← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وأمور الموتى وإدخالهم من الأمور المشهورة عندنا لكثرة الموت وحضور الأئمة وأهل الفقه، وهي من الأمور العامة التي يُستغنى فيها [عن] (١) الحديث، ويكون الحديث فيها كالتكليف لعموم معرفة الناس بها (٢) [و] (٣) رسول الله ﷺ والمهاجرين والأنصار بين أظهرنا تنقل إلينا العامة (٤) لا يختلفون في ذلك، فإن الميت يسل سلاً، ثم جاءنا آتٍ من غير بلدنا يعلمنا كيف يدخل الميت، ثم لم يرض حتى روي عن حماد، عن إبراهيم أن النبي ﷺ أدخل معترضًا. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا الثقة، عن عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "سل رسول الله ﷺ من قبل رأسه". أكد الشافعي حديث عمران بن موسى المرسل بهذا الحديث المسند. وقد أخبرنا بعض أصحابنا عن أبي الزناد وربيعة وأبي النضر لا اختلاف بينهم في ذلك أن رسول الله ﷺ سل من قبل رأسه، وأبو بكر وعمر ﵄. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا [إبراهيم] (٥) ابن محمد، عن جعفر بن محمد [عن أبيه] (٦) عن النبي ﷺ حثى على الميت ثلاث حثيات بيديه جميعًا. هكذا روي هذا الحديث مرسلاً، وقد روي عن أبي المنذر أن رسول الله ﷺ حثى في قبر ثلاثاً. وروي من وجه آخر ضعيف مسندًا، وروي عن علي.

стр. 1052

وابن عباس، وأبي أمامة (١). قال الشافعي: ويحثى من على شفير القبر بيديه من التراب ثلاث حثيات. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: "أن النبي ﷺ رش على قبر إبراهيم ابنه ووضع عليه حصباء". والحصباء لا تثبت إلا على قبر مسطح". قوله: "رش على قبر ابنه إبراهيم" يريد رش عليه ماءً ليتلبد ترابه. "والحصباء": الحصى الصغار. قوله: "والحصباء لا تثبت إلا على قبر مسطح" من كلام الشافعي. والذي ذهب إليه الشافعي: أن السنة عنده تسطيح القبور. وقال جماعة من متأخري القائلين بمذهبه: أن الأولى التسنيم لأن التسطيح صار من شعار الشيعة، وهذا ليس صحيحًا لأن السنة إذا ثبتت بشيء لزم اتباعه؛ ولا اعتبار لمن وافق وخالف، فكيف ترغب عن السنة بعمل بعض طوائف المسلمين بها. فقال مالك وأبو حنيفة والثوري، وأحمد: السنة التسنيم. قال الشافعي: ومقبرة المهاجرين والأنصار عندنا مسطح قبورها، وتشخص عن وجه الأرض نحوًا من شبر. ويجعل عليها البطحاء مرة، ومرة تطين، ولا أحسب هذا من الأمور التي ينبغي أن يدخل أحد علينا، وقد بلغنا عن القاسم بن محمد قال: رأيت قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر مسطحة. قال: ويوضع عند رأسه صخرة أو علامة ما كانت.

стр. 1053

الفصل التاسع في التعزية وطعام العزاء أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا القاسم بن عبد الله بن عمر، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال: "لما توفي رسول الله ﷺ وجاءت التعزية سمعوا قائلاً يقول: إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل ما فات، فبالله فثقوا، وإياه [فارجوا] (١)، فإن المصاب من حرم الثواب. وقد روي من وجه آخر أنه: "السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة، ويقال: إنه الخضر ﵇". "العزاء": الصبر، "والتعزية" فعل المعزي، تقول: عزيت أهل البيت أعزيهم تعزية، إذا قلت لهم ما يسليهم ويصبرهم ويسكن جزعهم. "والخلف": العوض. "والدرك": الإصابة والوصول إلى الشيء. "والمصاب": الذي نزلت به المصيبة. وقوله: "فإن المصاب من حرم الثواب" يعني أن الإنسان إذا جزع لما ينزل به من النوائب، وظهر منه ما يحبط أجره ويحرمه ثوابه، فإنه هو المصاب حقيقة بحرمان الثواب، لا من أصيب من أهله. قال الشافعي: وأحب تعزية أهل البيت رجاء الأجر في تعزيتهم، وأن يخص بالتعزية كبارهم وصبيانهم العاجزين عن احتمال المصيبة.

стр. 1054

قال: وقد عزى قوم من الصالحين بتعزية مختلفة، فأحب أن يقول قائل هذا ويترحم على الميت ويدعو له ولمن خلف. وتفصيل القول: أن التعزية سنة، وقد ورد فيها الأجر قال النبي ﷺ : "من عزّى مصابًا كان له مثل أجره" (١). فالشافعي قد تكلم فيها من ثلاثة أوجه: أحدها: في وقت التعزية: وهو من حين يموت إلى أن يدفن وعقيب الدفن. وقال الثوري: لا يعزى بعد الدفن. والثاني فيمن يعزى، قال: الكبير والصغير والرجل والمرأة إلا أن تكون شابة فلا أحب أن يعزيها إلا ذو رحم، ويخص بالتعزية صغارهم وخيارهم فإن الثواب في تعزيتهم أكثر. الثالث: في لفظ التعزية قال: أحب أن يقول مثل ما عزى به أهل بيت النبي ﷺ ، وقد ذكرناه بعضهم (٢) أنه يقول: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك. أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر، قال رسول الله ﷺ : "اجعلوا لآل جعفر طعامًا، فإنه قد جاءهم أمر يشغلهم" -أو ما يشغلهم- شك سفيان. هكذا جاء هذا الحديث فيما رواه الأصم في المسند عن جعفر بن محمد،

стр. 1055

وهو خطأ من الأصم فإن الشافعي قد رواه من غير رواية الأصم على الصحة (١)، لأن جعفرًا المذكور في الإسناد ليس جعفر بن محمد، إنما هو جعفر بن خالد المخزومي كذا رواه أبو داود والترمذي. فأما أبو داود (٢): فأخرجه عن مسدد، عن سفيان، عن جعفر بن خالد، عن عبد الله بن جعفر. وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن أحمد بن منيع وعلي بن حجر [عن سفيان] (٤) عن جعفر بن خالد. و [النعي] (٥): خبر الميت وقد تقدم ذكر ذلك. قال الشافعي: وأحب لقرابة اليت أن يعمل لأهل الميت في يومهم وليلتهم طعامًا يسعهم لهذا الحديث، ولأن ذلك من البر والتقرب إلى الأهل والجيران فكان ذلك مستحبًا، فأما إصلاح أهل الميت طعامًا وجمع الناس عليه فلم ينقل فيه شيء وهو بدعة غير مستحب. ...

стр. 1056

الفصل العاشر في البكاء على الميت أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر [بن] (١) عتيك، عن عتيك بن الحارث، أن عتيك أخبره عن عبد الله ابن عتيك أن رسول الله ﷺ جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غُلب، فصاح به فلم يجب فاسترجع رسول الله ﷺ ، وقال: "غلبنا عليك يا أبا الربيع فصاح [النسوة] (٢) وبكين، فجعل ابن عتيك [يسكتهن] (٣)، فقال رسول الله ﷺ : " [دعهن] (٤) فإذا وجب فلا تبكين [باكية] (٥) ". قال: وما الوجوب يا رسول الله؟. قال: "إذا مات". هذا الحديث أخرجه الموطاً، وأبو داود، والنسائي. فأما الموطأ (٦): فأخرجه بالإسناد إلا أنه قال: عن عتيك بن الحارث بن عتيك -وهو جد عبد الله بن عبد الله بن جابر أبو [أمه] (٧) - أنه أخبره أن جابر بن عتيك أخبره وذكر الحديث وزاد فيه زيادة، فقالت ابنته: والله إن كنت لأرجو

стр. 1057

أن تكون شهيدًا، فإنك كنت قد قضيت جهازك، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله قد أوقع أجره على قدر نيته، وما تعدون الشهادة؟. قالوا: القتل في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله، المطعون شهيد، والغَرِق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، والحرق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيدة". وأما أبو داود (١): فأخرجه عن القعنبي. وأما النسائي (٢): فأخرجه عن عتبة بن عبد الله بن عتبة كليهما عن مالك. والذي رواه الأصم عن عبد الله بن عتيك، وإنما هو جابر بن عتيك وهو الصواب إن شاء الله تعالى (٣). قوله: "قد غلب" أي أغمي عليه ووقع في النزع. "والاسترجاع": قول المصاب: إنا لله وإنا إليه راجعون. وقوله: "وجب" يريد به الموت، فكأنه وجبت الشمس إذا غربت. "والمطعون": الذي يصيبه الطاعون. "والمبطون": الاستسقى. وماتت المرأة بجمع: إِذا ماتت وولدها في جوفها. والذي ذهب إليه الشافعي: أن النياحة وشق الجيوب وضرب الخدود وتخميشها والصياح مكروه، لأن ذلك يشبه التظلم والاستغاثة، وما فعله الله عدل وحق, لأن النوح يجدد الحزن ويمنع الصبر فكره لذلك. وأما البكاء على الميت: فإنه مباح إلى أن تخرج الروح، فإذا خرج كره لهذا

стр. 1058

الحديث. قال الشافعي: وأكره النياحة على الميت بعد موته، وأن تندبه الواحدة (١) على الانفراد ولكن يعزى بما أمر به من الصبر والاسترجاع، وأكره [المأتم] (٢) -وهو الجماعة- وإن لم يكن لهن بكاء، فإن ذلك يجدد الحزن ويكلف المؤنة مع ما مضى فيه من الأثر. وفي كل ذلك مع غيره دلالة على جواز البكاء قبل الموت وبعده، بلا ندب ولا نياحة ولا مأتم، وحديث ابن عتيك محمول على كراهية اجتماعهن بعد الموت والبكاء. والله أعلم. وقد أخرج الشافعي -في كتاب حرملة- قال: أخبرنا سفيان، عن محمد ابن عجلان، عن وهب بن كيسان، عن أبي هريرة "سمع عمر بن الخطاب باكية فنهاها، فقال له رسول الله ﷺ : "دعها يا أبا حفص، فإن العهد قريب والعين باكية، والنفس مصابة". هذا الحديث من هذا الوجه منقطع، وقد رواه هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان أن محمد بن عمر أخبره أن سلمة الأزرق قال: أشهد على أبي هريرة لسمعته يقول: "مُرّ على النبي ﷺ بجنازة ونساء يبكين عليهن، فنهاهن عمر وانتهرهن، فقال له النبي ﷺ : "دعهن يا عمر، فإن العين دامعة والنفس مصابة والعهد قريب". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك بن أنس، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرة أنها سمعت عائشة ﵂ وذكر لها

стр. 1059

أن عبد الله بن عمر [يقول] (١) إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه فقالت عائشة: أما إنه لم يكذب، ولكنه [أخطأ] (١) أو نسي إنما مرّ رسول الله ﷺ على يهودية وهي يبكي عليها أهلها، فقال: "إنهم ليبكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة. فأما مالك (٢): فأخرجه بالإسناد واللفظ وزاد فيه وقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب. وذكر الحديث. وأما البخاري (٣): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك بالإسناد قالت: إنما مرّ رسول الله ﷺ على يهودية. وذكر باقي الحديث ولم يذكر أوله. وأما مسلم (٤) والترمذي (٥): فأخرجاه عن قتيبة، عن مالك. وأما أبو داود (٦): فأخرجه عن هناد، عن عبدة وأبي معاوية عن هشام، عن أبيه، عن ابن عمر. وأما النسائي (٧): فأخرجه عن محمد بن آدم، عن عبدة، عن هشام بإسناد أبي داود وذكر نحوه. الواو في قوله: "وذكر لها" واو الحال وقد فيها مقدرة، تقديرها سمعت عائشة وقد ذكر لها قول ابن عمر. والخطأ: ضد الصواب.

стр. 1060

"والنسيان": خلاف الذكر، أرادت أنه لم يتعمد الكذب على النبي ﷺ ، لأنه صحابي مشهور بالصحبة والدين والعلم، ومثله لا ينسب إليه الكذب مطلقًا فكيف على رسول الله ﷺ ؟! ولكنه لا يخلو كلامه من أمرين: إما الخطأ وإما النسيان، ثم إنما عللت قولها وذكرت العذر لها وله ما حكته من شأن اليهودية وبكاء أهلها عليها. ومعنى قوله: "إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها" يريد أنها تعذب بكفرها في القبر وأهلها يبكون عليها لموتها. ومن ذهب إلى الصحيح قول ابن عمر قال: إن العرب كانوا يوصون بالبكاء عليهم وبالنياحة، وكذلك موجود في أشعارهم كقول بعضهم: إذا مت فابكيني بما أنا أهله ... وشقي علي الجيب يابنة معبد وكقول لبيد: ابكي الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر وقيل: إنهم كانوا يبكون عليهم ينوحون بتعديد أفعالهم، التي كانوا يفعلونها من القتل والنهب، فأراد أنهم يعذبون بما يبكون عليهم به، وذلك معصية منه ومنهم إذا فعلوا، فإن فعلوها بأمره كان عليهم معصية، كما لو أمر بطاعة فعملت بعده كانت طاعة، وكما يؤجر هو بما هو سبب له من الطاعة، فكذلك يعذب بما هو سبب له من المعصية. فالعمل بخبر عائشة أولى، لأن خبر ابن عمر مجمل وخبرها مفسر والمفسر يقضي على المجمل، لاسيما والحجة معها بالآية التي أوردتها، وسيجيء في الحديث الثاني لهذا الحديث.

стр. 1061

وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١). أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة قال: "توفيت ابنة لعثمان بن [عفان] (٢) بمكة فجئنا نشهدها وحضرها ابن عباس وابن عمر، فقال: إني لجالس بينهما جلست إلى [أحدهما] (٣) ثم جاء الآخر وجلس إليَّ، فقال ابن عمر لعمرو بن عثمان: ألا تنهى عن البكاء -فإن رسول الله ﷺ قال: "إن الميت [ليعذب] (٤) ببكاء أهله عليه" فقال ابن عباس: قد كان عمر يقول بعض ذلك ثم حدث ابن عباس فقال: صدرت مع عمر بن الخطاب من مكة حتى إذا كنا بالبيداء إذا بركب تحت ظل شجرة، قال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب، فذهبت فإذا صهيب، قال: ادعه، فرجعت إلى صهيب فقلت: ارتحل فالحق بأمير المؤمنين فلما أصيب عمر سمعت صهيبًا يبكي ويقول: واأخياه واصحباه، فقال عمر: يا صهيب، أتبكي علي وقد قال رسول الله ﷺ : "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" قال: فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة، فقالت: يرحم الله عمر، لا والله ما حدث رسول الله ﷺ إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، [ولكن

стр. 1062

رسول الله ﷺ قال: إن الله يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه] (١) فقالت عائشة: حسبكم القرآن ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فقال ابن عباس عند ذلك والله (*) أضحك وأبكى، قال ابن أبي مليكة: فوالله ما قال ابن عمر من شيء. هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم والنسائي. فأما البخاري (٢) [فأخرجه عن عبدان، عن عبد الله، عن ابن جريج. وأما مسلم (٣)] (٤) فأخرجه عن محمد بن رافع وعبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج. وأما النسائي (٥): فأخرجه عن سليمان بن منصور البلخي، عن عبد الجبار بن الورد، عن [ابن] (٦) أبى مليكة وذكر نحوه، وفيه: أما والله ما تحدثون هذا الحديث عن كاذبين مكذبين، ولكن السمع يخطئ وإن لكم في القرآن لما يشفيكم ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٧) ولكن رسول الله ﷺ قال "إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه". "البيداء": الصحراء وهي اسم موضع قريب من المدينة. وقوله: "واأخياه واصحباه" هذه واو حرف من حروف الندبة والهاء في آخر الاسم للوقف. وقوله: "حسبكم القرآن" أي القرآن كافيكم. والوزر: الحمل والإثم, وزر يزر وزرًا فهو وازر.

стр. 1063

وقول ابن عباس: "والله أضحك وأبكى" يريد أن المضحك والمبكي هو الله، فإذا بكى هؤلاء على ميتهم فإن الله هو الذي أبكاهم، وكل ما يفعله العباد بقضاء وقدر. قال الشافعي: وما روت عائشة عن رسول الله ﷺ أشبه أن يكون محفوظًا عنه بدلالة الكتاب ثم السنة، فإن قيل: وأين دلالة الكتاب؟، قيل: في قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١)، وقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٢)، وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٣). وقوله: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ (٤). قال: وعمرة أحفظ عن عائشة من ابن أبي مليكة، وحديثهما أشبه الحديثين أن يكون محفوظًا، فإن كان الحديث على غير ما روى ابن أبي مليكة من قول النبي ﷺ : "إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها" فهو واضح لا يحتاج إلى تفسير, لأنها تعذب بالكفر وهؤلاء يبكون ولا يدرون ما هي فيه. وإن كان الحديث كما روى ابن أبي مليكة فهو صحيح؛ لأن على الكافر عذاباً أعلى منه فإن عُذّب بدونه وزِيد في عذابه فما استوجب وما نيل من كافر من عذاب أدنى من أعلى منه وما زيد عليه من العذاب فباستجابة لا بذنب غيره في بكائه عليه. فإن قيل: كيف يزيده عذاباً ببكاء أهله عليه؟ قال: يزيده بما استجيب عمله، ويكون بكاؤهم سببًا لا أنه يعذب ببكائهم. فإن قيل: أين دلالة السنة؟ قيل: قال رسول الله ﷺ لرجل: "هذا ابنك"؟. قال: نعم. قال: أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه" (٥). فأعلم رسول الله ﷺ مثل ما أعلم الله من أن جناية كل امرئ عليه كما عمله لا لغيره ولا عليه.

стр. 1064

الفصل الحادي عشر في زيارة القبور أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "ونهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرًا". هذا طرف من حديث طويل قد أخرجه مالك (١) هكذا مرسلاً، والإرسال بن ربيعة وأبي سعيد، وقد روى من وجه آخر متصلاً بأبي سعيد (٢)، والحديث: أن أبا سعيد قدم من سفر ففدم إليه لحمًا، فقال: انظروا أن يكون هذا من لحوم الأضاحي؟. فقالوا: هو منها. فقال أبو سعيد: ألم يكن رسول الله ﷺ نهى عنها؟. فقالوا: إنه كان من رسول الله ﷺ بعدك أمر، فخرج أبو سعيد فسأل عن ذلك، فأخبر أن رسول الله ﷺ قال: "نهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فكلوا وتصدقوا وادخروا، ونهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا، وكل مسكر حرام، ونهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرًا". يعني: سوءًا وفحشًا من القول. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الرجال يستحب لهم زيارة القبور ويكره للنساء. قال الشافعي: ولا بأس بزيارة القبور ولكن لا يقال عندها هجرًا، وذلك مثل الدعاء بالويل والثبور والنياحة.

стр. 1065

وأما إذا زرتها فتستغفر للميت ويرق قلبك، وتذكر أمر الآخرة فهذا مما أُحِبّ ولا أكرهه. وأخرج الشافعي ﵁ عن إبراهيم بن محمد، عن [أبيه] (١) عن جده قال: تبعت جنازة مع أبي هريرة فلما كنا دون القبر جلس أبو هريرة ثم قال: لأن أجلس على جمرة فتحرق ردائي ثم تفضي إلى جلدي أحب إلى من أن أجلس على قبر امرئ مسلم. هكذا رواه الشافعي موقوفًا، ورواه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا أن رسول الله ﷺ قال: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه حتى تصل إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر" (٢). قال الشافعي ﵁ وأخبرنا مالك أن رسول الله ﷺ قال: "قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". وأخرج الشافعي ﵁ في سنن حرملة عن سفيان قال: حدثنا حمزة بن المغيرة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". قال الشافعي ﵁ وأخبرنا مالك أن رسول الله ﷺ قال: "قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. لا يبقين دينان بأرض العرب". قال الشافعي ﵁ وأكره أن يبنى على القبر مسجد ويسوى عليه ثم يُصلى عليه أو يُصلَى إليه. وأخرج الشافعي ﵁ عن مالك، عن ابن شهاب وعن سفيان

стр. 1066

عن عمرو بن دينار، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال "إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم [عن أبيه] (١) عن عمر بن أبي سلمة أظنه عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه". قوله: معلقة بدينه: يريد أنها تطالبه بما تخلف عليه من الدين ومؤاخذة به في الآخرة بعد الموت إلى أن يوفى ما عليه من الدين. أخرجه الشافعي في الابتداء بقضاء ديون الميت بعد الفراغ من تجهيزه ودفنه. انتهى الجزء الثاني من كتاب الشافي في شرح مسند الشافعي ﵁ ويتلوه في الذي يليه كتاب الزكاة إن شاء الله . وكان الفراغ منه يوم الثلاثاء لتسع بقين لذي القعدة عام ثلاثة وثلاثون وسبعمائة. ...

стр. 1067

الشَّافِي فيْ شَرْح مُسْنَد الشَّافِعي لابْنِ الأثِيرْ مَجْد الدِّين أبي السَّعادَاتْ: المباركْ بْن محمَّد بْن عَبْد الكريم الجزْريْ تحِقْيقْ أحمَدْ بْن سُليمان أبْي تميم يَاسر بْن إبْرَاهيم الجزْءُ الثَّالِثْ مَكتَبةَ الرُّشْدِ نَاشِرُونْ

стр. 1068

جميْع الحقوقْ محفوظة الطَّبْعَةُ الأولى ١٤٢٦هـ - ٢٠٠٥م مَكتَبةَ الرُّشْدِ نَاشِرُونْ المملكة العربية السعودية - الرياض شارع الأمير عبد الله بن عبد الرحمن (طريق الحجاز) ص. ب ١٧٥٢٢ الرياض ١١٤٩٤ هاتف ٤٥٩٣٤٥١ فاكس ٤٥٧٢٣٨١ Email:alrushd@alrushdryh.com website:www.rushd.com * فرع طريق الملك فهد: الرياض - هاتف ٢٠٥١٥٠٠ فاكس ٢٠٥٢٣٠١. * فرع مكة المكرمة: هاتف ٥٥٨٥٤٠١ فاكس ٥٥٨٣٥٠٦. * فرع المدينة المنورة: شارع أبي ذر الغفاري - هاتف ٨٣٤٠٦٠٠ فاكس ٨٣٨٣٤٢٧. * فرع جدة: ميدان الطائرة - هاتف ٦٧٧٦٣٣١ فاكس ٦٧٧٦٣٥٤. * فرع القصيم: بريدة - طريق المدينة - هاتف ٣٢٤٢٢١٤ فاكس ٣٢٤١٣٥٨. * فرع أبها: شارع الملك فيصل - تلفاكس ٢٣١٧٣٠٧. * فرع الدمام: شارع الخزان - هاتف ٨١٥٠٥٦٦ فاكس ٨٤١٨٤٧٣. وكلاؤنا في الخارج القاهرة: مكتبة الرشد - ت ٢٧٤٤٦٠٥. بيروت: دار ابن حزم هانف ٧٠١٩٧٤. المغرب: الدار البيضاء - وراقة التوفيق - هاتف ٣٠٣١٦٢ فاكس ٣٠٣١٦٧. اليمن: صنعاء - دار الآثار - هاتف ٦٠٣٧٥٦. الأردن: عمان - الدار الأثرية ٦٥٨٤٠٩٢. البحرين: مكتبة الغرباء - هاتف ٩٥٧٨٣٣ - ٩٤٥٧٣٣. الإمارات: مكتبة دبي للتوزيع هاتف ٤٣٣٣٩٩٩٨ فاكس ٤٣٣٣٧٨٠٠. سوريا: دار البشائر ٢٣١٦٦٨. قطر: مكتبة ابن القيم - هاتف ٤٨٦٣٥٣٣.

стр. 1069

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كتاب الزكاة ويشتمل على ثلاثة عشر باباً الباب الأول في وجوبها وإثم تاركها أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان بن عيينة، سمعت جامع ابن أبي راشد وعبد الملك بن أعين، سمعا أبا وائل يخبر عن عبد الله بن مسعود يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله، إلا مُثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع، يفر منه وهو يتبعه حتى يطوقه في عنقه، ثم قرأ رسول الله ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١). هذا حديث صحيح أخرجه الترمذي والنسائي. فأما الترمذي (٢): فأخرجه عن ابن أبي عمر، عن سفيان بالإسناد. وأما النسائي (٣): فأخرجه عن مجاهد بن موسى، عن سفيان -ولم يذكر عبد الملك بن أعين- وذكر الحديث وقال فيه: ثم قرأ مصداقه من كتاب الله. ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١). "من" قوله (٤): "من رجل" زائدة تفيد عموم النفي، وتحسين دخول "ما" على النكرة، فإنك لو قلت: ما رجل في الدار - على استكراهه- جاز أن

стр. 1070

يكون فوقه ولهذا قالوا: إن قولهم: لا رجل في الدار جوابُ قولهم: هل من رجل في الدار؟ لا جواب هل رجل في الدار؟ لأن موضوعه لاستغراق النفي فاقتضت استفهامًا مستغرقًا، وإذا قلت: هذا رجل في الدار؟ جاز أن تريد باستفهامك هل فيها رجل واحد أو أكثر منه؟ وأن تريد هل فيهما رجل أو امرأة؟ وليس كذلك هل من رجل في الدار؟. والزكاة: من النماء والزيادة، زكا المال يزكو إذا زاد ونما، وأزكاه الله وزكا الرجل ماله تزكية؛ إذا أدى ما يجب عليه فيه من الزكاة المفروضة. وقول الله ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (١) أي تزيدهم وبتلك لم بها، وقيل: التزكية هاهنا المبالغة في التطهير. والزكاة (٢): أركان الإسلام التي هي عليها الإسلام، ولا يجوز لمن وجبت عليه أن يمنعها، ومن منعها منكرًا وجوبها فقد كفر، إلا أن يكون حديثَ عهد بالإسلام ولم يعلم وجوبها, وليس في المال حقّ سوى الزكاة، إلا ما حُكي عن الشَّعْبي ومجاهد أنهما قالا: يجب عليه يوم حصاد السنبل وصرام النخل، أن يلقي للمساكين منه شيئًا ولا يُعتد به من الزكاة. وقوله: "مُثل له" أي جعل مثله، تقول: مثلت له كذا تمثيلاً إذا صورت له مثاله، يريد أن يجعل له الذي لم يُعِدّ زكاته أو الزكاة التي لم يؤدها، والأول أشبه بلفظ الحديث. مثل الشجاع الأقرع: وهو الحية التي قد قرُع رأسُها لطول عمرها وحِدَّة سمها، فهي أشد حثيًا وأنفسه سمًا. ومُثل: يتعدى إلى مفعولين، تقول: مثلت السمع فرسًا، فلما بني الفعل في الحديث ولم يُسَمَّ فاعله تعدى إلى مفعول واحد، فقال: مثل له -يعني ماله- شجاعًا.

стр. 1071

و (حتى) في قوله: "حتى يطوقه" متعلقة بقوله: "يتبعه" أي يتبعه إلى أن يطوقه. وقوله: "يطوقه" يجوز أن تكون الواو مكسورة والتقدير: حتى يطوقه الشجاع الأقرع، أي يصير له طوقًا، فالهاء عائدة إلى المطوَّق لا إلى المتطوق. ويجوز أن تكون الواو مفتوحة، يعني يطوقه الله في عنقه أي يجعل له طوقًا والهاء فيها كالأولى وهي المفعول الثاني لطوق، والمفعول الأول مضمر فيه وهو كناية عن الشجاع. والذي جاء في التفسير في قوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا﴾ أي سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق المعنق. وقيل: يجعلها ما بخلوا به من الزكاة حية تطوق في عنقه. وقيل: يجعل طوقًا من نار. وإنما قال: في عنقه" بعد قوله: "يطوقه" والطوق لا يكون إلا في العنق، على طريق التأكيد والبيان وإزالة الوهم لمظون في لفظة يطوق، حيث يدل الطوق على القدرة وإلإطاقة، وعلى هذا اللفظ جاء قول الله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ (١) وقوله: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (٢) وأمثال ذلك مجازات العربية وتفننها في كلامها. قال الشافعي ﵁: قال الله ﵎: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا ِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٣) وذكر آيات كثيرة من القرآن تتضمن وجوب الزكاة، وفي بعضها: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٤) ثم قال: فأبان فرض الزكاة لأنه إنما عاقب على منع ما أوجب.

стр. 1072

وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح السَّمان، عن أبي هريرة أنه كان يقول: "من كان له مال لم يؤد زكاته، مُثِّل له يوم القيامة شجاع أقرع له زبيبتان، يطلبه حتى يمكنه يقول: أنا كنزك". هذا الحديث هكذا جاء في المسند موقوفًا على أبي هريرة، وكذلك أخرجه مالك في الموطأ (١)، وهو حديث صحيح مرفوع أخرجه البخاري والنسائي. أما البخاري (٢): فأخرجه عن علي بن عبد الله، عن [هاشم] (٣) بن القاسم، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه بالإسناد قال: قال رسول الله ﷺ : "من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته، مُثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بِلهْزِمته -يعني شِدْقيه- ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ (٤) الآية". وأما النسائي (٥): فأخرجه عن الفضل بن سهل، عن حسن بن موسى الأشيب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار بالإسناد، ولفظ البخاري، ولم يقل يعني شدقيه. أدى يؤدي فهو مؤدٍ، والمال مؤدًى، والاسم الأداء إذا أعطى ما عليه وقضاه، وله في الشرع اختصاص: وهو ما يُعطى عند محله وفي وقته فإن خرج وقته سُمي قضاًء لا أدًاء، وهذا تخصيص شرعي وإلا فإذا هو القضاء في اللغة. والزبيبتان: هما الزبدتان، الشدقين، يقال: كلم فلان حتى تزببت شدقاه، أي حتى خرج الزبد عليهما، ومنه الحية ذات الزبيبتين. وقيل: هما الوكنتان السوداوان فوق عيني الحية.

стр. 1073

والكنز في اللغة: المال المدفون، فقال: كنز ماله يكنزه إذا دفنه، وهو من قولهم: أكنز الشيء إذا اجتمع وامتلأ فأما في الوضع الشرعي: فقد أطلقه على كل مال لم يؤد زكاته، وفيه مجاز مستعار لسبب جامع بين المستعار والمستعار منه. قال الشافعي ﵁: الكنز هو الذي لا يؤدَّى زكاتُه مدفونا كان أو غير مدفون. وقد اعترضه بعض العلماء فقال: هذا خلاف اللغة. وليس لهذا الاعتراض مجال، لأن الكنز -وإن كان في اللغة كما ذكر- إلا أن الشارع -صلوات الله عليه وسلامه- نقله إلى مال مخصوص وهو الذي لا يؤدى زكاته، ويدل عليه لفظ البخاري والنسائي في هذا الحديث، وأنه سمى المال الذي لا يؤدي زكاته كنزًا وَبَالٌ عليه، ويشهد له قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١) ما أوعدهم العذاب على دفن المال، وإنما أوعدهم على ترك إنفاقه في سبيل الله، سواء أكان مدفونا أو ظاهرا، كيف ودفن المال مباح جائز لا لوم على فاعله، وقد سمى الله المال الذي لا يُنفق في سبيل الله كنزًا، وإنما عنى بالنفقة في سبيل الله ما أوجب عليه في ماله وهو الزكاة، ويشهد لهذا التأويل حديث أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله، إني ألبس أوضاحًا من ذهب أفكنز هي؟ قال: "ما بلغ أن تؤدَى زكاته فزُكِّى فليس بكنز" (٢). ووجه المناسبة بن المستعار والمستعار منه: أن المال كما أنه قد وفره وسماه من النقص والتلف، ومنع الأيدي أن تسأله أو ينفقه في مهامه، كمانع الزكاة قد فعل مثله وشابهه بتوفر الزكاة على أصل المال، وامتنع من إنفاقها وإخراجها إلى أربابها ومستحقيها.

стр. 1074

واللِّهزِمتان -بكسر اللام والزاي: عظمان ناتئان في اللحيين تحت الأذنين، ويقال: هما مضغتان عَلِيَّتان تحتهما وقد فسرهما في الحديث بالشدقين وهو قريب منهما، وفي رواية البخاري "بلهزَميْه" فذكرهما والمعروف في اللغة التأنيث، وفي رواية الشافعي ﵁: "مثل له شجاع أقرع" بالرفع لأنه الذي أقيم مقام الفاعل الأول "لمثل"، أو أنه أخلى "مثل" من الضمير وجعل له مفعولاً واحدا ولا يكون. وشجاع: كناية عن المال الذي لم يؤد زكاته وإنما هو الحية كأنه يخلق له حية تفعل به ذلك، ويُعَضِّدُ ذلك أنه لم يذكر في روايته "ماله" ونصبه في رواية البخاري والنسائي لأنه المفعول الثاني، والذي أقيم مقام الفاعل و"ماله" لأنه قد ذُكر في لفظ الحديث. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن نافع أن ابن عمر كان يقول: "كل مال تؤدَى زكاتُه فليس بكَنز وإن كان مدفونا، وكل مال لا تؤدى زكاته [فهو] (١) كنز، وإن لم يكن مدفونًا". وأخبرنا الشافعي: عن مالك، عن عبد الله بن دينار قال: سمعت عبد الله ابن عمر وهو يسأل عن الكنز فقال: "هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة". وهذا الحديث يعضِّد ما فسره الشافعي ﵁ في الكنز، وهو حديث صحيح موقوف على ابن عمر، وهو ظاهر الدلالة واضح الاحتجاج، مصرح بأن الدفن وعدمه لا أثر له في الكنز الشرعي، إنما هو مقصود على إخراج الزكاة وتركها. قال الشافعي في كتاب "القديم": ومن أدى فرض الله فليس عليه أكثر منه إلا أن يتطوع.

стр. 1075

الباب الثاني في زكاة النَّعَمِ أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا القاسم بن عبد الله، عن المثنى بن أنس -أو ابن فلان بن أنس، الشافعي يشك- عن أنس قال: هذه الصدقة -ثم تركت الغنم وغيرها وكرهها الناس: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين التي أمر الله تعالى بها، فمَن سُئلها على وجهها من المؤمنين فليعطها، ومن سُئل فوقها فلا يعطه: في أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم في كل خمس شاة فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت (١) مخاض أنثى، فإن لم يكن فيها ابنة مخاض (أنثى) (٢) فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها ابنة لبون أنثى، فإذا بلغت ستًا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستًا وسبعين إلى تسعين ففيها ابنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة (٣)، وأن بين أسنان الإبل في فريضة الصدقة، فمن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عند جذعة؛ وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة؛ فيجعل معها شاتين إن استيسر له (٤) أو عشرين درهما، فإذا بلغت وحقة عليه وليست عنده حقة (٥)

стр. 1076

وعنده جذعة فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق عشرين درهمًا وشاتين. وأخبرنا الشافعي ﵁ قال: أخبرني عدد ثقاة كلهم، عن حماد بن سلمة، عن ثُمامة بن عبد الله بن أنس، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ بمثل معنى هذا لا يخالفه إلا أني أحفظ فيه "ألا يعطي شاتين أو عشرين درهما" لا أحفظ إن استيسر عليه، قال: وأحسب من حديث حماد عن أنس أنه قال: ادفع إلى أبي بكر كتاب الصدقة عن رسول الله ﷺ ، وذكر هذا المعنى كما وصفت. هذا طرف من حديث صحيح أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي. فأما البخاري (١): فأخرجه مفرقًا في صحيحه في عدة مواضع من كتاب "الزكاة"، وفي كتاب "اللباس" وغيرهما بإسنادٍ واحد. وقد جمعها أبو [عبد] (٢) الله الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين (٣) في كتابه حديثا واحدا متتابعًا حيث هي بإسناد واحد، وأورده في مسند أبي بكر ﵁ وهذا لفظه؛ وإنما ذكرنا رواية الحميدي لأنها قد جمعت روايات البخاري. قال البخاري: حدثني محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أبيه، عن ثمامة ابن عبد الله بن أنس، عن أنس أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب [لما] (٤) وجهه إلى البحرين، بسم الله الرحمن الرحيم. هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين والتي أمر الله بها ورسوله، فمن

стр. 1077

سُئِلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سُئِل فوقها فلا يعطه، وذكر الحديث إلى قوله: وفي كل خمسين حقة، ثم قال: ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليست فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمسًا من الإبل ففيها شاة، ثم ذكر صدقة الغنم مفصلة ولم نحْتَجْ إلى ذكرها، لأن الشافعي لم يوردها في حديثه هذا، وكذلك ذكر أشياء أُخَر لم ترد في رواية الشافعي ولم نذكرها. ثم قال: ومن بلغت عنده صدقة الجذعة وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدِّق عشرين درهمًا أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا ابنة لبون، فإنها تقبل منه بنت لبون، ويعطى شاتين أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون وليست عنده وعنده بنت مخاض فإنها تقبل منه بنت مخاض، ويعطى معها شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة بنت مخاض وليست عنده، وعنده بنت لبون فإنها تُقبل منه ويُعطَى المصدَّق عشرين درهما أو شاتين، فإن لم تكن عنده بنت مخاض على وجهها، وعنده ابن لبون فإنه يُقبل منه وليس معه شيء. وزاد البخاري فيه زيادة أخرى لا تتعلق بالزكاة وأما أبو داود (١): فأخرجه عن موسى بن إسماعيل، عن حماد قال: أخذت من ثمامة بن عبد الله بن أنس كتابا زعم أن أبا بكر كتبه لأنس وعليه خاتم رسول الله ﷺ حين بعثه مصدقا وكتبه فإذا فيه: هذه فريضة الصدقة، وذكر ما ذكره الشافعي إلى قوله: ويعطه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين، وزاد نحو زيادة البخاري مما بعد ذلك، ثم ذكر صدقة الغنم وغيرها.

стр. 1078

وأما النسائي (١): فأخرجه عن عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم، عن سريج بن النعمان، عن حماد بالإسناد، وذكر نحو رواية أبي داود، وأول روايته أن أبا بكر كتب له أن هذه فرائض الصدقة وذكر الحديث. وقد روى عبد الله بن عمر العمري هذا الحديث عن المثنى بن أنس، وهو المثنى بن عبد الله بن أنس نُسب إلى جده. والشافعي -رحمه الله تعالى- أكد هذه الرواية برواية حماد بن سلمة، عن ثمامة [بن] (٢) عبد الله بن أنس، عن أنس. وجعل اعتماده عليها وعلى ما بعدها. ورواه إسحاق بن راهَويْه، عن النضر بن شميل، عن حماد، عن ثمامة، عن أنس. الفريضة: فعيلة من الفرض وهو في الأصل الحز في الشيء والتأثير فيه، وقد نقله الشارع -صلوات الله عليه- إلى ما ألزم به الخلق من الأحكام والحدود، تقول: فرض الله علينا يفرض فرضًا، وافترض يفترض أي: أوجب، والاسم: الفريضة. وقد سمى في الفقه الفريضة ما أوجب في السائمة من الصدقة يقال: افتُرِضت الماشية أي: وجب فيها الفريضة، وذلك إذا بلغت نصابًا، والفريضتان: الجذعة من الغنم والحقة من الإبل، وقد يقال: فرض رسول الله ﷺ -أي: سَنَّ. قال الأزهري: الفرض صدر كل شيء تفرضه فتوجبه على إنسان بقدر معلوم، والاسم الفريضة. وقال أيضاً: يقال ابنة مخاض: وهي التي تؤخذ من خمس وعشرين من الإبل فريضة، وابنة اللبون: وهي التي تؤخذ من ستة وثلاثين من الإبل فريضة،

стр. 1079

وللحقة: وهي التي تؤخذ من ستة وأربعين فريضة، وللجذعة: وهي التي تؤخذ من إحدى وستين فريضة، وإنما أدخلت الهاء فيها لأنها جعلت اسمًا لا وصفًا. وقوله: "التي فرضها رسول الله ﷺ " له وجوه من التأويل: الأول: أن يكون الفرض من الإيجاب. والثاني: أن يكون من الاستنان كما سبق. والثالث: أن يكون من البيان والإيضاح. فالأول تقديره: أن الله أوجبها وأمر بها في كتابه، ثم أُمر بها رسول الله ﷺ أن يبلغها أمته، فأضاف الفرض إليه حيث هو مُبَلِّغُه ومُعَرِّفُه الناس، نسمي أمره ومبلغه: فرضها. وأما الثاني: فإنه يكون أراد أن النبي ﷺ سَنّها للناس وأمرهم بها عن الله تعالى، وليست مما نزل بها قرآن، وإنما جرى حكمها مجرى ما سنّه من الأحكام التي لم ينطق بها القرآن، فإن كل ما شرعه الرسول مما لم يرد به نص في كتاب الله تعالى له: سنة، ولهذا يقال: إن الأدلة الشرعية نص أو إجماع أو قياس، ثم يقال: النص ينقسم إلى: الكتاب والسنة، والسنة وان كانت ما أمر به الرسول -صلوات الله عليه- فلا خلاف أنها واردة بأمر الله تعالى. وأما الثالث: فهو البيان والتقدير، كقوله : ﴿قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (١) أي: بَيّن وقدَّر، ومن هذا قولُهم: فرض أرزاق الجند، وفرض نفقة الأزواج والأقارب، أي: قدّر وبين، فيكون المعنى: أن الحكم فيها لله تعالى وهو صادر عن أمره، وأن البيان والتقدير هو مما فرضه النبي ﷺ أي: سنه وقدره، فإن نص الكتاب في الزكاة هو قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٣)

стр. 1080

وغير ذلك من الآيات، فأوجب الزكاة مجملًا, ولم يُعرف تفصيلها وتقديرها إلا من السنة ولفظ النبي ﷺ ، ويُعَضد التأويلين الأخيرين قولُه: "التي أُمر بها" بمعنى أن الله فرضها وأوجبها وأَمر بها، والنبي ﷺ سنها وبينها. وفي رواية الشافعي: "التي أمر بها" بغير واو، وعند الباقين "والتي أمر بها" قالوا: وهو معطوف على قوله: "التي فرضها رسول الله ﷺ " يعني أن فريضة الصدقة هي الجامعة بين الأمرين: تقدير رسول الله ﷺ واستنانه، وأمْر الله وإيجابُه. وبحذف الواو تكون الجملة الثانية مبدلة من الجملة الأولى، كأنه قال ابتداًء: هذه فريضة الصدقة التي أمر الله بها، وذلك أنها لما قال أولاً: "هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ " أوجب وَهْمًا، وهو: ظن من يظن أنها مما فرض النبي ﷺ من نفسه، وأن التقدير ربما توقفت في قولنا، فقال قلنا "التي أمر الله بها" فإن أضافتها إلى الله أَثْبتُ في النفوس من إضافتها إلى الرسول، وفي كل واحدة من الروايتين معنًى حسنًا ليس في الأخرى. وقوله: "فمن سُئلها على وجهها" يريد بوجهها: ما بين رسول الله ﷺ من فرض مقاديرها وتعين كمياتها، والمقدار الواجب في كل جملة منها، وما لا يجب فيه حقيقة. وقوله: "على وجهها" أي على الحال التي قررت عليها، والجهة التي أضيفت إليها، فإن الوجه والجهة متقاربان. وقوله: "ومن سُئل فوقها فلا يعطه" يريد الزيادة على المقدار المعين، إذا طلب الساعي زيادة على الزكاة من رب المال فلا يعطه ذلك. وقيل: أراد الساعي إذا طلب الزيادة، فلا يعطى الزيادة ولا الزكاة أيضاً، لأنه بطلبه الزيادة متعدٍ، وإذا تعدى الساعي كان خائنًا فلا يجوز أن يدفع إليه شىء من الزكاة.

стр. 1081

وقولى: "في أربع وعشرين فما دونها الغنم" كلام مستأنف يقتضي تفصيلاً, لأنه في الأول أجمل القول وعمم الحكم، ثم ابتدأ مفسرًا لما أجمله، ومخصصًا لما عممه، فقال: "في أربع وعشرين" وموضعه رفع لأنه خبر مقدم على مبتدئه وهو الغنم، وإنما قدم الخبر لأن الغرض من الحديث أمران: أحدهما: بيان الأقدار التي تجب فيها الزكاة. والثاني: بيان أقدار الزكاة الواجبة في الأموال، والزكاة إنما تجب وتتعين بعد وجوب الأموال الواجبة فيها، ثم يترتب وجود الزكاة على وجودها، فقدم في الذكر ما هو السابق في الوجود وأخر ما هو اللاحق. وكذلك استعمل هذا المعنى في جميع فرائض الزكاة، فقال: "ففيها بنت مخاض، وفيها بنت لبون، وفيها حقة، وفيها جذعة". وإنما أنَّث العدد لأنه أراد الإناث، أو لأن العدد إذا كان جملة جاز تأنيث عدده وتذكيره، تقول: عندي ثلاثة رجال، وثلاث رجال، إذا نظرتَ إلى الأفراد ذكرتَ، وإذا نظرت إلى الجمع أنَّثت. وقد ذكر في هذا الحديث من أسنان الإبل أربعة: وهي بنت مخاض، وبنت لبون، والحقة، والجذعة لأن الجذعة آخر الأسنان التي تجب فيه الزكاة ولم يذكر ما قبل ابنة مخاض ولا ما بعد الجذعة. وقد ذكر الشافعي ﵀ من رواية حرملة بن يحيى قال: إذا وضعت الناقة قيل لولدها: ربع، والأنثى: ربعة، وهو في ذلك كله خوار فلا يزال خوارًا حولاً، ثم يُفصل، فإذا فُصِل عن أمه فهو: فَصِيل -والفِصال هو الفطام-، فإذا استكمل الحول ودخل في الثاني فهو ابن مخاض والأنثى ابنة مخاض، وإنما سمي ابن مخاض لأنه فُصل عن أمه ولحقت أمه بالمخاض وهي الحوامل، فهو ابن مخاض وإن لم تكن حاملًا, ولا يزال ابن مخاض السنة كلها، فإذا استكملها ودخل في الثالثة فه وابن لبون والأنثى ابنة لبون، وإنما

стр. 1082

سمي ابن لبون لأن أمه وضعت غيره فصار [لها] (١) لبن، فهو ابن لبون وهي ابنة لبون ولا يزال كذلك السنة كلها، فإذا مضت السنة الثالثةُ ودخلت في الرابعة فهو حقٌّ والأنثى حقة، وإنما سمي حقا لأنه يستحق أن يُحمَل عليه ويُركب، فيقال: حقٌّ والأنثى حقة، ويقال أيضاً: بلغت الحقة أن ينزوها الفحل، ولذلك قيل: "طروقة الفحل"، ولا يزال كذلك حتى يستكمل أربع سنين ويدخل في الخامسة فهو حينئذ جذع والأنثى جذعة، فلا يزال كذلك حتى يمضي الخامسة فإذا دخلت السادسة فهو حينئذ ثنى والأنثى ثنية، وهو الذي يجوز في الضحايا من البُدْن والبقر، وأما الضأن فيجزئ منها الجذع، ولا يزال الثني ثنيًا حتى يجوز السنة السادسة، وإذا دخلت السنة السابعة فهو حينئذ رباع والأنثى رباعة -أو قال: رباعية- فلا يزال كذلك السنة السابعة، فإذا دخلت السنة الثامنة فهو حينئذ سدس وكذلك الأنثى، فلا يزال كذلك حتى تمضي السنة الثامنة، فاذا دخلت السنة التاسعة فهو حينئذ بازل وكذلك الأنثى بازل، ولا يزال كذلك حتى تمضي السنة التاسعة، فإذا مضت السنة التاسعة فهو حينئذ مختلف، ثم ليس له اسم ولكن يقال: بازل عام وبازل عامين، ومُخلف عام ومخلف عامين إلى ما زاد على ذلك، فإذا كبر فهو عود والأنثى عودة، فإذا هرم فهو قحم وأما الأنثى فهي الناب والشارف. هذا آخر كلام الشافعي (٢) ﵁، ولنزده بيانا فنقول: المخاض: اسم النوق والحوامل ولا واحد له من لفظه وإنما واحدتها خلفة. واللبون من الإبل: ذات اللبن غزيرًا كان لبنها أو قليلاً، فإذا أرادوا الغزيرة اللبن قالوا: لبنة وقد لبنت لبنًا، ويقال: بنت لبون، وابن لبون فيضاف إلى

стр. 1083

نكرة ويضاف إلى معرفة، قال الشاعر: وابن اللبون إذا ما لُزَّ في قرن ... لم يستطع صولة البُزْل القناعِيس وطروقة الفحل: فعولة بمعنى مفعولة ولذلك دخلت عليها الهاء فإن فعولا إذا كان بمعنى فاعل فإنه يستوي فيه المذكر والمؤنث، تقول: رجل صبور، وامرأة صبور، ورجل شكور، وامرأة شكور. وقد ذكر الخطابي ﵀ في قوله: "ابن لبون ذكر" ما معنى زيادة قوله: "ذكر": وابن لبون لا يكون إلا ذكرًا!! يعني أنا أحكيه عنه كما ذكره ولم يتعرض إلى قوله أيضاً: "بنت مخاض أنثى، وبنت لبون أنثى، والبنت لا تكون إلا أنثى وأنا أذكر ما عَنَّ لي في ذلك". وأما الخطابي فإنه قال في قوله: "ابن لبون ذكر" وجهين من التأويل: أحدهما: أنه ورد على طريقة أمثاله من الألفاظ المكررة والتثبيت في النفوس وهذا كثيرٌ فاشٍ فيِ العربية ولاسيما في كتاب الله العزيز، كقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ في الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (١): وقد عُلم أن الثلاثة والسبعة: عشرة؛ وإنما ذكر ذلك تكيدًا، وكقول النبي ﷺ : "رجبُ مُضَرٍ الذي بين جُمادى وشعبان" وقد علم أن رجبا لا يكون إلا بين هذين الشهرين. والوجه الثاني: أن يكون ذلك تنبيها لكل واحد من رب المال والساعي، فأما رب المال: فلتطبْ نفسه بالزيادة المأخوذة منه، إذا علم أنه قد شرع من الحق وأسقط عنه ما كان بإزائه من فضل الأنوثة في الفريضة الواجبة عليه. وأما الساعي: فليعلم أن سنن الذكورة مقبول من رب المال في هذا النوع، وهو أمر نادر خارج عن العرف في باب الصدقات لا يتكرر تكرار البيان والزيادة، وفيه مع الغرابة والندور وليتقرر أمره في النفوس انتهى كلام الخطابي.

стр. 1084

أما الوجه الأول: وهو تكرار اللفظ للتأكيد والتثبيت فهو شريعة مطروقة، وعادة مألوفة من ألفاظ العرب ومعانيها, وليس مما يجري على وجه السهو والإهمال، ولا على قضية الشذوذ والاتفاق، بل هو عندهم لأمرمهم، وشأن مطلوب، وما أكثرهم في القرآن العزيز وأبلغه، وليس الغرض منه تأكيدا محضًا، ألا ترى أن الآية التي استدل بها الخطّابي فيها من الغرض ما لم يذكره، وهو أن السامع إذا طرق سمعه كلام فأصغى إليه، فإن كان مختصراً ربما لم ينتبه له، وإن كان مُشكلًا ربما لم يفهمه، أو كان السامع مشغولًا بأمر في فكره أو شيء ينظر إليه، فيقضي المتكلم كلامه ويفرغ منه، ولعل المخاطب يعلم انتهاءه وفراغه، فإذا راجع نفسه لم يدرك ما فاته، فجعل تكرار اللفظ مانعًا من هذه الحال، دافعًا ومنبهًا على هذا العارض، فإن السامع إذا رأى المتكلم مكررًا معيدًا ما نطق به تنبه له فأدرك ما فاته وعرف ما جهله، فقوله عز من قائل: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ في الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (١) لو اقتصر على ذلك ربما أن المخاطب سمع الثلاثة ولم يسمع السبعة أو بالعكس، فكان يفوتة أحد الأمرين، أو أنه سمع الأمرين معاً لكنه حق عليه تفريقهما والإقدام على السبب الموجب لهما، وربما كان السامع مع جماعة فسمع بعضهم دون بعض لذهوله عن الخطاب المختصر، فيقع النزاع بينهم، وذلك جميعه مع قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (١) منتفٍ ولأن الواو قد تقع للإباحة، تقول: جالست زيدًا وعمروًا، إلا أنه لو جالسهما معا مجتمعين ومتفرقين أو أحدهما كان ممتثلاً، وكذلك هذه لولا قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (١) لجاز أن يتوهم أنه مخير في صوم الثلاثة في الحج أو السبعة بعد الرجوع، وهذا النوع من الكلام يسمى "الفذلكة" أي فذلك كذا وكذا، وفائدة الفذلكة في الحساب: أن يُعلم العدد جُملةَ كما [عُلم] (٢) تفصيلًا ليحاط من جهتين فيتأكد العلم، وهذا معنى مطرد

стр. 1085

في جميع ما كان من جنسه وجرى مجراه. وكذلك قوله ﷺ : "رجب مضر الذي بين جُمادى وشعبان" فيه زيادة معنى وباعث على القول غير التأكيد والتقرير، وذلك أن العرب كانت تنسئ الأشهر، فتؤخر الشهر من موضعه إلى شهر آخر، وذلك أنها كانت تقول: رجب شهر حرام، وكانوا لا يحاربون في الأشهر الحرم، وكانت أكثر معايشهم وأرزاقهم من الغارات؛ وكانوا يؤخرون الشهر الحرام إلى شهر بعده ليحاربوا في الشهر الحرام ويغيروا، فكان الشهر الحرام ينتقل عن موضعه ووقته الحقيقي، فقال النبي ﷺ : إن شهر رجب هو الذي بين جمادى وشعبان، لا رجب الذي هو عندكم وقد أنسأتموه وأخرتموه، فلذلك جاء بهذه الزيادة لا لمجرد التأكيد، فإذا تقرر هذا فلنرجع إلى قوله: "بنتُ مخاضٍ أنثى، وبنت لبون أنثى" فنقول: إنه لما قال: "بنت لبون، وبنت مخاض"، لم يسمع السامع لفظ يدل على الأنوثة إلا مجرد قوله: "بنت" وكان بإزاء بنت المخاض ابن لبون، فخشي أن المخاطب ربما يكون قد شذ عنه ما قد فرض عليه، فربما ظن أنه قال: ابن مخاض أو ابن لبون، وربما أنه جُبلت النفوس عليه من حب المال والرغبة في ادخاره وإيثار نفسه وبذل الدّون منه فيسمع نفسه ما يُحصِّل له غرضها لأن الأنثى من الإبل والغنم والبقر والخيل عندهم أعز من الذكر، لما فيها من منافع اللبن والنِتاج، فصرح الشارع -صلوات الله عليه وسلامه- بذكر الأنثى لتقرع أسماعهم، وتثبت في نفوسهم ويعلموا أنها الواجبة عليهم، فإذا سمعوها لم يبق للتأويل وجه ولا للخلاف مجال، وتسمح بها حينئذ نفوسهم ويزول اللبس المظنون، وينتهي هذا الوهم المتوقع وتتقرر الأنوثة في فريضة الصدقة، ولا يبقى لقائل أن يقول خلاف ما قاله الشارع، فإن اختلاف السامعين لا يؤمن وهو جَارٍ في العرف، وكذلك قوله: "ابن لبون ذكر" لما كان في جملة الفرائض بنت لبون، وجاء البدل والتسامح عند عدم الأنوثة بالذِّكْر جاء بالوصف الذي يبين، وإنما

стр. 1086

عدل عن المعدوم إلى هذا النوع، لذلك الوصف الذي عدل من أجله إليه وهي الذكورة، ألا ترى أن بنت المخاض هي التي في السنة الثانية؟ وابن اللبون هو الذي في السنة الثانية؟ وابن اللبون هو الذي في السنة الثانية؟ فأقام الثلاثي مقام الثنائي، لأن وصف الأنوثة أنفع من وصف الذكورة في هذا المقام، ولم يجعل بنت عوض بنت المخاض ابن المخاض وإن كان في سنها لعدم فضيلة الأنوثة، ولأنه قال: "بنت مخاض أنثى" أراد أن يطابق لفظ البدل لفظ المبدل منه على طريقة الموازنة، فقال: "ابن لبون ذكر" وهذا الذي أشرنا إليه يندرج الوجه الثاني الذي أشار إليه من تنبيه رب المال بفضيلة الأنوثة، وتنبيه الساعي بجواز أخذ الذكور. والله أعلم. والتباين: الاختلاف، ومعنى قوله: "وإن تباينت أسنان الإبل في فريضة الصدقة" يريد: إذا وجب على إنسان في ماله صدقة واختلفت أسنان إبله، فلم يكن عنده شيء من جنس ما وجب عليه، فإنه يعدل في الواجب فيه إلى ما عنده منه موجود، ولا يخلو أن يكون الموجود عنده خيرًا مما يجب عليه أو دونه، وحينئذ يجب فيه الجبُران إما من رب المال أو الساعي، وهذا هو معنى قوله: "ومن بلغت عنده صدقة الجذعة وليست عنده جذعة، وعنده حقة فإنها تقبل منه، ويعطى رب المال مكان التفاوت بن الحقة والجذعة شاتين؛ إن استيسرتا له أي: سهلتا لحوله كفتاه ووجدتا له، أو عشرين درهما، كأنه قَوّم النقص بين السنين بشاتين، وقوَّم الشاتين بعشرين درهما, وليست الدراهم بدلاً عن الشاتين ولكنهما مثلهما لأنه خيره بينهما، وذلك لأن الجذعة فريضة إحدى وستين إلى خمسة وسبعين، والحقة فريضة خمسة وأربعين إلى ستين، وبين أول الفريضتين خمسة عشر ذلك بينهما في أخذهما خمسة عشر، فكأن الشاتين أو العشرين درهمًا، وإن كانت قيمة التفاوت بين الجذعة والحقة هي فريضة الخمسة عشر، وليس لها قياس مطرد في القيمة، فإن فريضة الخمس من الإبل شاة، ولو كان القياس فيها مطرد لكانت فريضتها ثلاث شياه عند التفاوت، وإنما هي فريضتها

стр. 1087

عند الانفراد وإنما هذا أمرٌ مرجعه إلى الشارع -صلوات الله عليه وسلامه- وهو المطّلع على الحكمة فيه، ألا تراه جعل في خمس وعشرين بنت مخاض، وفي ستٍ وثلاثين بنت لبون، فكان التفاوت بين المالين عشرة وبن الفريضتين سنة، وكذلك فعل في بنت اللبون والحقة، كان التفاوت بين المالين خمسة عشر وبين الفريضتين سنة، وهذا اختلاف لا مناسبة -في الظاهر- فيه، وإنما المناسبة فيه والحكمة موكولة إلى معرفة الشارع -صلوات الله عليه وسلامه-، وكذا نراه في باقي فرائض الصدقة في البقر والغنم أيضاً غير مطردة في المناسبة الظاهرة، ولله تعالى سر في أحكامه وفرائضه وسننه وتقييداته؛ لا يحيط العالمون بشيء من علمه إلا بما شاء. والمصَدّق -بتخفيف الصاد وتشديد الدال-: هو الساعي على الصدقة والعامل عليها الذي يقضيها من أربابها، تقول: صدقه يصدقه إذا أخذ صدقته الواجبة عليه في ماله. والذي جاء في رواية الشافعي؛ في سائر أسنان إبل الصدقة في أمرين: الجذعة والحقة؛ واكتفى بذكرهما عن ذكر غيرهما من باقي أنواع التباين، وقد ذكر ذلك البخاري، وأبو داود، والنسائي في روايتهم، والأمر فيما ذكروه مثل ما ذكر الشافعي ولا فرق. وهذا نوع من أنواع أصول الحديث، فإن الأئمة قد اختلفوا في رواية بعض الحديث دون البعض، وقد استقصينا ذلك في مقدمة كتابنا "جامع الأصول"، ومقدمة هذا الكتاب، ولنُشِرْ منه هاهنا إلى طرف، فنقول: هذا مبناه على رواية الحديث بالمعنى وهو مختلف فيه أيضاً، والأكثرون على جوازه فَمَنْ جوزه أجاز رواية بعض الحديث، إذا كان قد رواه مرة تامًّا في حال ما، وكان البعض المتروك غير مخل في المذكور بما يحتاج إليه، فأما إن كان محتاجا، أو لم يكن قد رُوي تامًا مرة فلا يجوز ذلك، وأما من منع من رواية الحديث بالمعنى فمنع أكثر القائلين به خوفًا من غفلةٍ عن أمر ما عساه يتعلق بالمتروك، العمل على

стр. 1088

الأقل عند أكثر أهل العلم من الصحابة، والتابعين، والأئمة والمجتهدين، وأرباب الفعل والمحدثين، ومن وقف على صحيح البخاري الذي إليه المنتهى في صحاح الأحاديث النبوية؛ رأى فيه العجب من تفريق الأحاديث وفعل كل حكم منها بذلك الإسناد في باب من أبواب كتابه، وعلى ذلك درج السلف الصالحون واقتفى آثارهم العلماء -رحمة الله عليهم-. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: العمل بهذا الحديث لا مخالف له في أصل الفرائض، الصدقة وأسنانها ومقاديرها، فإنه نص قاطع لا خلاف فيه، وإنما الخلاف وقع في معانٍ وأحكام استنبطوها من هذا النص، وتفريعات التزموها لهذا الأصل، فذلك شيء مفرغ منه في كتب الفقه لا تتسع أمثال هذه الشروح لذكره، ولكن نذكر منها ما لا بد من ذكره مما لا يتوقف فهم لفظ الحديث عليه، وذلك أحكام: الأول: يتعلق بالأوقاص: وهي التي بين كل وَقْصين مثل العشرة التي بين الخمسة والأربعن والستين، وهو ساكن القاف وجمعه: أوقاص، وقد ذكره الجوهري بالفتح. وقال بعضهم: إن الوقص في البقر دون الإبل، والشنق (*) في الإبل خاصة وهو مثل الوقص. وقد اختلف الأئمة في أن الزكاة الواجبة في النصاب، هل هي متعلقة بالنصاب والوقص الفاصل بين النصابين؟ أو بالنصاب وحده دون الوقص؟. فذهب الشافعي في كتبه القديمة والجديدة: إلى أن الزكاة متعلقة بالنصاب دون الوقص، وأن الوقص لا زكاة فيه، وبه قال أبو حنيفة والمزني. وقال في الإملاء: إن الزكاة متعلقة بهما، وبه قال محمد بن الحسن. الثاني: إذا زدات الإبل على مائة وعشرين: فذهب الشافعي إلى أنه لا يستأنف الفريضة فيه. وبه قال أهل العلم وعليه

стр. 1089

العمل. وبيان ذلك: أن الإبل إذا بلغت مائة وعشرين، وقد نص الشارع على أن الواجب فيها (١)، فإذا زادت واحدة فقد استقر الحساب في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة. وبه قال الأوزاعي، وأبو ثور، ورواه الخرقي عن أحمد. قال مالك في إحدى الروايتين: لا يتغير الفرض إلى مائة وثلاثين وفيها حقة وبنتا لبون. رُوي ذلك عن أحمد وإليه ذهب أبو عبيد. والرواية الثانية عن مالك: أنه إذا زادت واحدة يغير الفرض إلى تخيير الساعي بين الحقتين وبن ثلاث بنات لبون. وقال النخعي، والثوري، وأبو حنيفة: إذا زادت الإبل على مائة وعشرين استوثقت الفريضة في كل خمس شاة، إلى أن ييلغ مائة وخمسة وأربعين، ففيها حقتان وبنت مخاض، وكذا فيما بعد كل زيادة لم يبلغ النصاب يستأنف لها الفريضة في كل خمس شاة إلى أن يبلغ مقدار ما تجب الزكاة في مثله. الحكم الثالث: الجبران المفروض عند عدم الأسنان الواجبة: قال الشافعي ﵁: بما دل الحديث عليه أنه إذا وجب عليه سن وليس في إبله ذلك السنن، أعطى الموجود عنده وجبر النقص إن كانت السنن ناقصة عن الواجب عليه، أو أخذ الزيادة من الساعي إن كانت زائدة عن الواجب وقد نص على الجبران بشاتين أو عشرين [درهمًا] (٢) والخيار في الشاتين والدراهم إلى المعطي، ولا خيار للساعي إلا ما هو خير لأهل السهمين، والأولى لرب المال أن يُعطي ما هو الأنفع لأرباب الصدقة، وكل من الشاتين والدارهم أصل في نفسه وليس هو عوضًا عن الآخر. وبه قال النخعي وإسحاق.

стр. 1090

وقال الثوري: يعطي عشرة دراهم أو شاتين. وهو قول أبي عبيدة. وقال مالك: على رب المال أن يبتاع السن التي وجبت عليه. وقال أبو حنيفة: يأخذ الساعي قيمتها. وكل هذه الأقوال محكمات وعادلة عن صريح النص. الحكم الرابع: إخراج القيمة في الزكاة: وفي الحديث دليل على أنها لا تجوز. وهو قول أكثر أهل العلم، لأنه قال: إذا لم [يجد] (١) السن الواجبة يأخذ السن الموجودة، ويعطي قيمة التفاوت بينهما، ولو كانت القيمة جائزة لم يعدل عنها إلى أخذ سن أخرى وإعطاء تفاوتها. وقال أبو حنيفة: يجوز دفع القيمة في الزكاة وإن كانت السنن موجودة. وأخبرنا الشافعي ﵁ قال: أخبرنا مسلم، عن ابن جريج قال: قال لي ابن طاوس: عند أبي كتاب من العقول نزل به الوحي، وما فرض رسول الله ﷺ من العقول أو الصدقة فإنما نزل به الوحي. إنما أراد الشافعي بهذا الحديث تأكيد حديث أنس المتقدم، وبيان ما قلناه. وفي تفسير قوله: هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ يريد أن (فَرَضه رسول الله) فإنما هو من قبل الوحي وأمْر الله لا من ذات نفسه ويصدق ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٢). والعقل: جمع عقل وهو الدية، وهو في الأصل: مصدر عقلت البعير أعقله عقلاً إذا شددته بعقال، وذلك أن أولياء القاتل كانوا يقودون الإبل التي يعطونها في الدية إلى فناء المقتول، فكانوا يعقلونها أي: يسلمونها إلى مستحقيها، فسميت الدية عقلاً، ثم كثر الاستعمال فنقل العقل إلى كل دية، سواء أكانت إبلًا أم بقرًا أم غنمًا أم ذهبًا أم فضة، فسموها وغلب الاسم عليها لكثرة الاستعمال. والوحي في العربية: الإشارة والرمز، والوحي: الكتاب، والكتابة،
следующие страницы →