أقول: ما تقدم كان فيما إذا لم يكن المطلق، والمقيد كلاهما منفيين، فأما إذا كان كل منهما منفيًا، فالذي يقول بمفهوم الصفة يلزمه القول بحمل المطلق على المقيد لاندرج القيد في الصفة.
مثاله: لا تعتق رقبة، ولا تعتق رقبة كافرة، إذ وصف الكفر حصر الحكم، وهو عدم جواز الإعتاق المطلق من النص الأول في الكافرة (١).
قوله: "وهو خاص، وعام". رد على الشيخ ابن الحاجب حيث جعل المنفيين من المطلق، والمقيد (٢)، إذ النكرة في سياق النفي للعموم، وقد نبه عليه المولى المحقق (٣) في شرحه، والأمر في ذلك سهل: لأن التقييد تخصيص في المعنى لرفعه شيوع المطلق، وإن لم يكن تخصيصًا اصطلاحًا.
стр. 877
ثم قوله: "وإن كان أحدهما أمرًا، والآخر نهيًا، فالمطلق مقيد بضد الصفة". مستدرك: لأنه علم من مفهوم قوله: مثبتين. لأن عدم كونهما مثبتين يتناول المنفيين، والمثبت، والمنفي، وكأنه فهم من النفي ما هو ضد للنهي اصطلاحًا، وهذا وهم: لأن المراد هو السلب المقابل للإيجاب الشامل لهما: وقد مثلنا له في المقالة الأولى، فراجعه (١).
قوله: "وإن اختلف السبب".
أقول: ما تقدم كله كان مع اتحاد الحكم والسبب، أما إذا اختلف السبب، واتحد الحكم، ففيه مذاهب ثلاثة:
الأول: مذهب أبي حنيفة لا يحمل عليه بوجه (٢).
الثاني: مذهب بعض أصحابنا أنه يحمل (٣) / ق (٧٨/ ب من ب) عليه لفظًا.
الثالث: وعليه إطباق الجمهور والمحققين، أنه إن وجد جامع يحمل عليه قياسًا، وإلا فلا، وهذا هو المختار (٤).
стр. 878
لنا - على هذا المختار -: أن التقييد كالتخصيص في كون كل منهما بيانًا.
وقد سبق أن العام يجوز تخصيصه بالقياس، فكذا تقييد المطلق، ويأتي هنا السؤال، والجواب المذكور هناك.
القائل: بأنه يحمل عليه لفظًا لا قياسًا، فلأن جميع كلام الشارع بمنزلة كلمة واحدة، فيكون بعضه مفسرًا لبعض.
قلنا: لو صح ما ذكرتم لصح تقييد كل مطلق لكل مقيد بلا اشتراط شيء، وهو بديهي البطلان.
قالوا: لما قيدت الشهادة بالعدالة في موضع (١)، قيدت في جميع صور الإطلاق (٢).
قلنا: دليله الإجماع لا أنه حمل المطلق على المقيد.
الإمام أبو حنيفة ﵀، وأصحابه، قالوا: لو حمل عليه، ولو قياسًا، يلزم عدم جواز العمل بالمطلق، فيكون منسوخًا بالقياس، والقياس لا ينسخ اتفاقًا.
الجواب: التقييد ليس بنسخ، بل بيان، فالتقييد بالإيمان كالتقييد بالسلامة، وقد قلتم به في العبد / ق (٧٨/ أمن أ) المكفر به (٣).
стр. 879
لا يقال: شرط القياس أن يكون حكمًا شرعيًا، وعدم إجزاء غير المؤمنة مثلًا في القتل، ليس حكمًا شرعيًا حتى يقاس عليه عدم الإجزاء في الظهار؛ لأن العدم الأصلي لا يكون حكمًا شرعيًا.
لأنا نقول: عدم إجزاء الكافرة في المقيد فهم من الوصف المذكور، وقد بينا أن المفهوم دليل شرعي.
قالوا: شرط القياس أن لا يبطل حكمًا شرعيًا ثابتًا بنص، وإجزاء الكافرة في المقيس قد ثبت بالنص المطلق.
قلنا: المطلق لا يدل على عدم القيد، بل هو ساكت عنه، فلا ينافي قياسه بجامع (١).
стр. 880
والحق: أن الإمام أبا حنيفة لما جوز التخصيص بالقياس، فعدم جواز التقييد به مشكل يعسر التغضي عنه: لأن تقييد المطلق أهون من تخصيص العام لقلة الشيوع في المطلق، وإن كان كل منهما بيانًا، فتأمل!
قوله: "وإن اتحد الموجب، واختلف حكمهما، فعلى الخلاف".
أقول: إذا اتحد السبب مثل الحدث، واختلف الحكم مثل غسل الأيدي المقيد بإدخال المرافق، والمسح المطلق في آية التيمم (١).
فعلى الخلاف المذكور عند الحنفية لا يجوز.
وعند بعض الشافعية يجوز الحمل لفظًا لا قياسًا، والحق عندهم قياسًا (٢).
стр. 881
فإن قلت: قد صرح الشيخ ابن الحاجب بأن في مثل قوله: أطعم رجلًا، واكس فاضلًا، لا يحمل اتفاقًا.
قلت: في المسألة خلاف، ويمكن حمل قول الشيخ على ما إذا اختلف السبب، وإلا يشكل بآية التيمم. هذا كله إذا كان المطلق مقيدًا بقيد واحد.
وإما إذا قيد بقيدين متنافيين، يبقى المطلق على إطلاقه، مثل الحديث الوارد في التعفير، إذ ورد: "فاغسلوه سبعًا أولاهن بالتراب"، وفي رواية: "أخراهن"، فرواية: "إحداهن" (١) باقية على الإطلاق.
هذا إذا لم يقتض القياس الإطلاق، والحمل على أحدهما.
وأما إذا اقتضاه حمل عليه، وهذا إنما/ ق (٧٩/ أمن ب) يستقيم على رأي من يقول بالقياس وأما على رأي من يقول بحمل المطلق على المقيد لفظًا، فلا.
* * *
стр. 882
باب الظاهر والمؤول
قوله: "الظاهر، والمؤول، الظاهر: ما دل دلالة ظنية، والتأويل حملُ الظاهر على المحتمل المرجوح".
أقول: الظاهر - لغة -: الواضح، ومنه ظهر الشيء لظهوره (١).
واصطلاحًا: اللفظ الدال دلالة ظنية (٢)، فيخرج النص لكون دلالته قطعية، وكذلك المجمل لتساوي الدلالة فيه، والمؤول لكونه مرجوحًا.
ثم تلك الدلالة إما وضعًا نحو: الأسد، أو عرفًا نحو: الغائط في الخارج المستقذر، فإنه ظاهر فيه، مع كونه في اللغة، هو المكان المطمئن.
وقد يفسر الظاهر بما يدل دلالة واضحة، فيكون النص قسمًا من الظاهر لكون الواضحة أعم من القطعي، والظني، وكذا المبين يكون أخص منه لأن الدلالة الواضحة لا تقتضي الاحتياج إلى سابق بيان.
стр. 883
والتأويل: من آل يؤول، إذا رجع، ومآل الأمر، مرجعه (١).
واصطلاحًا: حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، بدليل يصير به راجحًا (٢): لأنه بلا دليل، أو بدليل مساو، أو مرجوح [لعب] (٣)، واللعب لا ينافي الفساد، فلا يحتاج إلى إفراده بالذكر (٤).
ثم التأويل ينقسم ثلاثة أقسام: لأنه إما قريب يكفيه أدنى مرجح، أو بعيد يحتاج إلى مرجح أقوى، أو لا يقبله اللفظ، فيتعذر العمل به، فيحكم ببطلانه.
стр. 884
فالقريب نحو قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] أي: إذا أردتم القيام: لأن غسل الأعضاء يعقب إرادة القيام، لا القيام، ولما كان القرب والبعد أمرين نسبيين (١)، / ق (٧٨/ ب من أ) ولم يكن ضبط القرب والبعد بضابط، كثر الأمثلة من البعيد ليعلم بها حال القريب.
منها: ما ورد أن غيلان بن سلمة أسلم عن عشر نسوة، فقال له النبي ﷺ : "امسك أربعًا، وفارق سائرهن".
أولت الحنفية (أمسك) بابتداء نكاح الأربع إن كان نكاحهن وقع جملة، أو الأوائل إن كان مرتبًا.
وجه بعده: أن غيلان كان قريب عهد بالكفر لا يعلم شرائط النكاح، بل أكثر الشرائع، فهو بعيد عن هذا التفصيل، مع أنه لم ينقل [تجديد] (٢) لا منه، ولا من غيره.
стр. 885
ومنها: تأويلهم قوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] بإطعام طعام (١) ستين مسكينًا، إذ المقصود دفع الحاجة، ودفع حاجة مسكين واحد في ستين يومًا بمثابة دفع حاجة ستين شخصًا.
ووجه البعد فيه: أن الكفارة يطلب فيها التقرب إلى الله، ومن الراجح الجلي أن الواحد ليس كالجماعة لاشتمالهم على تقي وأتقى يتبرك بدعائهم بخلاف الشخص الواحد.
ومنها: حملهم قوله ﷺ : "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، باطل، باطل". - على الصغيرة، والأمة، والمكاتبة (٢).
стр. 886
واعترض: بأن هذا التأويل يبطل قصد الشارع في إتيانه باللفظ العام فإن "أي" من صيغ العموم، وأرباب الصناعات إذا ذكروا قاعدة، وإن لم يكن اللفظ عامًا، يحمل على العموم ضبطًا للقواعد، فكيف بالشارع، وقد أتى بلفظ صريح في العموم؟ لا سيما، وقد أكد العموم بـ "ما"، فحمله على الصغيرة، والأمة، والمكاتبة، وتأويل قوله: باطل، بأنه يصير إلى البطلان باعتراض الولي بعده واضح.
ولهذا لو قال سيد - لعبده -: أيما امرأة لقيت (١) / ق (٧٩/ ب من ب) أكرمها، ثم قال: أردت الأمة، أو الصغيرة، يعد قوله ذلك من الألغاز.
هذا، وقد انضم إلى عموم اللفظ مجرى العادة، فإن استقلال المرأة بنكاح نفسها يعد وقاحة، وقلة حياء، ومروءة.
ومنها: حمل الحنفية - أيضًا - قوله ﷺ : "لا صيام من لم يبيت الصيام من الليل" (٢) على قضاء الصوم، ونذره (٣).
стр. 887
وإنما كان بعيدًا: لأن هذا الحصر لا يوافق اللغة، والعقل.
فإن قيل: إنما حملوا على هذا؛ لأنه ثبت بالدليل صحة الصوم بنية النهار، فيجب ذلك التأويل.
قلنا: يحمل على نفي الفضيلة الذي هو معنى قريب: لأن لا النافية ترد كثيرًا لنفي الفضيلة، كما ذكروه في قوله: "لا صلاة من لم يقرأ بأم القرآن".
ومنها: ما جاء في الحديث: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" (١)، حمله الشافعي على ما يوجد في بطنها ميتًا: لأن سبب ورود الحديث أنهم سألوه عما يجدونه في بطن الذبيحة هل يحل أكله، أو لا؟
ولا شك: أن المراد الميت، وإلا لو كان حيًا يذبح، فلا حاجة إلى السؤال عنه: لأنه كسائر الحيوانات المأكولة.
فقولهم: معنى الحديث: ذكاة الجنين كذكاة أمه على التشبيه بعيد جدًا عن المراد (٢).
стр. 888
ومنها: حمل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] على بيان المصرف لا على الاستحقاق حتى جوزوا الصرف على صنف واحد، مع وجود سائر الأصناف (١).
وإنما عد بعيدًا: لأن اللام ظاهرة في الملك، وإذا كان ملكًا للمذكورين في الآية لا يجوز تخصيص طائفة به دون البواقي.
هذا الذي ذكره المصنف من وجه البعد، ذكره إمام الحرمين، ومن تبعه (٢).
وقال الغزالي: "ليس كذلك، بل قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ منظم إلى قوله/ ق (٧٩/ أمن أ) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨]،
стр. 889
ومتعلق به، يعني لما كان طعنهم في رسول الله حين لم يعطهم من الزكاة دالًا على أنهم فهموا أن الاعطاء والمنع مفوضان إليه، اقتضى ذلك بيان المصرف ليندفع ذلك اللمز والطعن" (١).
وإنما لم يحتج الشافعي إلى هذا الاحتمال لكونه بعيدًا لا يصلح دليلًا.
قال الآمدي: "وإن سلمنا أنه لبيان المصرف، فليكن الاستحقاق بصفة التشريك أيضًا مقصودًا عملًا بظاهر اللفظ لعدم التنافي بين المرادين" (٢).
ومنها: حمل بعض الشافعية قوله: "من ملك ذا [رحم] (٣) محرم فهو حر" (٤) على الأصول، والفروع.
стр. 890
وإنما كان بعيدًا: لصرفه اللفظ العام عن بعض مدلولاته من غير دليل (١).
فإن قلت: فما وجه ما ذهب إليه الشافعي إذا لم يكن هذا التأويل صحيحًا عندكم؟
قلت: لما دل الدليل على أن الرق لا يزول إلا بالعتق، قاس عتق الأصول والفروع على وجوب النفقة، إذ لا تجب النفقة عنده إلا للأصول، والفروع.
أو بالحديث الصحيح الوارد في مسلم (٢): "لا يجزي ولد والده إلا أن يجده عبدًا، فيشتريه، فيعتقه" (٣) أي: بنفس الشراء، وقد وافقه الخصم على هذا.
стр. 891
وبالآية / ق (٨٠/ أمن ب) الكريمة في عتق الولد، وهي قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦].
وجه الدلالة: أنه تعالى أبطل إثبات الولدية، بإثبات العبودية فعلم أنهما لا يجتمعان.
ومنها: تأويل بعض العلماء البيضة، والحبل في الحديث ببيضة الحديد، وهي المغفر، وحبل السفينة (١)، حيث قال ﷺ : "لعن الله السارق، يسرق البيضة، فتقطع يده، ويسرق الحبل، فتقطع يده" (٢).
وإنما أولوه ذلك التأويل البعيد: لما ورد في الحديث: "أن لا قطع في دون ربع الدينار" (٣).
والجواب: أن مراده بيض الدجاج، ونحوه، وسائر الحبال، وهي وإن تكن ربع دينار، ولكن إذا اعتاد سرقة القليل يجره إلى الكثير، فتقطع يده.
стр. 892
أو كان هذا في بدء الإسلام، ثم نسخ بربع الدينار (١).
ومنها شفع الأذان الوارد في الحديث: "أمر بلال (٢) بأن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة" (٣).
قالت الحنفية: معناه أن يشفعه بأذان ابن أم مكتوم (٤).
стр. 893
وإنما كان بعيدًا لصرفه اللفظ عن العموم: لأن ابن أم مكتوم أذانه قبل بلال كان في صلاة الصبح (١) لا غير.
* * *
стр. 894
باب المجمل والبيان
قوله: "المجمل ما لم تتضح دلالته، فلا إجمال في آية السرقة" إلى آخره.
أقول: المجمل - لغة - المجموع، وجملة الشيء جميعه، ومنه أجمل الحساب، أي: جمعه (١).
واصطلاحًا: ما لم تتضح دلالته، أي: ما له دلالة غير واضحة (٢): لئلا يرد [عليه] (٣).
المهمل: لأنه يصدق عليه أنه لم تتضح دلالته، إذ لا دلالة فيه، ولا اتضاح.
وهذا الحد يتناول القول، والفعل، والمشترك، والمتواطئ.
стр. 895
قوله: "فلا إجمال في آية السرقة" (١)، تفريع على ما قدمه من تعريف المجمل، أي: لما كان المجمل ما لم تكن دلالته على المقصود واضحة، وهذه النصوص متضحة الدلالة، فلا إجمال.
بيان ذلك: أن اليد - لغة -: من رؤوس الأنامل إلى المنكب حقيقة، والقطع: عبارة عن الإبانة - أيضًا - لغة.
قيل: تطلق اليد تارة ويراد إلى الكوع، وتارة إلى المرفق، وتارة إلى المنكب، والقطع يطلق على الجرح، فكان كل منهما مجملًا (٢).
قلنا: المسألة لغوية يكفي فيها النقل عن الثقات، وهو ما ذكرنا، وفعل الشارع مبين أن المراد مما تناوله اللفظ - لغة -: هو ذلك البعض (٣).
وكذا لا إجمال في نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] أي: في التحريم المضاف إلى الأعيان، مختار الجمهور: عدم الاجمال فيه (٤). / ق (٧٩/ ب من أ).
стр. 896
خلافًا للكرخي، وأبي عبد الله البصري (١).
لنا - على المختار - أن تحريم العين غير مراد: لأن التحريم إنما يتعين بفعل المكلف، فإذا أضيف إلى عين من الأعيان يقدر الفعل المقصود منه، ففي المأكولات يقدر الأكل، وفي المشروبات الشرب، وفي الملبوسات (٢) / ق (٨٠/ ب من ب) اللبس، وفي الموطؤات الوطء، فإذا أطلق أحد هذه الألفاظ سبق المعنى المراد إلى الفهم من غير توقف، فتلك الدلالة متضحة.
قالوا: [تعذر] (٣) تعلق الحكم بالعين [فيقدر] (٤) الفعل، وذلك الفعل ليس متعينًا فقد جاء الإجمال.
стр. 897
قلنا: ذلك البعض متعين عرفًا بدلالة سبق الفهم (١). وكذا في نحو: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، إذ الرأس اسم لمجموع العضو المعروف، فإن لم يثبت فيه عرف، طار، فالمراد الكل - وإليه ذهب الإمام مالك، والباقلاني، وابن جني - فلا إجمال (٢).
وإن ثبت عرف في إطلاقه على [بعض] (٣) - كما هو مذهب الشافعي، والقاضى عبد الجبار، وأبي الحسين من المعتزلة - فلا إجمال أيضًا (٤).
стр. 898
وذهبت الحنفية: إلى أن الرأس مجمل (١) في حق المقدار بينه فعله ﷺ في حديث المغيرة (٢) -: "بمسح الناصية" (٣) أن المراد قدر الربع من أي جهة كان.
والدليل - على عدم إرادة الكل -: هو أن الباء إذا دخلت الآلة تعدى الفعل إلى محله، فيستوعبه، كما إذا قلت: مسحت رأس اليتيم بيدي: أي، جميع رأسه، ولا يلزم أن يكون بجميع اليد.
стр. 899
ومتى دخلت المحل تعدى إلى الآلة، فيستوعبها دون المحل، كما في الآية فيراد بعض الرأس، ولا يجوز أقل ما ينطلق عليه اسم البعض: لأنه يغسل، مع الوجه، فيكون مجملًا في السدس، والربع، والثلث، هكذا ذكره بعض (١) الأفاضل.
من غير زيادة. وليس بشيء: لأن كون البعض مغسولًا، مع الوجه لا يقوم مقام المسح: لأن الترتيب واجب عند الشافعي (٢).
وإنما لم نذكر أن البعضية، مستفادة من الباء لأن كون الباء للبعضية لم تثبت لغة (٣).
وكذا قوله: "لا نكاح إلا بولي" لا إجمال فيه: لأن المراد منه عرفًا هو الصحة، أي: لا صحة للنكاح إلا بولي.
وكذا نحو قوله: "رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان" [مما ينفى صفة] (٤) والمراد لازم من لوازمها.
стр. 900
وإنما قلنا: لا إجمال فيه: لأن مثل هذا التركيب يدل على رفع المؤاخذة والعقاب، ولو قطع النظر عن وجود الشرع، كما إذا قال السيد لعبده: رفعت عنك الخطأ، أي: لا أُؤَاخذك.
قالوا: وجود الخطأ واقع قطعًا، فلا بد من تقدير فعل، وذلك المقدر يحتمل أفرادًا.
قلنا: العرف يخصصه، كما تقدم مرارًا (١).
وكذا لا إجمال في مثل: "لا صلاة إلا بطهور" (٢): و"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٣) خلافًا للقاضي أبي بكر، وقد علمت جوابه في قوله: "لا نكاح إلا بولي".
стр. 901
ويظهر مما فصلنا أن المصنف لو قال: مع الخلاف في الكل. كان أولى من، "وخالف قوم" إذ المخالف في المسائل المذكورة أقوام مختلفة (١).
قوله: "وإنما الإجمال في مثل القرء".
أقول: أراد بمثل القرء كل لفظ مشترك تجرد عن القرينة، فإنه مجمل محتمل معنييه، فإن القرء موضوع تارة للطهر، وتارة للحيض، وكذا لفظ: نور، مجمل لإطلاقه على الضوء، وعلى العقل، وعلى الإيمان، وعلى القرآن، وعلى سائر العلوم الشرعية، فيتردد الذهن عند سماعه لعدم المرجح، وكذا الجسم صالح للأجسام المختلفة كالأرض، والسماء، وكلفظ المختار: لأنه إن قدر قلب الألف/ ق (٨١/ أمن ب) من الياء المكسورة كان/ ق (٨٠/ أمن أ) اسم فاعل، أو من المفتوحة كان اسم مفعول (٢).
стр. 902
وكذا: ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يحتمل الزوج، والولي، وعلى الأول حمله الشافعي (١)، ومالك على الولي (٢)، لما لاح لكل منهما من الدليل.
وكذا: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١, الحج: ٣٠] (٣) قبل نزول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] إلى آخر المحرمات لتردد الذهن في المحللات: لكون الحكم على المستثنى منه بعد العلم بالمستثنى، وإخراجه (٤).
وكذا: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ [آل عمران: ٧] مجمل لاحتماله الابتداء، أو العطف، كما هو المشهور بين السلف، والخلف (٥).
стр. 903
وكذا قوله ﷺ : "لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة في جداره" (١) لاحتمال عود الضمير إلى الجار، وإلى أحد.
واختار الشافعي رجوعه إلى الجار لموافقته قانون اللغة من كون الضمير يعود إلى أقرب المذكور.
وللحديث الصحيح: "لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه من طيب نفسه" (٢). فالمعنى على هذا لا يمنعه من وضع الخشبة على جدار نفسه (٣)، أي: لا يظلمه.
стр. 904
وكذا: زيد طبيب ماهر، إذ المستكن في ماهر، يمكن عوده إلى زيد، وإلى طبيب (١)، فعلى ما اختاره الشافعي ﵁ يعود إلى طبيب، فتنحصر مهارة زيد في الطب.
وكذا الثلاثة زوج وفرد: لاحتمال أن يريد المتكلم [كون] (٢) هذا العدد، يمكن اتصافه بالزوج والفرد، فتكون القصة كاذبة، وأن يريد اشتمال أجزائه عليهما، فتكون صادقة.
والشراح خبطوا في تفسير هذا، بل غلطوا (٣).
стр. 905
قوله: "والأصح وقوعه في الكتاب، والسنة".
أقول: الجمهور: على وقوع المجمل في الكتاب، والسنة خلافًا لداود (١).
لنا: - على المختار - الآيات، والأحاديث المذكورة له (٢).
إن الإجمال بدون البيان لا يفيد، ومعه تطويل لا يقع في كلام البلغاء فضلًا عن الله، وسيد الأنبياء.
الجواب: أن الكلام إذا ورد مجملًا، ثم بين، وفصل [كان] (٣) أوقع عند النفس من ذكره مبينًا ابتداء.
стр. 906
وأجاب الإمام - في المحصول عن هذا السوال -: بأن الله يفعل ما يشاء (١). ولا يخفى أنه ليس بجواب: لأن قوله: مع البيان تطويل، بلا فائدة يكون مسلمًا عند المجيب، ولا يرضى به عاقل، فضلًا عن محقق فاضل.
قوله: "وأن المسمى الشرعي".
أقول: قد يكون للفظ مسمى شرعي، ومسمى لغوي، فإذا صدر من الشارع يحمل على المفهوم الشرعي، هو المختار إثباتًا، ونهيًا (٢).
الغزالي: يحمل في الإثبات دون النهي، فإنه مجمل.
وقيل: يتعين في الإثبات الشرعي، وفي النهي اللغوي، فلا (٣) / ق (٨١/ ب من ب) إجمال (٤).
لنا - على المختار - أنه ظاهر في الشرعي لصدوره من الشارع: لأنه إنما بعث لتعريف الأحكام، لا لبيان اللغات.
قالوا: يصلح لهما، فيكون مجملًا. قلنا: بل متضح بقرينة صدوره منه.
стр. 907
الغزالي: في الإثبات ما ذكرتم مسلم، لا في النهي، إذا لو حمل على الشرعي لدل النهي على الصحة، وإنما يدل على الفساد (١).
الجواب: ليس المراد بالشرعي ما يكون صحيحًا شرعًا، بل ما يستفاد من الشرع تسميته بذلك الاسم صحيحًا كان ذلك الاسم، أو فاسدًا، وقد تقدمت المسألة في بحث الحقيقة، والمجاز، ولكن لم يذكر هناك تفاريع المسألة، فأعادها لذلك.
ثم إن تعذر الحمل على المعنى الشرعي حمل على المعنى المجازي الشرعي.
مثاله: قوله: "طوافكم بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام" (٢).
стр. 908
ولما تعذر حقيقة الصلاة، فيقال: إنه كالصلاة في اشتراط الطهارة، والنية، رعاية لقصد الشارع، بما أمكن (١).
وقيل: مجمل لتردده بين الصلاة (٢) / ق (٨٠/ ب من أ) شرعًا، وبين الدعاء (٣)، أو يحمل على اللغوي، وهو الدعاء (٤). المختار: هو الأول.
قوله: "والمختار اللفظ المستعمل لمعنى تارة، ولمعنيين".
أقول: إذا استعمل لفظ لمعنى تارة، ولمعنيين [أخرى] (٥) على السواء - وليس المعنى الواحد المستعمل فيه أحد المعنيين - مجمل، لوقوع التردد عند إطلاق اللفظ، وهو آية الإجمال (٦).
стр. 909
أما إذا كان المعنى المستعمل فيه أحد المعنيين الآخرين، فلا إجمال لتعينه على كلا التقديرين، والآخر يوقف (١).
وقيل: يعمل به - أيضًا - لكثرة الفائدة.
قوله: "البيان: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي".
أقول: البيان - لغة -: مصدر بان (٢)، إذا ظهر، وانفصل.
стр. 910
واصطلاحًا: ما قاله المصنف (١)، وهذا التعريف مختار الصيرفي (٢).
وأورد عليه إشكالان: أحدهما: البيان ابتداء، فإنه لا إشكال هناك حتى يخرج اللفظ منه.
ثانيهما: لفظ الحيز، مجاز، والحدود تصان عنه.
الجواب - عن الأول -: أن البيان لا يقتضي إشكالًا، بل يكفي توهم الإشكال.
وعن الثاني: أن المجاز المشهور ملحق بالحقائق.
ويطلق البيان - أيضًا - على الدليل الدال على ذلك الإخراج، وعلى المدلول المبين، ثم ليعلم أن المبين نقيض المجمل، فيعرف: بمتضح الدلالة (٣).
стр. 911
وكما أن المجمل يكون مفردًا، ومركبًا على ما تقدم من الأمثلة، فكذلك المبين وقد يكون في فعل، وفيما سبق له إجمال، وهو ظاهر، وفيما لا إجمال فيه، كمن يقول - ابتداء -: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٦]، وإنما يجب البيان لمن أريد فهمه، وأما إذا لم يرد، فلا وجوب لخلوه عن الفائدة.
قوله: "والأصح أنه قد يكون بالفعل".
أقول: الجمهور على أن البيان يجوز أن يكون بالفعل، وهو المختار (١).
لنا: أنه ﷺ بين مجمل الكتاب به، مثل الصلاة، والحج.
стр. 912
قيل: إنما بين بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، و"خذوا عني مناسككم".
قلنا: ذلك دليل كون الفعل بيانًا: لأن هذا القول لم يفد كيفية الحج، والصلاة، بل أحال معرفته على تتبع فعله.
ولنا - أيضًا -: أن الفعل أدل على البيان من القول: لأنه لا يحتمل غير المقصود بخلاف القول، ولهذا نسمعهم يقولون: "ليس الخبر كالمعاينة" (١).
قالوا: الفعل أطول، فلو بين به لزم تأخير/ ق (٨٢/ أمن ب) البيان.
الجواب: لا نسلم أنه أطول من القول إذ ربما يكون بيان الركعتين على الوجه الأكمل أطول من الفعل بكثير، ولئن سلم، ولزم تأخير البيان لا ضرر فيه، إنما الفساد في تأخير البيان عن وقت الحاجة.
فإن قلت: إذا سلمت أن الفعل يكون أطول، فقد حصل مقصود الخصم إذ لا يجوز عند البلغاء ارتكاب التطويل.
стр. 913
قلت: ذلك عند عدم اشتمال الأطول على فائدة، وقد بينا أن الفعل أدل من القول، فسقط السؤال (١).
قوله: "وأن المظنون يبين المعلوم".
أقول: الحق أن البيان يجوز أن يكون مظنونًا، والمبين معلومًا (٢).
стр. 914
لنا: أن البيان كالتخصيص، فكما يجوز تخصيص القطعي بالظني كخبر الواحد، والقياس، فكذلك يجوز بيان المعلوم، أي: ما كان متنه قطعيًا بالمظنون لأن البيان يتوقف على وضوح الدلالة، لا على قطعية المتن. هذا ظاهر كلام الإمام في المحصول (١).
والتحقيق - في هذا المقام -: أن المبين إن كان عامًا، أو مطلقًا، فيشترط أن يكون بيانه أقوى [لأنه يدفع العموم الظاهر، والإطلاق، / ق (٨١/ أمن أ) وشرائط الدافع أن يكون أقوى، وأما المجمل، فلا يشترط أن يكون بيانه أقوى] (٢). بل يحصل بأدنى دلالة لأن المجمل لما كان محتملًا للمعنيين على السواء، فإذا انضم إلى أحد الاحتمالات أدنى مرجح كفاه (٣).
قوله: "وأن المتقدم، وإن جهلنا عينه".
أقول: إذا ورد عقيب مجمل فعل وقول، يصلح كل منهما أن يكون بيانًا، فإن اتفقا، أي: لم يزد مقتضى أحدهما على الآخر، فإن عرف المتقدم منهما، فهو البيان لحصوله به قبل وجود الآخر، والثاني يقع تأكيدًا (٤).
стр. 915
وقيل: إن جهل، فالبيان أحدهما، وهو الذي تقدم صدوره، وإن لم يعلم، فالآخر تأكيد (١).
وقيل: إن كان أحدهما أرجح تعين للتأخر: لأن التأكيد لا يكون إلا بالأرجح (٢).
قلنا: ذلك في المفردات نحو: جاءني القوم كلهم، فإن لفظ الكل في الشمول، والإحاطة، أرجح من لفظ القوم، وأما في المجمل لا يشترط ذلك، فإن الثانية وإن كانت أضعف إلا أنها بانضمامها تفيد زيادة تقرير في النفس.
قوله: "وإن لم يتفق البيانان".
أقول: ما تقدم كان فيما إذا اتفق القول، والفعل، أما إذا اختلفا، فالقول هو البيان (٣): كما لو طاف طوافين، وأمر