← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

قال: وبلغني أنه قيل لسعد (١) بن أبي وقاص: ألا نتخذ لك شيئًا كأنه الصندوق من الخشب؟، فقال: اصنعوا بي كما صنع برسول الله ﷺ انصبوا على اللَّبِن وأهيلوا عليَّ التراب. ...

стр. 1017

الفصل الثاني في الغسل قال الشافعي ﵁ حق على الناس غسل الميت والصلاة عليه ودفنه لا يسع عامتهم تركه، وإذا قام بذلك منهم من فيه كفاية أجزأ عنهم. وروى في القديم: عن سفيان، عن أيوب بن موسى -أو غيره- وعبيد الله ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: "صدر المسلمون فمروا بامرأة بالبيداء ميتة فأجنها (١) رجل يقال له كليب، فقام عمر على المنبر وتوعّد الناس وقال: لو أعلم أن أحداً مر بها فلم يجنها لفعلت به وفعلت، وسأل ابن عمر فقال: لم أرها ثم قال: لعل الله أن يرحم كليبًا فمن معه غداة طعن". ورواه في القديم عن القاسم بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر أن رجلاً مات بهذا المعنى. أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن أيوب السختياني، عن ابن سيرين، عن أم عطية أن رسول الله ﷺ قال لهن في غسل ابنته: "اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة. فأما مالك (٢): فأخرجه بالإسناد واللفظ وزاد: "فإذا فرغتن فآذنني". قالت: فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حِقْوه فقال: "أشعرنها إياه" يعني بحقوة إزاره. وأما البخاري (٣): فأخرجه عن إسماعيل بن عبد الله، عن مالك مثله.

стр. 1018

وأما مسلم (١): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن يزيد بن زريع، عن أيوب مثل ذلك. وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن مسدد، عن حماد ابن زيد، عن أيوب. وأما النسائي (٣): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك. وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن أحمد بن منيع، عن هشيم، عن خالد ومنصور وهشام. وأما خالد وهشام فقالا: عن محمد وحفصة. وقال منصور: عن محمد، عن أم عطية. هذه بنت النبي ﷺ هي أم كلثوم زوجة عثمان بن عفان كذا جاء في حديث ليلى بنت قانف الثقفية قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت النبي ﷺ فذكرت بعض هذا الحديث (٥).

стр. 1019

وقوله: "إن رأيتن" إن استوصيتن الزيادة على الخمس. وقد اختلف في غسل الميت لهذه الكلمة، فقيل: هل هو واجب أو سنة؟ وسبب الخلاف قوله: "إن رأيتن". قالوا: هل معناه: إن رأيتن الغسل، أو إن رأيتن الزيادة على الثلاث والخمس وهذا وأمثاله مما اختلف فيه أهل الأصول، وذلك أنهم مختلفون في التقييد والاستثناء والشروط إذا تعقبت الجمل، هل يرجع إلى جميعها -إلا ما أخرجه الدليل- أو إلى ما أقربها إليه. وقوله "كافورًا أو شيئًا من [كافور] (١) " يجوز أن يكون الشك من أحد الرواة في أي اللفظين قال النبي ﷺ ، وإن كان اللفظ منه هكذا فيكون اللفظ قد قال أولاً "واجعلن في المرة الآخرة من الغسل كافورًا" أي في الماء، أي فلما أطلق الكافور ربما ظن النسوة بالإطلاق الكثير منه، فاستدرك بقوله: "أو شيئًا من كافور" أي قليلاً منه، والأول أشبه. قال الشافعي: وأقل غسل الميت فيما أحب ثلاث، وإن لم يبلغ الإنقاء فخمس، فإن لم يبلغ الإنقاء فسبع، فأما الواجب فمرة واحدة كما يجب في غسل الحي، والأفضل الثلاث ثم الخمس إن لم يحصل الإنقاء. وأما الوتر في الغسل فإنه معتبر في الثالث وفيما زاد عليها، عند الشافعي ومالك. وأبو حنيفة: لا يراه مستحبًا. واستحب وضع الكافور في الماء في كل مرة، وهو في الآخرة أحب للحديث، وفيه تعليله بقوله: "أو شيئًا من كافور" يعني لئلا يطرح فيه الكثير منه، فيغير ريحه أو طعمه فيذهب عنه وصف الطهورية، ولذلك قال: "أو شيئًا من كافور" وهذا أحسن ما قيل فيه.

стр. 1020

وأما "الحقو": فهو الإزار، والأصل في الحقو معقد الإزار وجمعه أحقٍّ وأحقا، ثم قيل للإزار نفسه حقو لأنه شد على الحقو. وأما "الإشعار": فهو التلفيف بالثوب، والشعار: الثوب الذي يلي الجسد وسمي به لأنه في شعر الجسد. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا بعض أصحابنا، عن ابن جريج، عن أبي جعفر "أن النبي ﷺ غُسِّل ثلاثًا". هذا الحديث ذكره الشافعي ذهابًا منه إلى تقوية ما ذهب إليه من استحباب المرات الثلاث في غسل الميت؛ اقتداء بما فعله الصحابة ومن غسل منهم النبي ﷺ ؛ وعملًا بما جرى الأمر عليه في غسله. وقد أخرج الشافعي ﵁ قال: أخبرنا الثقة، عن عطاء قال: يجزئ في غسل الميت مرة، وقال عمر بن عبد العزيز: ليس فيه شيء مؤقت. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه "أن رسول الله ﷺ غُسل في قميص". هذا طرف من حديث طويل (١) وهو: أن رسول الله ﷺ [توفي] (٢) يوم الاثنين فلم يغسل إلى آخر يوم الثلاثاء، فغسل من بئر كانت لسعد بن خيثمة كان رسول الله ﷺ يشرب منها, ولي غسل سفلته علي، وغُسِّل وعليه قميص علي يغسل وأسامة -،وقيل: رجل من الأنصارَ- يصبّ الماء، والفضل محتضنه، ويغسل على سفلته والفضل يقول: أرحني أرحني قطعت وتيني (٣)، أرى شيئًا ينزل عليِّ، ويكفن في ثلاثة أثواب: صحاريين (٤) وبردة حبرة،

стр. 1021

وصلى الناس عليه بغير إمام؛ تصلي زمرة وتخرج وهو في موضعه، ولما فرغوا نادى عمر بن الخطاب: خلوا الجبانة وأهلها، فكانت عائشة بعد تقول: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه". والحديث بطوله مرسل، وقد أخرج عن عائشة حديث يتضمن من غسل النبي ﷺ ، وذكرت فيه حديث غسله في قميص يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص دون أيديهم. وكذلك روي عن ابن أبي بريدة عن أبيه موصولاً. ويستحب عند الشافعي: أن يغسل الميت في قميص بهذا الحديث وبه قال أحمد. وقال مالك وأبو حنيفة: الأفضل تجريده من الثياب، فإن لم يفعل فأقل الواجب أن يستر عورته بخرقة من سرته إلى ركبته. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا الثقة من أصحابنا، عن هشام بن حسان، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية الأنصارية قالت: "ضفرنا شعر بنت رسول الله ﷺ ناصيتها وقرنيها ثلاث قرون فألقيناها خلفها". هذا طرف من حديث أم عطية الذي يتضمن ذكر غسلها. "والناصية": شعر مقدم الرأس. "والقرون": شعر جنبي الرأس وهي الضفائر، وضفر الشعر لصونه من التفريق والتبديد وإن كان إليه مصيره. وأخبرنا الشافعي ﵁ قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن عبد الله ابن أبي بكر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: "لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه".

стр. 1022

هذا طرف من حديث قد أخرجه أبو داود (١): عن النفيلي، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه عباد بن عبد الله ابن الزبير، عن عائشة وذكر حديثًا طويلاً وهذا الطرف في آخره. قولها: "لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا" الاستقبال: لقاء الشيء في أول الأمر، وإدراك الأمر من مبدئه، والوقوف على المصلحة فيه بادئ الأمر. "والاستدبار": ما جاء بعده وفي آخره. تريد: أنه لو عرفت في أول الأمر ما عرفته في آخره، لكان نساؤه تولوا غسله. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن الرجل إذا مات كان لزوجته أن تغسله بلا خلاف، إلا ما روى عن أحمد في إحدى روايتيه لهذا الحديث عن عائشة، وأما إذا ماتت المرأة فإنه يجوز عنده للزوج أن يغسلها، وبه قال عطاء، وأبو الشعثاء، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وداود. وقال أبو حنيفة والثوري، والأوزاعي: لا يجوز ذلك. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن عمارة، عن أم محمد بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب عن جدتها أسماء بنت عميس أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ أوصت أن يغسلها إذا ماتت هي، وعلي، فغسّلتها هي وعلي". هذا الحديث أخرجه الشافعي: دليلاً على جواز غسل الرجل زوجته، وقد روى من وجوه عدة متفقة على أن عليًّا -كرم الله وجهه- غسلها (٢)، وإنما اختلفت في أنها وصته وبعضهم لم يذكر الوصية في حديثه.

стр. 1023

وأخبرنا الربيع قال: قال الشافعي: أخبرنا عمرو بن الهيثم الثقة، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي -كرم الله وجهه- قال: قلت: يا رسول الله، -بأبي أنت وأمي- إن أبي قد مات، قال: "اذهب فواره"، قلت: إنه مات مشركًا قال: "اذهب فواره" [فواريته] (١) " ثم أتيته قال: "اذهب فاغتسل" هذا الحديث أخرجه أبو داود النسائي. وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن مسدد، عن يحيى، عن سفيان، عن أبي إسحاق. وأما النسائي (٣): فأخرجه عن محمد بن المثنى، عن محمد، عن شعبة، عن أبي إسحاق. قوله: "اذهب فواره" أي ادفنه، فلما أمره بذلك أراد أن يستثبته فقال: "إنه مات مشركًا" لكون إذنه مع علمه بموته على الشرك، فقال: "اذهب فواره" فأعاد الأمر بالمواراة، ثم أمره بالاغتسال من غسله. قال الشافعي: وأولى الغسل عندي أن يجب بعد غسل الجنابة من غسل الميت، ولا أحب تركه بحال، وإنما منعني من إيجاب الغسل من غسل الميت، أن في إسناده رجلاً (٤) لم أقع من معرفة ثبت حديثه إلى يومي على ما يقنعني،

стр. 1024

فإن وجدت من يقنعني من معرفة ثبت حديثه أوجبته، وأوجبت الوضوء من مس الميت مفضيًا إليه فإنهما في حديث واحد. وقال أيضًا في موضع: وأحب لمن غسل الميت أن يغتسل، وليس بالواجب عندي. وقال: لا بأس أن يغسل المسلم ذا قرابته من المشركين ويتبع جنازته ويدفنه ولكن لا يصلى عليه. ...

стр. 1025

الفصل الثالث في الكفن أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: "أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة. فأما مالك (١): فأخرجه إسنادًا ولفظًا. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن محمد بن مقاتل، عن عبد الله، عن هشام وقالت: ثلاثة أثواب يمانية. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى وأبي كريب وأبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي معاوية، عن هشام وزاد فيه: فقال لعائشة: إنهم يزعمون أنه قد كان كفن في بردة حبرة. قالت عائشة: "قد جاءوا ببرد حبرة ولم يكفنوه" (٤). وأما أبو داود (٥): فأخرجه عن قتيبة، عن حفص بن غياث، عن هشام. وأما الترمذي (٦): فأخرجه عن قتيبة، عن حفص بن غياث، عن هشام.

стр. 1026

وأما النسائي (١): فأخرجه عن إسحاق [عن] (٢) عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة. "سَحول" -بفتح السين- قرية باليمن ينسب إليها الثياب. وقيل: السحولية: المقصورة كأنها نسبت إلى السحول وهو القصار, لأنه يسحلها أي يغسلها، وروى السحول -بضم السين- كأنه نسب إلى جمع سحل وهو الثوب الأبيض من القطن، وفي هذا النسب نظر من حيث إنه نسب إلى الجمع، وقد قيل: إن اسم القرية اليمانية بضم السين. والمذهب: أن المستحب أن يكون الكفن ثلاثة أثواب لا يزاد عليها ولا ينقص منها، فإن كفن في خمسة أثواب فلا بأس به لأن ذلك من كمال لبس الحي، قميصان وسراويل وعمامة ورداء فإن زاد عليه كان شرفًا. قال الشافعي: وما كفن فيه الميت أجزأه -إن شاء الله تعالى- لأن النبي ﷺ كفن يوم أحد بعض القتلى بنمرة واحدة، فدل ذلك على أنه ليس فيه حد لا ينبغي أن يقصر عنه، وعلى أنه يجزئ ما وارى العورة. وأما المرأة: فالمستحب أن تكفن في خمسة أثواب خمار وإزار وثلاثة أثواب. قال المزني: وأحب أن تكون أحدها درعا، ثم المستحب أن تكون الثياب بيضاء غير مخيطة ولا قميص فيها ولا عمامة عملاً بهذا الحديث -يعني أن القميص والعمامة لم يكونا في كفن النبي ﷺ . وحمله مالك على أن ذلك ليس بمعدود، بل يحتمل أن تكون الأثواب الثلاتة زيادة على القميص؛ فإن قمص أو عمم فلا بأس به.

стр. 1027

وقد أخرج الشافعي -في من حرملة- عن سفيان، عن عمرو بن دينار سمع جابر بن عبد الله يقول: " [أتى] (١) رسول الله ﷺ قبر عبد الله بن أبي بن سلول بعدما أدخل حفرته فأمر به فأخرج، فوضع (٢) على ركبتيه وفخذيه فنفث عليه من ريقه وألبسه قميصه". وهو حديث صحيح أخرجه البخاري (٣) ومسلم (٤). وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري -وثبته معمر بن أبي الصعير: أن النبي ﷺ أشرف على قتلى أُحد فقال: "شهدت على هؤلاء فزملوهم بدمائهم وكلومهم". هذا الحديث أخرجه النسائي (٥): عن هناد، عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن [عبد الله بن] (٦) ثعلبة -وهو ابن أبي الصُّعير (٧) قال: قال رسول الله ﷺ : "زملوهم بدمائهم، فإنه ليس من كلم يَكْلَم في الله إلا يأتي اليوم القيامة يدمى لونه لون الدم، وريحه ريح المسك". قال الشافعي: ولعل ترك الغسل والصلاة على من قتله جماعة مشركين إرادة أن يلقوا الله بكلومهم، لما جاء فيهم عن النبي ﷺ "أن ريح الكلم ريح المسك واللون لون الدم"، واستغنوا بكرامة الله لهم عن الصلاة عليهم مع التخفيف عمن بقي من المسلمين. "والتزميل": التغطية والتدثير، وزمله في ثيابه لغة فيه. "والكلوم": جمع كلم وهو الجرح، أي لفوهم في ثيابهم على ما هم فيه من

стр. 1028

الجراحات والدماء ولا تغسلوهم. وهذه الباء في قوله: "بدمائهم" للملابسة والمخالطة كقوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (١) في إحدى القراءتين أي تنبت مختلطة وملتبسة بالدهن. وأخرج الشافعي -في من حرملة- عن سفيان بن عيينة، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي، عن جابر "أن رسول الله ﷺ أمر بقتلى أحد يُردّوا إلى مضاجعهم". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر [أن عمر] (٢) بن الخطاب: غُسل وكُفن وصُلّي عليه. قال الشافعي في رواية "وهو شهيد" -يعني عمر- ولكنه إنما صار إلى الشهادة في غير حرب. هذا الحديث مسوق لبيان أن القتيل في غير الحرب والمعركة يغسل ويكفن ويُصلى عليه. وتفصيل المذهب: أن المقتول من المسلمين في معترك المشركين لا يغسل ولا يكفن ولا يُصلى عليه، وبه قال مالك وأحمد، وإسحاق. وقال الثوري وأبو حنيفة: يغسل ويصلى عليه، واختاره المزني، وروي ذلك عن أحمد أيضاً، وعن الحسن البصري وابن المسيب. وأما من قتل في غير معترك المشركين فإنه يغسل ويصلى عليه، إلا أهل العدل إذا قتلهم البغاة ففيهم قولان:- أحدهما -وهو المشهور-: أنهم يغسلون ويصلون عليهم، وبه قال مالك. وقال في قتال أهل البغي: لا يغسلون ولا يصلى عليهم. وقال أبو حنيفة: لا يغسلون.

стр. 1029

وكذلك أهل القافلة إذا قتلهم اللصوص، ففيهم وجهان بناء على القولين، ومن سوى هؤلاء فإنهم يغسلون ويصلى عليهم واحداً. وبه قال مالك وأحمد. وقال أبو حنيفة: من قتل ظلمًا بحديدة فإنه لا يغسل، فإن قتل بمثقل غسل. وقد أخرج الشافعي ﵁ قال: أخبرنا بعض أصحابنا، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان أن أبا عبيدة صلى على رءوس. قال: وبلغني أن طائرًا ألقى يدًا بمكة في وقعة الجمل، فعرفوها بالخاتم فغسلوها وصلوا عليها. ***

стр. 1030

الفصل الرابع في حمل الجنازة أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا الثقة من أصحابنا، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عمه عيسى بن طلحة قال: "رأينا عثمان بن عفان يحمل بن عمودي سرير أمه، فلم يفارقه حتى وضعه". قال الشافعي: يستحب للذي يحمل الجنازة أن يضع السرير على كاهله بين العمودين المقدمين، ويحمل بالجوانب الأربع. قال: وقال قائل: لا يحمل بين العمودين هذا عندنا مستنكر، فلم يرض إن جهل ما كان ينبغي له أن يتعلمه حتى غاب قول من قال: يفعل هذا، قال: وقد رواه بعض أصحابنا عن النبي ﷺ أنه حمل في جنازة سعد بن معاذ بين العمودين وروينا عن بعض أصحابنا أنهم فعلوا ذلك. وقال في القديم (١) فأشار إلى ثبوت ما روي في ذلك عن أصحابه دون ما روي عنه ﷺ . وتفصيل المذهب: أن حمل الجنازة بين العمودين أولى من حملها من الجوانب الأربع. وقال أحمد: التربيع أفضل. وقال النخعي والحسن: يكره حملها بين العمودين. وإليه ذهب الثوري وأبو حنيفة. وقد أخرج الشافعي: عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده قال: رأيت سعد بن أبي وقاص في جنازة عبد الرحمن بن عوف قائمًا بين العمودين المقدمين، واضعًا السرير على كاهله.

стр. 1031

وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا بعض أصحابنا عن [ابن] (١) جريج، عن يوسف بن ماهك أنه رأى ابن عمر في جنازة رافع -يعني: ابن خديج- قائمًا بين قائمتي السرير. هذا الحديث أخرجه مؤكدًا لما قبله من الحديث في حمل الجنازة. أخبرنا الشافعي: أخبرنا بعض أصحابنا، عن عبد الله بن ثابت، عن أبيه قال: رأيت أبا هريرة يحمل بين عمودي سرير سعد بن أبي وقاص. وهذا أيضًا أخرجه عاضدًا لما أخرجه من الأحاديث. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا بعض أصحابنا، عن شرحبيل بن أبي عون، عن أبيه قال: رأيت ابن الزبير يحمل بين عمودي سرير السور بن مخرمة. وهذا الحديث أخرجه محققًا لما سبق. وقد أخرج في القديم حديث ابن عمر عن حماد بن مدرك، عن ابن جريج ويذكر عن يحيى بن عبد الله بن بكير أن أسيد بن حضير مات -ويكنى أبا يحيى- وحمله عمر بين عمودي السرير حتى وضعه. ...

стр. 1032

الفصل الخامس في المشي مع الجنازة أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مسلم بن خالد وغيره، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يمشون". وفي رواية: عن ابن عيينة، عن الزهري بالإسناد "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة". هذا الحديث أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي. فأما أبو داود (١): فأخرجه عن القعنبي، عن سفيان ولم يذكر عثمان. وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن قتيبة، وأحمد بن منيع وإسحاق بن منصور ومحمود بن غيلان، عن سفيان ولم يذكر عثمان. وأما النسائي (٣): فأخرجه عن محمد بن عبد الله بن يزيد، عن أبيه، عن همام، عن سفيان ومنصور وزياد وبكر بن وائل كلهم عن الزهري وذكر عثمان، ولم يذكر بكر وحده. "أمام الشيء" -بفتح الهمزة- بين يديه وقدامه. "والجِنازة" -بكسر الجيم- قال الأزهري: هو السرير إذا سوّي عليه الميت مكفنًا وهيئ للدفن، ولا يقال له جنازة حتى يشد الميت مكفنًا عليه. فأما الجنازة -بالفتح- فالميت نفسه. وأصل التجهيز: تهيئة الميت وشده على السرير.

стр. 1033

قال: وقال الأصمعي: بالكسر الميت، وبالفتح السرير مع الميت. وسميت الجنازة: لأن الثياب تجمع على الميت فوق السرير، ومنه جنز الرجل فهو مجنوز إذا جمع. وقال الجوهري: الجنازة واحدة الجنائز، والعامة تقول: الجنازة بالفتح وهو عبارة عن الميت على السرير، وإذا لم يكن عليه الميت فهو سرر ونعش. والذي ذهب إليه الشافعي: أن المشي أمامها أفضل. وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن عمر، وأبي هريرة، والحسين بن علي، وابن الزبير، وأبي قتادة. وإليه ذهب القاسم بن محمد، وشريح، وسالم، والزهري، ومالك، وأحمد. وقال أبو حنيفة: المشي خلفها أفضل. وبه قال الأوزاعي وإسحاق، وروي عن ابن جبير. وقال الثوري: الراكب خلفها والماشي حيث شاء. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن محمد بن المنكدر، عن ربيعة بن عبد الله الهدير أنه أخبره "أنه رأى عمر بن الخطاب يقدُمُ الناس أمام جنازة زينب بنت جحش". فتقدم عمر الناس أمام الجنازة، دليل على أنه سنة، وهو مؤكد لما سبق وقد أخرجه مالك في الموطأ (١) هكذا. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبيد -مولى السائب- قال: "رأيت ابن عمر وعبيد بن عمير يمشيان أمام

стр. 1034

الجنازة فجلسا يتحدثان فلما جازت بهما قاما. وهذا أيضًا محقق للأحاديث قبله. قال الشافعي (١): وقال بعض الناس: المشي خلفها أفضل واحتج بابن عمر، وإنما قدم الناس لتضايق الطريق حتى كأنا [لم] (٢) نحتج بغير ما روينا عن عمر، واحتج بأن عليًّا قال: المشي خلفها أفضل، واحتج بأن الجنازة متبوعة وليست بتابعة وبأن التفكر في أمرها إذا كان خلفها أكثر. والحجة في أن المشي أمام الجنازة أفضل، مشي النبي ﷺ ثم أبو بكر ﵁ وغيره من أصحاب النبي ﷺ أمامها، والحجة فيه مشي رسول الله ﷺ . أثبت من أن يحتاج معها إلى غيرها، وإن كان في اجتماع أئمة الهدي بعده الحجة، ولسنا نعرف عن علي خلاف أصحابه. ...

стр. 1035

الفصل السادس في القيام للجنازة أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم [أو] (١) توضع". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا مالكًا. فأما البخاري (٢): فأخرجه عن علي بن عبد الله، عن سفيان بالإسناد واللفظ إلى قوله: "تخلفكم" وقال: زاد الحميدي "أو توضع". وأما مسلم (٣): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب وابن نمير، عن سفيان بلفظ الشافعي. وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن مسدد، عن سفيان. وأما الترمذي (٥): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن نافع وعن سالم. وأما النسائي (٦): فأخرجه مثل الترمذي. "خلّفت" الرجل -مشددًا-: إذا تركته وراءك، وخلفته -مخففًا- إذا بقيت بعده، وهي في الحديث مشددة أي حتى تتجاوزكم إلى القبر أو توضع -يعني عن رقاب الرجال. وفي رواية البخاري: "حتى تخلفها" وهي المخففة أي تصير خلفها وبعدها، أو"تخلّفه" -بالتشديد- وكذلك في رواية مسلم.

стр. 1036

والذي ذهب إليه الشافعي: أن الإنسان إذا تبع جنازة جاز له الجلوس من قبل أن توضع. وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة، وأحمد: يكره له ذلك ولا يجلس حتى توضع وإليه ذهب الشافعي والنخعى. فأما من لا يتبعها فلا يقوم لها، وهذا [لحديث] (١) علي ﵁ الذي يجيء بعده ... وقال أحمد: إن شاء قام وإن شاء لم يقم. وحكي عن أبي مسعود البدري وغيره من الصحابة: وجوب القيام لها إذا مرت به، عملًا بحديث أبي سعيد الخدري وهو منسوخ، وحديثه: أن النبي ﷺ قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن واقد ابن عمرو بن سعد بن معاذ، عن نافع بن جبير، عن مسعود بن الحكم، عن علي ابن أبي طالب -كرم الله وجهه-: "أن رسول الله ﷺ كان يقوم في الجنازة ثم جلس" هكذا أخرجه في كتاب "اختلاف الحديث" (٢) وعاد أخرجه بالإسناد واللفظ في كتاب "الجنائز" (٣) وزاد في آخره. وأخبرنا الشافعي ﵁ عن إبراهيم بن محمد [عن محمد] (٤) بن عمرو بن علقمة بهذا الإسناد وشبيهه بهذا وقال: "قام رسول الله ﷺ وأمرنا بالقيام، ثم جلس وأمرنا بالجلوس". هذا حديث حسن صحيح أخرجه الجماعة إلا البخاري.

стр. 1037

فأما مالك (١): فأخرجه بالإسناد وقال في آخره: "ثم جلس بعد". وأما مسلم (٢): فأخرجه عن محمد بن المثنى وإسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر جميعًا عن الثقفي، عن يحيى بن سعيد. وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك. وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن يحيى بن سعيد. وأما النسائي (٥): فأخرجه بإسناد الترمذي. وأخرجه الشافعي -في سنن حرملة (٦) - عن عبد العزيز بن محمد [عن محمد] (٧) بن عمرو. قوله: "كان يقوم للجنائز" يريد أن قيامه للجنائز كان حالاً له يفعلها عند عبورها عليه. وقولى: "جلس" يريد أنه ترك تلك الحال فصار لا يقوم لها. وقوله: "ثم جلس" بمنزلة قوله: "وثم ترك القيام" يعني ثم استصحب حال الجلوس عند عبور الجنازة عليها. وقوله: "بعد" يريد بعد ذلك فحذف ذلك وبنى بعد لانقطاعها عن الإضافة.

стр. 1038

الفصل السابع في صلاة الجنازة أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: "نعى رسول الله ﷺ للناس النجاشي اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى وصف بهم وكبر أربع تكبيرات". هكذا أخرجه في كتاب "الجنائز" (١)، وفي كتاب "خلاف مالك" (٢)، وأخرجه في كتاب "علي وعبد الله" (٣) بالإسناد: "أن النبي ﷺ كبر على النجاشي أربعًا". وأخبرنا في سنن حرملة: أخبرنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر أنه قال: "لما مات النجاشي قال النبي ﷺ : "إنه قد مات اليوم عبد صالح، فقوموا فصلوا على أصحمة". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة. فأما مالك (٤): فأخرجه إسنادًا ولفظًا. وأما البخاري (٥): فأخرجه عن يحيى بن بكير، عن الليث. وعن مسدد، عن يزيد بن زريع، عن معمر، جميعًا عن الزهري. وأما مسلم (٦): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك.

стр. 1039

وأما الترمذي (١): فأخرجه عن أحمد بن منيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن معمر، عن الزهري. وأما النسائي (٢): فأخرجه عن سويد بن نصر، عن عبد الله عن مالك، وعن قتيبة، عن مالك. "نعيت" إليه الميت أنعيه نَعْيًا ونَعِيًّا: إذا أخبرته بموته. والنعي أيضاً الناعي وهو الذي يأتي بخبر الميت. قال الأصمعي: كانت العرب إذا مات فيهم ميت له قدر كبير، ركب راكب فرسًا يسير في الناس ويقول: نعي فلانا، أي: أنعه وأظهر خبر وفاته وهي مبنية على الكسر مثل: نزل ودراك بمعنى أنزل وأدرك. ويكره النداء على الميت، ولا بأس أن يعرف به أصدقاؤه. وبه قال أحمد. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا بأس به. "والمصلى": موضع الصلاة، وهو اسم خصه الاستعمال بالأماكن المعينة للصلاة في ظاهر البلد، وفي الصحارى، والأماكن المنفردة، كما خص الاستعمال المساجد بالأماكن المبنية في المدن والقرى ونحو ذلك، وإنما كان الجميع مصلى ومسجدًا. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن تكبيرات صلاة الجنائز أربع. وبه قال الأوزاعي، والثوري، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وأبو ثور، وداود، وروي ذلك عن عمر، وابن عمر، وزيد، وجابر، والحسن، ومحمد

стр. 1040

ابني علي، وأبي هريرة، والبراء بن عازب، وعقبة بن عامر، وعطاء بن أبي رباح. حكي عن محمد بن سيرين وأبي الشعثاء بأنهما قالا: هي خمس تكبيرات. وإليه ذهب الشيعة. وحكي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "كبر رسول الله ﷺ على الجنائز تسعًا، وسبعًا، وخمسًا، وأربعًا، وكبروا ما كبر الإمام". وروي عن علي أنه كبر على أبي قتادة تسعًا، وعلى سهل بن حنيف ستًّا -وكانا بدريين-، وكان يكبر على أصحاب رسول الله ﷺ على البدريين ستًّا، وعلى أهل غير بدر خمسًا، وعلى سائر الناس أربعًا. ويجوز عند الشافعي الصلاة على الميت الغائب، فيتوجه المصلي إلى القبلة وسواء كانت المسافة بينهما بعيدة أو قريبة. إلا أن يكون في البلد، ولا يصلى عليه حتى يحضره، وسواء كان الميت في جهة القبلة أو لم يكن. وبه قال أحمد. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يصلى على الغائب. وأخبرنا الشافعي ﵁ قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب أن أبا أمامة سهل بن حنيف أخبره أن مسكينة مرضت فأخبر النبي ﷺ بمرضها، قال: وكان رسول الله ﷺ يعود المرضى ويسأل عنهم، فقال رسول الله ﷺ : "إذا ماتت فآذنوني" (١). فخرج بجنازتها ليلاً فكرهوا أن يوقظوا رسول الله ﷺ ، فلما أصبح رسول الله ﷺ أخبر بالذي كان من شأنها، فقال: "ألم آمركم أن تؤذنوني بها"؟ فقالوا: يا رسول الله، كرهنا أن نوقظك، فخرج رسول الله ﷺ حتى صف بالناس على قبرها فكبر أربع تكبيرات".

стр. 1041

وأخبرنا الشافعي ﵁ بالإسناد: أن رسول الله ﷺ صلى على قبر مسكينة توفيت من الليل". أخرج الرواية الأولى في كتاب "الجنائز" (١) والثانية في "خلاف مالك". (٢) وقد أخرج مالك في الموطأ (٣) الرواية الأولى. وأخرج النسائي (٤): عن قتيبة، عن سفيان، عن الزهري عن أبي أمامة نحو الأولى. "المسكينة": تأنيث المسكين وقد اختلف فيه: فقال قوم: المسكين الذي له شيء من الدنيا، إلا أنه لا يقوم بما يحتاج إليه، قال الله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ (٥) فأثبت لهم ملكًا وسماهم مساكين. وإلى هذا ذهب الشافعي. وقال قوم: المسكين: الذي لا شيء له، والفقير: الذي له شيء لا يكفيه. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة. والإيذان: الإعلام والإيقاظ والإنباه. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الصلاة على قبر الميت جائزة. وبه قال علي، وأبو موسى، وابن عمر، وعائشة وإليه ذهب الأوزاعي، وأحمد، والنخعي، ومالك، وأبو حنيفة: لا يجوز إلا أن يكون قد دفن قبل أن يصلى عليه. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن

стр. 1042

عقيل، عن جابر بن عبد الله "أن النبي ﷺ كبر على الميت أربعًا، وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى". قوله: الفاتحة في صلاة الجنازة واجبة. وبه قال أحمد، وإسحاق، وداود، وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس، وابن الزبير، والحسن البصري. وقال مالك، وأبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، لا يقرأ شيئًا من القرآن. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن طلحة بن عبد الله ابن عوف قال: "صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، فلما سلم سألته عن ذلك فقال: سنة وحق". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن عيينة، عن محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد قال: سمعت ابن عباس يجهر بفاتحة الكتاب (١) على الجنازة، ويقول: "إنما فعلت لتعلموا أنها سنة". هكذا حديث صحيح البخاري، وأبو داود، والترمذي والنسائي. فأما البخاري (٢): فأخرجه عن محمد بن بشار، عن غندر، [عن شعبة] (٣) عن سعد بن إبراهيم، عن طلحة وذكر الرواية الثانية. وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن محمد [بن كثير] (٥)، عن سفيان، عن سعد ابن إبراهيم، عن طلحة وذكر نحو الثانية.

стр. 1043

وأما الترمذي (١): فأخرجه عن محمد بن بشار، عن ابن مهدي [عن سفيان] (٢) عن سعد بن إبراهيم، عن طلحة وقال: "إنه من السنة -أو تمام السنة". القوي والصحيح أنه موقوف. وأما النسائي (٣): فأخرجه عن الهيثم بن أيوب، عن إبراهيم بن سعد بإسنادي الشافعي، وقال: بفاتحة الكتاب في سورة جهر حتى أسمعنا (٤). وهذا الحديث أخرجه الشافعي مؤكد لما سبق من قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، وكون ابن عباس يجهر بها، وعلل الجهر بالعلم بالسنة من أقوى الأدلة على أن النبي ﷺ فعله, لأن السنة إنما هي سنة النبي ﷺ فعلًا وقولاً فهذا كالمسند المرفوع. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن إسحاق بن عبد الله، عن موسى بن وردان، عن عبد الله بن عمرو بن العاص "أنه كان يقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى على الجنازة". هذا الحديث مما أخرجه الشافعي محققًا لما سبق. قال الشافعي: بلغنا ذلك عن أبي بكر الصديق، وسهل بن حنيف وغيرها من أصحاب النبي ﷺ . قال الشافعي فيما بلغه عن هيثم، عن منصور، عن الحسن، عن رجل من هذيل أن ابن مسعود كان يقرأ على الجنائز. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مطرف بن مازن، عن معمر، عن

стр. 1044

الزهري أخبرنا أبو أمامة بن سهيل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ أن السنة في صلاة على الجنازة: أن يكبر الإمام ثم يقرأ فاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرًّا في نفسه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ويخلص الدعاء -والدعاء للجنازة في التكبيرات لايقرأ في شيء منهن- ثم يسلم سرًّا في نفسه. وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مطرف بن مازن، عن معمر، عن الزهري قال: حدثني محمد الفهري، عن الضحاك بن قيس أنه قال مثل قول أبي أمامة. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا بعض أصحابنا، عن ليث بن سعد، عن الزهري، عن أبي أمامة قال: السنة أن يقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب (١). قال الزهري: والناس يقتدون بإمامهم ويصنعون ما يصنع. قال الشافعي: وابن عباس والضحاك رجلان من أصحاب النبي ﷺ ، لا يقولان: "السنة" إلا لسنة رسول الله ﷺ -إن شاء الله-. وهذا الحديث أخرجه النسائي (٢): عن قتيبة، عن الليث عن الزهري. وفي أخرى بالإسناد: عن محمد بن سويد الدمشقي الفهري، عن الضحاك ابن قيس بنحو ذلك. قوله: "ويخلص الدعاء للميت في التكبيرات" يريد ما عدا الأولى، وقد تقدم فيما مضى من الكتاب أن قول الراوي: السنة كذا، ومن السنة كذا، والسنة جارية بكذا، أن هذا كله مرفوع حكمه حكم الأحاديث المسندة المرفوعة. ومذهب الشافعي في صلاة الجنازة: أن يرفع يديه حذو منكبيه مع كل تكبيرة خلافًا لمالك وأبي حنيفة، فإنهما قالا: لا يرفعهما [إلا] (٣) مع الأولى، ثم يقرأ

стр. 1045

بفاتحة الكتاب بعد الأولى، ثم يكبر الثانية ويحمد الله [ثم] (١) يصلي على النبي ﷺ ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ثم يكبر الثالثة ويدعو للميت ثم يكبر الرابعة ويسلم. وقال الشافعي في التكبيرة الرابعة -في موضع آخر-: يكبر ويقول: اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده. قال: ومما أستحب أن يقال في الدعاء: اللهم عبدك وابن عبدك، خرج من روح الدنيا وسعتها ومحبوبها وأحبائه فيها، إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم نزل بك وأنت خير منزول به، وأصبح فقيرًا إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له؛ اللهم فإن كان محسنًا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه، وبلّغه برحمتك رضاك، وقه فتنة القبر وعذابه، وافتح له في قبره، وجاف الأرض عن جنبيه، ولقه برحمتك الأمن من عذابك، حتى تبعثه إلى جنتك يا أرحم الراحمين. قال: وليس في الدعاء شيء مؤقت. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا محمد بن عمر -يعني الواقدي-، عن عبد الله ابن عمر بن حفص، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يرفع يديه كلما كبر على الجنازة". قال الشافعي: وبلغني عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير مثل ذلك، وعلى ذلك أدركت أهل العلم ببلدنا، وكذلك رواه عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. وقال في القديم: وأخبرناه من سمع ابن وردان يذكر عن أنس بن مالك أنه

стр. 1046

كان يرفع يديه كلما كبر على الجنازة. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يسلم في الصلاة على الجنازة". هذا الحديث أخرجه في الموطأ (١) وزاد حتى يسمع من يليه. قال الشافعي: ويسلم تسليمة يسمع من يليه -أي من هو قريبًا ممن وراءه- وإن شاء تسليمتين. وروي عن علي، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وجابر، وأنس، وواثلة، وأبي أمامة، وسهل بن حنيف؛ تسليمه واحدة. وروى عن ابن أبي أوفى، وابن مسعود تسليمتان. وأخرج الشافعي في كتاب حرملة (٢) قال: أخبرنا سفيان قال: أخبرنا إبراهيم الهجري أنه رأى عبد الله بن أبي أوفى في جنازة ابنته على بغلة تقاد، ويقول للقائد: أين أنا منها؟ فإذا قال له: أمامها، قال: احبس قال: ورأيته حين صلى عليها كبر عليها أربعًا، ثم قام ساعة فسبح به القوم فسلم، ثم قال: كنتم ترون أني أزيد على أربع، وقد رأيت رسول الله ﷺ كبر أربعًا. وسمع ابن أبي أوفى نساء يرثين فنهاهن، وقال: سمعت النبي ﷺ ينهى عن المراثي. وأخرج الشافعي في سنن حرملة: عن سفيان قال: أخبرنا أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد -رضيع عائشة ﵄ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما من ميت يموت فيصلي عليه أمة من الناس، يبلغون أن يكونوا مائة فيشفعون إلا شفعوا فيه" (٣).

стр. 1047

وأخرج الشافعي ﵁ عن مالك، عن أبي النضر -مولى عمر بن [عبيد] (١) الله- عن عائشة -أم المؤمنين- أنها قالت: [ما] (٢) صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد. قال الربيع: فقلت للشافعي: فإنا نكره الصلاة على الميت في المسجد. فقال الشافعي: رويتم هذا ورويتم أنه صلى على عمر في المسجد، كيف كرهتم الأمر به؟!. أخبرنا الربيع ﵁ قال: قال الشافعي ﵁ أخبرنا ابن علية، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله "-في الصلاة على الجنازة- لا وقت ولا عدد". يريد أنه ليس بشيء من الأوقات تكره فيه الصلاة على الميت، ولا عدد محصور في التكبيرات، ولا لها حد معين لا يجوز غيره. وأخرج الشافعي ﵁ عن مالك، عن نافع أن ابن عمر كان لا يصلي على الجنازة إلا وهو متوضئ. وقد جاء في رواية يحيى بن بكير، عن مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: "لا يصلي الرجل على الجنازة إلا وهو طاهر".

стр. 1048

الصلاة على الشهيد أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا بعض أصحابنا، عن الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﷺ لم يصل على قتلى أحد ولم يغسلهم". هذا طرف من حديث صحيح أخرجه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. فأما البخاري (١): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن الليث بالإسناد قال: كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: "أيهم أكثر أخذًا للقرآن" فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة"، وأمر بدفنهم في دمائهم، فلم يغسلوا ولم يصل عليهم. وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن قتيبة ويزيد بن خالد بن موهب، عن الليث. وأما الترمذي (٣) والنسائي (٤): فأخرجاه جميعًا عن قتيبة، عن الليث بالإسناد. قوله: "أيهم أكثر أخذا للقرآن" يريد أيهم أكثر حفظًا له من الآخر. واللحد في القبر معروف، ويريد بتقديمه فيه: تقديمه إلى جهة القبلة. وقوله: "أنا شهيد على هؤلاء" أي شاهد لهم بالقتل في سبيل الله. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا بعض أصحابنا، عن أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أنس: "أن رسول الله ﷺ لم يصل على قتلى أحد ولم يغسلهم". هذا الحديث رواه عبد الله بن وهب، عن أسامة بإسناده. هذا ورواه عثمان بن عمر وروح بن عبادة، عن أسامة واستثنى فيه حمزة،

стр. 1049

فقال: ولم يصل على أحدٍ من الشهداء غيره. قال الدارقطني: هذه اللفظة "ولم يصل على أحد من الشهداء غيره" [غير] (١) محفوظة. قال الترمذي: سألت البخاري عن حديث عبد الرحمن بن كعب، عن جابر؟ قال: حديث حسن، وحديث أسامة بن زيد غير محفوظ (٢). قد تقدم في حديث عبد الله بن عمر في فضل الغسل، ذكر المذهب في الصلاة على الشهيد ما فيه كفاية، ونحن نزيده هاهنا بسط. قال الشافعي ﵁ وإذا قتل المشركون المسلمين في المعترك؛ لم يغسل القتلى ولم يصل عليهم ودفنوا بكلومهم ودمائهم. وقال بعض الناس: يصلى عليهم ولا يغسلون، واحتج بأن الشعبي روى أن حمزة صُلّي عليه سبعون صلاة، فكان يؤتى بتسعة من القتلى حمزة عاشرهم فيصلى عليهم، ثم يرفعون وحمزة مكانه، ثم يؤتى بآخرين فيصلى عليهم وحمزة مكانه، حتى صلّي عليه سبعين صلاة. قال الشافعي: وشهداء أحد اثنان وسبعون شهيدًا، فإذا كانوا قد صلى عليهم عشرة، لا يكون أكثر من سبع صلوات أو ثمان، فنجعلهم على أكثرها على أنه صلى على اثنين وسبعين صلاة، وعلى حمزة صلاة فهذه تسع صلوات، فمن أين جاءت سبعون صلاة؟. وإن كان عني كبر سبعين تكبيرة، فنحن وهم نزعم أن التكبير على الجنائز أربع، فهي إذا كانت تسع صلوات: ست وثلاثون، فمن أين جاءت أربع وثلاثون تكبيرة أخرى، وقد كان ينبغي لمن روى هذا الحديث أن يستحي على نفسه، وقد كان ينبغي له أن لا يعارض به الأحاديث كأنها عيان، فقد جاءت من وجوه متواترة أن النبي ﷺ لم يصل عليهم وقال: "زملوهم بكلومهم".

стр. 1050

الفصل الثامن في الدفن أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مسلم بن خالد وغيره عن ابن جريج، عن عمران بن موسى: "أن رسول الله ﷺ سل من قبل رأسه". هذا حديث مرسل (١)، وقد ذكره الشافعي وذكر بعده حديث ابن عباس مسندًا مرفوعًا وسيجيء ذكره. وقوله: "سل من قبل رأسه" أي أُخذ من جهة رأسه وأُدخل في القبر. قال الشافعي: وسل الميت سلًا من قبل رأسه، وذلك أن يوضع رأس سريره عند رجل القبر ثم يسل سلاً، ويستر القبر بثوب حتى يُسَوى على الميت لحدُه. وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: توضع الجنازة على جانب القبر مما يلي القبلة ثم يدخل معترضًا. قال الشافعي: وقال بعض [الناس] (٢) يدخل معترضًا من قبل القبلة وروي عن حماد، عن إبراهيم أن النبي ﷺ أدخل من قبل القبلة معترضًا. قال الشافعي ﵁ أخبرنا الثقات من أصحابنا، أن قبر النبي ﷺ على يمين الداخل من البيت لاصق بالجدار، والجدار الذي اللحد لجنبه قبلة البيت فإن لحده تحت الجدار، فكيف يدخل معترضًا؟! واللحد لاصق بالجدار، ولا يقف عليه شيء ولا يمكن إلا أن يسل سلاً أو يدخل من خلاف القبلة،

стр. 1051

وأمور الموتى وإدخالهم من الأمور المشهورة عندنا لكثرة الموت وحضور الأئمة وأهل الفقه، وهي من الأمور العامة التي يُستغنى فيها [عن] (١) الحديث، ويكون الحديث فيها كالتكليف لعموم معرفة الناس بها (٢) [و] (٣) رسول الله ﷺ والمهاجرين والأنصار بين أظهرنا تنقل إلينا العامة (٤) لا يختلفون في ذلك، فإن الميت يسل سلاً، ثم جاءنا آتٍ من غير بلدنا يعلمنا كيف يدخل الميت، ثم لم يرض حتى روي عن حماد، عن إبراهيم أن النبي ﷺ أدخل معترضًا. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا الثقة، عن عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "سل رسول الله ﷺ من قبل رأسه". أكد الشافعي حديث عمران بن موسى المرسل بهذا الحديث المسند. وقد أخبرنا بعض أصحابنا عن أبي الزناد وربيعة وأبي النضر لا اختلاف بينهم في ذلك أن رسول الله ﷺ سل من قبل رأسه، وأبو بكر وعمر ﵄. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا [إبراهيم] (٥) ابن محمد، عن جعفر بن محمد [عن أبيه] (٦) عن النبي ﷺ حثى على الميت ثلاث حثيات بيديه جميعًا. هكذا روي هذا الحديث مرسلاً، وقد روي عن أبي المنذر أن رسول الله ﷺ حثى في قبر ثلاثاً. وروي من وجه آخر ضعيف مسندًا، وروي عن علي.

стр. 1052

وابن عباس، وأبي أمامة (١). قال الشافعي: ويحثى من على شفير القبر بيديه من التراب ثلاث حثيات. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: "أن النبي ﷺ رش على قبر إبراهيم ابنه ووضع عليه حصباء". والحصباء لا تثبت إلا على قبر مسطح". قوله: "رش على قبر ابنه إبراهيم" يريد رش عليه ماءً ليتلبد ترابه. "والحصباء": الحصى الصغار. قوله: "والحصباء لا تثبت إلا على قبر مسطح" من كلام الشافعي. والذي ذهب إليه الشافعي: أن السنة عنده تسطيح القبور. وقال جماعة من متأخري القائلين بمذهبه: أن الأولى التسنيم لأن التسطيح صار من شعار الشيعة، وهذا ليس صحيحًا لأن السنة إذا ثبتت بشيء لزم اتباعه؛ ولا اعتبار لمن وافق وخالف، فكيف ترغب عن السنة بعمل بعض طوائف المسلمين بها. فقال مالك وأبو حنيفة والثوري، وأحمد: السنة التسنيم. قال الشافعي: ومقبرة المهاجرين والأنصار عندنا مسطح قبورها، وتشخص عن وجه الأرض نحوًا من شبر. ويجعل عليها البطحاء مرة، ومرة تطين، ولا أحسب هذا من الأمور التي ينبغي أن يدخل أحد علينا، وقد بلغنا عن القاسم بن محمد قال: رأيت قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر مسطحة. قال: ويوضع عند رأسه صخرة أو علامة ما كانت.

стр. 1053

الفصل التاسع في التعزية وطعام العزاء أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا القاسم بن عبد الله بن عمر، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال: "لما توفي رسول الله ﷺ وجاءت التعزية سمعوا قائلاً يقول: إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل ما فات، فبالله فثقوا، وإياه [فارجوا] (١)، فإن المصاب من حرم الثواب. وقد روي من وجه آخر أنه: "السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة، ويقال: إنه الخضر ﵇". "العزاء": الصبر، "والتعزية" فعل المعزي، تقول: عزيت أهل البيت أعزيهم تعزية، إذا قلت لهم ما يسليهم ويصبرهم ويسكن جزعهم. "والخلف": العوض. "والدرك": الإصابة والوصول إلى الشيء. "والمصاب": الذي نزلت به المصيبة. وقوله: "فإن المصاب من حرم الثواب" يعني أن الإنسان إذا جزع لما ينزل به من النوائب، وظهر منه ما يحبط أجره ويحرمه ثوابه، فإنه هو المصاب حقيقة بحرمان الثواب، لا من أصيب من أهله. قال الشافعي: وأحب تعزية أهل البيت رجاء الأجر في تعزيتهم، وأن يخص بالتعزية كبارهم وصبيانهم العاجزين عن احتمال المصيبة.

стр. 1054

قال: وقد عزى قوم من الصالحين بتعزية مختلفة، فأحب أن يقول قائل هذا ويترحم على الميت ويدعو له ولمن خلف. وتفصيل القول: أن التعزية سنة، وقد ورد فيها الأجر قال النبي ﷺ : "من عزّى مصابًا كان له مثل أجره" (١). فالشافعي قد تكلم فيها من ثلاثة أوجه: أحدها: في وقت التعزية: وهو من حين يموت إلى أن يدفن وعقيب الدفن. وقال الثوري: لا يعزى بعد الدفن. والثاني فيمن يعزى، قال: الكبير والصغير والرجل والمرأة إلا أن تكون شابة فلا أحب أن يعزيها إلا ذو رحم، ويخص بالتعزية صغارهم وخيارهم فإن الثواب في تعزيتهم أكثر. الثالث: في لفظ التعزية قال: أحب أن يقول مثل ما عزى به أهل بيت النبي ﷺ ، وقد ذكرناه بعضهم (٢) أنه يقول: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك. أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر، قال رسول الله ﷺ : "اجعلوا لآل جعفر طعامًا، فإنه قد جاءهم أمر يشغلهم" -أو ما يشغلهم- شك سفيان. هكذا جاء هذا الحديث فيما رواه الأصم في المسند عن جعفر بن محمد،

стр. 1055

وهو خطأ من الأصم فإن الشافعي قد رواه من غير رواية الأصم على الصحة (١)، لأن جعفرًا المذكور في الإسناد ليس جعفر بن محمد، إنما هو جعفر بن خالد المخزومي كذا رواه أبو داود والترمذي. فأما أبو داود (٢): فأخرجه عن مسدد، عن سفيان، عن جعفر بن خالد، عن عبد الله بن جعفر. وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن أحمد بن منيع وعلي بن حجر [عن سفيان] (٤) عن جعفر بن خالد. و [النعي] (٥): خبر الميت وقد تقدم ذكر ذلك. قال الشافعي: وأحب لقرابة اليت أن يعمل لأهل الميت في يومهم وليلتهم طعامًا يسعهم لهذا الحديث، ولأن ذلك من البر والتقرب إلى الأهل والجيران فكان ذلك مستحبًا، فأما إصلاح أهل الميت طعامًا وجمع الناس عليه فلم ينقل فيه شيء وهو بدعة غير مستحب. ...
следующие страницы →