← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 132415

الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (1 869 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

أقول: يجوز نسخ مفهوم المخالفة، مع الأصل اتفاقًا (١)، ويجوز نسخ المفهوم دون الأصل (٢). لا العكس: لأنها تابع ضعيف لا استقلال له بدون الأصل. وقيل: يجوز لأن رفع الملزوم لا يقتضي رفع اللازم. والجواب: أن اللزوم هنا ليس عقليًا، كما في الفحوى، ولهذا لم يقل به كثير من العلماء، ولما ذكرنا من الضعف لم يجز النسخ بها عند الجمهور (٣). قوله: "ونسخ الإنشاء، ولو كان بلفظ الخبر" إلى آخره. أقول: من قال بجواز النسخ يقول بجوازه في الإنشاء من غير خلاف إذا كان بلفظ الإنشاء.

стр. 947

وأما إذا كان بلفظ الخبر - أي: يكون صورة اللفظ خبرًا، ومعناه إنشاء مثل: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]-، فكذلك عند الجمهور: لأن مدار الأحكام الشرعية على المعنى دون اللفظ (١). وكذا إذا قيد الإنشاء بالتأبيد مثل: صوموا أبدًا، وكذا إذا قال - بلفظ الخبر مثل -: الصوم واجب أبدًا (٢)، خلافًا للشيخ ابن الحاجب، فيما إذا كان قيد التأبيد مع الخبر (٣).

стр. 948

لنا - على الأول، وهو الإنشاء المقيد بالتأبيد -: أن دلالة التأبيد. على جميع أجزاء الزمان لا يزيد على النص على تلك الأجزاء، ومع التنصيص جائز، مثل أن يقول: صم غدًا، ثم يقول: لا تصم، وإذا جاز فيما هو نص، ففي الظاهر أولى. قالوا: يوجب البداء، والتناقض، والشارع منزه عنهما. قلنا: لا تناقض بين إيجاب الدوام، وبين عدم دوام (١) / ق (٨٤/ ب من أ) الإيجاب، إنما التناقض بين إيجاب الدوام، وعدم إيجابه: لأنه رفعه، وسلبه، فتأمل! . وعلى الثاني - وهو ما إذا كان الوجوب في صورة الخبر -: أن ذلك الخبر إنما دل على الوجوب: لأنه في معنى الإنشاء، وقد برهنا على جوازه في الإنشاء. قالوا: قوله: صوموا أبدًا، الأبد قيد للفعل، وقوله: الصوم/ ق (٨٦/ أمن ب) واجب أبدًا قيد للوجوب، والوجوب المقيد بالأبد لا يمكن رفعه بخلاف الفعل المقيد به، هذا خلاصة ما ذكره المحقق في شرحه، وفاقًا لابن الحاجب (٢). وفيه نظر: لأن الشارع لو قال: صوم غد واجب عليكم، ثم قال: رفعت صومه، كان نسخًا، لم يخالف فيه أحد إذا كان معناه الإنشاء على ما ذكره ابن الحاجب في بحث نسخ الخبر (٣).

стр. 949

وأما أن الأبد قيد للوجوب في المسألة المذكورة، فلا يقيد شيئًا لأن النسخ إنما يتوجه إلى الوجوب الذي هو حكم، لا إلى فعل المكلف، فإذا صح توجيهه إليه، في الزمان المنصوص كالغد مثلًا، ففي غير المنصوص بالطريق الأولى. قوله: "ونسخ الأخبار بإيجاب الإخبار بنقيضها". أقول: نسخ الخبر له صورتان: أحدهما: إيقاعه، بأن يكلف الشارع أحدًا بأن يخبر عن شيء مثل: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ إلى آخر السورة [الكافرون: ١ - ٢]، ثم ينسخه. وهذا يقع على وجهين: إما أن يرفعه مطلقًا، أو يرفعه بأن يكلفه الإخبار بنقيضه، مثل أن يقول له: قل: إن زيدًا قائم، ثم [قل] (١): إنه ليس بقائم، وفي هذا الثاني خلاف المعتزلة بناء على أصلهم الفاسد في الحسن، والقبح: لأن أحدهما كاذب (٢)، وقد علمت فساد مقالتهم (٣). الثانية: نسخ مدلول الخبر، فإن لم يقبل التغير مثل وجود الباري، وحدوث العالم، فلا يجوز نسخه اتفاقًا (٤).

стр. 950

وإن قبل مثل: إيمان زيد وكفره، فالجمهور على عدم جوازه أيضًا، وهو مختار الإمام المحقق إمامنا الشافعي ﵁، وأرضاه (١). ومن ذهب إلى جوازه يخصه بغير الماضي: لأن نسخه غير معقول (٢). ومنشأ وهمهم: أن الشارع إذا قال: أنتم مأمورون بصوم عاشوراء مثلًا يجوز نسخه (٣). والجواب: أن المنسوخ هو الوجوب المستفاد من الأمر السابق، وأن هذا الكلام من الشارع إنشاء، وإن كان صورته خبرًا.

стр. 951

وأما مضمون قوله: أنتم مأمورون، فلم يتوجه إليه نسخ. قوله: "ويجوز النسخ ببدل أثقل، وبلا بدل". أقول: النسخ ببدل أخف (١)، أو مساو (٢) لا خلاف فيه، إنما الخلاف ببدل أثقل، أو بلا بدل، والمختار جوازه (٣). لنا - على الأول -: أن فعله تعالى لا يعلل، ولا يتبع مصلحة العبد، فيجوز أن ينسخ الأخف بالأثقل، ولو سلم، فلعل المصلحة في الأثقل، إذ هي أعم من الدنيوية، والأخروية.

стр. 952

وأيضًا: الوقوع دليل الجواز، وقد نسخ صوم عاشوراء (١) برمضان (٢)، وقد نسخ التخيير بين الصوم والفدية في قضاء صوم رمضان بإيجاب، ولا شك أنه أثقل من التخيير (٣). قالوا: نقلهم من الأخف إلى الأثقل بعيد عن المصلحة، فلا يصدر عن الحكيم. قلنا: أولًا: منقوض بأصل التكاليف، وثانيًا: ربما علم الله المصلحة في ذلك، مع خفائها علينا، وثالثًا: أن رعاية المصلحة أصل قد أبطلناه.

стр. 953

قالوا: قال تعالى: / ق (٨٥/ أمن أ) ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، والأثقل ليس بخير ولا مثل. قلنا: خير باعتبار الثواب، إذ الأجر على قدر النصب، كما يختار الطبيب الدواء المر للمريض، مع وجود أطعمة شهية. قالوا: قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. قلنا: في تلك القضية الخاصة، ولو سلم عمومه، فاليسر باعتبار الحساب المبني على كثرة الثواب، وهو بالأثقل أليق. وعلى الثاني: وهو النسخ بلا بدل، فلأن رعاية المصلحة غير واجبة، كما تقدم، وإن قيل: بها، فلعل المصلحة في عدم البدل. وأيضًا: لو لم يجز لم يقع، وقد وقع إذ (١) / ق (٨٦/ ب من ب) الصدقة بين يدى النجوى نسخت بلا بدل (٢)، وادخار لحوم

стр. 954

الأضاحي نسخ بلا بدل، والإمساك عن المباشرة بعد الفطر نسخ بلا بدل (١). قالوا: قال تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. قلنا: ربما كان عدم البدل خيرًا، بل هو الظاهر في التكاليف، وقد أشار المصنف إلى أنه جائز لكنه لم يقع على ما أشار إليه الإمام المحقق الشافعي ﵁ (٢). والحق: أن الخلف لفظي إذ القائلون بالنسخ بلا بدل لم يريدوا أنه إذا نسخ، ولم يأت من الشارع نص يدل على حكم آخر، يبقى فعل المكلف خاليًا عن أحد الأحكام الخمسة، بل أرادوا أن النسخ يقع على وجهين: إما أن يثبت بنص من الشارع بدله، كما في نسخ العدة بالحول، بأربعة أشهر وعشرًا، وكما في نسخ الحبس في البيوت إلى الموت في حد الزنى بالرجم (٣).

стр. 955

وإما أن ينسخ الحكم المستفاد من النص، ويرجع الأمر إلى ما كان عليه قبل ورود ذلك النص، كما في وجوب الصدقة بين يدي النجوى، وحل المباشرة بعد الفطر على ما كان [عليه] (١) الأمر قبل. فالحاصل: أن النسخ يستلزم الانتقال من حكم شرعى إلى حكم آخر شرعي، وهذا متفق عليه. وأما أن مراد الشافعي: أن كل ما وقع من النسخ، فلا بد، وأن يكون بدله مستفادًا من نسخ آخر، فكلا، وحاشاه من جلالة قدره أن يرتكب شيئًا من ذلك (٢). قوله: "مسألة: النسخ واقع عند كل المسلمين". أقول: كان الأولى ذكر هذه المسألة في صدر البحث حيث ذكر الجواز (٣) ليتلاءم الكلام. ثم نقول: الإجماع من أهل القبلة على أن

стр. 956

شرعنا ناسخ للشرائع قبلنا، والنسخ في القرآن والأحاديث أكثر من أن يحصى (١). فإن قال ذلك تخصيص بحسب الأزمان لا نسخ، فالخلف معه لفظي، وإن أنكر أصل النسخ، فهو مباهت يعرض عنه. والمختار: أن حكم الأصل إذا نسخ لا يبقى حكم الفرع بعده (٢).

стр. 957

وإذا قلنا: لا يبقى هل يسمى نسخًا له، أم يقال: زال بزوال علته، وليس بنسخ، إليه جنح الشيخ ابن الحاجب، وتبعه المصنف، والأمر فيه سهل لأنه نزاع لفظي. لنا - على المختار - أن حكم الأصل إنما نسخ لعدم اعتبار علة الأصل في نظر الشارع، وعلة حكم الأصل هي علة ثبوت الحكم في الفرع، والمعلول لا بقاء له بدون علته. قالوا: الدلالة باقية، وإنما زال حكم الأصل، وحكم الفرع مبني على الدلالة، كما ذكرتم في نسخ المنطوق مع بقاء الفحوى بعينه. الجواب: أن الزائل شيئان حكم الأصل مع الحكمة المعتبرة، ولا وجود للحكم في الفرع بدون تلك الحكمة، ولا كذلك المنطوق مع

стр. 958

الفحوى، إذ لا يشك أحد في أن رفع تحريم التأفيف لا يقتضي رفع تحريم الضرب، إذ الأضعف لا يستتبع الأقوى، وما نحن فيه ليس كذلك، لمساواة الفرع والأصل في العلة المعتبرة. قوله: "وأن كل شرعي يقبل النسخ". أقول: (١) / ق (٨٥/ ب من أ) المختار جواز نسخ جميع التكاليف، خلافًا للغزالي ﵀ وللمعتزلة. لنا: أن أصل التكليف غير واجب عقلًا، فيجوز رفع كله، كما يجوز رفع بعضه. الغزالي: رفع جميع التكاليف مستلزم لنقيضه، لأن رفع الجميع يستلزم وجوب معرفة النسخ والناسخ، وهو تكليف، وكل ما استلزم نقيضه فهو باطل، وإلا يلزم اجتماع النقيضين (٢). الجواب: يعرف الناسخ والنسخ ابتداء، ثم يعلم أن لا تكليف عليه، وبه/ ق (٨٧/ أمن ب) يتم مطلوبنا: لأن وجوب معرفة النسخ والناسخ مطلق لم يقيد بدوام، والمطلق يصدق وقوعه مرة، كما إذا قلت: زيد ضاحك بالفعل، فإنه يصدق بوقوع الضحك منه مرة.

стр. 959

والمعتزلة: لما كان حسن الفعل، وقبحه ذاتيين عندهم، فمثل معرفة الله تعالى لا يجوز نسخه (١)، وقد أبطلنا ذلك الأصل في بحث الأحكام (٢). قوله: "والمختار أن الناسخ قبل تبليغه". أقول: الحكم الذي بلغه جبريل، ولم يبلغه رسول الله ﷺ هل يكون ناسخًا في حق الأمة قبل علمهم، فيه خلاف، والمختار عدم (٣) ثبوته.

стр. 960

لنا: لو ثبت لأدى إلى وجوب وحرمة في محل واحد. بيانه: أن الحكم المنسوخ إذا كان وجوبًا، والناسخ حرمة، فلو ترك العمل بالأول أثم؛ لأنه ترك الواجب. والفرض أن العمل به حرام. وأيضًا: لو عمل بالثاني، وهو واجب قبل العلم به، وهو معتقد عدم شرعيته أثم. وأيضًا: لو ثبت حكمه قبل تبليغ الرسول لثبت قبل تبليغ جبريل، إذ هما سواء في عدم علم المكلف بوجود الناسخ. قالوا: علم المكلف ليس بشرط، كما إذا بلغه إلى مكلف واحد، فإنه ثبت في حق جميع المكلفين. الجواب: أن العلم، وإن لم يكن شرطًا، لكن التمكن من العلم شرط، وهو شرط التكليف (١). ولما كان الامتثال مع عدم التمكن من العلم محالًا، ذهب بعضهم إلى أنه يثبت بمعنى الاستقرار في الذمة مثل وجوب الصلاة على النائم، والفرق ظاهر. قوله: "أما الزيادة على النص".

стр. 961

أقول: زيادة عبادة مستقلة مثل: صلاة سادسة ليس بنسخ عند من يعتد به (١) وقيل: نسخ لأنه يبطل اسم الوسطى، مع وجوب المحافظة عليها. قلنا: يبطل الاسم، فالمحافظة على المسمى، وهو الحكم الشرعي باق. وأما زيادة جزء لعبادة، أو شرط هل هو نسخ؟ ذكر المصنف أنه ليس بنسخ خلافًا للحنفية (٢).

стр. 962

قال: ومثار الخلاف شيء واحد، وهو أن الزيادة هل ترفع حكمًا شرعيًا، أو لا؟ عند القائلين: نسخ لصدق حده عليه، وعند المانعين لا رفع، فلا نسخ، وعليه تبتنى الفروع عند الفريقين (١). ثم التحقيق في هذا المقام أن العلة لكونه نسخًا، لما كان رفع الحكم الشرعي، فالحكم بأن الزيادة مطلقًا عند الشافعية ليست بنسخ غير مستقيم؛ لأن الشافعي لما قال: إن مفهوم المخالفة حجة، ونفى الزكاة عن المعلوفة، فلو جاء نص بوجوب الزكاة على المعلوفة كان ناسخًا لذلك الوجوب قطعًا، والزيادة على الركعتين في صلاة الفجر، لما كانت محرمة، فلو جاء نص بزيادة ركعة أخرى فيها كان نسخًا لتلك الحرمة، وهى حكم شرعي قطعًا.

стр. 963

وحيث لا يرفع حكمًا شرعيًا مثل قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ثم جاء/ ق (٨٦/ أمن أ) النص بالشاهد، واليمين (١)، فلا نسخ. فإن قيل: مفهوم الآية أن الاستشهاد منحصر في رجلين، ورجل وامرأتين، ويلزم منه نفي الغير بمعنى أنه غير مطلوب. وأما أنه غير صحيح، فلا، ولو كان مفهومًا من الآية ما قضى رسول الله ﷺ بشاهد ويمين، هذا حكم الزيادة. وأما النقص في العبادة مثل إسقاط ركعة الفجر، أو (٢) اشتراط الطهارة في الصلاة، حكم المصنف بأن الخلاف فيه كالخلاف في (٣) / ق (٨٧/ ب من ب) الزيادة، يريد أن الصحيح أنه ليس بنسخ (٤)، وقد

стр. 964

علمت الجواب هناك، وهنا - أيضًا - كذلك، إلا أن في النقصان لم يرفع حكم شرعي ليكون نسخًا. فإن قلت: إذا نسخ الركعتان من الظهر مثلًا يحرم فعلهما، فقد ارتفع الوجوب إلى الحرمة، فيكون نسخًا. قلت: نسخ، ولكن للجزء، وهما الركعتان اللتان نقصا، لا الباقيتان، فإن وجوبهما هو الوجوب الثابت بالدليل الأول. وقيل: نقص الجزء نسخ لتلك العبادة دون الشرط. وقيل: الشرط المنفصل نسخ دون المتصل، والحق ما قدمناه. قوله: "خاتمة يتعين الناسخ بتأخره". أقول: لمعرفة الناسخ طرق بعضها صحيحة، وبعضها فاسدة، فمن الأول: نص الشارع عليه بأن يقول: هذا ناسخ لذاك إما صريحًا كالمثال

стр. 965

المذكور، وإما يلزم منه مثل: أن يقول: كنت نهيتكم عن الشيء الفلاني، فافعلوه. وبالعلم بالتأريخ مثل: أن يكون أحد النصين مؤرخًا بغزوة بدر (١) والآخر بغزوة تبوك (٢). أو بالإجماع على تقدم أحدهما، وتأخر الآخر.

стр. 966

أو بقول الراوي العدل الثقة: هذا مقدم على ذاك (١). ومن الطرق الفاسدة قول الراوي - صحابيًا كان، أو غيره - هذا ناسخ لذاك إذ ربما قاله اجتهادًا، ولا يجب على مجتهد آخر اقتفاءه. ومنها: حداثة سن الراوي، لا يلزم أن يكون مرويه ناسخًا لمروي من هو أسن منه؛ لأنه ربما سمعه متأخرًا. ومنها: تأخر إسلامه لما ذكرناه من جواز تأخر سماعه. ومنها: موافقته للبراءة الأصلية بأن يقال: لو تقدم لم يفد إلا ما كان قبل، فيعرى عن الفائدة، وإنما كان فاسدًا لأن تأخره يوجب تغييرين، والأصل عدمهما. وما يقال - أيضًا -: بأن تأخره يوجب نسخين، فليس بشيء؛ لأن البراءة الأصلية ليست حكمًا شرعيًا حتى يكون رفعهما نسخًا، ولا تأخره في المصحف إذ ترتيب المصحف ليس على وفق النزول (٢).

стр. 967

الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع تأليف الإمام شهاب الدين أحمد بن إسماعيل الكوراني (٨١٢ هـ - ٨٩٣ هـ) تحقيق د/ سعيد بن غالب كامل المجيدي [الجزء الثالث]

стр. 968

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 969

الدُّرَرُ اللَّوَامِع فِي شرْح جَمْع الْجَوَامِع [٣]

стр. 970

(ح) الجامعة الإسلامية، ١٤٢٨ هـ. فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر المجيدي، سعيد بن غَالب كَامِل الدُّرَر اللوامع فِي شرح جمع الْجَوَامِع للكوراني/ سعيد بن غَالب كَامِل المجيدي - الْمَدِينَة النورة، ١٤٢٨ هـ. ٢٨٨٠ ص؛ ١٧ × ٢٤ سم ردمك: ٢ - ٥٨٠ - ٠٢ - ٩٩٦٠ ١ - أصُول الْفِقْه أ - العنوان ديوي ٢٥١ ٣٦٢٠/ ١٤٢٨ رقم الْإِيدَاع: ٣٦٢٠/ ١٤٢٨ ردمك: ٢ - ٥٨٠ - ٠٢ - ٩٩٦٠ جَمِيع حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للجَامعة الإسْلاميَّة بِالْمَدِينَةِ المنوَّرة

стр. 971

الكتاب الثاني في السنة ومباحثها

стр. 972

الكتاب الثاني: في السنة قوله: "الكتاب الثاني في السنة، وهي: أقوال محمد ﷺ وأفعاله". أقول: لما فرغ من مباحث الكتاب، والمباحث المشتركة بينه وبين السنة، أردفه بمباحث تخص بالسنة. فالسنة - لغة -: الطريقة (١)، وفي عرف الفقهاء ترادف النافلة (٢).

стр. 973

وعند الأصولي: قول النبي [ ﷺ ] (١)، وفعله، وتقريره: لأنه فعل - أيضًا - إذ هو كف النفس، ولخفائه أفردوه بالذكر (٢). ولما توقف كونها دليلًا على عصمة (٣) من صدرت عنه، قال: "الأنبياء معصومون لا يصدر عنهم ذنب ولو صغيرة سهوًا".

стр. 974

وتحقيق هذه المسألة: هو أن حالهم ينقسم إلى ما قبل النبوة، وبعده. أما قبل النبوة، فالأشاعرة على جوازه عقلًا، خلافًا للمعتزلة، والروافض بناء على ذلك الأصل الفاسد من القبح العقلي. وأما بعد الرسالة، فما طريقه التبليغ لا يكون كذبًا، لا عمدًا، ولا سهوًا، لأنه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]. وأما غيره، فالجمهور: على أن الكبائر، والصغيرة التي لا تشعر بخسة لا تصدر عنهم، وغيرهما، فالأكثر على جوازه (١).

стр. 975

ونقل (١) / ق (٨٦/ ب من أ) المصنف عن/ ق (٨٨/ أمن ب) جماعة المنع مطلقًا، وأقره ونعم ما فعل، هو الذي عليه نحيا، وعليه نموت إن شاء الله تعالى (٢). فعلى عدم صدوره منه مطلقًا يكون سكوته عند صدور فعل من مكلف - سواء كان، مع استبشار، أو بدونه، وسواء كان الفاعل كافرًا، أو مسلمًا، أو منافقًا - دليل الجواز لجميع الأمة. وقيل: سكوته عمن يغريه الإنكار لا يكون دليل الجواز.

стр. 976

وقيل: مع الكافر لا يدل: لأنه غير مكلف بالفروع منافقًا كان، أو غيره. وقيل: في المنافق يدل: لأنه تجري عليه أحكام الإسلام دون غيره لأنه غير مكلف بالفروع، والكل باطل، كما بين في موضعه (١). قوله: "وفعله غيرُ مُحَرَّمٍ للعصمة". أقول: فعله ﷺ لا يوصف بالحرمة لأنه معصوم، فلا يقع منه، كما تقدم ولا مكروه لأنه نادر، وهو كالمعدوم. واعلم أن المكروه إن صدر عنه نادرًا، فلا يوصف بالكراهة في حقه، بل يوصف بالوجوب عليه: لأن بيان المشروعات واجب عليه (٢)، وما كان من أمر الجِبِلَّة كالقيام، والقعود، والأكل، فواضح أن أمته مثله (٣).

стр. 977

وما كان بيانًا فحكمه حكم المبين من الوجوب وغيره (١)، وما كان خاصًا به كالضحى، والأضحية فكذلك، إذ أمته لا تشاركه فيها (٢)، وما كان مترددًا بين الجِبِلِّي والشرعي فيه تردد لتعارض الأصل، يحتمل إلحاقه بالجِبِلِّي لأن الأصل عدم التشريع، فلا يكون مستحبًا، ويحتمل أن يلحق بالشرعي لأنه بعث لبيان المشروعات (٣)، وما سوى المذكور، إن عُلِمت جهته من الوجوب، والندب، والإباحة، فأمته مثله سواء كان عبادة، أو لا.

стр. 978

وتُعلم تلك الجهة إما بنص عليه مثل: أن يقول: هذا واجب، أو يحكم بمساواته للواجب، مثل أن يقول: هذا مثل ذاك في الوجوب، أو يكون ببيانه (١). فإن قلت: قد كرر المصنف البيان ما وجه صحته؟ لأن الأقسام متباينة، فلا يصدق أحد الأقسام على آخر. قلت: أراد بالبيان أولًا: بيان المجمل مثل قطع يد السارق من الكوع بعد نزول قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، ومثله قوله: "خذوا عني مناسككم" بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]. وبالثاني: أراد بيان فعل لم يسبقه إجمال، كما إذا شرب قائمًا (٢)، وقال: الشرب قائمًا مباح، وقال: الطلاق في الحيض حرام (٣).

стр. 979

والشراح لما أرادوا توجيه كلام المصنف، ولم يهتدوا إلى ما ذكرناه. قال بعضهم (١): "الكلام هنا فيما يعلم به صفة الفعل، لا بقيد كونه سوى ما تقدم". وقال الآخر (٢): "البيان له جهتان من حيث البيان تابع للمبين، ومن حيث التشريع واجب مطلقًا". ولم يدر أنه إذا كان واجبًا مطلقًا لم يعلم به صفة الفعل من الندب، والإباحة (٣)، وكلام المصنف صريح في ذلك.

стр. 980

وإن فعله امتثالًا -[لدال] (١) على وجوب، أو ندب، أو إباحة - فهو تابع لتلك الدلالة. وقد يعلم الحال بالأمارة الخاصة به شرعًا كالأذان للصلاة المفروضة، فيعلم بالأذان وجوب ما أذن لها (٢). أو بكونه ممنوعًا لولا الوجوب كالختان، والحد (٣)، فإنه ضرر ظاهر (٤) / ق (٨٨/ ب من ب)، وكل ما يضر ممنوع شرعًا إلا ما أوجبه الشارع. وفيه نظر: لأن المندوب، وإن كان فيه ضرر ربما يرتكب لنيل الثواب، ومن أمارة الندب مجرد قصد القربة، وهو كثير كالصلاة المندوبة، والصوم، والصدقة، وقراءة القرآن. قوله: "وإن جهلت، فللوجوب، وقيل: للندب، وقيل: للإباحة".

стр. 981

أقول: ما تقدم/ (٨٧/ أمن أ) كان حكم ما علم جهته، وأما إذا لم تعلم جهته ففيه مذاهب: الوجوب (١)، وقيل: الندب (٢)، وقيل: الإباحة (٣)، وقيل: بالوقف في الثلاثة (٤).

стр. 982

وقيل: في الأولين، أي: الوجوب، والندب في أي فعل كان سواء ظهر قصد القربة، أو لا. وقيل: إن ظهر، فالوقف فيهما، وإن لم يظهر، فالإباحة (١). لنا - على مختار المصنف، وهو الوجوب -: أنه الأحوط لبراءة الذمة، ولقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وفعله منه، وقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، والأمر للوجوب، ولقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] , ولَمَّا خلع نعله خلعوا نعالهم (٢)، ففهموا التأسي،

стр. 983

ولَمَّا أمرهم بالتمتع، ولم يتمتع توقفوا، كما ورد في الأحاديث الصحيحة (١). ولَمَّا اختلفوا في وجوب الغسل. بمجرد التقاء الختانين رجعوا إلى فعله على ما روي عن عائشة ﵂ (٢)، وهذه كلها ظواهر، وللبحث فيها مجال، كما لا يخفى، ولهذا ذهب ابن الحاجب إلى أن ما ظهر منه قصد القربة، فندب، وما لا، فمباح، والبيضاوي مال إلى التوقف لأن الكل محتمل. والندب هو المروي عن الشافعي، والوجوب عن مالك، والإباحة عن ابن سريج، والتوقف عن الصيرفي. قوله: "وإن تعارض القول، والفعل".

стр. 984

أقول: إذا تعارض قوله ﷺ ، وفعله إما أن يدل دليل على تكرار القول، أو لا، وعلى تقدير تكرره إما أن يكون القول خاصًا به، أو بنا، أو عامًا في الأمة وفيه. فإن لم يدل على تكرار، فإن تقدم الفعل، ثم قال: لا يجوز الشيء الفلاني، فلا نسخ؛ لأن الفعل حين وقوعه لم يكن له معارض، وبعده لا رفع. وإن تقدم القول بأن قال: لا يجوز الشيء الفلاني في وقت كذا، ثم فعله كان ذلك نسخًا الحاكم القول، وهو من قبيل النسخ قبل التمكن من الفعل. وإن دل القول على التكرار، فالمتأخر ناسخ (١). وإن جهل التأريخ، فأقوال ثلاثة في الخاص به: التوقف (٢) عن ترجيح أحدهما على الآخر، وترجيح القول لقوته في الدلالة لوضعه لها (٣)، وترجيح الفعل لأنه يقع بيان للقول كثيرًا.

стр. 985

وإن خص بنا، فالمتأخر ناسخ إن دل دليل على وجوب التأسي في الفعل. وإن جهل التأريخ, فلا نسخ لعدم إمكانه، وهناك ثلاثة أقوال: ترجيح الفعل، والتوقف، وترجيح القول، وهو الأصح. وإنما اختلفت المسألتان تصحيحًا لأنا متعبدون بالقول، أو الفعل، فلا وجه للتوقف بخلاف المخصوص به، فإنه لا عمل بالنسبة إلينا، فالوقف أحوط. وإن كان القول عامًا فيه، وفي أمته، فكما تقدم إن علم التأريخ, فالمتأخر ناسخ، وإن جهل، ففي حقه المختار/ ق (٨٩/ أمن ب) الوقف وفي حقنا يقدم الفعل. هذا إن علم وجوب التأسي، وإلا فالعمل بالقول مطلقًا (١). وفصل المصنف العام في حقه بأن يكون العام نصًا فيه، مثل أن يقول: يجب عليَّ وعليكم، وأما إذا كان ظاهرًا فيه مثل: أن يقول يجب على كل واحد، فالفعل يخصص القول في حقه، تقدم أو تأخر لأن التخصيص أهون.
следующие страницы →