← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

عدل عن المعدوم إلى هذا النوع، لذلك الوصف الذي عدل من أجله إليه وهي الذكورة، ألا ترى أن بنت المخاض هي التي في السنة الثانية؟ وابن اللبون هو الذي في السنة الثانية؟ وابن اللبون هو الذي في السنة الثانية؟ فأقام الثلاثي مقام الثنائي، لأن وصف الأنوثة أنفع من وصف الذكورة في هذا المقام، ولم يجعل بنت عوض بنت المخاض ابن المخاض وإن كان في سنها لعدم فضيلة الأنوثة، ولأنه قال: "بنت مخاض أنثى" أراد أن يطابق لفظ البدل لفظ المبدل منه على طريقة الموازنة، فقال: "ابن لبون ذكر" وهذا الذي أشرنا إليه يندرج الوجه الثاني الذي أشار إليه من تنبيه رب المال بفضيلة الأنوثة، وتنبيه الساعي بجواز أخذ الذكور. والله أعلم. والتباين: الاختلاف، ومعنى قوله: "وإن تباينت أسنان الإبل في فريضة الصدقة" يريد: إذا وجب على إنسان في ماله صدقة واختلفت أسنان إبله، فلم يكن عنده شيء من جنس ما وجب عليه، فإنه يعدل في الواجب فيه إلى ما عنده منه موجود، ولا يخلو أن يكون الموجود عنده خيرًا مما يجب عليه أو دونه، وحينئذ يجب فيه الجبُران إما من رب المال أو الساعي، وهذا هو معنى قوله: "ومن بلغت عنده صدقة الجذعة وليست عنده جذعة، وعنده حقة فإنها تقبل منه، ويعطى رب المال مكان التفاوت بن الحقة والجذعة شاتين؛ إن استيسرتا له أي: سهلتا لحوله كفتاه ووجدتا له، أو عشرين درهما، كأنه قَوّم النقص بين السنين بشاتين، وقوَّم الشاتين بعشرين درهما, وليست الدراهم بدلاً عن الشاتين ولكنهما مثلهما لأنه خيره بينهما، وذلك لأن الجذعة فريضة إحدى وستين إلى خمسة وسبعين، والحقة فريضة خمسة وأربعين إلى ستين، وبين أول الفريضتين خمسة عشر ذلك بينهما في أخذهما خمسة عشر، فكأن الشاتين أو العشرين درهمًا، وإن كانت قيمة التفاوت بين الجذعة والحقة هي فريضة الخمسة عشر، وليس لها قياس مطرد في القيمة، فإن فريضة الخمس من الإبل شاة، ولو كان القياس فيها مطرد لكانت فريضتها ثلاث شياه عند التفاوت، وإنما هي فريضتها

стр. 1087

عند الانفراد وإنما هذا أمرٌ مرجعه إلى الشارع -صلوات الله عليه وسلامه- وهو المطّلع على الحكمة فيه، ألا تراه جعل في خمس وعشرين بنت مخاض، وفي ستٍ وثلاثين بنت لبون، فكان التفاوت بين المالين عشرة وبن الفريضتين سنة، وكذلك فعل في بنت اللبون والحقة، كان التفاوت بين المالين خمسة عشر وبين الفريضتين سنة، وهذا اختلاف لا مناسبة -في الظاهر- فيه، وإنما المناسبة فيه والحكمة موكولة إلى معرفة الشارع -صلوات الله عليه وسلامه-، وكذا نراه في باقي فرائض الصدقة في البقر والغنم أيضاً غير مطردة في المناسبة الظاهرة، ولله تعالى سر في أحكامه وفرائضه وسننه وتقييداته؛ لا يحيط العالمون بشيء من علمه إلا بما شاء. والمصَدّق -بتخفيف الصاد وتشديد الدال-: هو الساعي على الصدقة والعامل عليها الذي يقضيها من أربابها، تقول: صدقه يصدقه إذا أخذ صدقته الواجبة عليه في ماله. والذي جاء في رواية الشافعي؛ في سائر أسنان إبل الصدقة في أمرين: الجذعة والحقة؛ واكتفى بذكرهما عن ذكر غيرهما من باقي أنواع التباين، وقد ذكر ذلك البخاري، وأبو داود، والنسائي في روايتهم، والأمر فيما ذكروه مثل ما ذكر الشافعي ولا فرق. وهذا نوع من أنواع أصول الحديث، فإن الأئمة قد اختلفوا في رواية بعض الحديث دون البعض، وقد استقصينا ذلك في مقدمة كتابنا "جامع الأصول"، ومقدمة هذا الكتاب، ولنُشِرْ منه هاهنا إلى طرف، فنقول: هذا مبناه على رواية الحديث بالمعنى وهو مختلف فيه أيضاً، والأكثرون على جوازه فَمَنْ جوزه أجاز رواية بعض الحديث، إذا كان قد رواه مرة تامًّا في حال ما، وكان البعض المتروك غير مخل في المذكور بما يحتاج إليه، فأما إن كان محتاجا، أو لم يكن قد رُوي تامًا مرة فلا يجوز ذلك، وأما من منع من رواية الحديث بالمعنى فمنع أكثر القائلين به خوفًا من غفلةٍ عن أمر ما عساه يتعلق بالمتروك، العمل على

стр. 1088

الأقل عند أكثر أهل العلم من الصحابة، والتابعين، والأئمة والمجتهدين، وأرباب الفعل والمحدثين، ومن وقف على صحيح البخاري الذي إليه المنتهى في صحاح الأحاديث النبوية؛ رأى فيه العجب من تفريق الأحاديث وفعل كل حكم منها بذلك الإسناد في باب من أبواب كتابه، وعلى ذلك درج السلف الصالحون واقتفى آثارهم العلماء -رحمة الله عليهم-. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: العمل بهذا الحديث لا مخالف له في أصل الفرائض، الصدقة وأسنانها ومقاديرها، فإنه نص قاطع لا خلاف فيه، وإنما الخلاف وقع في معانٍ وأحكام استنبطوها من هذا النص، وتفريعات التزموها لهذا الأصل، فذلك شيء مفرغ منه في كتب الفقه لا تتسع أمثال هذه الشروح لذكره، ولكن نذكر منها ما لا بد من ذكره مما لا يتوقف فهم لفظ الحديث عليه، وذلك أحكام: الأول: يتعلق بالأوقاص: وهي التي بين كل وَقْصين مثل العشرة التي بين الخمسة والأربعن والستين، وهو ساكن القاف وجمعه: أوقاص، وقد ذكره الجوهري بالفتح. وقال بعضهم: إن الوقص في البقر دون الإبل، والشنق (*) في الإبل خاصة وهو مثل الوقص. وقد اختلف الأئمة في أن الزكاة الواجبة في النصاب، هل هي متعلقة بالنصاب والوقص الفاصل بين النصابين؟ أو بالنصاب وحده دون الوقص؟. فذهب الشافعي في كتبه القديمة والجديدة: إلى أن الزكاة متعلقة بالنصاب دون الوقص، وأن الوقص لا زكاة فيه، وبه قال أبو حنيفة والمزني. وقال في الإملاء: إن الزكاة متعلقة بهما، وبه قال محمد بن الحسن. الثاني: إذا زدات الإبل على مائة وعشرين: فذهب الشافعي إلى أنه لا يستأنف الفريضة فيه. وبه قال أهل العلم وعليه

стр. 1089

العمل. وبيان ذلك: أن الإبل إذا بلغت مائة وعشرين، وقد نص الشارع على أن الواجب فيها (١)، فإذا زادت واحدة فقد استقر الحساب في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة. وبه قال الأوزاعي، وأبو ثور، ورواه الخرقي عن أحمد. قال مالك في إحدى الروايتين: لا يتغير الفرض إلى مائة وثلاثين وفيها حقة وبنتا لبون. رُوي ذلك عن أحمد وإليه ذهب أبو عبيد. والرواية الثانية عن مالك: أنه إذا زادت واحدة يغير الفرض إلى تخيير الساعي بين الحقتين وبن ثلاث بنات لبون. وقال النخعي، والثوري، وأبو حنيفة: إذا زادت الإبل على مائة وعشرين استوثقت الفريضة في كل خمس شاة، إلى أن ييلغ مائة وخمسة وأربعين، ففيها حقتان وبنت مخاض، وكذا فيما بعد كل زيادة لم يبلغ النصاب يستأنف لها الفريضة في كل خمس شاة إلى أن يبلغ مقدار ما تجب الزكاة في مثله. الحكم الثالث: الجبران المفروض عند عدم الأسنان الواجبة: قال الشافعي ﵁: بما دل الحديث عليه أنه إذا وجب عليه سن وليس في إبله ذلك السنن، أعطى الموجود عنده وجبر النقص إن كانت السنن ناقصة عن الواجب عليه، أو أخذ الزيادة من الساعي إن كانت زائدة عن الواجب وقد نص على الجبران بشاتين أو عشرين [درهمًا] (٢) والخيار في الشاتين والدراهم إلى المعطي، ولا خيار للساعي إلا ما هو خير لأهل السهمين، والأولى لرب المال أن يُعطي ما هو الأنفع لأرباب الصدقة، وكل من الشاتين والدارهم أصل في نفسه وليس هو عوضًا عن الآخر. وبه قال النخعي وإسحاق.

стр. 1090

وقال الثوري: يعطي عشرة دراهم أو شاتين. وهو قول أبي عبيدة. وقال مالك: على رب المال أن يبتاع السن التي وجبت عليه. وقال أبو حنيفة: يأخذ الساعي قيمتها. وكل هذه الأقوال محكمات وعادلة عن صريح النص. الحكم الرابع: إخراج القيمة في الزكاة: وفي الحديث دليل على أنها لا تجوز. وهو قول أكثر أهل العلم، لأنه قال: إذا لم [يجد] (١) السن الواجبة يأخذ السن الموجودة، ويعطي قيمة التفاوت بينهما، ولو كانت القيمة جائزة لم يعدل عنها إلى أخذ سن أخرى وإعطاء تفاوتها. وقال أبو حنيفة: يجوز دفع القيمة في الزكاة وإن كانت السنن موجودة. وأخبرنا الشافعي ﵁ قال: أخبرنا مسلم، عن ابن جريج قال: قال لي ابن طاوس: عند أبي كتاب من العقول نزل به الوحي، وما فرض رسول الله ﷺ من العقول أو الصدقة فإنما نزل به الوحي. إنما أراد الشافعي بهذا الحديث تأكيد حديث أنس المتقدم، وبيان ما قلناه. وفي تفسير قوله: هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ يريد أن (فَرَضه رسول الله) فإنما هو من قبل الوحي وأمْر الله لا من ذات نفسه ويصدق ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٢). والعقل: جمع عقل وهو الدية، وهو في الأصل: مصدر عقلت البعير أعقله عقلاً إذا شددته بعقال، وذلك أن أولياء القاتل كانوا يقودون الإبل التي يعطونها في الدية إلى فناء المقتول، فكانوا يعقلونها أي: يسلمونها إلى مستحقيها، فسميت الدية عقلاً، ثم كثر الاستعمال فنقل العقل إلى كل دية، سواء أكانت إبلًا أم بقرًا أم غنمًا أم ذهبًا أم فضة، فسموها وغلب الاسم عليها لكثرة الاستعمال. والوحي في العربية: الإشارة والرمز، والوحي: الكتاب، والكتابة،

стр. 1091

والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك من قول تقول فيه وحيت إليه الكلام، وأوحيته، إذا كلمته كلامًا خفيًّا. قال الشافعي -لما ذكر هذا الحديث- وذلك -إن شاء الله [كما] (١) روى ابن طاوس وبين في قول أنس، قال: وحديث أنس ثابت من جهة حماد بن سلمة وغيره، عن رسول الله ﷺ وبه نأخذ. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا أنس بن عياض، عن موسى بن [عقبة] (٢)، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: "أن هذا كتاب الصدقات فيه: في كل أربع وعشرين من الإبل فدونها الغنم؛ في كل خمس شاة وفيما فوق ذلك إلى خمس وثلاثين بنت مخاض، فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر، وفيما فوق ذلك إلى خمس وأربعين بنت لبون، وفيما فوق ذلك إلى ستين حقة طروقة (٣) الفحل، وفيما فوق ذلك إلى خمس وسبعين جذعة، وفيما فوق ذلك إلى تسعين ابنتا لبون، وفيما فوق ذلك إلى عشرين ومائة حقتان طروقتا الفحل، فما زاد على ذلك ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، وفي سائمة الغنم إذا كانت أربعين إلى أن تبلغ عشرين ومائة شاة، وفيما فوق ذلك إلى مائتين شاتان، وفيما ذلك إلى ثلاثمائة ثلاث شياه، فما زاد على ذلك ففي كل مائة شاة، ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عور، ولا تيس (الغنم) (٤)، إلا ما شاء المصَدّق، ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، وفي الرقة ربع العشر إذا بلغت رقة أحدهم خمس أواقٍ". وهذه نسخة كتاب عمر بن الخطاب التي كان يأخذ عليها.

стр. 1092

قال الشافعي: وبهذا كله نأخذ. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرني الثقة من أهل العلم، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﷺ -لا أدري أدخل ابن عمر بينه وبين النبي ﷺ عمر في حديث سفيان بن حسين أم لا-: "في صدقة الإبل" مثل هذا المعنى لا يخالفه ولا أعلمه، بل لا شك -إن شاء الله- إلا حدث بجميع [الحديث] (١) في صدقة الغنم والخلطاء والرقة هكذا، إلا أني لا أحفظ الإبل في حديثه. هذا حديث حسن صحيح، قد أخرجه أبو داود، والترمذي. أما أبو داود (٢): فأخرجه عن عبد الله بن محمد النفيلي، عن عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: كتب رسول الله ﷺ كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض، فقرنه بسيفه فعمل به أبو بكر حتى قبض، ثم عمل به عمر حتى قبض، وذكر نحوه بزيادة في ألفاظه ولم يذكر الرقة. وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن زياد بن أيوب وإبراهيم بن [عبد الله] (٤)، ومحمد بن كامل، عن عباد بإسناد أبي داود ونحو حديثه ورفعه أيضًا. وقد ذكر مالك في الموطأ (٥) قال: فقرأت كتاب عمر بن الخطاب في الصدقة، فوجدت فيه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب الصدقة: في أربع وعشرين من الإبل فدونها الغنم. وذكر الحديث بلفظ الشافعي إلى قوله: "وفي الرقة ربع العشر".

стр. 1093

ما في هذا الحديث من ألفاظ ومعان قد تقدم بيانها في حديث أنس، وما ليس في حديث أنس فنذكره. السائمة في الغنم: هي التي ترعى وليست معلومة، يقال: سامت الغنم والماشية تسوم سومًا، وأسمتها أنا إذا أخرجتها إلى المرعى، وهي صفة لواحدة تقول: شاة سائمة، وقد تقع على الجماعة على تقدير أن تكون صفة جماعة سائمة. وفي هذا اللفظ دليل على أن غير السائمة لا زكاة فيها، لأن الشيء إذا كان بقيوده ويتعاقب عليه وصفان لازمان، فعلق الحكم بأحد وصفيه كان ما عداه بخلافه. وقوله: "فإذا زادت على الثلاثمائة ففي كل مائة شاة" يدل على أن المائتين لما توالت أعدادها حتى بلغت ثلاثمائة، وعلقت الصدقة الواجبة فيها بمائة مائة؛ ثم قيل: فإذا زادت عرف أن هذه الزيادة اللاحقة بها أنها هي مائة لا ما دونها؛ لأنه قال: فإذا زادت على الثلاثمائة ففي كل مائة شاة ولم يقل ففيها شاة. والهرمة: الكبيرة المسنة. والعَوراء -بفتح العين-: العيب، وقد تضم. وهذا الحكم إذا كان ماله أو بعضه سليمًا من العيب، وإن كان ماله معيبًا فيؤخذ آخذ من أوسطه. وقال مالك: يُكلّف أن يأتي بصحيحة. وقوله: "ولا تيس الغنم" يريد الفحل إذا كانت ماشيته إناثًا أو بعضها، فلا يؤخذ الذكر إنما تؤخذ الأنثى، فإن كانت كلها ذكورا أخذ الذكر في الصدقة. وقوله: "إلا ما شاء المصدِّق" يريد إذا اختار الساعي، هكذا يرويه جماعة من الرواة والفقهاء، وكان أبو عبيد يرويه "المصدق" -بفتح الدال- يريد صاحب الماشية، وخالفه الناس.

стр. 1094

وهذا الاسثناء الذي فرضه إلى العامل يدل على أن له الاجتهاد، لأن يده كَيدِ المساكين وهو بمنزلة الوكيل لهم. وقوله: "لا يجمع بين مفترق، ولا يفترق بين مجتمع، خشية الصدقة" معناه أن الجمع بين المتفرق فيه أمران: أحدهما: من جانب التكثير. والثاني: من جانب التقليل. أما جانب التكثير فهو: أن يكون لرجلين -مثلًا- ثمانون شاة، فليس عليهما فيها إلا شاة واحدة، فإن تميز نصيب كل واحد منهما وجب عليهما شاتان. وأما جانب التقليل فهو: أن يكون ثلاثة نفر -مثلًا- ويكون لكل واحد أربعون شاة، وقد وجب على كل واحد في غنمه شاة فإذا أتاهم المصدق جمعوها لئلا يكون عليهم فيها إلا شاة واحدة، فنهوا عن ذلك. وأما التفريق بين المجتمع: فهو الشريكين يكون لكل واحد منهما مائة شاة وشاة، فيكون عليهما فيها ثلاث شياه، فإذا جاءهما المصدق فرقا غنمها فلم يكن على كل واحد منهما إلا شاة واحدة، فنُهوا عن ذلك. قال الشافعي ﵁: الخطاب في هذا للمصدق ورب المال، والخشية خشيتان: خشية الساعي أن، [تقل] (١)، وخشية رب المال أن يقل ماله، فأمر كل واحد أن لا يُحْدِث في المال شيئًا من الجمع أو التفريق. وانتصب خشية الصدقةة، لأنه مفعول له أي يجمع ويفرق خوفًا من الصدقة الواجبة على الحال. وقوله: "وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان" هذا إنما يصح في خلطة المجاورة لا خلطة المشاركة، وسنذكر الحكم في ذلك آخرًا، وهاهنا نذكر معنى

стр. 1095

اللفظ ومدلوله وذلك أن يكون لأحد الشريكين -مثلًا- أربعون بقرة، والآخر ثلاثون ومالهما مشترك، فيأخذ الساعي عن الأربعن مسنة، وعن الثلاتين تبيعاً، فيرجع باذل المسنة بثلاثة أسباعها على شريكه، ويرجع باذل التَّبِيع على شريكه بأربعة أسباعه لأن كل واحد من السنين واجب على الشيوع كأن المال مِلك واحد. وفي قوله: "بالسَّوِية" دليل على أن الساعي إذا ظلم أحدهما فأخذ منه زيادة على فرضه؛ فإنه يرجع على شريكه وإنما يغرم له قيمة ما يخصه من الواجب دون الزيادة، ومن أنواع التراجع: أن يكون بين رجلين أربعون شاة لكل واحد منهما عشرون، ثم كل واحد منهما يعرف عي ماله، فيأخذ المصدّق من نصيب أحدهما شاة، وفي ذلك دليل على أن الشركة تصح مع تمييز أعيان الأموال عند من ذهب إلى صحة ذلك. والرقة: الفضة المضروبة دراهم وكذلك الوَرِق، والهاء في آخرها عوض من حذف واو الورق، وتجمع الرقة على رقين، ورِقون بكسر الراء فيهما. والأواقيّ -مشدد- جمع أوقية وقد تخفف الياء في الجمع، فيقال: أواقي ويحذف في الوصل لالتقائهما مع التنوين، فيقال: أواق، ومقدار الأوقية المعتبرة في الشرع: أربعون درهمًا، وكذلك كانت في صدر الإسلام ثم غيَّرها العرف الاصطلاحي بين أهل كل قطر وبلد، فيكون الخمس أواقي مائتي درهم، وهي النصاب الذي يوجب الزكاة من الفضة. والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: العمل بصريح هذا الحديث من غير مخالفة. وإليه ذهب أكثر الفقهاء. وحُكي عن النخعي والحسن بن صالح أنهما قالا: إذا بلغت الغنم ثلاثمائة وشاة ففيها أربع إلى أربعمائة، فإذا زادت واحدة ففيها خمس شياه.

стр. 1096

وأما المعلوفة: فلا زكاة فيها ولا في عوامل الإبل والبقر وبه قال أكثر أهل العلم. وقال مالك: تجب في العوامل والمعلوفة. وبه قال ربيعة ومكحول وقتادة. وأما الجمع والتفريق والتراجع فمبناه على الشركة والخُلطة وهي على ضربين: خُلطة في الأعيان والأوصاف، فهو أن تكون الماشية ملك الخلطاء وسهم كل واحد منهم مشاع. وأما خلطة الأوصاف: فأن يكون ملك كل واحد منهما متميزًا عن ملك الآخر، وإنما في المرعى والمسرح. وكلتا الخليطتين تزكيان تزكية واحدة ولا يفرق بينهما ولا يجمع. وبهذا قال الشافعي، وعطاء، والأوزاعي، والليث، وأحمد، وإسحاق. وقال مالك: تصح الخلطة إذا كان مال كل واحد منهما نصابًا تامًا. وقال أبو حنيفة والثوري: لا تأثير للخلطة في الزكاة، ويزكيان زكاة المنفرد. ولا فرق عند مالك والشافعي بين أن تتميز الأعيان، وبين أن لا تتميز، إلا أن مع التمييز تسمى خلطة المجاورة، ومع عدم التمييز تسمى خلطة المشاركة، واشترط الشافعي في خلطة المجاورة: أن يجتمعا في المراح والمسرح وموضع السعي والجلب والفحولة. وأما الخلطة في الذهب والفضة: ففيها للشافعي قولان، وفي الزرع: ثلاثة أقوال. وأما صدقة الورِق فستجيء مشروحة في موضعها إن شاء الله تعالى. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن محمد بن عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري أن

стр. 1097

رسول الله ﷺ قال: "ليس فيما دون خمس ذُودٍ صدقة". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أخبرني أبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "ليس فيما دون خمسة ذود صدقة". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه [قال] (١) سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله ﷺ : "ليس فيما دون خمس ذود صدقة". هذا طرف من حديث صحيح متفق عليه قد أخرجه الجماعة بتمامه. أما مالك (٢): فأخرج الرواية الأولى بإسنادها قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمس أواقي من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود صدقة" (٣). وأخرج الرواية الثالثة بإسنادها، وقال (٤): "ليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة [أوسق] (٥) صدقة". وأما البخاري (٦): فأخرج عن إسحاق بن يزيد، عن شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير أن عمرو بن يحيى بن عمارة أخبره عن أبيه يحيى بن عمارة، أنه سمع أبا سعيد الخدري. وذكر الثلاثة فبدأ بالأواقي، ثم

стр. 1098

بالذود، ثم بالأوسق. وفي أخرى (١): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك إسناد الرواية [الثالثة] (٢) ولفظ مالك. وأما مسلم (٣): فأخرج عن [عمرو] (٤) بن محمد بن بكير الناقد، عن سفيان بإسناد الرواية الثانية، وذكر الثلاثة فبدأ بالأوسق، ثم بالذود، ثم بالأواقي. وله روايات أخرى. وأما أبو داود (٥): فأخرج عن القعنبي، عن مالك بإسناد الرواية الثالثة ولفظ مالك. وأما الترمذي (٦): فأخرج عن قتيبة، عن عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن يحيى بلفظ مالك. وفي أخرى (٧): عن محمد بن بشار، عن ابن مهدي، عن سفيان وشعبة ومالك كلهم عن عمرو بن يحيى. وأما النسائي (٨): فأخرج عن عبيد الله بن سعيد، عن سفيان، عن عمرو بن يحيى. وعن محمد بن المثنى ومحمد بن بشار، عن ابن مهدي، عن سفيان وشعبة ومالك، عن عمرو بن يحيى. هذا الحديث أصل في معرفة المقادير التي تجب فيها الزكاة، فمتى بلغتها تعين

стр. 1099

فيها ما فرضه الله على أربابها، وما نقص عنها فليس فيه حق لئلا يكون إجحافًا بهم. والذود من الإبل: ما بين الثلاث إلى العشرة، واللفظة مؤنثة ولا واحد لها من لفظها، وإنما يقال للواحد من الذود: بعير، كما يقال للواحدة من النساء: امرأة، والكثير: أذواد، وفي المثل: [الذود إلى الذود] (١) فإلى بمعنى "مع" أي إذا جمع القليل مع القليل صار كثيرًا. قال الأزهري: الذود: ما بين الثلاث إلى العشر ولا يكون إلا إناثًا, ولذلك أنَّثَ في الحديث فقال: "خمس ذود" ولم يقل: "خمسة" كما يقال للمذكر. وفي هذا نظر: فإنك تقول: خمس جمال، وخمسة جمال بناء على اللفظ والمعنى. قال الأزهري: قال أبو عبيدة: الذود ما بين الثنتين إلى التسع من الإناث دون الذكور، ويعضد أن أقل الذود ثنتان قولهم: "الذود إلى الذوذ إبل" وأقل الجمع ثلاثة ولا يجتمع الثلاثة إلا من واحد واثنتين، والواحد لا يسمى ذودًا، فنفى أن يكون اجتماعها من ثنتين وثنتين فيحصل وزيادة واحدة. وقيل: الذود ما بين ثلاث إلى خمسة عشر. والمعنى من الحديث: ليس فيما دون خمس من الإبل من صدقة، فإن من ملك أربعة أبعرة فلا صدقة عليه، فإذا صارت خمسة وجا فيها شاة. وقال قوم: معنى الحديث: ليس فيما دون خمسة وعشرين بعيرًا صدقة، فسر قوله: "خمس ذود" بخمس وعشرين إلا أن أول نصاب الإبل تجب فيه زكاة إبل وهو خمس وعشرون وفيها بنت مخاض. فأراد بقوله: "ليس فيها صدقة" يعني من جنسها وإنما تكون صدقتها من غير جنسها، يعني في كل خمس شاة فليس هذا التفسير محال، لأن ما كان من

стр. 1100

الأعداد دون العشرة، فإنه يضاف إلى لفظ الجمع، تقول: خمسة رجال، وخمس نساء، وعليه خمس ذود، والذي أوقع هذا القائل بوهمه أن قوله: "خمس ذود" يريد خمس جماعات من الإبل، وليت شعري لو سلم له هذا لم يصح له، لأن إبل الذود ثنتان أو ثلاث فعلى الأول: يكون الخمس عشر. أو على الثاني: يكون الخمس خمس عشرة. فكيف فسر الخمس بخمس وعشرين؟ وكان يلزمه أن يقول على هذا القياس أن خمسة دراهم هي خمسة وعشرون ولا قائل بهذا أصلاً. والإبل: اسم لجماعة البعران ذكورها وإناثها ولا واحد لها من لفظها، وهي مؤنثة لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدمي فالتأنيث لها لازم، وإذا صغرتها دخلتها التاء المربوطة فقلت: أبيلة وغنيمة، وربما سكنوا الباء في الإبل تخفيفًا، وينسبون إليها بفتح الباء تخفيفًا أيضًا وهربًا من توالي الكسرات، فليس في العربية فعل بوزن إبل إلا صفتان، قالوا: امرأة بان ضخمة، وأتان أبد، وأمة أبد إذا كانت ولودًا (١)، وقالوا في الأسماء: أطل وهي الحاضرة. والمراد بالصدقة في هذا الحديث: الصدقة الواجبة التي هي زكاة الأموال. والأوسق: جمع الوسق -بفتح الواو- وهو ستون صاعًا، والصاع: مكيال يسع خمسة أرطال وثلث بالرطل العراقي، وهو صاع رسول الله ﷺ المشهور عنه بالحرمين، وبه أخذ الشافعي، وهو عند أهل العراق ثمانية أرطال، وبه أخذ أبو حنيفة. والصاع: أربعة أمداد، والمد: رطل وثلث أو رطلان على اختلاف المذهبين. فيكون الوسق على مذهب الحجازين: ثلاثمائة وعشرين رطلاً، والخمسة أوسق ألف وستمائة رطل.

стр. 1101

وعلى مذهب العراقيين: أربعمائة وثمانين رطلًا وألفين وأربعمائة رطل. وهذا هو قدر النصاب من الحب والثمار الذي تجب فيه الزكاة، وما نقص عنه فلا زكاة فيه، وبه قال جميع الفقهاء إلا أبا حنيفة فإنه قال: يجب في القليل والكثير، ولم يعتبر النصاب قياسًا على نفي اعتبار الحول فيه إجماعًا، وخالفه صاحباه. والأواقي: قد ذكرت. والوَرِق -بفتح الواو وكسر الراء- الدراهم المضروبة من الفضة، وقد تسكن الراء مع فتح الواو وقد تكسر الواو أيضاً. وفي هذا الحديث: دليل على أن الفضة لا تجب الزكاة فيها إلا بوزنها دون قيمتها، وأن ما زاد على المائتين اللتين هما مجموع الخمس أواقي، زيادة لا تبلغ النصاب تجب فيه الزكاة بحسابه؛ لأن قوله: "ليس فيما دون خمس أواقي صدقة" يقتضي أن كل ما زاد على الخمس تجب فيه الصدقة، بالغًا ما بلغ قليلاً كان الزائد أو كثيراً. وتوجب زكاة الزيادة، [قاله] (١) علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-، وابن عمر، والنخعي، والثوري، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، والشافعي. وقال الحسن البصري، وعطاء، وطاوس، والشعبي، ومكحول، والزهري، وأبو حنيفة: لا شيء في الزيادة حتى تبلغ أربعين درهمًا (٢).

стр. 1102

وقد أخرج الشافعي (١) ﵁ فيما بلغه عن شريك، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي أنه قال: "إذا زادت الإبل على عشرين ومائة، ففي كل خمسين: حقة، وفي كل أربعين: بنت لبون". وعن عمرو بن الهيثم وعن غيره، عن شعبة، عن أبي إسحاق عن عاصم، عن علي مثله. قال الشافعي: فبهذا نقول وهو موافق للسنة، وهذا الحديث أورده الشافعي محتجًا على من خالفه، فيما رواه عن علي بن أبي طالب أنه قال في الإبل: إذا زادت على عشرين ومائة ترد الفرائض إلى أولها، فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة. قال الشافعي: هذا مجهول عن علي، وأكثر الرواة على أن الذي روى هذا عن علي ﵇ غلطِ عليه، وأن هذا ليس في حديثه، ثم ذكر هذه الرواية التي أخرجها، وقال: قال [عباد] (٢) ومحمد بن يزيد (٣)، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ : "فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون". قال الشافعي: وقال أبو كامل: عن حماد بن سلمة، عن ثمامة، عن أنس، عن أبي بكر فذكر هذا. قال الشافعي: وهم لا يأخذون بهذا، يقولون: إذا زادت على عشرين ومائة استقبل بالفرائض أولها، فكان (٤) في كل خمس شاة إلى أن يبلغ خمسين

стр. 1103

ومائة، ففي كل خمسين حقة، وهذا قول متناقض؛ لا أثر ولا قياس، فيخالفون ما روي عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر والثابت على علي عندهم، إلى قول إبراهيم وشيء يغلط به عن علي ﵁ تم كلام الشافعي. ثم أكثر الرواة والحفاظ أحالوا في حديث علي هذا بالغلط على عاصم بن ضمرة، قالوا (١): قد روى في هذا الحديث ثلاثة أحكام بخلاف ما رواه سائر الناس. منها: ما ذُكر في الإبل إذا زادت على عشرين ومائة رجعت الفريضة إلى أولها، وقد خولف فيه. ومنها: ما ذكر في المصدق إذا أخذ سنًا فوق من رد عليهم عشرة دراهم أو شاتين، وإذا أخذ سنًا دون سن ردوا عليه عشرة دراهم أو شاتين، وهذا بخلاف رواية الناس في العشرة. ومنها: ما ذكر في الإبل إذا كانت خمسًا وعشرين ففيها خمس شياه، وهذا بخلاف رواية الناس، وقد ذكر الشافعي هذا عنه وذكر يعضد. قال الشافعي فيما بلغه: عن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي إسحاق [عن] (٢) عاصم بن ضمرة، عن علي قال: في خمس وعشرين من الإبل خمس من الغنم. قال: ولسنا ولا إياهم ولا أحدًا علمناه يأخذ بهذا، وقد قال يحيى بن آدم، عن سفيان الثوري وقد ذكر قول علي بهذا -يعني في خمس وعشرين خمس شياه، فقال: كان علي أفقه من أن يقول هذا إنما هذا من قبل الرجال. والعجب أن سفيان رواه عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، ثم قال فيه: ما رواه عنه يحيى بن آدم من هذا القول وترك من الحديث فلم يأخذ

стр. 1104

به وأخذ بالحكمين الآخرين، وقد خولف فيهما أيضًا كما خولف في هذا. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاووس أن معاذا أتي بوقص البقر فقال: لم يأمرني [فيه] (١) النبي ﷺ [بشيء] (١). قال الشافعي: فالوقص: ما لم يبلغ الفريضة. قال البيهقي: كذا رواه الربيع "الوقس" بالسين، وفي كتاب البويطي بالصاد، والذي رأيته ورويته أنا في المسند الذي يرويه الربيع إنما هو بالصاد، وهو الصحيح والمشهور في اللغة. والوقص: قد تقدم بيانه وأن الجوهري رواه مفتوح القاف، وكذلك قال: إن الوقص بالبقر دون الإبل، وأن الشق يختص بالإبل. قال الشافعي عقيب هذا: ويشبه أن يكون معاذًا إنما أخذ الصدقة بأمر رسول الله ﷺ وقد روي عنه: أوتي بما دون ثلاين فقال: لم أسمع من النبي ﷺ فيه شيئًا. وعني الشافعي من هذا الحديث: أن البقر إذا لم يبلغ النصاب الذي تجب فيه الزكاة فلا شيء فيها، كما وجب في كل خمس من الإبل شاة إلى أن يبلغ خمسًا وعشرين، فهذا هو الذي ذهب إليه الشافعي. وقد روي عن أبي هريرة، وابن المسيب، أن على كل خمس من البقر شاة قياسًا على الإبل. وليس للقياس في فرائض الزكاة مجال، فإنها كلها ثابتة بالنص فيتعين الوقوف عنده. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن حميد بن قيس. -وهو المكي-، عن طاوس اليماني أن معاذ بن جبل أخذ من ثلاثين بقرة

стр. 1105

تبيعًا، ومن أربعين بقرة مسنة، وأتى بما دون ذلك فأبى أن يأخذ منه شيئًا، وقال: لم أسمع من رسول الله ﷺ فيه شيئًا حتى ألقاه فأسأله. فتوفي رسول الله ﷺ قبل أن يقدم معاذ بن جبل. قال الشافعي (١): وطاوس عالم بأمر معاذ وإن كان لم يلقه على كثرة من لقيه ممن أدرك معاذًا من أهل اليمن. هذا الحديث أخرجه مالك، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. فأما مالك (٢): فأخرجه هكذا مرسلاً بالإسناد واللفظ: والحديث نفسه مسند مرفوع عن طاوس، عن ابن عباس، عن معاذ، وقد أخرجه الدارقطني في "سننه" كذلك (٣). وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن النفيلي، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن معاذ "أن النبي ﷺ لما وجَّهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعًا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، ومن حالم -يعني محتلمًا- دينارًا أو عدله من المعافري -ثياب تكون باليمن".

стр. 1106

وفي أخرى (١) عن النفيلي وعثمان بن أبي شيبة، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن مسروق، عن معاذ. وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن محمود بين غيلان، عن عبد الرزاق، عن سفيان، عن الأعمش بإسناد أبي داود وحديثه. وأما النسائي (٣): فأخرجه عن محمد بن منصور الطوسي، عن يعقوب، عن أبيه، عن [ابن] (٤) إسحاق، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن معاذ قال: "أمرني رسول الله ﷺ حين بعثني إلى اليمن أن لا آخذ من البقر شيئًا حتى يبلغ ثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها عجل جذع أو جذعة حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة". البقرة: واحدة البقر ويقع على الذكر والأنثى، فإنما دخلته الهاء لأنه واحد من جنس. والتبيع: ولد البقر إذا كان له سنة ودخل في الثانية، والأنثى تبيعة، والجمع تباع وتبايع، ويسمى جذعًا والأنثى جذعة. وإنما سمي تبيعًا: لأنه يتبع أمه ولم يكن قد فصل عنها. وقيل: لأن قرنه يتبع أذنه وليس بشيء. والمسن من البقر والمسنة: ما دخل في السنة الثالثة.

стр. 1107

والحالم: المحتلم وهو الذي بلغ سن التكليف برؤية الماء، وقد يطلق على من بلغ سن التكليف بالسن المحدودة في الشرع، وهي خمس عشرة سنة للذكر. وعدل الشيء -بفتح العين- مثله في القيمة، وبكسرها مثله في الصورة، والأول هو المراد في الحديث. والمعافري: ثياب تكون باليمن منسوبة إلى معافر وهم حي من همدان، ولا ينصرف معرفة ولا نكرة، لأنه جاء على مثال الجمع الذي لا نظير له في الآحاد. وهذا العوض من المعافري هو الواجب في الجزية وليس من الزكاة في شيء. والعجل: ولد البقرة والأنثى عجلة. والذي ذهب إليه الشافعي في زكاة البقر: العمل بظاهر لفظ هذا الحديث، وليس عنده شيء في أوقاصها لا قبل الثلاثين، ولا بين الثلاثين والأربعين، ولا بين الأربعين والستين. وعلى هذا القياس في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة لا فرض في زكاة البقر سواهما. وبه قال مالك، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو حنيفة في إحدى الروايات عنه، وسفيان الثوري، والحسن بن صالح، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور. وروي عن الحسن بن زياد أنه قال: ما زاد على الأربعين فبحساب ذلك، في كل واحد ربع عشر مسنة. وروى عن الحسن بن زياد أنه قال: لا شيء فيها حتى تبلغ خمسين، فيكون فيها مسنة وربع مسنة. ولا يجوز أن يفعل في صدقة البقر ما فعل في صدقة الإبل، من عطاء الموجود عند عدم الفريضة، والجبران في الزيادة والنقصان، لأن ذلك منصوص عليه، وهذا لم يورد فيه نص، ولا يجوز العدول في الزكاة إلى القياس عند الشافعي

стр. 1108

-﵁ ولكن إذا وجب عليه تبيعًا فأعطى تبيعة أو مسنة؛ أو وجب مسنة فأعطى تبيعين جاز، لأن المعطى أفضل وأنفع، ولو وجب مسنة فأعطى مسنًا لم يجز لعدم الفضيلة. وقد أخرج الشافعي ﵁ قال: وأخبرني غير واحد من أهل اليمن عن عدد [مضوا] (١) منهم: أن معاذًا أخذ صدقة البقر منهم كما روى طاوس، قال: وأخبرنا بعض أهل العلم والأمانة عن يحيى بن سعيد، عن نعيم ابن سلامة أن عمر بن عبد العزيز دعا بصحيفة، فزعموا أن رسول الله ﷺ كتب بها إلى معاذ بن جبل، فإذا فيها من كل ثلاثين تبيع، ومن كل أربعين مسنة. قال الشافعي: فهو ما لا أعلم فيه بين أحد لقيته من أهل العلم خلافًا؛ فبه نأخذ. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان بن عيينة، حدثني بشر ابن عاصم، عن أبيه أن عمر استعمل أبا سفيان بن عبد الله على الطائف ومخالفيها، فخرج مصدقا فاعتد عليهم الغذاء (٢) ولم يأخذه منهم، فقالوا له: إن كنت معتدًا علينا بالغذي فخذه منا، فأمسك حتى لقي عمر، فقال له: اعلم [أنهم] (٣) يزعمون أنا نظلمهم نعتد عليهم بالغذي ولا ناخذه منهم، فقال له عمر: فاعتدى (٤) عليهم بالغذي حتى بالسخلة، يروح بها الراعي على يده، وقيل لهم: لا آخذ منكم الرُّبى ولا الماخص، ولا ذات الدر، ولا الشاة الأكولة، ولا فحل الغنم، وخذ العناق والجذعة والثنية، فذلك عدل بين غذي المال

стр. 1109

وخياره. هذا الحديث أخرجه مالك (١): عن ثور بن زيد الديلي، عن ابنٍ لعبد الله بن سفيان الثقفي، عن جده سفيان بن عبد الله أن عمر بن الخطاب بعثه مصدقًا، وكان يعد على الناس بالسخل، فقالوا: تعد علينا بالسخل ولا تأخذ منه شيئًا، فلما قدم على عمر بن الخطاب ذكر ذلك، فقال عمر بن الخطاب: تعد عليهم بالسخلة يحملها الراعي ولا تأخذها منهم، ولا تأخذ الأكولة، ولا الرُّبى، ولا الماخص، ولا فحل الغنم، ولا تأخذ (٢) الجذعة والثنية، وذلك عدل بين غذاء المال وخياره. وقد أخرج الشافعية ﵁ في القديم هذه الرواية عن مالك أيضاً، إلا أنه قال: بين أدنى المال وخياره. المخاليف لليمن كالرساتيق والكور (٣) لغيرها من البلاد، والواحد مخلاف ولكل مخلاف منها اسم يعرف به، وقد سمي كور الطائف مخاليف كذلك. والاعتداد: افتعال من عدَّ الشيء يعده عدًّا، واعتده يعتده اعتدادًا. والغذي من الغنم: هو السخلة حملًا كان أو جديًا، والجمع الغذاء، وحقيقته أنه فعيل بمعنى مفعول، أي أن غذاه من لبن أمه. وقد جاء في رواية الشافعي في المسند بلفظ الواحد؛ في أول الحديث وآخره، وجاء في رواية مالك بلفظ الجمع، والذي جاء في كتاب البيهقي بلفظ الجمع. أما وروده في أول الحديث بلفظ الواحد فلا كلام فيه، لأن الحال كذا

стр. 1110

يقتضي [فرد ذكره] (١) حيث قال: أعتد عليهم بالغذي ولم يأخذه منهم. فرد التخيير إليه مفردًا. وأما الذي جاء في آخر الحديث، فالأحسن أن يكون مجموعًا ليقابل قوله: "خياره" لأن الخيار ضد الأشرار وهو يقع على الجماعة، وإنما حسن ذلك إن كان كذي حاجز من وقوع كل واحد من الغذي والخيار على الواحد والجمع، كأنهما يستعملان استعمال الأجناس، تقول للراعي: اجمع الغذي من غنمك، ولا تريد به حملًا واحداً وإنما تريد كل ما يقع عليه اسم الغذي، فتوقعه على الجمع، وتقول: هذه الشاة خيار الغنم. فتوقعها على الواحد، فعلى ذلك جاء قوله: وذلك عدل بين غذي المال وخياره. والسخلة: اسم يقع على ولد الشاة ساعة ما تضعه، من الضأن والمعز ذكرًا أو أنثى، وجمعه: سجل وسخال. وقوله: يروح بها الراعي على يده: يريد وقت ما ترجع الغنم إلى مراحها، فهو يرجع معها والسخلة على يده، حملها لعجزها عن المشي وقرب ولادتها. والرُّبى: على فعلى بوزن حبلى، الشاة القريبة العهد بالولادة، والجمع: رباب -بالضم-، والمصدر: رباب -بالكسر- تقول العرب: الشاة في ربابها، كما تقول: المرأة في نفاسها، والضأن والمعز سواء. وقيل: هي من المعز خاصة فربما جاء في الإبل، قالوا: والشاة ربى إلى انقضاء شهرين. وقال قوم: الربى هي الشاة التي تكون في البيت لأجل اللبن. والماخض: الحامل إذا ضربها الطلق، تقول: مخضت الناقة -بالكسر- تمخض مخاضًا، وكل حامل ضربها الطلق فهي ماخض، والجمع مخض،

стр. 1111

وليست من الماخض التي يجب منهما في الزكاة، فإن ذلك اسم يقع على الحوامل من النوق. والدر: اللبن، وذوات الدر: الشاة التي تكون [للبن] (١). والأكولة: الشاة التي أعدت للأكل لسمنها وامتلائها، فعولة بمعنى مفعولة. وفحل الغنم: الكبش من الضأن، والتيس من المعز المعدين للضراب. والعناق: الأنثى من ولد المعز، والجمع: أعنق وعنوق، وهي في الإناث كالجدي في الذكور. والجذعة من الغنم مختلف فيها: فقال قوم: هو من الضأن ما دخل في السنة الثانية. وقيل: إذا أتم ستة أشهر من السنة الأولى. وقيل: تسعة أشهر. وقيل: إذا كان الجذع من الضأن بين شاتين، فإنه يجذع لستة أشهر إلى سبعة أشهر، وإن كان بين هرمين فإنه يجذع لثمانية أشهر. وقال الأصمعي: الجذع من المعز لستة أشهر، ومن الضأن لثمانية أشهر أو تسعة. وأما الثنية: فهي من الضأن والمعز ما ألقى ثنيته، وذلك في السنة الثالثة. قال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني -رحمه الله تعالى-: الذي عليه التعويل في الجذعة: أنها التي استكملت سنة ودخلت في الثانية. وهكذا رواه الرياشي (٢) عن الشافعي، قال: ومن أصحابنا من قال: إذا استكملت ستة أشهر فهي جذعة. وهذا ضعيف نقلوه وزيفوه.

стр. 1112

وقال في بعض التصانيف: أن الجذعة ما بين ثمانية أشهر إلى عشرة أشهر، قال: ولست أرى لهذا أصلاً، والتعويل على استكمال الجذعة. والجذعة من الضأن تحمل، ومن المعز لا تحمل، وإنما يحمل منها الثنية، ولذلك قابل بينهما. والعدل: الوسط وهو من الاعتدال التساوي والتوافق بين الأشياء، يريد أن هذه الأشياء المذكورة وسط بين الجيد والرديء، فلا يأخذ منهم الجيد فتؤذيهم، ولا الرديء فيؤذي مستحق الزكاة. وفي هذا الحديث: بيان عد السخال في أموال الزكاة، وبيان ما يؤخذ من أنواع الغنم في الزكاة، وبيان ما لا يؤخذ منها, ووجه سببي المنع والجواز. وأما عد السخال فإنها تضم إلى الأمهات بثلاث شرائط: إحداها: أن تكون متولدة منها. والثانية: أن تكون الأمهات نصابًا. والثالثة: أن يوجد معها في بعض الحول. وحكي عن الحسن البصري والنخعي أنهما قالا: لا تجب في السخال زكاة حتى يحول عليها الحول. وأما ما يؤخذ في زكاة الغنم: فهو الجذعة من الضأن والثنية من المعز. قاله أحمد. وقال أبو حنيفة: لا تجزئ إلا الثنية. وقال النخعي: وروى الحسن بن زياد عنه مثل الشافعي. وقال مالك: تجزئ الجذعة منهما. وبه قال أبو عبيد، وإسحاق، وأبو ثور. وأما سبب المنع: فإنما نهاه عن أخذ الربى فلأجل ولدها لتربيه.

стр. 1113

وأما الماخض: فلأجل طلقها ولأنها تصير ربى. وأما ذات الدر: فلأن أهلها محتاجون إليها للبنها فيكون إضرارًا بهم. وأما الأكولة: فلسمنها وجودتها ونفاستها على أهلها. وأما فحل الغنم: فلأنه ليس في زكاة الغنم ذكر، ولا يجزئ فيها إلا الأنثى، إلا أن يكون كلها ذكورًا فيجوز أخذ الذكر فيها. وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة: يؤخذ منها الذكر وإن كانت كلها إناثا. وقيل: إنما لم يؤخذ فحل الغنم لحاجتهم إليه. وقيل: لنقص في لحمه وشحمه. فإن كانت الغنم كلها سخالًا أخذ منها سخلة، وسواء ضأنها ومعزها. وقال مالك: لا يؤخذ إلا جذعة أو ثنية. ولا شبهة أن حق الفقراء إنما هو في النمط الأوسط من المال، فإذا أخذ خيارها جحف بأربابها وإذا أخذ شراره بخس المستحقين وهذا بمعنى قوله: "فذلك عدل بين غذي المال وخياره". قال الشافعي ﵁ إنما منعني أن آخذ أعلاها إذا كانت الغنم كلها أعلى منها، أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ حين بعثه مصدقا: "إياك وكرائم أموالهم" وكرائم الأمو فيما هو أعلى من كل ما يجوز ضحيه. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد [عن] (١) إسماعيل بن أمية، عن عمرو بن أبي سفيان، عن رجل سماه ابن سعر -إن شاء الله- عن سعر أخي بني عدي قال: "جاءني رجلان فقالا: إن رسول الله ﷺ بعثنا نصدق أموال الناس قال: فأخرجت لهما شاة ماخضًا أفضل ما

стр. 1114

وجدت، فرداها عليَّ وقالا: إن رسول الله ﷺ نهانا أن نأخذ الشاة الحبلى قال: فأعطيتهما شاة من وسط الغنم فأخذاها". هذا الحديث أخرجه أبو داود، والنسائي أطول من هذا اللفظ. وأما أبو داود (١): فأخرجه عن الحسن بن علي، عن وكيع، عن زكريا بن إسحاق المكي، عن عمرو بن أبي سفيان الجمحي، عن مسلم بن ثفنة اليشكري، قال الحسن: وروح يقول: مسلم بن شعبة، قال: استعمل ابن علقمة (٢) أبي على عرافة قومه، فأمره أن يصدقهم، قال: فبعثني أبي في طائفة منهم، فأتيت شيخاً كبيرًا يقال له: سعر، فقلت له: إن أبي بعثني إليك -يعني لأصدقك- قال ابن أخي وأي نحو تأخذون، قلت: نختار حتى أنا نتبين ضروع الغنم، قال ابن أخي فإني محدثك "إني كنت في شعب من هذه الشعاب على عهد رسول الله ﷺ في غنم لي، فجاءني رجلان على بعير فقالا: إنا رسولا رسول الله ﷺ إليك لتؤدي صدقة غنمك فقلت: [ما علي] (٣) فيها؟ فقالا: شاة، فأعمد إلى شاة قد عرفت مكانها ممتلئة محضًا [وشحمًا] (٤) فأخرجتها إليهما، فقالا: هذه شاة الشافع، وقد نهانا رسول الله ﷺ أن نأخذ شافعًا، قلت: فأي شيء [تأخذان] (٥) قالوا: عناقًا جذعة أو ثنية، قال: فأعمد إلى عناق معتاط - والمعتاط: التي لم تلد وقد حان ولادها- فأخرجتها إليهما، فقالا: ناولناها فجعلاها معهما على بعيرهما ثم انطلقا". قال أبو داود: وأبو عاصم رواه عن زكريا، وقال أيضاً: مسلم بن شعبة كما قال روح.

стр. 1115

وله في أخرى (١): عن محمد بن يونس النسائي، عن روح، عن زكريا بن إسحاق بإسناده بهذا الحديث، قال: مسلم بن شعبة، وقال فيه: والشافع [التي] (٢) في بطها ولد. وأما النسائي (٣): فأخرجه عن محمد بن عبد الله بن المبارك، عن وكيع، عن زكريا بإسناد أبي داود ولفظه، وزاد فيه فقال: هذه الشافع، والشافع: الحامل. وفي أخرى (٤): عن هارون بن عبد الله، عن روح، عن زكريا بالإسناد، ولم يقل شعبة. قوله: "نصدق أموال الناس" أي نأخذ صدقاتها. "والماخض: الحامل، وقد تقدم ذكرها. ويدل على ذلك قوله: "نهانا أن نأخذ الشاة الحبلى". ووسط الشيء وأوسطه: ما ليس بخياره ولا رديئه، فقال: شيء وسط بين الجيد والرديء. ونحو الشيء: قصده وطريقته، والمراد بقوله: أي نحو تأربون. أي نوع يأخذون، وأي قصد تقصدون في أخذكم، وأي طريق تسلكون في صدقاتكم. "والعرافة": كالنقابة والرياسة وأمثال ذلك، من المراتب التي يتقدم فيها الإنسان على جماعة يكون حكمهم إليه، وهي دون الرياسة، تقول منها:

стр. 1116

عرف الرجل -بالضم- يعرف عرافة -بالفتح - أي صار عريفاً، والجمع: عرفاء، فإذا أردت أنه عمل ذلك قلت: عرف -بالفتح- علينا يعرف. -بالضم- عرافة -بالكسر- مثل: كتب يكتب كتابة. "والشعب في الجبل": هو الطريق الآخذ فيه كالوادي في جانبه، وعمدت إلى الشيء أعمد: إذا قصدت نحوه وتعمدت فعله. "والمحض": اللبن الخالص، وهو الذي لم يخالطه الماء حلوًا كان أو حامضًا، ولا يسمى اللبن محضًا إلا إذا كان كذلك. والشاة الشافع: هي التي معها ولدها كان ولدها قد جعلها شفعًا، أي زوجًا، أو شفعته هي. وقوله: "شاة الشافع" بالإضافة وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة كقولهم: صلاة الأولى ومسجد الجامع، أي: الصلاة الأولى والمسجد الجامع. "والعناق": الأنثى من ولد المعز. "والمعتاط": قد جاء في لفظ الحديث أنها التي لم تلد وقد حان ولادها، والذي جاء في كتب اللغة قال الأزهري: إذا لم تحمل الناقة أول سنة يطرقها الفحل وهي عائط، فإذا لم تحمل السنة القابلة أيضاً فهي عيط وعوط وعوطط. "وتعوطت": إذا حمل عليها الفحل فلم تحمل، ويقال للناقة التي لم تحمل سنوات من غير اعتاطت، قال: وربما كان اعتياطها من قبل شحمها. وهذا بخلاف ما جاء تفسيره، اللهم إلا أن يقال: المراد بقوله: "التي لم تلد وقد حان ولادها" التي لم تحمل وقد حان أن تحمل، ويكون ذلك من قبل معرفة سنها، وأنها قد كانت صغيرة لا تحمل مثلها، وأنها قد قاربت السن التي لم تحمل مثلها فيها، فيكون قد سمي الحمل بالولادة، ويعضد هذا القول أنه قال: "وأعمد إلى عناق معتاط" والعناق: هي الصغيرة من أولاد المعز، والمعز لا

стр. 1117

يحمل منها إلا ما دخل في السنة الثالثة وهي الثنية، يقال: إنها عناق، وأنها عناق، وأنها معتاط، وبهذا التأويل يصح تفسير الحديث، وكذلك العناق لا تجزئ في الزكاة إلا أن تكون الغنم كلها أعنقًا عند الشافعي، وإنما تجزئ في الذكورة الثنية من المعز -كما تقدم بيانه. وقد ثبت أن غنمه لم تكن كلها أعنقاً، لأنه قال: "أعطيتهم شاة شافعا" فدل ذلك على أنه أراد بقوله: "عناقاً معتاطًا" عنزًا قد قاربت سن العمل -كما تقدم بيانه- والله أعلم. والولاد، والولادة بمعنى، تقول: ولدت المرأة ولادة ولادًا وأولدت: حان ولادها. وقد جاء في رواية النسائي: "والشافع للحائل"، وليس بصحيح وإنما هو الحامل -بالميم-ة، لأن الحائل التي ليست حاملاً وسياق الحديث يدل على الحمل. وفقه هذا الحديث: أن الساعي لا يختار على أرباب المال خيار أموالهم ولا يأخذ الرديء منها، وقد تقدم بيان ذلك قبل هذا. وأخبرنا ﵁: عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد ابن يحيى بن حبان قال: أخبرني رجلان من أشجع "أن محمد بن مسلمة كان يأتيهم مصدقًا، فيقول لرب المال: أخرج إلي صدقة مالك، فلا يقود إليه شاة فيها وفاء من حقه إلا قبلها". هذا حديث صحيح (١) أخرجه مالك (٢) بالإسناد واللفظ، وقال: السنة عندنا والذي أدركت عليه أهل العلم (٣)، أنه لا يضيق على المسلمين في زكاتهم، وأن يقبل منهم ما دفعوا من أموالهم.

стр. 1118

والوفاء: التمام، ومنه: وفىَّ دينه وأوفاه، أي: أعطاه تامًا وافيًا. وفي هذا الحديث: بيان أن ليس للساعي أن يختار على الناس أموالهم، وإنما له عليهم أن يعطوه ما يريدون من أموالهم، إذا كان ما يعطونه جائزًا في الصدقة طلبًا للرفق بهم. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان، عن القاسم بن محمد، عن عائشة -زوج النبي ﷺ أنها قالت: "مُرَّ [على] (١) عمر بن الخطاب بغنم من الصدقة، فرأى فيها شاة حافلًا ذات ضرع، فقال عمر: ما هذه الشاة؟ فقالوا: شاة من الصدقة، فقال عمر: ما أعطى هذه أهلها وهم طائعون، لا تفتنوا الناس، لا تأخذوا حَزَرات المسلمين، نكبوا عن الطعام". هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ بالإسناد واللفظ (٢)، وقال: ذات ضرع عظيم. والحافل: هي الشاة التي قد امتلأ ضرعها لبنًا، هكذا فقال: بغير هاء. وقوله: "ذات ضرع" يريد ضرعًا ظاهرًا ممتلئًا لبنًا يراه كل من نظر إليه، ولم يرد به ثبوت مجرد الضرع لها، فإن ذلك لها سواء كانت حافلًا أو غير حافل، ويدل على ذلك رواية مالك: "ذات ضرع عظيها" فوصفه بالعظم لحفوله وامتلائه. قوله: "لا تفتنوا الناس" أي لا توقعوهم في الفتنة وهي البلاء، وذلك أن الساعي إذا كلف رب المال خير ماله وأجوده؛ أوقعه في الكراهة بإخراج الزكاة والتبرم بها، وأوقعه بذلك في الإثم، وربما دعاه إلى ما هو أكثر من الإثم. والحزرات -بفتح الحاء المهملة، وفتح الزاي، وبعدها راء-: جمع حزرة

стр. 1119

وهي خيار المال، ويقال: هذه حزرة نفسي أي خير ما عندي. ونكبت عن الشيء: إذا صدفت عنه وتركته. والطعام: يريد به اللبن الذي في ضرع هذه الشاة، فإنكم إذا أخذتموها فقد ضايقتم عليهم في مواشيهم بأخذ طعامهم، وذلك إضرار بهم وإجحاف، وقد تقدم بيان ما يأخذه المصدق من الزكاة، وأنه لا يأخذ الخير الفاضل ولا الدون الناقص، وإنما يأخذ وسط المال، إلا أن يكون فيه نصاب كله خيار، ونصاب كله رديء، فيأخذ من الجيد جيدًا، ومن الرديء رديئًا.

стр. 1120

الباب الثالث في زكاة الثمار والزروع أخبرنا الشافعي ﵁: عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي صعصعة المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه أنه قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة قال: سمعت عمرو بن يحيى المازني يحدث عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة". هذا طرف من حديث صحيح قد أخرجه بطوله الجماعة، وقد ذكرنا طرقه في الباب الثاني، وهو يتضمن ذكر الذود، والوسق والأواقي، ولما ذكر الشافعي هناك الذود ذكر هنا الأوسق، لأنه باب زكاة الثمار. ومذهب الشافعي: أن زكاة الثمار والزروع وما تخرجه الأرض، في خمسة أوسق من كل مقتات أنبتته الأرض مملوكة كانت أو مستأجرة، خراجية أو غير خراجية ولا زكاة -على الجديد- في الزيتون واللوز، والجوْز، والوَرْس، والزعفران، والعصفر، كما لا زكاة في الفواكه والخضروات. وتفصيل مذهبه في الفواكه: لا تجب الزكاة إلا في النخيل والكروم وبه قال مالك.

стр. 1121

وقال أبو حنيفة: تجب في كل ما يقصد بزراعته بالأرض، فيجب في كل ما تنبته الأرض إلا الحطب والقصب (١) والحشيش. وقال أحمد: تجب في جميع الثمار التي تكال وتدخر، سواء استنبته الآدمي أو نبت بنفسه، وأوجبها في اللوْز وأسقطها عن الجوْز. قال الشافعي: ما جمع أن يزرعه الآدميون ويدخر ويقتات مأكولاً، خبزًا وسويقًا وطبيخًا؛ ففيه الصدقة. وقال: لا يؤخذ في شيء من الشجر غير النخيل والعنب، فإن رسول الله ﷺ أخذ الصدقة منهما وكانا قوتًا، وقد صح (٢) عن النبي ﷺ حين بعث أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن أن لا يأخذ هذه الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب والتمر. قال الشافعي في كتاب "اختلافه مع مالك" (٣) بعد حديث أبي سعيد هذا: فأخذنا نحن وأنتم بهذا وخالفنا فيه بعض الناس، فقال: قال الله ﵎ لنبيه ﵇: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٤) [و] (٥) قال النبي [ ﷺ ]، (٦): "فيما سقت السماء العشر". لم يخصص الله مالاً دون مال، ولم يخصص رسول الله ﷺ في هذا الحديث مالاً دون مال، فأخذت بهذا الحديث الذي يوافق كتاب الله والقياس عليه، وقلت: لا يكون مال فيه صدقة

стр. 1122

ومال لا صدقة فيه، فكل ما أخرجته الأرض من شيء وإن حزمة بقل ففيه العشر. قال الشافعي: فكانت حجتنا عليه أن رسول الله ﷺ المبين عن الله معنى ما أراد، أبان ما يؤخذ منه من الأموال دون ما لم يرد، وأن الحديث عن رسول الله ﷺ "فيما سقت السماء العشر" جملة والمفسر يدل على الجملة. قال: وقد سمعت من يحتج عنه، فيقول كلامًا يريد به قد قام بالأمر بعد النبي ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وأخذوا الصدقات في البلدان أخذًا عامًا وزمانًا طويلاً، فما روي عنهم ولا عن واحد منهم أنه قال: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ثم قال: وللنبي ﷺ عهود ما هذا في واحد منها وما رواه عن النبي ﷺ إلا أبو سعيد الخدري. قال الشافعي: وكانت حجتنا أن المحدث لما كان ثقة اكتفي بخبره ولم نرده بتأويل، ولا بأنه لم يروه غيره، ولا بأن لم يرو عن أحد من الأئمة مثله، اكتفاء بسنة رسول الله ﷺ عما دونها، وبأنها إذا كانت منصوصة بينة لم يدخل عليها تأويل كتاب، لأن النبي ﷺ أعلم بمعنى الكتاب، ولا تأويل حديث جملة يحتمل أن يوافق قول النبي ﷺ المنصوص ويخالفه، وكان إذا احتمل أحد المعنيين أن يكون موافقًا له، ولا يكون مخالفًا فيه ولم يوهنه أن لم يروه إلا واحد عن النبي ﷺ . تم كلامه. وقد روى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ مثل ما رواه أبو سعيد الخدري، وقد روى سليمان بن داود الخولاني، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ : "أنه كتب إلى أهل اليمن كتابًا، فذكر فيه ما سقت السماء أو كانت سيحًا (١)، أو كان [بعلاً] (٢) ففيه العشرة إذا بلغ خمسة أوسق، وما سقي بالرشاء والدالية، ففيه

стр. 1123

نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق". وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: "صدقة الثمار والزروع ما كان نخلاً، أو كرمًا، أو زرعًا، أو شعيرًا، أو سلقًا، فما كان منه بعلًا أو سقيًا بنهر أو بالعين أو عثريا بالمطر؛ ففيه العشر من كل عشرة واحد، وما كان منه يسقى بالنضح، ففيه نصف العشر في عشرين واحداً". هذا حديث صحيح أخرجه الشافعي موقوفًا، وأخرجه البخاري، وأبو داود، والنسائي مرفوعًا. فأما البخاري (١): فأخرجه عن سعيد بن أبي مريم، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر". وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن أحمد بن الحسن، عن سعيد بن أبي مريم بإسناد البخاري مرفوعًا مثله. وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن هارون بن سعيد [بن] (٤) الهيثم الأيلي (٥)،

стр. 1124

عن ابن وهب بإسناد البخاري مرفوعًا عن النبي ﷺ قال: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر" (١). وأما النسائي (٢): فأخرجه برواية أبي داود مثله. وقد أخرج مالك المعنى مرسلًا (٣) عن سليمان بن يسار وبسر بن سعيد، عن النبي ﷺ . ورواه الشافعي في القديم (٤) عن مالك أيضاً، وقال: بلغني أن هذا الحديث. -يعني حديث سليمان بن يسار- يوصل من حديث ابن أبي ذباب عن النبي ﷺ ولا أعلم مخالفًا (٥). السُلت: -بالضم- شعير أبيض ليس فيه قشر كأنه حنطة. والبعل: ما يشرب من الشجر بعروقه من غير سقي من السماء ولا غيرها. قال الأزهري: فسره الأصمعي وأبو عبيد، وجاء القتيبي فغلَّط [أبا] (٦) عبيد

стр. 1125

-وهو بالغلط أولى (١) - قال: وهذا الصنف من النخيل رأيته بالبادية، وهو ينبت من النخل في الأرض تقرب ماؤها، فرسخت عروقها في الماء واستغنت عن ماء السماء والسيول وغيرها من الأنهار، يقال: قد استعبل النخل. وقال الجوهري: قال أبو عمرو: البعل والعدْي واحد، وهو ما سقته السماء. وقال الربيع: قال الشافعي: البعل الذي بلغت عروقه الماء. والعَثَرِي -بفتح العين، وفتح الثاء المثلثة، وكسر الراء، وتشديد الياء: العذي من المزروعات التي لا يسقيها إلا ماء المطر. والعشور: جمع عشر، والمراد: ففي كل ما بلغ النصاب العشر. والنضح: أراد به هاهنا: الاستقاء. والناضح: البعير الذي يستقي عليه، يقولون: فلان يسقي نخيله بالنضح، وهو مصدر نضحت أنضح نضحًا، وهو في الأصل الماء القليل، وهو الشرب دون الري هذا الأصل، فكان مما يسقى بالاستقاء يكون شربه قليلاً، خلاف ما يشرب من الأنهار والعيون. والسواني: جمع سانية وهو ما يستقى عليه من الإبل والبقر، تقول منه: سنا سنوا إذا استقى. وهذا الحديث: مسوق لبيان المقدار الذي تجب فيه الزكاة منها. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا عبد الله بن نافع، عن محمد ابن صالح التمار، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن عتاب بن أسيد أن رسول الله ﷺ قال في زكاة الكرم: "يخرص كما يخرص النخل ثم تؤدى زكاته زبيبا، كما تؤدى زكاة النخل تمرًا".
следующие страницы →