← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وتتدرج هذه الأشياء في مضمون قوله : ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (١) الآية. وقد تقدم مثل ذلك في ذكر الكسوف. والله الموفق للصواب. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا من لا أتهم، قال: أخبرني خالد ابن رباح، عن المطلب بن حنطب: "أن النبي ﷺ كان إذا برقت السماء أو رعدت عرف ذلك في وجهه فإذا أمطرت سري عنه". قال أبو العباس الأصم: سمعت الربيع يقول: كان الشافعي إذا قال: أخبرني من لا أتهم، يريد به إبراهيم بن أبي يحيى، وإذا قال: أخبرني الثقة، يريد به يحيى بن حسان. برقت السماء تبرق، وأبرقت تبرق، ورعدت وأرعدت، والأول أكثر والثاني حكاه ابن عمر وأبو عبيدة، والمراد بالسماء هاهنا: السحاب والغيم, لأن البرق والرعد إنما يكونان منه وفيه، وإن كان قد يعرض سنا البرق في الصحو في أطراف السماء قليلاً ولا أصل له، وإنما أراد في الحديث: البرق الذي يجيء في السحاب وهو نذير الرعد والمطر. وقوله: "عرف ذلك في وجهه" يريد ظهور أثر الخوف عليه، يدل على ذلك ما جاء في حديث عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن فيه المطر، وأراك إذا رأيت غيمًا عُرِف ذلك في وجهك الكراهية؟ قال: "يا عائشة، وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا" (٢). وقوله: "سري عنه" أي كشف عنه الغم والخوف وأزيل وكذلك أسري عنه وأصله من سروت الثوب عني سروًا إذا ألقيته، وسريت لغة فيه وسروت عني

стр. 982

درعى بالواو لا غير، ويجوز أن تكون من السري وهو سير الليل، أي أنه أبعد عنه بأن جعل يسري ويفارقه. وأخبرنا الشافعي ﵁ قال: أخبرنا من لا أتهم قال: قال المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أبصرنا شيئًا من السماء -يعني السحاب- ترك عمله واستقبله، قال: "اللهم إني أعوذ بك من شر ما فيه" فإن كشفه الله حمد الله، وإن مطرةت قال: "اللهم سقيًا نافعًا". هذا الحديث أخرجه أبو داود (١): عن ابن بشار، عن عبد الرحمن، عن سفيان، عن المقدام. وقد أخرج البخاري ومسلم (٢): حديثا في الريح والسحاب قريبًا من معناه. وأخرج البخاري (٣) منه طرفًا: عن ابن مقاتل، عن عبد الله [عن] (٤) عبيد الله، عن نافع، عن القاسم، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى المطر قال: "صيبًا نافعًا". وأخرج النسائي (٥) هذا الطرف: عن [محمد] (٦) بن منصور، عن سفيان عن مسعر، عن المقدام.

стр. 983

"الناشئ والنشئ": أول ما يبدأ من السحاب، ونشأت السحابة ارتفعت وأنشأها الله. وقوله: "ترك عمله" من بداية ترك ما كان يلابسه من أعمال، وقد جاء في بعض طرق أبي داود: "وإن كان في صلاة" وإنما كان يترك ذلك: خوفًا من السحاب لئلا يكون فيه عذاب، وإنما كان ﷺ على هذا القدر من الخوف لما كان عنده من اليقين بأيام الله وأخذه القرون الخالية، ويعضد ذلك قوله ﷺ : "أنا أشدكم لله خوفًا" (١) وقوله "أشدكم لله خوفًا أعرفكم به". ومعنى: "استقباله إياه" النظر إليه والاستعاذة منه ومن شره بالله، وعرف همته إلى الله ليكشفه ولذلك قال: "فإن كشفه الله حمد الله، وإن مطرت قال: سقيا نافعا". "والسقي" -بالفتح-: المصدر وقد ذكر، وأردفه بقوله: "نافعًا" لأن المطر ما يضر بكثرته في غير وقته. وأخرج الشافعي ﵁[أخبرنا] (٢) من لا يتهم قال: حدثني أبو حازم، عن ابن المسيب "أن النبي ﷺ كان إذا سمع حس الرعد عرف ذلك في وجهه، فإذا مطرت سري عنه، فسئل عن ذلك فقال: "إني لا أدري بما أرسلت بعذاب أم برحمة". وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا من لا أتهم، حدثني العلاء بن راشد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما هبت ريح قط إلا جثا النبي ﷺ على ركبتيه وقال: " [اللهم] (٣) اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابًا، اللهم اجعلها

стр. 984

[رياحًا] (١) ولا تجعلها ريحًا". قال ابن عباس: في كتاب الله ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ (٢) و ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ (٤) و ﴿أَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ وفي بعض النسخ (٥) ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ (٦). هذا حديث حسن مشهور، وقد أخرجه جماعة من الأئمة في كتبهم (٧). "جثا يجثوا": إذا قعد على ركبتيه، وعطف ساقيه إلى تحته، وهو قعود المستوفز والخائف الذي إن اجتاح إلى النهوض نهض سريعًا، وهو أيضاً قعود الصغير بين يدي الكبير وفيه نوع أدب، كأنه لما هبت الريح وأراد أن يخاطب ربه بالدعاء، قعد قعود المتواضع لربه الخائف من عذابه، المتأدب بي يديه ثم دعا. وأما قوله: "اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا" فقد فسر ذلك ابن عباس في سياق الحديث بورود الريح مفردة للعذاب، وورودها مجموعة للرحمة بما ذكر من الآيات، ومما يوضح ذلك أن الرياح المعروفة المشتهرة أربع: الجنوب، والشمال، والصبا، والدبور.

стр. 985

والوارد في أشعار العرب وأقوالهم أن الجنوب تجمع السحاب، والشمال تعصره فتأتي بالمطر، والصبا يسلي المكروب، فهذه الثلاث كلها تأتي بخير وهي المنشآت، والريح العقيم هي الدبور لأنها لا تلقح الشجر وتهدم البنيان وتقلع الأشجار، وهي مذمومة في القرآن العزيز، وفي الحديث "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور" (١) وغيرها من الرياح محمود فكل موضع ذكرت الريح مفردة فالمراد به الدبور. ومما يزيده بيانًا: أن الريح من الهواء، والهواء أحد العناصر الأربعة، التي بها قوام الحيوانات والنبات بتقدير الله وإجراء العادة بطبائعها، حتى لو قدر عدم الهواء لم يعش حيوان ولم ينبت نبات، ولا شبهة أن الريح عبارة عن اضطراب الهواء وتموجه في الجو، وأنه بحركته ومصادمته للأجسام ينميها أو يتخللها فيوصل إلى دواخلها من لطائفه ما يقوم بحاجتها إليه، فإذا كانت الريح واحدة جاءت من جهة واحدة، فصدمت الجسم الحيواني والنباتي من جانب واحد وبقي الجانب الآخر غير مصادم لنا وفي ذلك ضرر من وجهين: أحدهما: أن مصادمة الريح إذا دامت على جانب واحد أثرث فيه أثرًا أكثر من حاجته إليه، وكان ذلك داعيًا إلى آفة تنزل به وميل إلى الجانب الآخر المقابل لهب الريح. وذلك مخالف للاعتدال. والوجه الثاني: أن الجانب المقابل لعكس مهب الريح يفوته حظه من الهواء إذا لم يصادمه هواء كالجانب الآخر، فيكون داعيًا إلى فساد بعضه (٢) عن نطره من الجانب المقابل لمهب الريح، وذلك بخلاف ما إذا كانت من جوانب الجسم الملاقى لها، فإن كل جانب يأخذ من الريح المصادمة له حظه ويمنع نزول آفة به

стр. 986

ويدفع الليل عنه، فيحدث الاعتدال في مهبها إذا كانت رياحًا. "والريح الصرصر": الشديدة البرد، ويقول: إن أصلها صرر من الصر: البرد، فأبدلوا مكان الراء الوسطى صادًا، كقولهم: كبكبوا فيها أصله كببوا. "وتجفجف" الثوب: أصله تجفف. "والريح العقيم": هي التي لا تلقح الشجر ولا تنمي النبات ولا تؤلف السحاب كأنها لا تولد، من قولهم: امرأة عقيم ورجل عقيم، إذا كانا لا يلدان. "والربح اللاقح": التي تؤلف السحاب وتحمل المطر إليه، ولأنها تلقح الشجر بمرورها عليه. "ورياح لواقح"، ولا يقال: ملاقح وإن كان القياس, لأن الأصل فيه ملحقة من ألقح [الفحل] (١) الناقة إذا علاها وأحبلها، وإنما قيل للريح لاقح، لأنها لا تلقح إلا وهي في نفسها لاقح، لأنها بحمل الماء مكان الريح لقحت هي، فإذا نشأت سحابة وفيها خير وصل ذلك إليها. "والرياح المبشرات": التي تبشر بالغيث وتنذر بمجيئه فتحدث السرور في قلوب العالمين. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا من لا أتهم قال: أخبرني صفوان بن سليم قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا الريح وعوذوا بالله من شرها". هذا الحديث مرسل، صفوان بن سليم (٢) تابعي روى عن أنس بن مالك

стр. 987

وغيره. إلا أن الترمذي (١) أخرج عن أبي بن كعب هذا المعنى من رواية [إسحاق] (٢) ابن إبراهيم بن حبيب، عن محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ذر، عن سعيد بن الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب. "والسبُّ": الشتم سبَّه يسبُّه إذا شتمه. "وعوذوا": استعيذوا واطلبوا المعاذ وهو الملجأ والملاذ. وسيرد المعنى أوضح من هذا في حديث أبي هريرة الثاني له. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا الثقة، عن الزهري، عن ثابت بن قيس، عن أبي هريرة: "أخذت الناس ريح بطريق مكة وعمر حاج فاشتدت، فقال عمر لمن حوله: ما بلغكم في الريح؟ فلم يرجعوا إليه شيئًا، فلبغني الذي سأل عمر عنه من أمر الريح، فاستحثثت راحلتي حتى أدركت عمر وكنت في مؤخر الناس، فقلت: يا أمير المؤمنين، أخبرت أنك سألت عن الريح، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الريح من روح الله تأتي بالرحمة والعذاب، فلا تسبوها وسلوا الله خيرها وعوذوا به من شرها". هذا الحديث أخرجه أبو داود (٣): عن أحمد بن محمد المروزي وسلمة بن شبيب، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري بالإسناد. وذكر المسند ولم يذكر قصة عمر. وقد رواه يونس بن يزيد والأوزاعي، عن الزهري أيضاً (٤).

стр. 988

قوله: "فلم يرجعوا إليه شيئاً" أي لم يردوا عليه جوابًا. و"رجع" فعل قاصر ومتعد، تقول: "رجعت إلى زيد" إذا عدت إليه، ورجعت فلاناً إلى زيد" أي رددته إليه. "والاستحثاث": استفعال من الحث وهو الإسراع والحض على الشيء، وسير حاث وحثيث أي سريع. و"الروح": الرحمة والراحة ونسيم الريح، والمراد في الحديث الأول أي أن الريح من رحمة الله. وقوله: "تأتي بالرحمة" هيد الغيث والراحة والنسيم وغير ذلك. وقوله: "بالعذاب" إتلاف النبات والشجر وإهلاك المواشي وهدم البناء وغير ذلك، فلا تسبوها لأنها مأمورة بإذن الله -تعالى- وإرادته فلا ذنب لها، ولكن اسألوا الله من خيرها الذي يأتي به واستعيذوا بالله من شرها المقدر في هبوبها. وقد أخرج الشافعي ﵁ قال: أخبرني عمي محمد بن عباس قال: شكا رجل إلى النبي ﷺ الفقر، فقال رسول الله ﷺ : "لعلك تسب الريح". قال الشافعي: ولا ينبغي لأحد أن يسب الريح فإنها خلق لله مطيع وجند من أجناده، فجعلها رحمة ونقمة إذا شاء. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا من لا أتهم، حدثني سليمان بن عبد الله (١) بن عويمر الأسلمي، عن عروة بن الزبير، قال: "إذا رأى أحدكم البرق أو الودق

стр. 989

فلا يشير إليه وليصف ولينعت". هذا أثر عن عروة بن الزبير بن العوام وكان من أكابر التابعين وزهادهم (١). "والبرق": معروف وقد تقدم ذكره. "والودق": المطر وقد ودق يدق ودقا إذا قطر. وقوله: "ولا يشير إليه" أي لا يومئ إليه بأصبعه. "وليصفه ولينعته": أي يصفه بالكثرة أو القلة أو بالقوة أو الضعف وما أعلم فيما يحضرني لنهيه عن الإشارة إليه وجهاً، وأرجو من الله -تعالى- أن يوفق لعرفانه، على أنه قد جاء في بعض النسخ أن الشافعي قال: لم أزل أسمع عددا من العرب يكره الإشارة إليه. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا من لا أتهم قال: أخبرنا عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن حنطب أن النبي ﷺ قال: "ما من ساعة من ليل ولا نهار، إلا السماء تمطر فيها يصرفه الله حيث شاء". الضمير في قوله: "فيها" راجع إلى الساعة. و"من" الأولى زائدة تفيد تأكيد التقدير: ليس في ساعة من الساعات. و"من" الثانية للتبعيض لأن الساعة بعض الليل وبعض النهار، أو هي لتبيين الخبر أي: أن الساعة هي من الليل والنهار، والأول أوجه. ومعنى هذا الحديث -والله أعلم-: أن المطر لا يزال ينزله الله تعالى من السماء، لكن الله -بفضله وإرادته- يرسله إلى أين أراد من الأرض، فيخص به قومًا دون قوم. ويعضد هذا ما في أقاليم الأرض من الاختلاف في الحر والبرد، والصيف

стр. 990

والشتاء فإن زمان الصيف في بعض البلاد هو زمان الشتاء في بلاد أخرى، فقلما تخلو أرض من مطر. والضمير في "يصرفه" راجع إلى ما في قوله: "تمطر فيها" تقديره: يصرف الله المطر حيث يشاء. وأخبرني الشافعي ﵁: أخبرني من لا أتهم، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه أن الناس مطروا ذات ليلة فلما أصبح النبي ﷺ غدا عليهم، قال: "ما على الأرض بقعة إلا قد مطرت هذه الليلة". عبد الله بن أبي بكر: هو عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم (١)، والحديث مرسل. "والبقعة": الموضع المفرد من الأرض، والجمع: البقاع. وقوله: "ما على الأرض" إلى آخر الحديث جملة في موضع الحال من الضمير المستكن في قوله: "غدا عليهم" والعامل فيه "غدا" والتقدير: غدا عليهم قائلا كذا، أو يكون "غدا عليهم" في موضع الحال وقال كذا وكذا جواب لما، التقدير: لما غدا عليهم قال كذا وكذا، فيكون غدا عليهم بدلاً من "أصبح" التقدير: فلما غدا عليهم قال كذا وكذا. والكل حسن والآخر أحسنها. وهذه التقديرات إنما هي لمجيء "قال" بغير عاطف، فلو تقدمها "واو" أو "فاء" لم يحتج إلى شيء من ذلك. وهذا الحديث من إخباره ﷺ عن المغيبات، حيث قال: إن جميع الأرض قد مطرت تلك الليلة. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا من لا أتهم، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ أنه قال: "ليس السنة بأن لا

стр. 991

تمطروا, ولكن السنة أن تمطروا ثم تمطروا ولا تنبت الأرض شيئاً". هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (١): عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل بالإسناد قال: ليس السنة (٢) أن لا تمطروا, ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا ولا تنبت الأرض شيئاً. "السنة": الجدب وقد تقدم بيان ذلك، فقال النبي ﷺ خلافًا للعرب فيما كانوا يذهبون إليه من نسبة النبات والخصب إلى المطر، ليست السنة بانقطاع، فإن المطر قد يجيء مترادفًا مرة بعد مرة ولا تنبت الأرض شيئًا، فعدم النبات هو الجدب لا تأخر المطر وانقطاعه، وإن كان في مجرى العادة أن النبات بالمطر وأن المطر دليل على إنبات الأرض. والمراد بهذا الحديث: نسبة الأشياء إلى خالقها وموجدها المنعم بها، فهو المعطي والمانع والخالق والرازق، فالكل منه وإليه، فليس للمطر عمل في الإنبات، إنما الإنبات بأمر الله، تمطر ولا تنبت، وتنبت ولا تمطر، ومن هاهنا ضل خلق كثير من الناس حيث نسبوا الأشياء إلى الأسباب والوسائط، وقطعوا النظر عن المسبب الأول القادر المزيد المختار، وحتى تمادى لطريق منهم الضلال والعمى، فقالوا: إن النار تحرق بطبعها، والماء يروي بطبعه، والخبز يشبع بطبعه. والذي ذهب إليه أهل الحق والإيمان: أن هذه كلها وسائط وأسباب أجرى الله العادة عند مباشرتها أن تحدث هذه الأحوال، والله سبحانه بلطفه وقدرته يخلق الشبع عند أكل الخبز، والري عند شرب الماء، والإحراق عند ملاقاة النار، فلو لم يرد الله وجود هذه الأشياء لوقع الإضمان ولم توجد الآثار -تبارك الله عما يقول الظالمون- وأشبه شيء بهذا المعنى ما يحكى عن بني إسرائيل أنهم

стр. 992

قالوا لنبيهم: نريد -إن شاء الله تعالى- لتجعل أمر المطر إلينا ولا يجيء إلا في الوقت الذي نريده، فزجرهم عن ذلك فلم ينزجروا، وخوفهم فلم يرجعوا، فدعا الله لهم. ورد أمر المطر إليهم، فجعلوا يطلبونه في الأوقات التي يريد فيها فلا يكثرونه فيغرق الذرع ولا يبلونه فيهلك، فجاءت الغلات في تلك السنة كأحسن ما يكون من النبات وأعظمه وأكثره حملًا وديعًا، فقالوا له: أبصر لما دبرنا أمر المطر وجاء في أوقات الحاجة إليه، كيف جاءت الغلات. وأعجبوا بفعلهم، فلما أدركت واستحصدت، أوحى الله تعالى إلى نبيه: أن مرهم أن يحصدوا زرعهم ويقسموها قسمين مفردين ففعلوا، فأوحى الله تعالى (١): أن يدقوها ففعلوا، فأوحى الله إليه: أن يرموا النار في أحد القسمين. ففعلوا، فأمرهم أن يذروا القسم الآخر ففعلوا، فلم يخرج في القسم الذي ذروه حبًّا وصار كله نبتًا، فلما صار ذلك أوحي الله إليه أن يذروا القسم المحرق فذروا الرماد فخرج الحب من وسط الرماد أحسن ما يكون من الحنطة، فأوحى إليه: أن قل لهم: أنا الذي أنبت، وأخلي الزرع من الحب، وأخرج الحب من الرماد المحرق. أو كلام هذا معناه. والباء في قوله: "بأن لا تمطروا" زائدة في خبر ليس، دخلت مؤكدًا للنفي ويجوز حذفها، تقول: ليس زيد قائمًا, وليس زيد بقائم. وقد جاء في بعض النسخ "ولكن السنة بأن تمطروا" فأدخل الباء مع الإيجاب، وذلك شاذ في الاستعمال، فإن صحت الرواية بها فيكون قد حسن دخولها (٢) لكن قد عطفت الجملة على الجملة الأولى، فأعاد الباء التي كانت في الأولى كما كانت، وحكى اللفظ الأول وهي فيه على أنها قد جاءت في

стр. 993

الموجب قليلاً وتأولوها معنى النفي، نحو قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١). قال قوم: الباء زائدة للتأكيد. وقال المحققون: ليست زائدة وإنما أدخلت هاهنا والكلام موجب بدخول "أوَ لم" في أوله لأن تقدير الكلام: أليس الله بقادر، فكان دخول "أوَ لم" في أوله إفادة معنى النفي بالاستفهام فجاز دخولها -والله أعلم. وكذلك قد جاء في رواية "ولا تنبت" بالواو، وفي رواية "ثم لا تنبت" بثم، وإنما أدخل ثم لأن لون نزول المطر والإنبات زمانًا متراخيًا. أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا من لا أتهم قال: حدثني إسحاق بن عبد الله، عن الأسود، عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "المدينة بين عيني السماء عين بالشام وعين باليمن -وهي أقل الأرض مطرًا". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا من لا أتهم قال: أخبرني زيد أو نوفل بن عبد الله الهاشمي أن النبي ﷺ قال: " أسكنت أقل الأرض مطرا بين عيني السماء- يعني: عين الشام وعين اليمن-". "العين": قد تقدم ذكر معناها وما قيل فيه، وأنها يراد بها هذه الجهة المشار إليها. ويراد بها أيضًا: المطر الذي لا يقلع أياماً، يعني: أن المدينة من هاتين الجهتين الشامية واليمانية فالمطر يكثر بها. والله أعلم. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا من لا أتهم قال: أخبرني سهيل بن أبي صالح، عن

стр. 994

أبيه، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "يوشك أن تمطر المدينة مطرًا لا يكن أهلها البيوت، ولا يكنهم إلا مظال الشعر". وأخبرنا الشافعي ﵁ قال: أخبرني من لا أتهم قال: أخبرني صفوان بن سليم أن النبي ﷺ قال: "يصيب أهل المدينة مطر لا يكن أهلها بيت من مدر". "أوشك يوشِك" -بكسر الشين- إيشاكًا: أسرع في الأمر، ومنه قولك: يوشك أن يكون كذا، والعامة تفتح شينه، قال الجوهري: وهي لغة رديئة. "والكن": ما واراك من بيوت، وسترك من شجر أو ظله ونحو ذلك، والجمع: الأكنان، والأكنة الأغطية واحدها كنان تقول: كننت الشيء أكنه سترته وأكننته، أكنه في نفسي أخفيه، وقيل: كننت وأكننت سواء في الكن. "والمَظالّ" -بفتح الميم وتشديد اللام- جمع مظلة -بكسر الميم- وهي البيت الكبير من الشعر، ولو قيل: إنه جمع مظل أو مظلة -بفتح الميم- جاز وهي موضع الظل، والأول الوجه؛ لأن لفظ الحديث نص عليه بقوله: "مظال الشعر". "والمدر": جمع مدرة وهي طين مستحجر، هذا هو الأول ثم قيل للبيت المبني به: مدرة ومدر، والعرب تسمى القرية مدرة، ولهذا يقولون: أهل المدر وأهل الوبر، فأهل المدر أهل القرى والبنيان، وأهل الوبر أهل المضارب والأخبية. وإنما قال: "لا تكنهم البيوت ويكنهم مظال الشعر"؛ لأن بيوتهم يومئذٍ كانت مبنية بالطين، وإذا كثرت الأمطار وتوالت عليها هدمتها، وإن كفتها فجرت الأمطار عليهم من سقوفها فلا تكنهم من المطر، فالأخبية المتخذة من الشعر فإذا [كانت] (١) محكمة مطينة ثابتة الأوتاد، فإنها تثبت تحت المطر الدائم الدافق ولا تكف، وهذا ظاهر مشاهد.

стр. 995

وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا من لا أتهم قال: أخبرنا محمد بن زيد بن المهاجر، عن صالح بن عبد الله بن الزبير أن كعبًا قال له -وهو يعمل زندًا بمكة: "اشدد وأوثق فإنا نجد في الكتب أن السيول تستعظم في آخر الزمان". هذا كعب المشار إليه هو: كعب الأحبار فإنه كان عارفًا بالكتب الأولى. وقوله: "إنا نجد في الكتب" يريد التوراة والإنجيل، والكتب المتقدمة الناطقة بذكر الأمم الخالية وما أنذروا به فيها، فإن كعبًا كثيراً ما كان يخبر عن التوراة وغيرها من الأخبار السالفة، مما لم تكن العرب تعرفه ولا وقفت عليه. وأما الزند: فالذي جاء كتاب المسند -فيما وقفت عليه- بالزاى والنون (١)، والذي جاء في كتاب الحافظ أبي موسى المديني الأصفهاني ﵀ الذي جمع فيه ما فات أبا عبيد الهروي من غريب القرآن والحديث، في كتاب "الجمع بين الغرييين" قال الحافظ أبو موسى في باب الراء المهملة والباء تحتها نقطة، في حديث صالح بن عبد الله بن الزبير أنه كان يعمل ربدًا بمكة، الربد: الطين والرباد: الطيان بلغة اليمن، وقيل: بالزاي والنون وهو بالراء والباء من الربد وهو الحبس لأنه يحبس الماء. تم كلام الحافظ أبي موسى ﵀. وقوله: "اشدد وأوثق" يأمره بالاحكام والإتقان خوفًا من كثرة السيول لئلا تهدمه. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، عن جده قال: "جاء مكة مرة سيل طبق بين الجبلين". هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (٢): عن علي بن عبد الله، عن سفيان بالإسناد قال: جاء سيل فكسا ما بين الجبلين، قال سفيان: ويقول إن هذا

стр. 996

الحديث (١) له شأن. قوله: "مرة" أي دفعة وهو منصوب على المصدر من غير لفظ الفعل أي جاء السيل جيئة واحدة ومجيئًا واحداً. وطبق: ملأ وغطى وهو من قولهم: طبق الغيم تطبيقًا: إذا أصاب بمطره جميع الأرض، أو من قولهم: أطبقت الشيء أي غطيته وجعلته مطبقًا. "والجبلان": جبلا مكة اللذان يحيطان بها من جانبيها. وقوله في رواية البخاري: "فكسا" مثل قوله: فطبق أي غطى لأن الكسوة للجسد. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا من لا أتهم قال حدثني يونس بن جبير (٢)، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه قال: توشك المدينة أن يصيبها مطر أربعين ليلة لا يكن أهلها بيت مدر. هذا القول مثل حديث أبي هريرة المتقدم. وكان المطر قد كان بالمدينة قليلاً حتى كانوا يستعظمون دوامه واتصاله, وهذا يشهد له قوله ﷺ في حديث ابن مسعود عن المدينة "أنها أقل الأرض مطرًا". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا من لا أتهم، حدثنا عبد الله بن عبيد، عن محمد ابن عمرو أن النبي ﷺ قال: "نصرت بالصبا وكانت عذابا على من كان قبلي".

стр. 997

"الصبا": إحدى الرياح الأربع الصبا والدبور مقابلها، والشمال والجنوب مقابلها، ويقال للصبا: القبول أيضاً. قال الجوهري: مهب الصبا المستوي أن يهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، وتقول منه: صبت تصبوا صبوا. "والشمال": الريح التي تهب من ناحية القطب يعني الجدي، لأنها تأتي من جهة الشمال، والجمع: شمالات -بالفتح- وشمائل على غير قياس. "والدبور": التي تقابل الصبا. "والجنوب": التي تقابله لأنها تأتي من جهة الجنوب. وقال القتبي: الشمال تأتي من ناحية الشام عن يمينك إذا استقبلت قبلة العراق وهي إذا كانت في الصيف حارة بارح والجمع بوارح والجنوب يقابلها. والصبا: تأتي من مطلع الشمس وهي القبول، والدبور تقابلها وكل ريح جاءت من مهبي ريحين فهي نكاء. وأما نصرة رسول الله ﷺ بالصبا: فيريد ما أنعم الله به في غزوة الخندق على المسلمين، وكان النبي ﷺ والمسلمون يومئذٍ في شدة وضيق، وتجمعت المشركون لقتاله وقائدهم يومئذ أبو سفيان بن حرب بن أمية، فبعث الله على المشركين ريحًا باردة في ليالٍ شاتية شديدة البرد وكانت ريح الصبا، فأطفأت النيران، وقلعت الأوتاد والأطناب، وألقت المضارب والأخبية، ألقى الله في قلوبهم الرعب فانهزموا من غير قتالٍ ليلاً. وقد ثبت عن مجاهد وسعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور" (١). وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إبراهيم بن محمد، أخبرنا

стр. 998

سليمان، عن المنهال بن عمرو [عن] (١) قيس بن سكن (٢) عن عبد الله بن مسعود قال: "إن الله يرسل الرياح فتحمل الماء من السماء، ثم تمر في السحاب حتى تدر كما تدر اللقحة ثم تمطروا". ورواه (٣) أبو عوانة، عن سليمان الأعمش إلا أنه قال؛ فتمر في السحاب وزاد: ثم يبعث من السماء أمثال الغزالي، فتضربه الرياح فينزل متفرقًا، قال: ذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ (٤). "در السحاب" يدُر -بضم الدال-: إذا امتطر، وكذلك الضرع إذا جرى منه اللبن، واللبن يقال له: الدر أيضًا. "فاللقحة" -بكسر اللام وفتحها-: الناقة اللقوح وهي الحلوب. قال أبو عمرو: إذا أنتجت الناقة فهي لقوح شهرين أو ثلاثة. ثم هي لبون. والعرب تزعم أن الدبور تزعج السحاب وتشخصه في الهواء ثم تسوقه، فإذا علا كسفت عنه واستقبلته الصبا فجعلت بعضه على بعض حتى يصير كثيفًا، والجنوب يلحق روادفه به، والشمال يمرق السحاب، وهذا من أحاديث العرب المنقولة عنهم ولعل ذلك غير مطرد ولا مستمر. قال الشافعي: وبلغني أن قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما هبت جنوب إلا أسالت واديًا". قال الشافعي: يعني أن الله خلقها تهب بشرى بين يدي رحمته من المطر. وقد أخرج الشافعي قال: أخبرنا من لا أتهم قال: حدثني إسحاق بن عبد الله

стр. 999

أن النبي ﷺ قال: "إذا نشأت بحرية ثم استحالت شامية فهو أمطر لها".

стр. 1000

الفصل الثالث في تحية المسجد أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: "دخل رجل يوم الجمعة المسجد والنبى ﷺ يخطب، فقال له: "أصليت"؟. قال: لا. قال: "فصل ركعتين". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ بمثله وزاد في حديث جابر هو سليك الغطفاني. هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا الموطأ. فأما البخاري (١): فأخرجه عن أبي النعمان، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار [و] (٢) عن علي بن عبد الله، عن سفيان. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن [أبي] (٤) الربيع وقتيبة، عن حماد بن زيد، عن عمرو. وعن قتيبة، وإسحاق [بن إبراهيم] (٥) عن سفيان. وعن قتيبة، ومحمد بن رمح، عن الليث، عن أبي الزبير. وسمى سليك الغطفاني.

стр. 1001

وفي أخرى قال: "قم فصلى (١) ركعتين وتجوز فيها" ثم قال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين ويتجوز فيهما". وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن عمرو. وعن أحمد بن حنبل، عن محمد بن جعفر، عن سعيد، عن الوليد، عن طلحة، عن جابر. وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن قتيبة بن سعيد، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار. وأما النسائي (٤): فأخرجه عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن شعبة، عن عمرو. وقد رواه المزني (٥) عن الشافعي في رواية حرملة. هذا ثابت غاية الثبوت عن رسول الله ﷺ . "التجوز في الأمر": التساهل والتخفيف وأراد خفف صلاتك ولا تطلها فتكون قد جمعت بين قسمي السنة: أحدهما: الصلاة. والثاني: استماع الخطبة. فإنه إذا أطال الصلاة فاته من الخطبة حظه. والواو في قوله: "والنبي يخطب" واو الحال، والجملة التي دخلت الواو عليها في موضع الحال مجازًا، لأن الحال في الحقيقة وصف هيئة الفاعل أو المفعول به، وهذه إنما هي وصف هيئة النبي ﷺ ، وإذا كانت الحال جملة

стр. 1002

اسمية خبرية لزمها الواو نائبًا عن العائد إلى ذي الحال، لأنه إذا عريت الجملة من العائد وما ينوب منابه صارت أجنبية، لا تعلق للمذكور بها فلا يستقيم الكلام. وهذه الصلاة (١) أمره النبي ﷺ بها هي تحية المسجد، وهي سنة مؤكدة عند الشافعي يصليها الداخل إلى المسجد متى دخله، سواء كان الإمام يوم الجمعة قد خرج أو لم يخرج، كان خاطبًا أو ساكنًا، إلا أن يكون الإمام في فريضة فيتبعه فيها. وبه قال الحسن ومكحول، وأحمد، وإسحاق، واختاره ابن المنذر. وقال أبو حنيفة ومالك: يكره. وبه قال الثوري، والليث. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن ابن عجلان، عن عياض ابن عبد الله بن أبي سرح قال: "رأيت أبا سعيد الخدري جاء ومروان يخطب فقام فصلى ركعتين، فجاء إليه الأحراس ليجلسوه فأبى أن يجلس حتى صلى ركعتين فلما قضينا الصلاة أتيناه فقلنا: يا أبا سعيد كاد هؤلاء أن يفعلوا بك. فقال: ما كنت لأدعها لشيء بعد شيء رأيته من رسول الله ﷺ ، جاء رجل وهو يخطب فدخل المسجد بهيئة بذة فقال: "أصليت"؟. قال: لا. قال: "فصل ركعتين" قال ثم حث الناس على الصدقة فألقوا ثيابًا، فأعطى رسول الله ﷺ منها الرجل ثوبين، فلما كانت الجمعة الأخرى جاء الرجل والنبي ﷺ يخطب، فقال له النبي ﷺ : "أصليت"؟. قال: لا. قال: "فصل ركعتين" ثم حث الناس على الصدقة فطرح أحد ثوبيه فصاح رسول الله ﷺ : "خذه" فأخذه، ثم قال رسول الله ﷺ : "انظروا إلى هذا جاء تلك الجمعة بهيئة بذة، فأمرت الناس بالصدقة فطرحوا ثيابًا فأعطته منها ثوبين، فلما جاءت الجمعة أمرت الناس بالصدقة فألقى أحد ثوبيه".

стр. 1003

هذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي. فأما أبو داود (١): فأخرجه عن إسحاق بن إسماعيل، عن سفيان بالإسناد أخصر من هذا. وأما النسائي (٢) فأخرجه عن عمرو بن علي، عن يحيى عن ابن عجلان بالإسناد وذكر نحوه وقال في آخره: خذ ثوبك وانتهره. "الأحراس" والحرس والحراس جمع حرسي وهم المرتبون لحفظ السلطان، فكأنه قد صار اسم جنس فنسب إليه، ولا تقل حارس إلا أن تذهب به إلى معنى الحراسة دون الجنس. "وكاد": فعل يدل على المقاربة، تقول: كاد يفعل كذا يكاد كودًا ومكادة أي قارب ولم يفعل، وقد تدخل "أن" في خبرها تشبيهًا لها بعسى، تقول: كاد زيد يفعل كذا وكاد أن يفعل وهو قليل. ومعنى قوله: "أن يفعلوا بك" أي أن يضربوك ويؤذوك، وحذف المفعول لدلالة اللفظ والحال عليه. "والهيئة البذة": الحقيرة السيئة، وقد بذذت بعدي فأنت باذ الهيئة، وبذ الهيئة أي رث الهيئة بين البذاذة والبذوذة. وهذا الحديث مسوق لبيان تأكيد صلاة تحية المسجد حتى والإمام يخطب، وأن أمر النبي ﷺ بها لم يكن مرة واحدة وإنما كان متكررًا منه مرة بعد مرة، وفي ذلك من الدليل على صحة ما ذهب إليه الشافعي ما لا يخفى. والله أعلم.

стр. 1004

فصل في تارك الصلاة وأحاديث تتعلق بالمسجد أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن نوفل ابن معاوية الديلي قال: قال رسول الله ﷺ : "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله". هذا حديث صحيح متفق على متنه أخرجه النسائي (١): عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عن نوفل بن معاوية ... الحديث. قال عراك: وأخبرني عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من فاتته صلاة العصر ... الحديث. قال النسائي (٢): وخالفه يزيد بن أبي حبيب، أخبرنا عيسى بن حماد [زغبة] (٣)، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عراك بن مالك بلغه أن نوفل بن معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من الصلاة صلاة من فاتته فكأنما وتر أهله وماله". قال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هي صلاة العصر". وفي أخرى (٤): عن [عبيد الله بن سعد] (٥) بن إبراهيم، عن عمه، [عن

стр. 1005

أبيه] (١) عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عراك قال: سمعت نوفل بن معاوية الحديث. وقد أخرج متن هذا الحديث البخاري (٢)، ومسلم (٣)، ومالك (٤)، وأبو داود (٥)، والترمذي (٦)، والنسائي (٧) أيضًا عن ابن عمر. "وترت" الرجل أتره وترًا وتره والوتر: هو الجناية التي يجنيها الرجل على الرجل من قبل حميمه وأخذ ماله، هذا هو الأصل، فشبه ما يلحق هذا الذي تفوته صلاة العصر بمن قَتَل حميمه وأخذ ماله. وقيل: وترت الرجل إذا نقصته وهو راجع إلى الأول، لأن من قتل حميمه وأخذ ماله فقد نقص. ويُروى "أهله وماله" بالنصب والرفع، فأما النصب فلأنه مفعول ثان لوتر وأضمر فيها مفعول لم يسم فاعله عائدًا إلى الذي فاتته العصر، والتقدير: فكأنما وتر أهله وماله. فأما الرفع: فإنه أقام الأهل والمال مقام المفعول الذي لم يسم فاعله، ولم يحتج أن يضمر فيه شيئًا لأن الأهل دائم المصابون والمال هو المأخوذ، وتقدير القول فيه: أن من رد النقص إلى الأهل والمال رفعهما، ومن رده إلى الرجل نصبهما. وقيل فيه: إن المعنى نقص وسلب فبقي وترًا أي فردًا بلا أهل ولا مال. وغرض الرسول ﷺ من ذلك: التحذير من تركها وإهمالها وترك المحافظة

стр. 1006

عليها لخصيصة فيها عرفها، وأنه ينبغي أن يحذر المصلي من فواتها حذره من ذهاب أهله. وهذا الحديث يتضمن الوعيد لمن فاتته صلاة العصر لمعنى لا شك فيها يخصها، وإلا فغيرها من الصلوات الباقية لا فرق بين وجوبها وافتراضها وبين هذه، وجميع أحكامها مطردة. وفوات الصلاة لا يخلو أن يكون عن عذر، أو جهل، أو تعمد. فأما العذر بالمرض وغيره من الأعذار، فإنه لا يسقط الصلاة بل يصلي على حسب حاله وطاقته. وأما الجهل بوجوبها: ولا يسمح منه إلا أن يكون مستجد الإسلام أو مسلمًا نشأ في بلاد الكفر البعيدة عن دار الإسلام، فيقبل منه ويُعرف وجوبها. وأما التعمد: فإن لم يعتقد وجوبها كفر لتكذيبه الرسول ﷺ ، وإن اعتقد بوجوبها وتعمد تركها كفر عند الشافعي، على معنى أنه يستحق عقوبة الكافر في الدنيا وهو القتل وبه قال مالك، ثم يقال له: إما أن تتوب وتصلي وإلا قتلناك. وقد اختلف أصحاب الشافعي ﵁ في وقت قتله وبترك كم صلاة يقتل؟. وفي كيفية قتله قال الغزالي: والصحيح أنه يقتل بصلاة واحدة إذا تركها عمدًا وأخرجها عن وقت ضرورة، ولا يقتل بصلاة الظهر إلا إذا غربت الشمس. وفي مهلة الاستتابة ثلاثة أيام خلاف، كما في استتابة المرتد، وقد قيل: إنه لا يقتل إلا إذا صار الترك له عادة. وقيل: إذا ترك صلاتين أو ثلاثًا. قال: وكل ذلك بحكم ثم يقتل بالسيف. وقيل: يضرب حتى يصلي أو يموت، ويصلى عليه كما يصلى على المسلمين.

стр. 1007

وقال أحمد بن حنبل: يكفر بتركها وإن اعتقد وجوبها. وقال أبو حنيفة: لا يكفر ولا يقتل ويحبس حتى يصلي، وهذا لفظ الشافعي وقال (١): ومن ترك الصلاة المكتوبة ممن دخل في الإسلام فإن قال: أنا أطيقها وأحسنها ولكن لا أصلي وإن كانت عليَّ فرضًا. قيل له: الصلاة شيء لا يحمله عنك غيرك، فإن صليت وإلا استتبناك فإن تبت وإلا قتلناك. فإن قال: الصلاة أعظم من الزكاة. وقال: الحجة فيها ما وصفت من أن أبا بكر قال: لو منعوني عناقا مما أعطوا رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه، ولا يفرقوا بين ما جمع الله. قال: فذهب فيما أرى -والله أعلم- إلى قوله الله ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢). وبسط الكلام في وجه الاحتجاج بإجماع الصحابة في ذلك، قال: والقتال سبب القتل وقد أخرج الشافعي ﵁ من رواية المزني والرييع (٣): عن مالك، عن ابن شهاب، عن عطاء بن زيد الليثي، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أنه حدثه عن رسول الله ﷺ "أنه بينا هو جالس بين ظهري الناس إذ جاءه رجل فساره، فلم ندر ما ساره [حتى] (٤) جهر رسول الله ﷺ ، فإذا هو يستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فقال رسول الله ﷺ حين جهر: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ "؟ فقال الرجل: بلى يا رسول الله ولا شهادة له. فقال رسول الله ﷺ : "أليس يصلي"؟. قال: بلى ولا صلاة له. فقال رسول الله ﷺ : "أولئك الذين نهاني الله عنهم" ورواه

стр. 1008

معمر: عن الزهري، عن عطاء [عن] (١) عبيد الله [عن] (١) عبد الله بن عدي الأنصاري حدثه فذكره موصولاً وقال في آخره "أولئك الذين نهيت عن قتلهم". وأخبرني الشافعي ﵁ أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن عثمان بن أبي سليمان أن مشركي قريش حين أتوا المدينة في فداء أسراهم، كانوا يبيتون في المسجد، منهم: جبير بن مطعم فقال جبير: فكنت أسمع [قراءة] (٢) النبي ﷺ وفي نسخة "في فداء أسرائهم". "المشرك": من جعل لله شريكًا في ملكه، يقال: أشرك فلان بالله يشرك فهو مشرك، والشرك الاسم. والإشراك المصدر. "والفداء": ما يستخلص به الأسير من الأسر، تقول: فاديت الرجل إذا أعطيت في فكاكه أسيرًا بدله، وفديته: إذا أعطيت في إطلاقه مالاً، فالفداء مصدر فديته والمفاداة مصدر فاديته والاسم الفدية، ويجوز في الفداء كسر الفاء مع المد والقصر، ويجوز فيه فتح الفاء مع القصر. "والأسرى": جمع أسير وهو المأسور، فعيل بمعنى مفعول، ويجمع أيضًا على أسراء وهو الذي جاء في النسخة الأخرى فأما أسارى فجمع الجمع قاله الأزهري أصل هذه الكلمة من الإسار وهو القدِّ, لأنهم كانوا يشدون به الأسير، فسمى كل أخيذ أسيرًا. مجيء مشركي قريش في فداء أسرائهم عقيب غزوة بدر. والمراد من الاستدلال بهذا الحديث: جواز دخول المشرك المسجد، وجواز النوم فيه. وفيه دليل على الجهر بالقراءة في الصلاة والتلاوة، لأن جبيرًا كان يسمع

стр. 1009

قراءة النبي ﷺ ، فيجوز أن يكون مصليًا أو تاليًا. وفيه دليل على جواز المفاداة. ومبيت المشرك في المساجد جائز عند الشافعي إلا في المسجد الحرام، لقوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (١). قال الشافعي: وإذا بات المشرك في المسجد غير المسجد الحرام -فكذلك المسلم، كان ابن عمر يبيت في المسجد زمن النبي ﷺ وكذلك مساكين أهل الصفة والله أعلم. وأخبرنا الشافعي ﵁ (٢) - أخبرنا بعض أهل العلم عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي أسامة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وإذا خرجن فليخرجن تفلات". هذا الحديث أخرجه أبو داود (٣) عن موسى بن إسماعيل، عن حماد [عن] (٤) محمد بن عمرو بالإسناد قال: ولكن يخرجن وهن تفلات". "إماء الله": جمع أمة وأصلها أموة بالتحريك لأنه جمع على إم وأأم، بوزن أفعل في الأصل وفعلة ساكنة العين لا تجمع على أفعلة، والنسبة إليها أَموي -بالفتح- وتصغيرها أمية، فأما النسبة إلى أمية القبيلة فأموي -بالضم وربما فتح- ولم يرد بالإماء في هذا الحديث الجواري ضد الحرائر وإنما يريد النساء مطلقًا فأطلق لفظ "الأماء" على الحرائر, لأن النساء كلهن إماء الله، كما أن الرجال جميعهم -حرهم وعبدهم- عبيد الله. "والتفلات": جمع تفلة وهي المرأة إذا لم تكن متطيبة، الرجل تفل،

стр. 1010

وتفلات في موضع نصب على الحال من قوله "فليخرجن". وللنساء أن يدخلن المساجد ويشهدن صلاة الجماعة ويقفن في آخر الصفوف، بإذن أزواجهن ولا يمنعن من ذلك. وقد استدل بعموم هذا الحديث بعض أهل العلم: على أنه ليس للزوج منع زوجته من الحج؛ لأن المسجد الحرام الذي يخرج إليه الناس أشهر المساجد وأعظمها حرمة. وقد اختلف في الرجل إذا كان له زوجة نصرانية، هل له أن يمنعها من الخروج إلى الكنيسة أم لا؟. فقال مالك: ليس له منعها. وقال الشافعي: له منعها، واختاره ابن المنذر. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه مالك، والبخاري، ومسلم، وأبو داود. فأما مالك (١): فأخرجه بلاغًا عن عبد الله بن عمر. فأما البخاري (٢): فأخرجه عن مسدد، عن يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري بالإسناد قال: "إذا استأذنت امرأة أحدكم فلا يمنعها". هكذا أخرجه ولم يذكر المسجد إلا أنه أخرجه في باب استئذان المرأة زوجها بالخروج إلى المسجد. وله في أخرى (٣): عن عبيد الله بن موسى، عن حنظلة، عن سالم، عن أبيه

стр. 1011

قال: "إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المساجد (١) فأذنوا لهن". فأما مسلم (٢): فأخرجه عن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري بالإسناد وقال: "لا تمنعوا إماء الله المساجد وليخرجن تفلات". وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن سليمان بن حرب، عن حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا نساءكم مساجد الله " وزاد في رواية أخرى (٤): "وبيوتهن خير لهن". وقد روى المزني (٥) عن الشافعي بهذا الإسناد المذكور أولاً قال: "إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها". وقد أخرج الشافعي ﵁ -من رواية المزني (٦) عنه-: عن سفيان، عن عاصم، عن مولى أبي رهم (٧) قال: "لقي أبو هريرة امرأة فقال: أين تريدين؟. قالت: المسجد، قال: قد تطيبت؟، قالت: نعم. قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أيما امرأة تطيبت ثم خرجت تريد المسجد، لم يقبل لها صلاة كذا وكذا ولا صيام، حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة".

стр. 1012

وقد أخرج المزني (١) عن الشافعي: عن سفيان، عن الزهري، عن عباد بن تميم، عن عمه قال: "رأيت رسول الله ﷺ -يعني في المسجد- مستلقيًا واضعًا إحدى رجليه على الأخرى". هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) والله أعلم. ...

стр. 1013

كتاب الجنائز وفيه إحدى عشر فصلاً الفصل الأول في مقدمات الموت قال أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم: أخبرنا الربيع بن سليمان قال: قرئ على الشافعي -رحمه الله تعالى- وأنا حاضر هذا كتاب كتبه محمد بن إدريس الشافعي في شعبان سنة ثلاث ومائتين، وأشهد الله عالم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وكفى بالله -جل ثناؤه- شهيداً ثم من سمعه، أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله ﷺ لم يزل يدين بذلك -وبه ندين حتى يتوفاه الله ويبعثه عليه -إن شاء الله- وأنه يوصي نفسه وجماعة من سمع وصيته، بإحلال ما أحل الله ﵎ في كتابه ثم على لسان نبيه ﷺ ، وتحريم ما حرم الله -تعالى- في الكتاب ثم في السنة، ولا يجاوزون من ذلك إلى غيره، فإن مجاوزته ترك فرض الله والمحافظة على أداء فرائض الله في القول والعمل، والكف عن محارمه خوفا لله، وكثرة ذكر الوقوف بين يدي ربه ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ وأن ينزل الدنيا حيث أنزلها الله، وأنه لم يجعلها دار مقام إلا مقام مدة عاجلة الانتفاع (١)، وإنما جعلها دار عمل، وجعل الآخرة دار قرار وجزاء بما عمل في الدنيا من خير أو شر، وإن لم يعفه (٢) -جل ثناؤه-، وأن لا يخال

стр. 1014

أحدًا إلا إخوالة لله ممن يعقل الخلة في الله ﵎ وترجى منه إفادة علم في دين وحسن أدب في دنيا، وأن يعرف المرء زمانه ويرغب إلى الله في الخلاص من شر نفسه، ويمسك عن الإسراف بقول أو فعل في أمر لا يلزمه، وأن يخلص النية لله فيما قال وعمل، فإن الله يكفي ممن سواه ولا يكفي منه شيء غيره، ثم ذكر وصيته، ثم قال في آخرها: ومحمد -يعني نفسه- يسأل الله القادر على ما يشاء أن يصلي على محمد عبده ورسوله، وأن يرحمه فإنه فقير إلى رحمته، وأن يجيره من النار فإنه غني عن عذابه، وأن يخلفه في جميع ما خلف بأفضل ما خلف به أحدًا من المؤمنين، وأن يكفيهم فقده وأن يقيهم معاصيه وإتيان ما يقبح بهم، والحاجة إلى أحد من خلقه بقدرته". أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم [عن] (١) ابن شهاب، أن قبيصة بن ذؤيب قال: "إن رسول الله ﷺ أغمض أبا سلمة". هكذا جاء هذا الطرف فيما رواه الزهري مرسلاً، وهو طرف من حديث طويل قد أخرجه مسلم وأبو داود. فأما مسلم (٢): فأخرجه عن زهير بن حرب، عن معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري، عن خالد الحذاء. وعن محمد بن موسى القطان الواسطي، عن المثنى بن معاذ، عن أبيه، عن عبيد الله بن الحسن، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أم سلمة قالت: (دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره

стр. 1015

فأغمضه (١) ثم قال: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر" فضج ناس من أهله فقال: "لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون" ثم قال: "اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وأفسح له في قبره ونور له فيه". وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن عبد الملك بن حبيب، عن أبي إسحاق الفزاري، عن خالد الحذاء بإسناد مسلم ولفظه. قال الشافعي ﵁ إذا مات الميت غُمض ويطبق فوه، وإن خيف استرخاء لحييه شد بعصابة، ورأيت من يثني مفاصله ويلينها (٣) لتلين فلا تجسوا، ورأيت الناس يضعون الحديد السيف أو غيره من الحديد؛ والشيء من الطين المبلول على بطن الميت، كأنهم يدارون أن تربو بطنه وكلما صنعوا من ذلك مما أرجو وعرفوا أن فيه دفع مكروه، رجوت أن لا يكون به بأس -إن شاء الله- قال: ويفضي به إلى لوح أو سرير ويسجى ثوبًا يغطى به جميع جسده. قال الشافعي: وما يفعله الأعاجم من صب الراوق (٤) في أذنه وأنفه، ووضع المرتك (٥) على مفاصله والتابوت وغيره، لست أحب هذا ولا شيئًا منه، ولكن يصنع به ما يصنع بأهل الإسلام: الغسل، والكفن، والحنوط، والدفن فإنه صار إلى الله -تعالى-، والكرامة له برحمة الله وعمله الصالح.

стр. 1016

قال: وبلغني أنه قيل لسعد (١) بن أبي وقاص: ألا نتخذ لك شيئًا كأنه الصندوق من الخشب؟، فقال: اصنعوا بي كما صنع برسول الله ﷺ انصبوا على اللَّبِن وأهيلوا عليَّ التراب. ...

стр. 1017

الفصل الثاني في الغسل قال الشافعي ﵁ حق على الناس غسل الميت والصلاة عليه ودفنه لا يسع عامتهم تركه، وإذا قام بذلك منهم من فيه كفاية أجزأ عنهم. وروى في القديم: عن سفيان، عن أيوب بن موسى -أو غيره- وعبيد الله ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: "صدر المسلمون فمروا بامرأة بالبيداء ميتة فأجنها (١) رجل يقال له كليب، فقام عمر على المنبر وتوعّد الناس وقال: لو أعلم أن أحداً مر بها فلم يجنها لفعلت به وفعلت، وسأل ابن عمر فقال: لم أرها ثم قال: لعل الله أن يرحم كليبًا فمن معه غداة طعن". ورواه في القديم عن القاسم بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر أن رجلاً مات بهذا المعنى. أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن أيوب السختياني، عن ابن سيرين، عن أم عطية أن رسول الله ﷺ قال لهن في غسل ابنته: "اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة. فأما مالك (٢): فأخرجه بالإسناد واللفظ وزاد: "فإذا فرغتن فآذنني". قالت: فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حِقْوه فقال: "أشعرنها إياه" يعني بحقوة إزاره. وأما البخاري (٣): فأخرجه عن إسماعيل بن عبد الله، عن مالك مثله.

стр. 1018

وأما مسلم (١): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن يزيد بن زريع، عن أيوب مثل ذلك. وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن مسدد، عن حماد ابن زيد، عن أيوب. وأما النسائي (٣): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك. وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن أحمد بن منيع، عن هشيم، عن خالد ومنصور وهشام. وأما خالد وهشام فقالا: عن محمد وحفصة. وقال منصور: عن محمد، عن أم عطية. هذه بنت النبي ﷺ هي أم كلثوم زوجة عثمان بن عفان كذا جاء في حديث ليلى بنت قانف الثقفية قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت النبي ﷺ فذكرت بعض هذا الحديث (٥).

стр. 1019

وقوله: "إن رأيتن" إن استوصيتن الزيادة على الخمس. وقد اختلف في غسل الميت لهذه الكلمة، فقيل: هل هو واجب أو سنة؟ وسبب الخلاف قوله: "إن رأيتن". قالوا: هل معناه: إن رأيتن الغسل، أو إن رأيتن الزيادة على الثلاث والخمس وهذا وأمثاله مما اختلف فيه أهل الأصول، وذلك أنهم مختلفون في التقييد والاستثناء والشروط إذا تعقبت الجمل، هل يرجع إلى جميعها -إلا ما أخرجه الدليل- أو إلى ما أقربها إليه. وقوله "كافورًا أو شيئًا من [كافور] (١) " يجوز أن يكون الشك من أحد الرواة في أي اللفظين قال النبي ﷺ ، وإن كان اللفظ منه هكذا فيكون اللفظ قد قال أولاً "واجعلن في المرة الآخرة من الغسل كافورًا" أي في الماء، أي فلما أطلق الكافور ربما ظن النسوة بالإطلاق الكثير منه، فاستدرك بقوله: "أو شيئًا من كافور" أي قليلاً منه، والأول أشبه. قال الشافعي: وأقل غسل الميت فيما أحب ثلاث، وإن لم يبلغ الإنقاء فخمس، فإن لم يبلغ الإنقاء فسبع، فأما الواجب فمرة واحدة كما يجب في غسل الحي، والأفضل الثلاث ثم الخمس إن لم يحصل الإنقاء. وأما الوتر في الغسل فإنه معتبر في الثالث وفيما زاد عليها، عند الشافعي ومالك. وأبو حنيفة: لا يراه مستحبًا. واستحب وضع الكافور في الماء في كل مرة، وهو في الآخرة أحب للحديث، وفيه تعليله بقوله: "أو شيئًا من كافور" يعني لئلا يطرح فيه الكثير منه، فيغير ريحه أو طعمه فيذهب عنه وصف الطهورية، ولذلك قال: "أو شيئًا من كافور" وهذا أحسن ما قيل فيه.

стр. 1020

وأما "الحقو": فهو الإزار، والأصل في الحقو معقد الإزار وجمعه أحقٍّ وأحقا، ثم قيل للإزار نفسه حقو لأنه شد على الحقو. وأما "الإشعار": فهو التلفيف بالثوب، والشعار: الثوب الذي يلي الجسد وسمي به لأنه في شعر الجسد. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا بعض أصحابنا، عن ابن جريج، عن أبي جعفر "أن النبي ﷺ غُسِّل ثلاثًا". هذا الحديث ذكره الشافعي ذهابًا منه إلى تقوية ما ذهب إليه من استحباب المرات الثلاث في غسل الميت؛ اقتداء بما فعله الصحابة ومن غسل منهم النبي ﷺ ؛ وعملًا بما جرى الأمر عليه في غسله. وقد أخرج الشافعي ﵁ قال: أخبرنا الثقة، عن عطاء قال: يجزئ في غسل الميت مرة، وقال عمر بن عبد العزيز: ليس فيه شيء مؤقت. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه "أن رسول الله ﷺ غُسل في قميص". هذا طرف من حديث طويل (١) وهو: أن رسول الله ﷺ [توفي] (٢) يوم الاثنين فلم يغسل إلى آخر يوم الثلاثاء، فغسل من بئر كانت لسعد بن خيثمة كان رسول الله ﷺ يشرب منها, ولي غسل سفلته علي، وغُسِّل وعليه قميص علي يغسل وأسامة -،وقيل: رجل من الأنصارَ- يصبّ الماء، والفضل محتضنه، ويغسل على سفلته والفضل يقول: أرحني أرحني قطعت وتيني (٣)، أرى شيئًا ينزل عليِّ، ويكفن في ثلاثة أثواب: صحاريين (٤) وبردة حبرة،
следующие страницы →