمولًا كرجل في الوحدان.
قالوا: لو لم يكن عامًا لكان مختصًا.
قلنا: ممنوع، بل مشترك معنى كرجل، وفرس.
وأقل الجمع ثلاثة عند الجمهور.
وقيل: اثنان، وإطلاق صيغة الجمع على الاثنين، أو الواحد مجاز (٣).
стр. 734
قال الإمام - في البرهان -: "رد الجمع إلى الواحد ليس بدعًا، ولكنه أبعد من الرد إلى اثنين -، ثم قال -: مثار الخلاف في أقل الجمع، فيما إذا قال: لفلان عليَّ دراهم، أو أوصى بدراهم، فهو محمول على أقل الجمع إن اثنين، فاثنان، وإن ثلاثة، فثلاثة" (١).
وذكر الشيخ ابن الحاجب في المنتهى: أن النزاع إنما هو في مثل المسلمين، وضربوا، واضربوا، لا في: ج م ع، ولا في نحو فعلنا، ولا في نحو: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، فإنه وفاق في أن المراد اثنان، فما فوقهما، ثم استدل على أن أقله ثلاثة بالتبادر إلى الفهم، وبقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١].
وجه الاستدلال: ما روي أن ابن عباس ﵄: / ق (٦٥/ أمن ب) رد على عثمان (٢) في جعله حكم الأخوين حكم الإخوة، إذ قال
стр. 735
له: "ليس الأخوان إخوة في لسان قومك. فقال: لا أنقض أمرًا كان قبل" (١)، فسلم له أن الأمر كما ذكره لغة، ولكن لم يرد بالجمع حقيقة/ ق (٦٤/ أمن أ) بل استعمل مجازًا في الأخوين، والقرينة الإجماع، هكذا ذكره ابن الحاجب، وتبعه المولى المحقق (٢).
وفيه نظر: إذ لو كان كذلك لم يتناول حقيقة الجمع في هذه الصورة، وليس كذلك للإجماع على أن حكم الإخوة حكم الأخوين (٣).
بل الحق: أنه من عموم المجاز عند من لم يجوّز الجمع بين الحقيقة والمجاز، أو اللفظ مستعمل في المعنى الحقيقي والمجازي عند من يجوز ذلك.
قالوا: قوله ﷺ : "الاثنان فما فوقهما جماعة" (٤).
стр. 736
الجواب - من وجهين -:
الأول: أنه ليس محل النزاع لما تقدم أن: ج م ع، ليس محل الخلاف.
الثاني: أن الخلاف في المعنى اللغوي، وما في الحديث محمول على المعنى الشرعي لكونه ﷺ مبعوثًا لبيانه لا لبيان اللغة.
والاستدلال - على المذهب المختار بقولهم: جاءني رجلان عالمان، دون عالمون لا يتم إذ ربما كان جمعًا، ولكن روعي الصورة، وفيه بُعد لكنه محتمل.
قوله: "وتعميم العام بمعنى المدح، والذم".
стр. 737
أقول: اللفظ الموضوع للعموم إذا سيق لمدح كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] أو ذم كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤].
المختار - عند المحققين - يفيد العموم كسائر الألفاظ التي يقصد بها المدح، والذم لعدم التنافي بين المعنيين، وبين العموم (١).
ونقل عن الشافعي خلافه (٢) حتى قال بعضهم: إن ليس للآية دلالة على وجوب الزكاة في الحلي المباح (٣)، وقد عرفت الجواب عنه (٤).
стр. 738
ثم إن صح عن الشافعي هذا النقل لعل مراده أنه ليس نصًا في العموم في جميع موارده: لأن الكلام إذا سيق للمدح كثير ما يتوسع فيه، ويتجوز، وإلا لا ريب عند ذي مُسْكة في أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣, ١٤] يفيد العموم، وإن كان مسوقًا للمدح والذم، وهذا الذي ذكر عن الشافعي ليس مذهبه، بل هو وجه نقل عن القفال (١)، ومختاره مختار المحققين.
стр. 739
هذا إذا لم يعارضه عام آخر لم يرد به المدح، أو الذم، وإذا عارضه يقدم عليه.
وقيل: يتوقف إلى أن يتبين الحال. ففي المسألة ثلاثة أقوال، وإليها أشار المصنف بقوله: "وثالثها يعم". وإنما قدم [الخالي عن المدح] (١) - على القول المختار، ولم يجعل [النصين] (٢) متعارضين - لما ذكرنا من أن المسوق للمدح، والذم لا يقاوم الخالي عنهما، لكون العموم هناك مقصودًا، وعلى هذا قول بعض الأفاضل (٣): "والتعميم فيه - أي: في المدح، والذم - أبلغ" فيه نظر. وما روي عن عثمان ﵁ في الجمع بين الأختين: "أحلتهما آية - أي: قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]- وحرمتهما آية" [أي: قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]] (٤)، فتقديم آية التحريم ليس لخلوه عن المدح، بل لقوله ﷺ : "ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال" (٥).
стр. 740
قوله: "وتعميم: لا يستوون، ولا أكلت".
أقول: ترجمة المسألة بنفي المساواة إنما هو لتحرير محل النزاع بين أبي حنيفة، والشافعي في قتل المسلم بالذمي: لأن استدلال الشافعي على عدم القتل: بأن الفعل الواقع بعد النفي يعم كقولك: ما أكلت، وما ضربت، كل منهما عام في وجوه الأكل، والضرب (١).
لنا - على المختار -: أن الجملة في حكم النكرة، ولهذا تقع صفة للنكرة، وقد تقدم أن النكرة في سياق النفي تعم.
لا يقال: هذا قياس في اللغة؛ لأنا نقول: معلوم من الاستقراء لكلام أئمة العربية. قالوا: مطلق المساواة أعم من (٢) / ق (٦٤/ ب من أ) المساواة من كل وجه، ولا دلالة للعام على الخاص.