← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 132415

الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (1 869 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الواقفية كالقاضي، وإمام الحرمين قالوا: أدلة تقديم كل منهما تعارضت، وجب التوقف. وقد علمت الجواب (١)، والله أعلم بالصواب. قوله: "وبالفحوى". أقول: المفهوم بالفحوى - أي: مفهوم الموافقة كتحريم الضرب المفهوم من تحريم التأفيف للأبوين - يجوز تخصيص العام به (٢)، وهذا ينبغي أن لا يخالف فيه عاقل: لأنه أولى من المنطوق، أو مساو له. وكذا مفهوم المخالفة، كما في قوله: "في الغنم السائمة زكاة"، فإنه يخرج المعلوفة الداخلة في قوله: "في الغنم زكاة" (٣)، وإنما قيل: بالأرجح

стр. 842

لأنه روي عن الشافعي المنع فيه لأنه أضعف من المنطوق (١)، والصحيح عنه جوازه: لأن مثل هذا الضعف لا يقدح في جواز التخصيص، ألا ترى أن خبر الواحد يخصص القطعي (٢) / ق (٧٥/ ب من ب). قوله: "وبفعله". أقول: إذا ورد في الكتاب، أو في السنة لفظ حكمه عام لجميع المكلفين، وفعل ﷺ بعض أفراد ذلك العام المنهى عنه، مثلًا لو قال: صوم الوصال حرام (٣) على كل مسلم، ثم صام هو، لا يخلو إما أن يكون فعله

стр. 843

من خواصه، أو مما يجب الاقتداء به فيه، فإن كان الأول فهو تخصيص له فقط، وإن كان الثاني: لا يخلو إما أن يكون ذلك بدليل خاص في ذلك الفعل، فهو نسخ، وإن كان بدليل عام، فالمختار أن ذلك الدليل العام يكون مخصصًا بالعام المتقدم ذكره، فيجب على الأمة موجب ذلك القول، ولا يلزمهم الاقتداء به في الفعل. مثاله: قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] دل على وجوب الاتباع في كل الأفعال، والنهي عن الوصال دل على حرمة هذا الفعل المخصوص، فعلم أن وجوب الاتباع عام، مخصص، فيكون إعمالًا للدليلين، إذ لو بقى عمومه لبطل العمل بالأول / ق (٧٥/ أمن أ) بالكلية، إذ الوصال مباح له، فلو أبيح لنا - أيضًا - لبطل العام الأول بالكلية (١).

стр. 844

وقيل: يجب العمل به، وقيل: يجب التوقف، والجواب - عنهما -: قد تقدم مرارًا من إعمال الدليلين. قوله: "وتقريره في الأصح". أقول: إذا عَلِم ﷺ بفعل صدر من مكلف، يخالف عموم ما دل عليه دليل شرعي، ولم ينكره، كان تقريره مخصصًا، ومخرجًا ذلك الفاعل إذ لا يمكن تقريره إلا على الصواب. [ثم إن] (١) تبين موافقة غيره له في علة مشتركة حمل عليه، إما قياسًا، وإما بقوله: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة". وأما إذا لم تبين الموافقة، فلا يتعدى المذكور (٢)، أما قياسًا، فلاقتضائه الاشتراك في العلة، وأما قوله: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة"، فلتوقفه على عدم الفارق إجماعًا.

стр. 845

وقول المصنف: "على الأصح"، إشارة إلى الخلاف، فإن طائفة ذهبت إلى أنه نسخ (١). والجواب: أن التخصيص أولى، إما لأنه دفع، والنسخ رفع، والدفع أهون من الرفع، أو لأن التخصيص إعمال الدليلين، والنسخ يستلزم إبطال أحدهما. قوله: "وأن عطف العام على الخاص" إلى آخره. أقول: هذه مسائل: المختار فيها عدم التخصيص، منها: عطف العام على الخاص، مثل عطف ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾، على قوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤]، فإن المعطوف عليه خاص بالمطلقات، والمعطوف عام، إذ ذات الحمل - سواء كانت مطلقة، أو متوفى عنها زوجها - عدتها بالحمل إجماعًا (٢).

стр. 846

وكذا عكس هذه المسألة، أعني عطف الخاص على العام مثل قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾، بعد قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فإن المعطوف خاص بالرجعيات، والمعطوف عليه عام في جميع المطلقات (١). والحق: أن إفراد هذه المسألة لا وجه له بعد ذكر مسألة القران، فإن حكمها علم هناك (٢).

стр. 847

ومنها: عود الضمير إلى بعض أفراد العام لا يوجب تخصيص العام كعود ضمير ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ إلى الرجعيات التي هي بعض أفراد المطلقات (١).

стр. 848

وقيل: يخصصه، ويؤخذ حكم البوائن من دليل آخر، وليس بشيء، وإليه الإشارة بقوله: "والأصح". لأنه مقابله. ومنها: مذهب الراوي لا يخصص، ولو كان الراوي صحابيًا، إذ ربما ظنه دليلًا، ولم يكن في نفس الأمر دليلًا: لأن ظنه ليس بمصون عن الخطأ، ولا يجوز لمجتهد تقليد غيره (١).

стр. 849

قالوا: لو لم يكن له دليل قطعي / ق (٧٦/ أمن ب) لبيَّنَه دفعًا للتهمة. قلنا: معارض بمثله، إذ نقول: لو كان له دليل قطعي لبينه دفعًا لذلك، وأيضًا لو كان قطعيًا لم يخف على أكثر الصحابة عادة. ومنها: تخصيص بعض أفراد العام بالذكر لا يوجب تخصيص العام. مثاله: قوله ﷺ : "أي إهاب دبغ فقد طهر" (١)، فهذا عام، وقوله - في شاة ميمونة (٢) -: "هلا انتفعتم بإهابها؟ " قالوا: يا رسول الله، إنها ميتة،

стр. 850

قال: "دباغها طهورها" (١)، فلا دلالة فيه على التخصيص بالحكم: لأن مفهومه، مفهوم لقب، وليس بحجة عند الجمهور، وإليه أشار بالأصح (٢). قوله: "وأن العادة بترك بعض المأمور". أقول: إذا ورد لفظ عام من الشارع في تحريم، أو إيجاب، والمخاطبون يعتادون بعضًا مما تناوله العام، هل العادة تخصص العام؟ .

стр. 851

مثل: أن يقول: حرمت الربا في الطعام، وعادتهم تناول البر، هل يعم حرمة الربا كل مطعوم، أو يختص بالبر (١)؟ قال المصنف: إن كانت العادة في زمانه ﷺ (٢) / ق (٧٥/ ب من أ)، ودرى بها، ولم ينكر، أو انعقد الإجماع بعد ورود العام على قصر الحكم على المعتاد تخصص، وإلا فلا، وتبع - في ذلك - الإمام في المحصول (٣).

стр. 852

والحق: أن ما كان مخصصه التقرير، أو الإجماع ليس من البحث في شيء: لأن المخصص هو التقرير، أو الإجماع، وما عدا هذين القسمين المختار أنه ليس لمخصص (١): لأن اللفظ عام لا يخصصه إلا دليل شرعي، وتناولهم، وعرفهم ليس دليلًا شرعيًا (٢). قالوا: يتخصص بالعرف: كالدابة، فإنها لغة لكل ما يدب على الأرض، واختصت عرفًا بذوات القوائم الأربع. قلنا: ذلك في غلبة الاسم بالنقل لا في الحكم بالعادة، والمفروض هذا. قالوا: إذا قال: اشتر لي لحمًا، وكان متناول أهل البلد لحم الضأن ينصرف إليه. قلنا: غير محل النزاع: لأنه مطلق، والكلام في العام، ولا قياس بينهما.

стр. 853

ثم في كلام المصنف نظر: لأن الخلاف إنما هو في قصر العام على المعتاد، مثل: البر - في المثال المذكور - لا على ما عداه بأن يكون الربا محرمًا في غيره دونه، فإنه لم يذهب إليه أحد، مع أن قول المصنف: ولا على ما وراءه، صريح في كونه محل الخلاف، أيضًا، والعجب [أن شارحي] (١) كلامه لم ينتبهوا له. وأما حكاية الحال بلفظ ظاهره العموم مثل: "قضى بالشفعة" (٢)، و"نهى عن بيع الغرر" (٣)، هل يعم أو لا؟

стр. 854

فالأكثر على عدم عمومه: لأن المسألة أصولية، فلا تثبت بالمحتمل (١). قالوا: عدل عارف باللغة، فلا ينقل الآن بصيغة العموم إلا بعد علمه بأن مراد الشارع العموم.

стр. 855

قلنا: ربما قاله اجتهادًا. قالوا: لو كان مثل هذا الاحتمال قادحًا لوجب ترك الظواهر كلها. قلنا: نلتزمه في المسائل الأصولية، فإنه إذا قام فيها الاحتمال سقط الاستدلال. قوله: "مسألة: جواب السائل غير المستقل دونه" إلى آخره. أقول: المراد بالجواب المستقل ما يكون - مع قطع النظر عن السؤال - وافيًا بالمقصود، كما إذ قلت - لشخص -: تعال تغد معي، فقال: إن تغديت اليوم، فعليَّ كذا، فإنه كلام مستقل لا تعلق له بالسؤال حتى إنه يحنث سواء تغدى معه، أو مستقلًا. وغير المستقل مثل: نعم، أو بلى، فإنه لا يفيد بدون الكلام السابق، فهو تابع له إن كان عامًا، كما إذا قال له: هل يجوز التوضؤ بماء البحر؟ فقال: نعم، يعم الجواز السائل، وغيره (١)، ولو قال له: يجوز لك، يختص

стр. 856

الجواز بالسائل. هذا وكلام الآمدي صريح في أن الشافعي لم يقل بكون غير المستقل يتبع السؤال في الخصوص؛ لأن ترك الاستفصال في حكاية الحال يدل على العموم في المقال (١)، وكذا ذكره الإمام في البرهان (٢). وعلى هذا، فقول المصنف: تابع (٣) / ق (٧٦/ ب من ب) للسؤال في عمومه، مع عدم ذكر الخصوص، ربما كان اختيارًا منه لذلك المنقول (٤) ثم المستقل إما أن يكون أخص من السؤال، أو يكون مساويًا، أو أعم.

стр. 857

فالجواب بالأخص جائز، إذا فهم حكم المسكوت من ذكر الخاص، كما إذا سئل: من أفطر في رمضان ماذا عليه؟ فقال: من جامع في رمضان فعليه ما على المظاهر، فإن قيد الجماع - في الجواب - يعلم منه عدم وجوب الكفارة في سائر المفطرات. وأما إذا لم يعلم منه حكم المسكوت، فلا يجوز: لأنه يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو باطل. وأما الجواب، المساوي، فلا إشكال فيه لحصول المقصود من غير زيادة، ولا نقصان.

стр. 858

وأما الأعم، وهو الذي عبر عنه بقوله: / ق (٧٦/ أمن أ) والعام على سبب خاص، أي: سواء كان سؤالًا، أو غيره، كقوله ﷺ لما سئل عن ماء بئر بضاعة -: "خلق الماء طهورًا لا ينجسه إلا ما غير لونه، أو طعمه، أو ريحه" (١)، وكما روي عنه: أنه مر بشاة ميمونة، فقال: "أيما إهاب دبغ، فقد طهر"، فالحكم بالعموم، حتى يحكم بطهورية كل ماء، وكل إهاب، أو بخصوص السبب، حتى يحكم بطهورية بئر بضاعة، وإهاب شاة ميمونة؟ الجمهور: على اعتبار اللفظ دون خصوص السبب: لأن الاستدلال إنما هو باللفظ، وهو عام، ولا تنافي بين خصوص السبب، وعموم اللفظ (٢).

стр. 859

ولأن الصحابة ﵃ تمسكوا بالعمومات الواردة في الحوادث الخاصة، مع علمهم بورودها في تلك الوقائع الخاصة، كآية (١)

стр. 860

الظهار (١)، والسرقة (٢)، واللعان (٣).

стр. 861

قالوا: لو كان الاستدلال بعموم اللفظ لم ينقل السبب. قلنا: العلم بسبب النزول، وورود الأحاديث في الحوادث فائدة جليلة. قالوا: لو عم المسؤول عنه، وغيره لم يكن الجواب مطابقًا للسؤال. قلنا: اشتماله على الزيادة لم يخرجه عن المطابقة، بل زاده حسنًا (١). قوله: "فإن كانت قرينة، فأجدر". يعني إذا دلت قرينة على العموم، فهو أجدر، أي: أولى من اعتبار السبب. وإن دلت على خصوص السبب، فهو أولى، كما جاء في الحديث: "أنه [مر] (٢) بامرأة مقتولة، فقال: من قتل هذه؟ ، وهي لا تقاتل، ونهى

стр. 862

[عن] (١) قتل النساء، والصبيان" (٢)، أي: الكفار، فلا يدل عموم اللفظ على عدم جواز قتل المرتدة كما ذهب إليه أبو حنيفة؛ لوجود القرينة الدالة على اعتبار الخصوص (٣).

стр. 863

قوله: "وصورة السبب قطعية الدخول". أقول: هذا جواب عن سوال مقدر، تقريره أن المعتبر لما كان عموم اللفظ العام يجوز تخصيصه، ولا مزية لأفراده بعضها على بعض من حيث إنه عام، فيجوز إخراج صورة السبب، ولم يقل به أحد. أجاب: بأنه إنما يجوز إخراج بعض الأفراد من العموم، إذا لم يدل دليل على دخوله في الحكم قطعًا، وصورة السبب من هذا القبيل (١). ونقل المصنف عن والده: أن دخول صورة السبب ظني. وشبهته: ما نقل عن أبي حنيفة أنه جعل دخوله، لإخراجه ولد الأمة المستفرشة من قوله: "الولد للفراش" (٢)، إذ في الأمة لا بد من الدعوة بخلاف الحرة، فإن مجرد الفراش كاف في لحوقه.

стр. 864

والحق: أن ما ذهب [إليه] (١) الإمام أبو حنيفة ﵀ ليس محل النزاع: لأن ما ورد فيه العام هو ولد خاص، وهو ولد زمعة (٢)، وأبو حنيفة لم يقل: بجواز خروجه، بل يقول: لا يتصور إخراج صورة السبب: لأنه وقع فيه النزاع، وألحقه الشارع بأحد الخصمين، فكيف يعقل إخراجه؟ وأما قول أبي حنيفة: إن ولد الأمة/ ق (٧٧/ أمن ب) لا يلحق بمجرد الفراش، فقد قال الغزالي ﵀: "إن أبا حنيفة إنما قال: ذلك لأنه لم يبلغه الخبر" (٣).

стр. 865

قلت: ولو بلغه الخبر، ولاح له إخراج ولد الأمة لم يدل على إخراج صورة السبب: لأن ذلك واقع في عهده ﷺ لا يمكن إخراجه. غايته: أن ولد الأمة بعض أفراد العام، أخرجه بدليل آخر مخصص لذلك، وأيّ تعلق لهذا الكلام بصورة السبب؟ . ثم قال والد المصنف: ويقرب من صورة السبب خاص ذكر في القرآن، وتلاه، أي: تبعه - في المصحف - عام. مثاله: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ٤٤, ٥١] (١)، فإنه خاص في طائفة من أهل الكتاب، مثل: كعب (٢)

стр. 866

ابن الأشرف (١)، / ق (٧٦/ ب من أ) وهم الذين كتموا نعت النبي ﷺ وكان أمانة أخذ الله الميثاق على أدائها، وتلاه عام هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] (٢)، فإنه شامل لتلك الأمانة وغيرها، فهل يجوز تخصيص هذا العام بإخراج ذلك البعض، أو يكون ذلك البعض مثل صورة السبب، حتى لا يجوز إخراجه؟ فتوسط، وقال: يقرب، أي: ليس مثله، ولا بعيدًا منه، وهذا تفقه منه قليل الجدوى، مع أنه قد تقدم لنا أن القِران في الذكر لا دخل له في توافق الأحكام (٣).

стр. 867

قوله: "مسألة: إن تأخر الخاصُّ عن العمل نَسَخَ العامَّ، وإلّا خَصَّصَ". أقول: الخاص، والعام إذا تنافيا في الحكم لا يخلو إما أن يكون أحدهما متأخرًا عن الآخر، أو لا، فإن تأخر أحدهما عن الآخر، وعلم التأريخ، فإن كان المتأخر العام، يكون الخاص مخصصًا له. وإن كان المتأخر هو الخاص، فإما أن يكون متأخرًا عن العمل بالعام، أو لا، فإن كان متأخرًا، فالخاص ناسخ لذلك القدر الذي تناوله العام؛ لعدم إمكان القول بالتخصيص، لأنه تبين عدم دخول المخصص في المراد، وبعد العمل لا يمكن ذلك. وإن لم يتأخر عن العمل، يكون مخصصًا لتقدم التخصيص على النسخ لما تقدم من الدليل عليه. وإن لم يتأخر عن العمل، فإما أن يتأخر في النزول، أو يتقدم، أو يتقارنا، أو يجهل التأريخ، ففى الكل يخصص العام (١). وذهب إمام الحرمين - تبعًا للحنفية -: أن العام المتأخر ناسخ إن علم التأريخ (٢)، وإن جهل، فالوقف، أو يتساقطان، الاحتمالان (٣) منقولان عنهم.

стр. 868

وقد علمت الجواب، فيما سبق، فراجعه (١). وإن كان كل منهما عامًا من وجه، فالترجيح من الخارج لتساويهما. مثاله: قوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" (٢). فإنه خاص بأهل الردة، عام في الرجال والنساء. وقوله: "لا تقتل النساء" خاص بالنساء عام في المرتدات، والحربيات.

стр. 869

والحنفية: على كون المتأخر ناسخًا في هذه الصورة في قدر ما تناوله المتأخر من المتقدم. مثاله: قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، مع قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فإن الآية الثانية شاملة للحوامل، وغيرها فالآية الأولى إنما تنسخ من الثانية حكم الحوامل، وهي العدة بالأشهر، وغير الحوامل حكمها باق. * * *

стр. 870

باب المطلق والمقيد قوله: "المطلق، والمقيد: المطلق الدال على الماهية بلا قيد". أقول: عرف المطلق: بأنه اللفظ الدال على الماهية، بلا قيد (١)، وأخذ هذا التعريف من ظاهر عبارة القوم، فإن بعضهم قال: المطلق ما دل على المسمى بلا قيد، وبعضهم: المطلق (٢): / ق (٧٧/ ب من ب) ما يراد به الحقيقة من حيث هي (٣). ولما لم تستقم هذه التعاريف عدل عنه الشيخ ابن الحاجب، وعرفه: "بما دل على شائع في جنسه" (٤) وهو الفرد المنتشر نحو رقبة في قوله تعالى:

стр. 871

﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]، وإنما عدل عنه: لأن مناط الأحكام الشرعية، هي الأفراد الموجودة لا الماهيات المعقولة. ولا شك: أن من عرف بتلك التعاريف مراده ما ذكره الشيخ ابن الحاجب، يُعْرَف ذلك من إيراد الأمثلة، ثم بني على ما فهمه مسألة أخرى، وهي ما اشتهر بين الأصوليين من أن الأمر بالماهية المطلقة أمر بفرد أي جزئي لا على التعيين: لأن طلب الماهية من حيث هي غير معقول. فقال المصنف: هذا الكلام ليس بشيء: لأنه مبني على أن المراد بالمطلق هو الفرد المنتشر/ ق (٧٧/ أمن أ)، وليس كذلك: لأن المراد مطلق الماهية من حيث هي، والماهية من حيث هي لا كلية، ولا جزئية، وإذا لم تكن لا كلية، ولا جزئية - وهي موجودة في ضمن الجزئيات الموجودة: لأن جزء الموجود موجود - فيكون الأمر بالماهية المطلقة أمرًا بها؛ لأنها موجودة في ذلك الجزئي الموجود (١). هذا خلاصة كلامه، وهو فاسد من وجوه: الأول: أن كون الماهية من حيث هي موجودة في الجزئيات الموجودة باطل، بل لا وجود لها من حيث هي إلا في العقل.

стр. 872

الثاني: لو فرضنا أن المطلق عبارة عن الماهية على ما ذهب إليه، فعند اقتران الأمر بإيقاعها في الخارج لا بد وأن يكون في ضمن الأفراد، وحيث لا تكون قرينة الكل، أو البعض المعين على ما هو المفروض، فإرادة فرد ما ضرورية. الثالث: أنا لو سلمنا أن الماهية من حيث هي موجودة في الجزئيات لا يقدح في قولهم: الأمر بمطلق الماهية أمر بجزئي: لأن مرادهم أن قرينة الكل، والبعض - إذ انتفت إرادة الفرد الغير المعين - ضرورية سواء كانت الماهية موجودة في ذلك الجزئي، أو لم تكن. هذا تحقيق المقام، وما عداه خبالات، وأوهام (١). قوله: "مسألة: المطلق والمقيد كالعام والخاص، وزيادة أنهما" إلى آخره. أقول: المطلق والمقيد قريبان من العام والخاص (٢) باعتبار الشيوع، وعدمه، فكل ما جاز هناك جائز هنا (٣)، فيجوز تقييد الكتاب بالكتاب

стр. 873

وبالسنة، والسنة بالسنة وبالكتاب، وتقييد كل منهما بالقياس، والمفهومين، وفعل النبي، وتقريره، ويزيد المطلق والمقيد بأنهما إن اتحدا حكمهما كتحرير الرقبة مطلقة، ومقيدة بالايمان، واتحد السبب كالقتل مثلًا - وكان المطلق، والمقيد مثبتين، وتأخر المقيد عن العمل بالمطلق، فإذا وجدت الشروط الأربعة - نسخ المقيد المطلق (١) قوله: "وإلا". استثناء عن تأخر المقيد عن العمل، أي: إن لم يتأخر عن العمل بأن تأخر عن الخطاب بالمطلق، أو تأخر المطلق، أو تقارنا، أو جهل التأريخ، حُمل المطلق على المقيد (٢). وقيل: المقيد ناسخ في هذه الصورة أيضًا. وقيل: بل المقيد محمول على المطلق.

стр. 874

واحترز باتحاد الحكم عن الاختلاف مثل: أطعم زيدًا، واكس [رجلًا فاضلًا] (١)، فلا يحمل أحدهما على الآخر / ق (٧٨/ أمن ب) اتفاقًا (٢). وبالمثبتين عن المنفي، والمثبت مثل: اعتق رقبة إن ظاهرت، ولا تملك رقبة كافرة، فإن المطلق هنا يحمل على المقيد، وإن كان الحكم في أحدهما الإعتاق، وفي الآخر الملك: لأن إعتاق الكافرة بدون الملك محال (٣). وإن كان منفيين يأتي الكلام عليه. لنا - على المختار، وهو الحمل عند اجتماع الشرائط -: في الحمل إعمال الدليلين، وفي عدمه إبطال المقيد لوجود المطلق في ضمن غير المقيد. وأيضًا: في الحمل خروج عن العهدة يقينًا سواء كان مكلفًا بالمقيد، أو بالمطلق؛ لوجود المطلق بدونه، ولو لم يحمل لم يحصل يقين البراءة إذ لا يوجد ذلك المقدر في ضمن سائر الأفراد. فإن قلت: بين التقييد، والاطلاق تنافي لا يمكن اجتماعهما، فكيف يوجد المطلق، مع المقيد؟

стр. 875

قلت: هذا قبيل اشتباه العارض بالمعروض، إذ التنافي إنما هو بين مفهوم المقيد والمطلق، لا بين ذاتيهما، والموجود في ضمن المقيد إنما هو ذات المطلق لا مفهومه. وأما أنه بيان لا نسخ، فلأن البيان أهون من النسخ، ولأنه لو كان نسخًا، لكان التخصيص، أيضًا - نسخًا (١) / ق (٧٧/ ب من أ) لأن كلًا منهما مجاز. وأيضًا: لو كان نسخًا لكان تأخير المطلق نسخًا للمقيد لوجود التنافي من الطرفين. ومن قال: إنه نسخ قاس تأخره عن الخطاب على تأخره عن العمل. الجواب: أن ذلك ضروري لعدم إمكان البيان هناك، لكونه تبين عدم دخوله في قصد المتكلم، ومعلوم أنه لا يتصور هذا المعنى بعد العمل. ونقل مذهبًا غريبًا، وهو حمل المقيد على المطلق، ووجهه - مع ظهور بطلانه - قياس المطلق على العام، فكما أن إفراد فرد من العام بالذكر لا يخصص العام، فكذلك المقيد مع المطلق. الجواب: أنه قياس مع الفارق، لأن ذلك من قبيل مفهوم اللقب، وهذا من قبيل مفهوم الصفة. قوله: "وإن كانا منفيين".

стр. 876

أقول: ما تقدم كان فيما إذا لم يكن المطلق، والمقيد كلاهما منفيين، فأما إذا كان كل منهما منفيًا، فالذي يقول بمفهوم الصفة يلزمه القول بحمل المطلق على المقيد لاندرج القيد في الصفة. مثاله: لا تعتق رقبة، ولا تعتق رقبة كافرة، إذ وصف الكفر حصر الحكم، وهو عدم جواز الإعتاق المطلق من النص الأول في الكافرة (١). قوله: "وهو خاص، وعام". رد على الشيخ ابن الحاجب حيث جعل المنفيين من المطلق، والمقيد (٢)، إذ النكرة في سياق النفي للعموم، وقد نبه عليه المولى المحقق (٣) في شرحه، والأمر في ذلك سهل: لأن التقييد تخصيص في المعنى لرفعه شيوع المطلق، وإن لم يكن تخصيصًا اصطلاحًا.

стр. 877

ثم قوله: "وإن كان أحدهما أمرًا، والآخر نهيًا، فالمطلق مقيد بضد الصفة". مستدرك: لأنه علم من مفهوم قوله: مثبتين. لأن عدم كونهما مثبتين يتناول المنفيين، والمثبت، والمنفي، وكأنه فهم من النفي ما هو ضد للنهي اصطلاحًا، وهذا وهم: لأن المراد هو السلب المقابل للإيجاب الشامل لهما: وقد مثلنا له في المقالة الأولى، فراجعه (١). قوله: "وإن اختلف السبب". أقول: ما تقدم كله كان مع اتحاد الحكم والسبب، أما إذا اختلف السبب، واتحد الحكم، ففيه مذاهب ثلاثة: الأول: مذهب أبي حنيفة لا يحمل عليه بوجه (٢). الثاني: مذهب بعض أصحابنا أنه يحمل (٣) / ق (٧٨/ ب من ب) عليه لفظًا. الثالث: وعليه إطباق الجمهور والمحققين، أنه إن وجد جامع يحمل عليه قياسًا، وإلا فلا، وهذا هو المختار (٤).

стр. 878

لنا - على هذا المختار -: أن التقييد كالتخصيص في كون كل منهما بيانًا. وقد سبق أن العام يجوز تخصيصه بالقياس، فكذا تقييد المطلق، ويأتي هنا السؤال، والجواب المذكور هناك. القائل: بأنه يحمل عليه لفظًا لا قياسًا، فلأن جميع كلام الشارع بمنزلة كلمة واحدة، فيكون بعضه مفسرًا لبعض. قلنا: لو صح ما ذكرتم لصح تقييد كل مطلق لكل مقيد بلا اشتراط شيء، وهو بديهي البطلان. قالوا: لما قيدت الشهادة بالعدالة في موضع (١)، قيدت في جميع صور الإطلاق (٢). قلنا: دليله الإجماع لا أنه حمل المطلق على المقيد. الإمام أبو حنيفة ﵀، وأصحابه، قالوا: لو حمل عليه، ولو قياسًا، يلزم عدم جواز العمل بالمطلق، فيكون منسوخًا بالقياس، والقياس لا ينسخ اتفاقًا. الجواب: التقييد ليس بنسخ، بل بيان، فالتقييد بالإيمان كالتقييد بالسلامة، وقد قلتم به في العبد / ق (٧٨/ أمن أ) المكفر به (٣).

стр. 879

لا يقال: شرط القياس أن يكون حكمًا شرعيًا، وعدم إجزاء غير المؤمنة مثلًا في القتل، ليس حكمًا شرعيًا حتى يقاس عليه عدم الإجزاء في الظهار؛ لأن العدم الأصلي لا يكون حكمًا شرعيًا. لأنا نقول: عدم إجزاء الكافرة في المقيد فهم من الوصف المذكور، وقد بينا أن المفهوم دليل شرعي. قالوا: شرط القياس أن لا يبطل حكمًا شرعيًا ثابتًا بنص، وإجزاء الكافرة في المقيس قد ثبت بالنص المطلق. قلنا: المطلق لا يدل على عدم القيد، بل هو ساكت عنه، فلا ينافي قياسه بجامع (١).

стр. 880

والحق: أن الإمام أبا حنيفة لما جوز التخصيص بالقياس، فعدم جواز التقييد به مشكل يعسر التغضي عنه: لأن تقييد المطلق أهون من تخصيص العام لقلة الشيوع في المطلق، وإن كان كل منهما بيانًا، فتأمل! قوله: "وإن اتحد الموجب، واختلف حكمهما، فعلى الخلاف". أقول: إذا اتحد السبب مثل الحدث، واختلف الحكم مثل غسل الأيدي المقيد بإدخال المرافق، والمسح المطلق في آية التيمم (١). فعلى الخلاف المذكور عند الحنفية لا يجوز. وعند بعض الشافعية يجوز الحمل لفظًا لا قياسًا، والحق عندهم قياسًا (٢).
следующие страницы →