← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 132415

الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (1 869 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

استغرق كل ما يليه بطل الكل، وإن استغرق غير الأول نحو: له عليَّ عشرة، إلا عشرة، إلا أربعة. قيل: يلزمه عشرة: لبطلان الأول بالاستغراق، والثاني تبعًا. وقيل: يلزمه أربعة: لأنه مثبت من العشرة المنفية. وقيل: ستة، يجعل الاستثناء مستأنفًا، كأن لم يذكر الأول (١). قوله: "الوارد بعد جمل متعاطفة للكل". أقول: إذا تعاقب جمل متعاطفة بعضها على بعض، ثم ورد بعدها استثناء، يمكن صرفه إلى الجميع، وإلى الأخيرة خاصة، ولا نزاع في ذلك إنما النزاع في الظهور. الشافعي: ظاهر في الرجوع إلى الكل (٢).

стр. 807

الحنفية: إلى الأخيرة خاصة (١). القاضي، والغزالي، ومن تبعهما: الوقف، بمعنى لا ندري أحقيقة فيهما، أم (٢) لا. الشريف المرتضَى (٣): مشتركة (٤) يجب التوقف إلى ظهور القرينة.

стр. 808

وهذان المذهبان موافقان لمذهب الحنفية في الحكم، وهو أن الاستثناء يفيد الإخراج عن مضمون الجملة الأخيرة، لكن المأخذ مختلف، فعندهما لعدم الدليل على غيره، وعندهم لوجود الدليل على عدم الغير. أبو الحسين من المعتزلة: إن سيق الكل لغرض عاد إلى الكل، وإلا، فلا (١). هذا ما ذكره المحققون، ولنرجع إلى ضبط كلام المصنف، ثم نقيم الدليل على ما هو المختار. فنقول: قوله: "الوارد بعد جمل متعاطفة فللكل". تبع في الإطلاق الإمام الرازي حيث لم يقيد حرفًا من حروف العطف (٢)، وأما الآمدي، فقد قيد بالواو (٣)، وتبعه الشيخ ابن الحاجب (٤)، والقاضي صرح بالتعميم بين الحروف العاطفة، ويمكن حمل كلام المصنف على تعميم القاضي: لأن قوله: وقيل: عطف بالواو، يدل على ذلك، وإن لم يصرح بالتعميم. ثم قول المصنف: إن مختار الإمام الرازي مذهب الحنفية، كلام "المحصول" يخالفه: لأنه فصل كلامه في أول البحث، وأطنب فيه، ثم قال: "ما ذكرنا من التقسيم حق، لكنا لدى المناظرة نختار التوقف (٥)، / ق (٧١/ ب من ب) لا بمعنى الاشتراك، بل بمعنى أنا لا ندري حكمه،

стр. 809

في اللغة ماذا، وهذا هو (اختيار القاضي) (١) "، ثم احتج لمذهب الشافعي. والمصنف ذهل عن آخر كلامه، فحكم بالموافقة، أو وقف على كلامه في موضع آخر لم نقف نحن عليه (٢). لنا - على مختار المصنف، وهو المختار -: أن الشرط متى تعقب جملًا عاد إلى الكل، فكذا الاستثناء، والجامع كون كل منهما غير مستقل. وأيضًا المعنى واحد فيهما: لأن قوله تعالى في آية القذف: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] في حكم: إن تابوا، فلا فسق، واقبلوا شهادتهم (٣). ولنا - أيضًا -: أن حرف العطف يُصَيِّر الجمل الكثيرة في حكم جملة واحدة.

стр. 810

لأنه لا فرق بين قولك: رأيت زيد بن عمرو، وزيد بن خالد، وبين قولك: رأيت الزيدين، فإذا صار المتعدد في حكم الواحد تعلق الاستثناء بالكل. ولنا - أيضًا -: أن لو أدخل الاستثناء بين المتعاطفة، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]، وقبل: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ , ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾، ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾، ﴿إِلَّا الَّذِينَ﴾، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ كان كلامًا غير فصيح مستهجنًا عن مثله كلام البشر، فضلًا عن كلام خالق القُوَى، والقُدَر. أبو حنيفة: الاستثناء إزالة العموم الظاهر، فلا يصار إليه إلا بقدر الحاجة: لأنه خلاف الأصل، والاكتفاء بجملة واحدة تصون (١) / ق (٧١/ ب من أ) الكلام عن كون الاستثناء فيه، فيقتصر عليه. ولما كانت الجملة الأخيرة متصلة بالاستثناء كان تعلق الاستثناء بها واجبًا (٢). الجواب: النقض بالشرط، فإنه راجع إلى الكل عندهم، مع أنه مزيل للعموم الظاهر أيضًا (٣).

стр. 811

وبالاستثناء بمشيئة الله، فإنه عائد إلى الكل، ولا محيص لهم عن هذا الالتزام. القائلون: بالوقف قالوا: حسن الاستفسار عند تعاقب الجمل، والاستفهام عن المراد منها، فلا يدرى المراد، إما لعدم العلم بمدلوله في اللغة، أو للاشتراك، فيجب التوقف. الجواب: أنا قد قررنا في صدر البحث أن القائلين برجوع الاستثناء إلى الكل قالوا بظهوره في الكل، فيحتمل الخصوص بالأخيرة، فالاستفهام لدفع ذلك الاحتمال. ثم القائلون: بالاشتراك قالوا: صح استعماله في الكل، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٧٠]، فإنه راجع إلى الكل بلا خلاف. وكذا قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]. وفي الأخيرة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا [النساء: ٩٢] لاختصاصه بالدية دون الكفارة. وإذا صح إطلاقه للجميع، وللأخيرة - والأصل في الاطلاق، / ق (٧٢/ أمن ب) الحقيقة - لزم الاشتراك (١).

стр. 812

الجواب: قد سبق أن اللفظ إذا دار بين كونه مشتركًا، وبين كونه مجازًا، فالمجاز هو الراجح. فقد تقرر من هذا البحث: أن كل موضع رجع الاستثناء إلى جميع الجمل المتعاطفة كان حقيقة، وحيث دلت قرينة على اختصاص الاستثناء بإحدى الجمل كان مجازًا. ومذهب أبي الحسين راجع في التحقيق إلى الوقف: لأنه إن سيق الكلام لغرض واحد فالجمل كلها بمنزلة شيء واحد. وإن انفصل ترتيب الكلام، وسيقت كل واحدة لغرض، فإلى الأخيرة: لأن الانفصال يجعل الجمل أجانب كالمنقطعة بعضها عن بعض. والقائلون: بالوقف - أيضًا - إنما يقولون به حيث لا قرينة تدل على الاتصال أو الانفصال، إذ لا يتوقف عاقل في رجوع الاستثناء إلى الكل في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]. وقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] (١).

стр. 813

واعلم: أن هنا بحثًا دقيقًا لا بد من الوقوف عليه، وهو أنه لما تقرر أن المختار عود الاستثناء إلى جميع الجمل المتعاطفة حيث لا قرينة تخصصه بالأخيرة، ورد الإشكال بآية القذف، فإن التوبة لا تسقط جلد الثمانين. أجاب - عنه - الفضلاء (١): بأنه إنما لم يسقط لكونه حق العباد، فلا يسقط بالتوبة، وليس بشيء: لأن الذنوب المشروع فيها حد - وإن كانت في حقوق الله تعالى إذا ثبت - لا تسقط بالتوبة أيضًا. مثاله: لو قال: والذين يشربون الخمر، فلا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا بعد ثبوت شرب الخمر، لا يسقط الحد بالتوبة جزمًا. بل الجواب - عن ذلك الإشكال -: أن الاستثناء في آية القذف إنما هو نفس التوبة، وحق العباد توبته، إنما هو بأدائه، أو بالاستحلال، كما أن التوبة في حق الله تعالى، إنما هي باستيفاء الحدود بعد الثبوت، فتأمل! والله أعلم (٢)./ ق (٧٢/ ب من ب) قوله: "والوارد بعد مفردات أولى بالكل". أقول: هذه المسألة لم يذكرها كثير من الأصوليين: لأنهم لما أثبتوا أن الوارد بعد جمل متعاطفة راجع إلى الكل، فيعد المفردات بالطريق الأولى بلا خفاء.

стр. 814

فالدليل المذكور/ ق (٧٢/ أمن أ) هناك جار هنا، بل كلام بعض (١) المحققين صريح، في أن عوده إلى الجميع في المفرد متفق عليه. قال: "العطف يُصَيِّر المتعدد كالمفرد، فلا فرق بين قولنا: اضرب الذين قتلوا، وسرقوا، وزنوا [إلا من تاب] (٢)، وبين قولنا: اضرب الذين هم قتلة، وسراق، وزناة" (٣). قوله: "أما القران بين الجملتين لفظًا". أقول: إذا قرن شيء بآخر في كلام الشارع، وذكر لهما حكم يشتركان في ذلك الحكم، ولا يلزم من القران في الذكر التسوية فيما عدا الحكم المذكور، بل لو ثبت كان الدليل خارجيًا (٤).

стр. 815

مثاله: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] قِران الزكاة بالصلاة لا يوجب تساويهما في جميع الأحكام، إذ الزكاة واجبة على الصبي دون الصلاة، خلافًا لأبي يوسف، والمزني (١). وشبهتهما: [ما اشتهر] (٢) من أن العطف يقتضي اشتراك المعطوف، والمعطوف عليه. قلنا: ذلك في الحكم الذي سيق له الكلام لا في جميع الأحكام. قال الغزالي - في المستصفى -: "ظن قوم أن من مقتضيات العموم، العطف على العام، أو الاقتران به، وهو غلط إذ المختلفات قد تجمع

стр. 816

العرب بينها، فيجوز أن يعطف العام على الخاص، والواجب على المندوب، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]- عامًا -، و ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ عطف عليه، وهو خاص. وقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ -[استحسان] (١) , وقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٣] , [إيجاب] (٢) "، ذكره في مباحث المفاهيم (٣). قوله: "الثاني: الشرط، وهو ما يلزم من عدمه العدم، ويلزم من وجوده الوجود". أقول: من المخصصات المتصلة الشرط، وقد عرفه المصنف بما يستلزم عدمه، عدم الشيء، ولا يستلزم وجوده، وجود الشيء. وهذا الحد يشمل الشرط العقلي: كالحياة للعلم، والشرعي: كالطهارة للصلاة، والعادي: كالسلم للصعود، واللغوي: كقولك: إن دخلت الدار، فأنت كذا، فإن أهل اللغة، وضعوا مثل هذا التركيب ليدل

стр. 817

على أن الجزء الثاني منه، وجوده موقوف، ومعلق على الجزء الأول، فانتفاء الأول يوجب انتفاء الثاني (١). فإن قلت: إذا قال الرجل - لامرأته -: إن دخلت الدار، فأنت طالق، وجود الدخول مستلزم لوجود الطلاق، لا أن عدمه مستلزم لعدمه. قلت: قد صار الشرط اللغوي حقيقة عرفية في السبب، فيستلزم الوجود، كما هو شأن الأسباب. وكلامه في تقسيم الشرط مبني على ما لم يصر مستعملًا في السبب. ويرد على حده جزء السبب، فإنه يلزم من عدمه عدم المسبب، ولا يلزم من وجوده وجوده. الجواب: أن جزء السبب يوجد المسبب بدونه، إذا وجد سبب آخر، بخلاف الشرط، فإنه لا يمكن وجود المشروط بدونه أصلًا. فإن قلت: نفرضه في جزء السبب المعين.

стр. 818

قلت: جزء السبب المعين شرط عقلي لصدق تعريفه عليه، فلا إشكال، إذ لا تنافي / ق (٧٣/ أمن ب) بين كون الشيء شرطًا، وجزء سبب. وقد أجاب - عنه بعض (١) الأفاضل -: بأن انتفاء المسبب في الصورة المذكورة، ليس لانتفاء جزء السبب وحده، بل لانتفائه، وانتفاء أسباب أخر. ولا يخفى أنه تكلف بارد، والوجه ما ذكرناه. ثم هنا - في بعض الشروح (٢) - كلام غريب، وهو أنه اعترض على التعريف المذكور بنفس السبب المعين. وأجاب: بأن السبب المعين لا يلزم من انتفائه من حيث هو سبب انتفاء الممكن، بل مع ضميمة كونه معينًا. هذا حاصل كلامه، وهو غلط فاحش: لأن السبب - سواء كان معينًا، أو غيره - من لوازمه (٣) / ق (٧٢/ ب من أ) وجود المسبب عند وجوده. بخلاف الشرط، فإنه لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط، فكيف يتصور الانتقاض به؟ قوله: لذاته، متعلق بالوجود، والعدم، واحترز به عن الشرط الذي لم يبق للمسبب ما يتوقف عليه سواه، فإن وجوده، وإن استلزم وجود المسبب لكن ليس لكونه شرطًا.

стр. 819

قوله: "وهو كالاستثناء اتصالاً، وأولى بالعود إلى الكل على الأصح". أقول: حكم الشرط حكم الاستثناء في اشتراط الاتصال، وفى رجوعه إلى الجمل المتعاطفة المتقدمة (١). والإمام أبو حنيفة قال: برجوعه إلى الجميع بخلاف الاستثناء، فإنه يرجع إلى الأخيرة (٢). ووجه الفرق: أن الشرط له صدر الكلام، وإن تأخر لفظًا، فهو مقدم رتبة، فتقع جميع الجمل في موقع الجزاء. وفيه نظر: لأنه يقدر مقدمًا على ما يرجع إليه سواء كان الجميع، أو الأخيرة (٣). مثاله: أكرم زيدًا، وعمرًا، وبكرًا، إن كان على طريقة أهل السنة.

стр. 820

ويجوز إخراج الأكثر بالشرط نحو: أكرم بني تميم إن كانوا علماء، يصح هذا الكلام، ويخرج الجهال، وإن كانوا أكثر، والأقوال الثلاثة الجارية في الاستثناء لا تجري هنا، ثم مبنى هذا على ظن المتكلم، فإن ظن أن الخارج أكثر صح، وإن كان الخارج هو الكل، فتأمل! واعلم: أن الشرط على نوعين: لأن المؤثر في الشيء إن توقف وجوده على شيء آخر، فذلك الشيء الآخر هو شرط وجود ذلك المؤثر. وإما أن يكون الموقوف على ذلك الشيء تأثير المؤثر لا وجوده. قوله: "الثالث: الصفة كالاستثناء في العود إلى الكل". أقول: من أقسام المخصص المتصل التخصيص بالصفة نحو: أكرم بني تميم الطوال، فقصر الطوال على بني تميم الذي هو لفظ عام على بعض مدلولاته. وإذا تعقبت الصفة الجمل المتعاطفة (١)، أو المفردات، فالحكم كما في الاستثناء، فالمختار هناك مختار هنا.

стр. 821

ولا فرق بين الصفة المتأخرة والمتقدمة، واختيار المصنف - من غير نقل في المسألة -: أن المتوسطة تعود إلى الأول. مثال المتأخرة: وقفت على أولادي، وأولاد أولادي المحاويج منهم. ومثال المتقدمة: وقفت على محاويج أولادي، وأولاد أولادي. ومثال المتوسطة: وقفت على أولادي (١) / ق (٧٣/ ب من ب) المحاويج، وأولاد أولادي. وفي مختار المصنف نظر: لأن المتقدمة على الكل إذا عادت إلى الجميع، فالمتوسطة أولًا بلا خفاء. قوله: "الرابع الغاية كالاستثناء في العود، والمرادُ غايةٌ تَقدَّمَها عمومٌ". أقول: من أقسام المخصص المتصل: الغاية، ومعنى الغاية - لغة -: النهاية (٢)، ومن لوازمه انقطاع المغيا به نحو قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فإن حكم المغيا به، وهو وجوب المقاتلة، انتهى بوجود الغاية التي هي إعطاء الجزية، فلزم من ذلك إخراج أهل الذمة من عموم المشركين.

стр. 822

ثم كل واحد من الغاية، وما قيد بها، إما متحد، أو متعدد، والحكم فيها كما في الاستثناء، والمختار المختار، وهو العود إلى الجميع على الأصح. قوله: "أما مثل ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] ". إشارة إلى فائدة أبداها والد المصنف ﵀ وهي أن الغاية إنما تكون للتخصيص إذا كان العام شاملًا لما بعد الغاية لولا ذكر الغاية، كالمثال المذكور، فإن المشركين عام في أهل الذمة وغيرهم، فالغاية أخرجت أهل / ق (٧٣/ أمن أ) الذمة. وأما نحو: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، فليس من هذا القبيل: لأن طلوع الفجر لم يتناوله أجزاء الليل ليخرج بالغاية، بل هو خارج ابتداء. وإنما فائدة الغاية - في مثله - تأكيد العموم، أي: هي سلام في أجزائها كلها إلى طلوع الفجر لئلا يظن أن كونها سلامًا مخصوص ببعض أجزائها. وبعض الشراح (١) - لما لم يقف على مقصوده - اعترض عليه: بأن الليل ليس بعام، حتى تكون الغاية لتأكيد العموم. ومنه قولك: قطعت أصابعه من الخنصر إلى البنصر، أي: جميع أصابعه، فلو لم يذكر حرف الغاية لربما توهم [التجوز] (٢)، فذكره لتوكيد معنى العموم. قوله: "الخامس: بدل البعض".

стр. 823

أقول: من التخصيص بالمتصل التخصيص بالبدل، ولا يعقل إلا في بدل البعض (١). مثاله: جاءني القوم أكثرهم، ولم يتعرض له أكثر الأصوليين، وصوبهم والد المصنف. وشبهتهم - في ذلك، على ما ذكره بعض الشارحين -: أن المبدل لما كان في حكم السقوط، ومدار الحكم هو البدل، فلا معنى للتخصيص. وأنا أقول: هذا كلام في غاية السقوط، لأنه جارٍ في الاستثناء أيضًا، ألا ترى أنك إذا قلت: جاءني القوم إلا زيدًا، لم تسند الفعل إلى القوم، إلا بعد إخراج زيد منهم، وإلا كان تناقضًا، فإخراج زيد في صورة الاستثناء، قبل الحكم، مثل إخراج العاجز في قولك: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. بل الصواب: أن ترك الجمهور ذكر البدل، إنما هو للعلم به من الاستثناء لتقاربهما في المعنى (٢)، والله أعلم.

стр. 824

قوله: "القسم الثاني: المنفصل، يجوز التخصيص بالحس، والعقل". أقول: لما فرغ من أقسام المتصل شرع في المنفصل (١) وحصره في الحس (٢)، والعقل، وهو غير منحصر للاتفاق على جواز التخصيص بالأدلة السمعية. وأشار إليه المصنف - أيضًا - بقوله: والأصح جواز تخصيص الكتاب به، وبالسنة. وزاد بعضهم (٣) العادة، والزيادة، والنقصان، كما إذا حلف أنه لا يأكل الرأس، فلو أكل رأس العصفور لا يحنث / ق (٧٤/ أمن ب) لأنه لم يتعارف بيعه بين الناس وحده. وكذا لو حلف لا يأكل الفاكهة، لا يحنث بأكل العتب والرمان، كما روي عن أبي حنيفة لقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّان﴾ [الرحمن: ٦٨] (٤) عطفهما على الفاكهة لزيادة فيهما على التفكه.

стр. 825

وإذا قال: كل مملوك لي فهو حر، لا يعتق المكاتب لنقصان الرق فيه. هذا، وكون العقل مخصصًا نسب خلافه إلى الشافعي (١). وزعم المصنف: أن الخلف لفظي (٢): لأن قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٣)، لا يشك عاقل في أن ذاته المقدسة خارجة عن عموم الشيء، فكيف يخفى بطلان خلافه على مثل ذلك الحبر المحقق ﵁، والجواب الذي ذكره المصنف في غاية الحسن.

стр. 826

ثم المراد بكون الحس مخصصًا أن له مدخلًا فيه: لا أن التخصيص فعله، بل الحاكم به هو العقل (١). وبما ذكرنا تنحل شبهة أوردها الإمام في أول "البرهان"، أوردها على الشيخ أبي الحسن الأشعري حيث حكم بأن التخصيص بالحس، أقوى منه بالعقل (٢)، استشكله بعض (٣) الأصحاب: بأن العقل أقوى من الحس لتطرق الآفات الكثيرة على الحس دون العقل، وخفي عليه مقصود الشيخ، وهو أن الحس إذا اجتمع مع العقل، كان الحكم أجلى وأوضح من انفراد العقل بلا ريب (٤).

стр. 827

وبعض (١) الشراح (٢) / ق (٧٣/ ب من أ) أورد هذا النقل عن الأصحاب، ولكن لم يحم حول الجواب. قوله: "والأصح جواز تخصيص الكتاب به". أقول: منطوق عبارته يشتمل على أربع مسائل: الأولى: تخصيص الكتاب بالكتاب، الثانية: تخصيص السنة بالسنة، الثالثة: تخصيص الكتاب بالسنة، الرابعة: عكس الثالثة. لنا - في المسألة الأولى على المختار، وهو الجواز (٣) -: قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] , فإنه عام في الحامل، وغيرها، وقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤] مخصص له.

стр. 828

وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] مخصص لقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]. ومنع الجواز طائفة مطلقًا (١). وفصَّله أبو حنيفة، والقاضي، وإمام الحرمين قالوا: لا يخلو إما أن يكون التأريخ معلومًا، أو لا، فإن كان معلومًا، وكان الخاص متأخرًا عن العام كان تخصيصًا، وإن تقدم الخاص، كان العام ناسخًا له (٢). وإن كان التاريخ مجهولًا تساقطا، فإن اعتضد الخاص بدليل ترجح، وإلا فالحكم للعام. لنا - على المختار -: ما تقدم من الآيات المذكورة.

стр. 829

وأيضًا: لو كان العام المتأخر ناسخًا للخاص المتقدم، لبطل القاطع بالمحتمل: لأن الخاص قطعي في مدلوله، والعام يحتمل الخصوص، فليس بقطعي في مدلوله، وبطلان القاطع بالمحتمل بديهي البطلان كذا ذكره بعض المحققين (١). وفيه نظر: لأن العام عند أبي حنيفة قطعي في مدلوله كالخاص، ومطلق احتمال العام للخصوص لا يقدح في قطعية مدلوله ما لم يستند ذلك إلى دليل. فقوله: وبطلان القاطع بالمحتمل بديهي البطلان، إنما يتم على أصل الشافعي لا على أصل أبي حنيفة، إلا أن يتبين بطلان ذلك الأصل، وهو مشكل جدًا. ولنا - أيضًا -: أن الحمل على التخصيص أولى من النسخ: لأنه أكثر وأغلب، والإلحاق بالأغلب، أولى وأغلب. وأيضًا: التخصيص دفع، والنسخ رفع، والدفع أهون من الرفع. قالوا: لو قال (٢) / ق (٧٤/ ب من ب): اقتل زيدًا، ثم قال: لا تقتل المشركين، وكان زيد مشركًا لا يجوز قتله اتفاقًا.

стр. 830

قلنا: ذلك لنصوصية زيد في الإثبات، فلا يمكن تخصيصه، بخلاف ما إذا [قال] (١): لا تقتل أهل الذمة، ثم قال: اقتل المشركين، فإنه لا يدل على جواز قتل أهل الذمة. قالوا: عن ابن عباس: "كنا نأخذ بالأحدث، فالأحدث" (٢)، فإذا كان العام متأخرًا يؤخذ به، فيدل على نسخ الخاص. قلنا: محمول على ما لا يقبل التخصيص جمعًا بين الأدلة. وأما تخصيص السنة بالسنة، فجائز خلافًا لشرذمة (٣).

стр. 831

لنا - على المختار - وقوعه: لأن قوله ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أوسق (١) صدقة" (٢)، مخصص لقوله: "فيما سقت السماء العشر" (٣).

стр. 832

وكذلك يجوز تخصيص السنة بالكتاب لقوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، والسنة شيء، فيجوز أن يكون الكتاب بيانًا له (١). وأيضًا: الخاص من الكتاب قطعي، والعام من السنة محتمل، فلو لم يجز تخصيصه به بطل القطعي بالمحتمل. قالوا: قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فيكون هو المبين بالسنة القرآن، فلا يكون القرآن مبينًا لكلامه. الجواب: الكل بلسانه، فتارة تبين السنة بالقرآن، وتارة بالعكس (٢).

стр. 833

وأما الكتاب، فتخصيصه بالخبر المتواتر متفق عليه (١)، وبالآحاد فيه خلاف.

стр. 834

والحق: جوازه / ق (٧٤/ أمن أ)، وإليه ذهب الأئمة الأربعة. وقيل: لا يجوز مطلقًا، ونسب إلى بعض المتكلمين. وقيل: إن خص بقاطع جاز، وإلا فلا، وحكي هذا عن ابن أبان، واختار عكسه المصنف. وقيل: إن خص بمنفصل جاز، وإلا فلا، وإليه ذهب الكرخي.

стр. 835

وتوقف القاضي: بمعنى هل يجوز، أم لا (١). لنا - على المختار - قوله ﷺ : "لا تنكح المرأة على خالتها، ولا على عمتها" (٢)، مخصص لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فإن "ما" يتناول ما وراء المذكورة، ومنها العمة، والخالة. وقوله: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" (٣)، مخصص لـ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾. قالوا: إنما خص بالإجماع من الصحابة.

стр. 836

قلنا: فهموا من الخبر التخصيص، فأجمعوا على ذلك، فالدليل عندهم هو الخبر. قالوا: الكتاب قطعي، وخبر الواحد ظني، فلا يترك القطعي بالمحتمل كما سبق. قلنا: عام الكتاب قطعي المتن، ظني الدلالة، والخبر الخاص بالعكس، فوجب الجمع لقوة كل منهما من وجه، وهذا هو الذي أوجب التوقف عند القاضي. والثالث من المذاهب: وهو أنه يجوز إذا خص بقاطع، فلأن القاطع إذا وقع مخصصًا تضعف دلالته لتطرق الشبهة إليه. وما اختاره المصنف من عكس ذلك (١) - مع كونه مخالفًا لإطباق العلماء - غير معقول: لأن المصنف قائل بأنه إذا لم يخصص العام لا بظني، ولا قطعي يجوز تخصيصه بالآحاد، فالتخصيص بالقطعي لا شك يفيد ضعفًا في العام، فكان جواز التخصيص بعده من باب الأولى. وشبهة الكرخي في الفرق بين المتصل والمنفصل: زيادة القوة في المنفصل، ولزيادة قوة المنفصل كان المخصص به مجازًا في الباقي، ومراتب التجوز سواء، فلا يبقى العام قطعيًا.

стр. 837

والجواب: ما تقدم من كون الخاص قطعي الدلالة، وإن كان العام قطعي المتن. قوله: "وبالقياس خلافًا للإمام مطلقًا" إلى آخره. أقول: ذهبت الأئمة الأربعة إلى جواز تخصيص الكتاب، والسنة، بأقسامه (١) / ق (٧٥/ أمن ب) بالقياس. وذهب القاضي، والإمام (٢) إلى التوقف. وابن سريج: إن كان القياس جليًا جاز، وإلا فلا (٣)، ونسب هذا إلى الجبائي، والنقل عنه عدم الجواز مطلقًا.

стр. 838

وقيل: إن كان الأصل في القياس المخصص مخرجًا من ذلك العموم بنص جاز، وإلا فلا. الكرخي - على مذهبه في تخصيص الآحاد للقطعي -: إن خص بمنفصل جاز، وإلا فلا. الإمام الرازي: منع مطلقًا - في المعالم - وجوزه في المحصول (١)، قال - بعد ذكر الخلاف -: "لنا: أن القياس، والعموم دليلان متعارضان، والقياس خاص، فوجب تقديمه" (٢). وهنا مذهب آخر، وهو أنه: إن خص العام قبل القياس بنص جاز، وإلا فلا، ونسب إلى ابن أبان (٣). واختار الغزالي أرجح الظنين، وقال: "العام ظني الدلالة، وكذا القياس، فالمجتهد يعتبر أقوى الظنين" (٤). وقال الشيخ ابن الحاجب: "إن ثبت علية العلة في القياس بنص، أو إجماع، أو كان الأصل مخصصًا للعام متصلًا كان أو منفصلًا، خص به، وإلا، فالاعتبار بالقرائن" (٥). كما ذكره الإمام الغزالي.

стр. 839

لنا - على مختار الجمهور -: ما تقدم من أن العام دليل، والقياس دليل، فإذا خص به كان إعمالًا للدليلين، وإعمالهما أولى من إهمال أحدهما. وأيضًا: العام يحتمل المجاز، والخصوص، بخلاف القياس، فكان (١) / ق (٧٤/ ب من أ) أولى. المانع [مطلقًا: القياس فرع، فلا يقدم على النص الذي هو أصله. قلنا: كذلك لا يقدم على النص المقيس عليه، وغره ليس] (٢) بأصل له. قالوا: مقدماته أكثر، فكان أضعف، فلا يقدم على الأقوى. قلنا: قد يكون العكس كما في الخبر المروي من كثرة الرواة، وشرائطها، ولو سلم غلبة أحد الظنين، لكن إعمال الدليلين أولى. ويرد عليهم تجويز تخصيص الكتاب بالسنة لكثرة المقدمات في السنة دون الكتاب.

стр. 840

الجبائي: دل حديث معاذ على تأخير القياس عن الكتاب، والسنة، فلا يجوز تخصيصهما به. قلنا: يرد عليك السنة مع الكتاب إذ يجوز تخصيص الكتاب به عندك، مع تأخرها عنه في خبر معاذ، مع أن خبر معاذ إنما يدل على عدم جواز إبطال النص به، وقد علمت: أن في التخصيص إعمال الدليلين، فلا يرد علينا القائل: بالجلي (١) دون الخفي لقوة الجلي، وظهوره دون الخفي. الجواب: ما تقدم من إعمال الدليلين، وكونهما متساويين في الحجة. ومن قال: بأن أصل القياس إن لم يكن مخرجًا من ذلك العام بنص لم يجز، وإلا جاز، فلأن الأصل المخرج من ذلك العام بنص إذا بني عليه قياس يقوى على معارضة العام: لكونه أصله مخرجًا عنه بدليل. الجواب: ما تقدم مرارًا من عدم الفرق، وأولوية إعمال الدليلين. الكرخي: على أصله من أن العام إن خص بمنفصل جاز تخصيصه بالقياس كما سبق في خبر الآحاد، والجواب: هو الجواب.

стр. 841

الواقفية كالقاضي، وإمام الحرمين قالوا: أدلة تقديم كل منهما تعارضت، وجب التوقف. وقد علمت الجواب (١)، والله أعلم بالصواب. قوله: "وبالفحوى". أقول: المفهوم بالفحوى - أي: مفهوم الموافقة كتحريم الضرب المفهوم من تحريم التأفيف للأبوين - يجوز تخصيص العام به (٢)، وهذا ينبغي أن لا يخالف فيه عاقل: لأنه أولى من المنطوق، أو مساو له. وكذا مفهوم المخالفة، كما في قوله: "في الغنم السائمة زكاة"، فإنه يخرج المعلوفة الداخلة في قوله: "في الغنم زكاة" (٣)، وإنما قيل: بالأرجح

стр. 842

لأنه روي عن الشافعي المنع فيه لأنه أضعف من المنطوق (١)، والصحيح عنه جوازه: لأن مثل هذا الضعف لا يقدح في جواز التخصيص، ألا ترى أن خبر الواحد يخصص القطعي (٢) / ق (٧٥/ ب من ب). قوله: "وبفعله". أقول: إذا ورد في الكتاب، أو في السنة لفظ حكمه عام لجميع المكلفين، وفعل ﷺ بعض أفراد ذلك العام المنهى عنه، مثلًا لو قال: صوم الوصال حرام (٣) على كل مسلم، ثم صام هو، لا يخلو إما أن يكون فعله

стр. 843

من خواصه، أو مما يجب الاقتداء به فيه، فإن كان الأول فهو تخصيص له فقط، وإن كان الثاني: لا يخلو إما أن يكون ذلك بدليل خاص في ذلك الفعل، فهو نسخ، وإن كان بدليل عام، فالمختار أن ذلك الدليل العام يكون مخصصًا بالعام المتقدم ذكره، فيجب على الأمة موجب ذلك القول، ولا يلزمهم الاقتداء به في الفعل. مثاله: قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] دل على وجوب الاتباع في كل الأفعال، والنهي عن الوصال دل على حرمة هذا الفعل المخصوص، فعلم أن وجوب الاتباع عام، مخصص، فيكون إعمالًا للدليلين، إذ لو بقى عمومه لبطل العمل بالأول / ق (٧٥/ أمن أ) بالكلية، إذ الوصال مباح له، فلو أبيح لنا - أيضًا - لبطل العام الأول بالكلية (١).

стр. 844

وقيل: يجب العمل به، وقيل: يجب التوقف، والجواب - عنهما -: قد تقدم مرارًا من إعمال الدليلين. قوله: "وتقريره في الأصح". أقول: إذا عَلِم ﷺ بفعل صدر من مكلف، يخالف عموم ما دل عليه دليل شرعي، ولم ينكره، كان تقريره مخصصًا، ومخرجًا ذلك الفاعل إذ لا يمكن تقريره إلا على الصواب. [ثم إن] (١) تبين موافقة غيره له في علة مشتركة حمل عليه، إما قياسًا، وإما بقوله: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة". وأما إذا لم تبين الموافقة، فلا يتعدى المذكور (٢)، أما قياسًا، فلاقتضائه الاشتراك في العلة، وأما قوله: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة"، فلتوقفه على عدم الفارق إجماعًا.

стр. 845

وقول المصنف: "على الأصح"، إشارة إلى الخلاف، فإن طائفة ذهبت إلى أنه نسخ (١). والجواب: أن التخصيص أولى، إما لأنه دفع، والنسخ رفع، والدفع أهون من الرفع، أو لأن التخصيص إعمال الدليلين، والنسخ يستلزم إبطال أحدهما. قوله: "وأن عطف العام على الخاص" إلى آخره. أقول: هذه مسائل: المختار فيها عدم التخصيص، منها: عطف العام على الخاص، مثل عطف ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾، على قوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤]، فإن المعطوف عليه خاص بالمطلقات، والمعطوف عام، إذ ذات الحمل - سواء كانت مطلقة، أو متوفى عنها زوجها - عدتها بالحمل إجماعًا (٢).
следующие страницы →