وقال أبو حنيفة: تجب في كل ما يقصد بزراعته بالأرض، فيجب في كل ما تنبته الأرض إلا الحطب والقصب (١) والحشيش.
وقال أحمد: تجب في جميع الثمار التي تكال وتدخر، سواء استنبته الآدمي أو نبت بنفسه، وأوجبها في اللوْز وأسقطها عن الجوْز.
قال الشافعي: ما جمع أن يزرعه الآدميون ويدخر ويقتات مأكولاً، خبزًا وسويقًا وطبيخًا؛ ففيه الصدقة.
وقال: لا يؤخذ في شيء من الشجر غير النخيل والعنب، فإن رسول الله ﷺ أخذ الصدقة منهما وكانا قوتًا، وقد صح (٢) عن النبي ﷺ حين بعث أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن أن لا يأخذ هذه الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب والتمر.
قال الشافعي في كتاب "اختلافه مع مالك" (٣) بعد حديث أبي سعيد هذا: فأخذنا نحن وأنتم بهذا وخالفنا فيه بعض الناس، فقال: قال الله ﵎ لنبيه ﵇: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٤) [و] (٥) قال النبي [ ﷺ ]، (٦): "فيما سقت السماء العشر". لم يخصص الله مالاً دون مال، ولم يخصص رسول الله ﷺ في هذا الحديث مالاً دون مال، فأخذت بهذا الحديث الذي يوافق كتاب الله والقياس عليه، وقلت: لا يكون مال فيه صدقة
стр. 1122
ومال لا صدقة فيه، فكل ما أخرجته الأرض من شيء وإن حزمة بقل ففيه العشر.
قال الشافعي: فكانت حجتنا عليه أن رسول الله ﷺ المبين عن الله معنى ما أراد، أبان ما يؤخذ منه من الأموال دون ما لم يرد، وأن الحديث عن رسول الله ﷺ "فيما سقت السماء العشر" جملة والمفسر يدل على الجملة.
قال: وقد سمعت من يحتج عنه، فيقول كلامًا يريد به قد قام بالأمر بعد النبي ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وأخذوا الصدقات في البلدان أخذًا عامًا وزمانًا طويلاً، فما روي عنهم ولا عن واحد منهم أنه قال: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ثم قال: وللنبي ﷺ عهود ما هذا في واحد منها وما رواه عن النبي ﷺ إلا أبو سعيد الخدري.
قال الشافعي: وكانت حجتنا أن المحدث لما كان ثقة اكتفي بخبره ولم نرده بتأويل، ولا بأنه لم يروه غيره، ولا بأن لم يرو عن أحد من الأئمة مثله، اكتفاء بسنة رسول الله ﷺ عما دونها، وبأنها إذا كانت منصوصة بينة لم يدخل عليها تأويل كتاب، لأن النبي ﷺ أعلم بمعنى الكتاب، ولا تأويل حديث جملة يحتمل أن يوافق قول النبي ﷺ المنصوص ويخالفه، وكان إذا احتمل أحد المعنيين أن يكون موافقًا له، ولا يكون مخالفًا فيه ولم يوهنه أن لم يروه إلا واحد عن النبي ﷺ . تم كلامه.
وقد روى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ مثل ما رواه أبو سعيد الخدري، وقد روى سليمان بن داود الخولاني، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ : "أنه كتب إلى أهل اليمن كتابًا، فذكر فيه ما سقت السماء أو كانت سيحًا (١)، أو كان [بعلاً] (٢) ففيه العشرة إذا بلغ خمسة أوسق، وما سقي بالرشاء والدالية، ففيه
стр. 1123
نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق".
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: "صدقة الثمار والزروع ما كان نخلاً، أو كرمًا، أو زرعًا، أو شعيرًا، أو سلقًا، فما كان منه بعلًا أو سقيًا بنهر أو بالعين أو عثريا بالمطر؛ ففيه العشر من كل عشرة واحد، وما كان منه يسقى بالنضح، ففيه نصف العشر في عشرين واحداً".
هذا حديث صحيح أخرجه الشافعي موقوفًا، وأخرجه البخاري، وأبو داود، والنسائي مرفوعًا.
فأما البخاري (١): فأخرجه عن سعيد بن أبي مريم، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر".
وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن أحمد بن الحسن، عن سعيد بن أبي مريم بإسناد البخاري مرفوعًا مثله.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن هارون بن سعيد [بن] (٤) الهيثم الأيلي (٥)،
стр. 1124
عن ابن وهب بإسناد البخاري مرفوعًا عن النبي ﷺ قال: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر" (١).
وأما النسائي (٢): فأخرجه برواية أبي داود مثله.
وقد أخرج مالك المعنى مرسلًا (٣) عن سليمان بن يسار وبسر بن سعيد، عن النبي ﷺ .
ورواه الشافعي في القديم (٤) عن مالك أيضاً، وقال: بلغني أن هذا الحديث. -يعني حديث سليمان بن يسار- يوصل من حديث ابن أبي ذباب عن النبي ﷺ ولا أعلم مخالفًا (٥).
السُلت: -بالضم- شعير أبيض ليس فيه قشر كأنه حنطة.
والبعل: ما يشرب من الشجر بعروقه من غير سقي من السماء ولا غيرها.
قال الأزهري: فسره الأصمعي وأبو عبيد، وجاء القتيبي فغلَّط [أبا] (٦) عبيد
стр. 1125
-وهو بالغلط أولى (١) - قال: وهذا الصنف من النخيل رأيته بالبادية، وهو ينبت من النخل في الأرض تقرب ماؤها، فرسخت عروقها في الماء واستغنت عن ماء السماء والسيول وغيرها من الأنهار، يقال: قد استعبل النخل.
وقال الجوهري: قال أبو عمرو: البعل والعدْي واحد، وهو ما سقته السماء.
وقال الربيع: قال الشافعي: البعل الذي بلغت عروقه الماء.
والعَثَرِي -بفتح العين، وفتح الثاء المثلثة، وكسر الراء، وتشديد الياء: العذي من المزروعات التي لا يسقيها إلا ماء المطر.
والعشور: جمع عشر، والمراد: ففي كل ما بلغ النصاب العشر.
والنضح: أراد به هاهنا: الاستقاء.
والناضح: البعير الذي يستقي عليه، يقولون: فلان يسقي نخيله بالنضح، وهو مصدر نضحت أنضح نضحًا، وهو في الأصل الماء القليل، وهو الشرب دون الري هذا الأصل، فكان مما يسقى بالاستقاء يكون شربه قليلاً، خلاف ما يشرب من الأنهار والعيون.
والسواني: جمع سانية وهو ما يستقى عليه من الإبل والبقر، تقول منه: سنا سنوا إذا استقى.
وهذا الحديث: مسوق لبيان المقدار الذي تجب فيه الزكاة منها.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا عبد الله بن نافع، عن محمد ابن صالح التمار، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن عتاب بن أسيد أن رسول الله ﷺ قال في زكاة الكرم: "يخرص كما يخرص النخل ثم تؤدى زكاته زبيبا، كما تؤدى زكاة النخل تمرًا".
стр. 1126
ويإسناده: "أن رسول الله ﷺ كان يبعث من يخرص على الناس كرومهم وثمارهم".
هذا حديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي.
فأما أبو داود (١): فأخرجه عن عبد العزيز بن السري، عن بشر بن منصور، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري بالإسناد، وعن محمد بن إسحاق المسيبي، عن عبد الله بن نافع بالإسناد قال "أمر النبي ﷺ أن يخرص من العنب كما يخرص النخل، فتؤخذ زكاته زبيبًا، كما كؤخذ صدقة النخل تمرًا".
وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن أبي عمرو مسلم بن عمرو الحذاء المديني، عن عبد الله بن نافع بالإسناد واللفظ.
وقد أخرج الترمذي أيضاً الرواية الثانية بهذا الإسناد، وقال الترمذي: وقد روى ابن جريج هذا الحديث عن ابن شهاب عن عروة، عن عائشة: قال: وسألت محمدًا -يعني البخاري- عن هذا الحديث؟ فقال: حديث ابن جريج غير محفوظ، وحديث سعيد بن المسيب، عن عتاب بن أسيد أصح (٣).
وأما النسائي (٤): فأخرجه، [] (٥).
الخرص والخرز: التقدير بخرز ما في رؤوس النخيل من الرطب كم يصح منه تمر، وكذا ما في الكرم من العنب كم يصح منه زبيب، تقول: خرصت النخلة أخرصها خرصًا، والاسم الخرص بالكسرة ...
стр. 1127
فأما كيفية الخرص: فإنهم كانوا إذا أدركت الثمار من الرطب والعنب مما فيه الزكاة، بعث السلطان خارصًا فخرص عليهم، وهو أن ينظر من يبصر ذلك، فيقول: يخرج من هذا من التمر أو من الزبيب كذا، فيحصي عليهم وينظر مبلغ العشر من ذلك فيثبت عليهم، ثم يتخلى يينهم وبين الثمار فيصنعون بها ما أحبوا، فإذا أدركت الثمار أخذوا منها العشر، وكانوا إذا خرصوا تركوا بعض ما أدى إليه اجتهادهم مسامحة واحتياطًا، لئلا يكون قد جزفوا وزادوا في الخرز.
والثمار: جمع: الثمر، والثمر: جمع ثمرة وحقيقته: أنه جنس لها، وما كان من هذا القبيل فإن أهل اللغة يسمونه جمعًا، [والنحويون] (١) يسمونه جنسًا، وجمع الثمار: ثمر، وقد جعل الاستعمال الشرعي والعرفي والفقهي الثمرة والثمار خاصاً بثمرة النخيل، وأكثر ما يطلقونه في كلامهم عليها, ولهذا قال في الحديث: "كان يبعث عليهم من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم" يريد بثمارهم: ثمرة نخيلهم.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الصلاح إذا بدأ في الثمار، وابتداء الصلاح هو أن تدور فيه الحلاوة، فإذا استقر الخرص خيرَّ الخارص أربابها، فإن رضوا بها سلمها إليهم وصارت الزكاة في ذمتهم إلى وقت الإدراك، وإن لم يرضوا به كان في أيديهم أمانة، وليس لهم أن يتصرفوا فيه بشيء من أكل أو بيع أو غير ذلك. وبه قال أكثر أهل العلم، وعليه العمل بين الأئمة والفقهاء. وروى عن الشعبي أنه قال: الخرص بدعة. ولا يتابع عليه.
قال الشافعي: وأحسب أمر رسول الله ﷺ بخرص النخل والعنب لشيئين:
أحدهما: أن ليس لأهله منع الصدقة منه، وأنهم مالكون [لتسعة] (٢) أعشاره وعشره لأهل السهمان، وكثير من منفعة أهله به إنما تكون إذا كان رطبًا وعنبًا،
стр. 1128
ولو منعوه ليؤخذ عشره أضر بهم، ولو ترك خرصه منع (١) حق أهل السهمان فيه بأنه يؤخذ ولا يحصى خرصه -والله أعلم- وخلى بينهم ويينه بالرفق بهم والاحتياط لأهل السهمان.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب أن رسول الله ﷺ قال ليهود خيبر -حين افتتح خيبر-: "أقركم ما أقركم الله على أن الثمر بيننا وبينكم" قال: فكان رسول الله ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص عليه، ثم يقول: إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي، فكانوا يأخذونه.
هذا الحديث صحيح وكذا رواه مالك (٢) مرسلاً، إلا أنه قال: فيخرص يينه وبينهم.
وأخرج البخاري (٣) هذا المعنى في جملة حديث طويل من رواية عبيد الله بن عمرو، عن نافع، عن ابن عمر. قوله: "أقركم ما أقركم الله " يعني أنه يمكنهم من القرار والمقام ببلدهم مهما لم ينزل في إجلائهم وحي، أو يكون قد قدر الله انتزاحهم عن أوطانهم، وفي هذا إشارة إلى ما وفق له عمر بن الخطاب أيام خلافته، من إجلائه إياهم إلى أرض الشام، وبهذا الحديث أخذ عمر في إجلائهم.
وقوله: "إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي" هو تخيير لهم من الخارص لأنه يكون قد عدل في الخرص، وأنه على ثقة من فعله، وأنه لم يحف في خرصه وبذل فيه وسعه وما أدى إليه اجتهاده، فإنه إذا خيرهم، ما يتطرق إليه تهمة،
стр. 1129
ولهذا قد جاء في رواية البخاري (١) التي أشرنا إليها، أنهم كانوا يتضورون من خرص عبد الله ابن رواحة، حتى أنهم أرادوا أن يعطوه رشوة ليخفف عنهم، فقال لهم عبد الله: والله لقد جئتكم من أحب الناس إليَّ ولأنتم أبغض إليَّ من عدتكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم أن لا أعدل عليكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن هذه معاملة صحيحة وهي المساقاة، وعليها العمل عند الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة والمجتهدين، أن يعطى المالك أجيره بعض ثمرة ملكه في مقابلة عمله.
وقال أبو حنيفة: هي معاملة فاسدة لا تصح. ولم يتابع عليه.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار: أن رسول الله ﷺ كان يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص بينه وبين اليهود.
هذا الحديث صحيح أخرجه هكذا مالك (٢) مرسلًا قال: "إن رسول الله ﷺ كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر، فيخرص بينه وبين يهود خيبر، قال: فجمعوا له حُليًا من حلي نسائهم، فقالوا: هذا لك وخفف عنا وتجاوز في القسم، فقال عبد الله بن رواحة: يا معشر اليهود، والله إنكم لمن أبغض خلق الله إلي، وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم، فأما ما عرضتم من الرشوة، فإنها سحت وإنا لا نأكلها، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض.
стр. 1130
وقد أخرج الشافعي في القديم هذه الرواية عن مالك أيضًا (١).
الحلي والحلي للنساء: معروف، تقول: حليت المرأة أحليها حليًا وحلوتها: إذا جعلت لها حليًا، وحليتها تحلية شدد للكثرة، وحليت: إذا صارت ذات حلي.
والتجاوز: التسامح والتساهل كأنه يتركه مكانه ويدعه بحاله.
والقسم -بفتح القاف- مصدر قسمت الشيء أقسمه قسمًا، والقسم -بالكسر- النصيب.
والحيف: العدوان ومجاوزة الحد.
والظلم: الجور.
والرشوة -بضم الراء وكسرها- البواطيل والجمع رشىً رشِىٍ ورشاه يرشوه رشوا، وارتشى: أخذ الرشوة.
والسحت: الحرام، وقد تضم حاؤه.
وقوله: "بهذا قامت السموات والأرض" أي ثبتت مكانها، يعنون: بالعدل والحق.
وقد أخرج الشافعي في القديم (٢) قال: وذكر معمر، عن عبد الله بن طاوس، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن النبي ﷺ كان يقول للخراص (٣):
стр. 1131
"لا تخرصوا العرايا".
قال: وأخبرنا سعيد بن سالم القداح، عن ابن جريج، عن فطير (١) الأنصاري "أن رسول الله ﷺ لم يكن يخرص العرايا ولا أبو بكر ولا عمر".
قال: وأخبرنا رجل عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار: أن عمر بن الخطاب كان يبعث أبا خيثمة خارصًا يخرص النخل، فيأمره إذا وجد القوم في حائطهم أن يدع لهم قدر ما يأكلون ولا يخرصه.
وقال في القديم (٢): أخبرني هشام بن يوسف أن أهل حفاش (٣) أخرجوا كتابًا من أبي بكر الصديق في قطعة أديم إليهم يأمرهم أن يؤدوا عشر الورْس (٤).
قال الشافعي: ولا أدري أثابت هذا وهو يعمل به في اليمن، فإن كان ثابتًا عشر قليله وكثيره.
قال البيهقي (٥): لم يثبت في هذا إسناد يقوم بمثله الحجَّة.
وقد أخرج الشافعي (٦): عن إبراهيم بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه -زاد في القديم- أن رسول الله ﷺ -وسقط ذكر رسول الله من كتاب الجديد- قال: لا يخرج في الصدقة الجعرور، ولا مِعَى الفأرة، ولا عذق ابن حُبَيْق.
وأخرج عن مالك (٧)، عن زياد بن سعد، عن الزهري: لا يخرج في صدقة النخل الجعرور، ولا مصران الفأرة، ولا عذق ابن حبيق.
стр. 1132
قال الشافعي: وهذا ثمر رديء جدًا، أو يترك لصاحب الحائط جيد الثمر ويؤخذ وسط من الثمر.
وهذا الحديث رواه سيفان بن حسين، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، عن النبي ﷺ وكذلك رواه أبو الوليد الطيالسي: عن سليمان بن كثير، عن الزهري (١).
...
стр. 1133
الباب الرابع
في زكاة النقدين والحلي
أخبرني الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أنه قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله ﷺ : "وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان قال: حدثني عمرو بن يحيى المازني بهذا الحديث.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن [أبي] (١) صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "ليس فيما دون خمسة أواقي صدقة من الورق".
هذا طرف من الحديث الصحيح الذي تقدم ذكره في الثاني، وقد تقدم ذكر طرقه واتفاق الجماعة عليه، والشافعي قد فرقه في ثلاثة أبواب في باب "زكاة الإبل"، وفي باب "زكاة الثمار والزرع"، وفي باب "صدقة الوَرِق" وهو هذا، وهذه الأطراف الثلاثة هي مجموع الحديث، وقد ذكرناه وأشبعنا القول في معناه.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الفضة والدراهم وغيرها إذا بلغت مائتي درهم -وهو نصابها- وجب فيها ربع عشر قليلاً كان أو كثيراً.
وروي ذلك عن علي، وبه قال ابن عمر، والنخعي، وابن أبي ليلى، ومالك، والثوري، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأبو يوسف، ومحمد.
وقال أبو حنيفة: لا شيء في الزيادة على المائتين حتى تبلغ أربعين درهما.
стр. 1134
وبه قال ابن المسيب، وعطاء بن [أبي] (١) رباح، والحسن البصري، وطاوس، والشعبي، ومكحول، وعمرو بن دينار، والزهري.
قال الشافعي: فإذا بلغ الوَرِق خمس أواق، وذلك مائتا درهم بدراهم الإِسلام، وكل عشرة دراهم من دراهم الإِسلام سبعة مثاقيل، ذهب بمثاقيل الإِسلام، ففي الورق صدقة.
واحتج في القديم في معنى الأوقية بحديث أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: "سألت عائشة: كم كان صداق النبي ﷺ فقالت: اثنى عشر أوقية ونش، وقالت: النش نصف أوقية، والأوقية أربعون درهما وذلك خمسمائة درهم" (٢).
وقال الشافعي: ولا أعلم خلافًا في أن ليس في الذهب صدقة حتى يبلغ عشرين مثقالاً، فإذا بلغ عشرين مثقالًا ففيها الزكاة.
وقال في كتاب "الرسالة" (٣): وأخذ المسلمون من الذهب صدقة إما بخبر عن رسول الله ﷺ لم يبلغنا، وإما قياسًا على أن الذهب والورق نَقْدُ الناس الذين اكتنزوا وأجازوه أثمانًا على ما [تبايعوا به] (٤) في البلدان قبل الإِسلام. وبعده قلت: وقد ثبت في الحديث الصحيح (٥) عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، وأحمى عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره".
стр. 1135
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: "أنها كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي فلا تخرج منه الزكاة".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد الله بن المؤمل، عن ابن أبي مليكة: "أن عائشة كانت تحلي بنات أخيها، وكانت لا تخرج زكاته".
هذا حديث صحيح أخرجه مالك (١) إسنادًا ولفظًا.
الولاية على اليتيم: أن يكون ناظرًا في أمره وتربيته وحفظ ماله والنفقة عليه، واليتامى: جمع يتيم، ويجمع اليتيم أيضًا على أيتام، والأنثى يتيمة، واليتيم في الناس من قبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الحلي على ضربين: مباح، ومحظور، فالمحظور: تجب فيه الزكاة كالخلخال، والسوار للرجال.
وأما المباح: كحلي النساء فلا زكاة فيه.
وقال ابن الصباغ: لا زكاة في المباح.
في القديم وفي البويطي قال: وقال في الأم ما يدل أنه على قولين، فالمسألة عند الأصحاب على قولين:
أحدهما: لا زكاة فيه. وروي ذلك عن ابن عمر، وجابر، وأنس، وعائشة، وإليه ذهب ابن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، وابن سيرين، ومجاهد، والزهري وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد.
والقول الثاني: تجب فيه الزكاة. وروي ذلك عن عمر، وابن مسعود، وابن
стр. 1136
عباس، وابن عمرو بن العاص، وإليه ذهب الشافعي، والحسن البصري، والقاسم بن محمد، وبه قال أبو حنيفة والثوري.
قال الشافعي في القديم: وروى هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر "أن أسماء بنت أبي بكر كانت تحليهن ولا ترى فيه زكاة".
وقال: ويروى عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص "أن في الحلي زكاة".
قال: وهذا مما أستخير الله -تعالى- فيه.
قال: ومن قال: في الحلي صدقة، قال: هو وزن من فضة قد جعل رسول الله ﷺ في مثل وزنه صدقة، ووزن من ذهب قد جعل المسلمون فيه صدقة.
قال ابن المنذر: كان الشافعي يقول: إنه لا زكاة فيه إذ كان بالعراق، فلما صار بمصر وقف عنه، وقال: هذا مما أستخير الله فيه.
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان [يحلي] (١) بناته وجواريه الذهب، ثم لا يخرج منه الزكاة".
هذا حديث صحيح أخرجه مالك إسنادًا ولفظًا (٢)، وقال فيه: ثم لا يخرج من حليهن الزكاة، وهو مؤكد للحديث قبله مقرر للحكم فيه.
والضمير في "منه" راجع إلى ما دل عليه قوله: "كان يحلي بناته" (٣) التقدير: ثم لا يخرج مما كان يحليهن الزكاة، وكذلك جاء به في رواية مالك صريحًا، فقال: ثم لا يخرج من حليهن الزكاة.
стр. 1137
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار قال: سمعت رجلاً يسأل جابر بن عبد الله عن الحلي أفيه الزكاة؟ قال جابر: لا. فقال: وإن كان يبلغ ألف دينار؟ فقال جابر: كثير.
قوله: "أفيه الزكاة" معناه أيجب فيه إخراج الزكاة.
وقوله: "كثير" مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: ذلك كثير أو هذا كثير، والمراد به: أن الحلي إذا بلغ هذا المقدار، فقد كثر وتموج عن حد ما جرت به العادة من الحلي، فكأنه لكثرته وقف في نفي الزكاة عنه، وجعل الكثرة مؤثرة في القول بإسقاط زكاتها، لأنه يصير كالمال المكنوز الذي لا ينفق منه، بسبب صياغته وإرصاده للزينة.
وإن من أسقط زكاة الحلي؛ فإنما أسقطها لقلتها في جاري العادة، ولحاجة النساء إليهن للتزين لبعولتهن، ولأنها ليست أموالًا مرصدة للتجارة، فيحصل من كسبها ما يحصل في الزكاة الخارجة منها.
فأما إذا صارت بهذا المقدار، وبلغت هذه الرتبة من الكثرة، فكأنما جعلها صاحبها طريقًا إلى إسقاط زكاتها، بادخارها واصطناعها حليا ووسيلة إلى ذلك، على أن من قال: بإسقاط زكاة الحلي، لم يفرق بين كثيره وقليله حملا على أصل الباب، ويدل على ذلك ما رواه هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر "أنها كانت [تحلي] (١) بناتها الذهب، ولا تزكيه نحو من خمسين ألف" والله أعلم.
стр. 1138
الباب الخامس
في زكاة التجارة
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا الثقة، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: "ليس في العرض زكاة إلا أن يراد به التجارة".
العرْض -ساكن الراء-: المتاع من الثياب وغيرها.
العرَض -بفتح الراء-: عرض الدنيا ما كان من مال قل أو كثر.
فأما زكاة ما يعد من الأموال للتجارة، فالذي ذهب إليه الشافعي: أن الزكاة تجب فيها. وروي ذلك عن عمر، وابن عمر، وعائشة، وابن عباس، وإليه ذهب الفقهاء السبعة: سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد، والقاسم بن محمد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة، والثوري، وأحمد.
وقال داود: لا زكاة فيها. وحكى مثل ذلك عن ابن عباس، والذي حكاه ابن المنذر عن ابن عباس خلاف ذلك.
والحول فيها معتبر، والنصاب في أول الحول وآخره دون الوسط على قول، وفي جميع الحول على قول، وفي آخر الحول فقط على قول.
وقدر المخرج منه: هو ربع العشر مثل زكاة النقدين.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن أبي عمرو بن حماس أن أباه قال: "مررت بعمر ابن الخطاب وعلى عاتقي آَدِمة أحملها، فقال عمر: ألا تؤدي زكاتك يا حماس؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، ما لي غير هذه التي على ظهري وأهبة في
стр. 1139
القرظ، فقال: ذاك مال فضع، فوضعتها بين يديه، فحسبها فوجدت قد وجب فيها الزكاة، فأخذ منها الزكاة.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن ابن عجلان، عن أبي الزناد، عن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه مثله.
الآدمة -بالمد وكسر الدال-: جمع الأديم، يقال أديم، وأدمة مثل: رغيف وأرغفة.
فأما الأدمة -بفتح الهمزة والدال والميم-: وهي باطن الجلد الذي يلي اللحم والبشرة ظاهره.
والإهاب -بكسر الهمزة-: الجلد قبل أن يدبغ والجمع: أهب بوزن حمل على غير قياس، فأما أهبة: فيحتمل أنه أدخل الهاء لتأنيث اللفظة.
فأما القرظ: فهو ورق السلم يدبغ به، وأديم مقروظ.
وقوله: "ذلك مال" يريد أن الذي هو في القرظ أيضًا مال، وإن لم يكن قد تكامل دباغه فإنه. [بعرضية أنواع] (١) والصلاح والانتفاع.
وقوله: "فحسبها فوجدت قد وجبت فيها الزكاة" يريد: أنه ثمَّنها وقوَّمها ذهبًا أو وَرِقًا وجمع قيمتها، فبلغت نصابًا تجب في مثله الزكاة.
وهذا الحديث: يستدل به على أن الأموال المرصدة للتجارة تجب فيها الزكاة.
قال الشافعي في القديم: اختلف أصحابنا في العرض للتجارة، فقال منهم قائل: لا زكاة فيه، وروى فيه عن ابن عباس وذكر حجته فيه.
قال الشافعي: وقال بعض أصحابنا: إذا أريد بالعرض التجارة ففيه الزكاة، وكان هذا أحب الأقاويل إليَّ، لأن عبد الله بن عمر ذكر عن نافع، عن ابن
стр. 1140
عمر أنه قال: ليس في العرض زكاة إلا أن يكون للتجارة. قال: وإسناد الحديث عن ابن عباس ضعيف، فكان اتباع حديث ابن عمر لصحته، والاحتياط في الزكاة أحب إلي -والله أعلم.
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن رزيق بن حكيم (١)، أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه: أن انظر من مر بك من المسلمين، فخذ مما ظهر من أموالهم من التجارات من كل أربعين دينار دينارًا، فما نقص فبحساب ذلك حتى يبلغ عشرين ديناراً؛ فإن نقصت ثلث دينار فدعها ولا تأخذ منها شيئًا.
هكذا رواه الشافعي في كتاب القديم والجديد مختصراً، ورواه في كتاب اختلافه مع مالك (٢) بطوله عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن زريق بن حيان هذا، قال زريق بن حيان (٣)، فكان زريق على جوار مصر زمان الوليد بن سليمان، وعمر بن عبد العزيز، فذكر أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه: أن انظر من مر بك من المسلمين، فخذ مما ظهر من أموالهم مما يديرون التجارات من كل أربعين دينارٍ دينارًا، فما نقص فبحساب ذلك حتى يبلغ عشرين دينارًا، فإن نقصت من عشرين دينارا ثلث دينار فدعها ولا تأخذ منها شيئًا، ومن مر بك من أهل الذمة فخذ مما يديرون من التجارات من أموالهم، من كل عشرين دينار دينارًا، فما نقص فبحساب ذلك حتى يبلغ عشرة دنانير، فإن نقصت فدعها
стр. 1141
ولا تأخذ منها شيئًا، واكتب لهم بما تأخذ منهم كتابًا إلى مثله من الحول.
قال الشافعي (١): نوافقه في قوله: "فإن نقصت ثلث دينار فدعها، ويخالفه في أنها إذا نقصت عن عشرين دينارًا، أقل من حبة لم نأخذ منها شيئًا، لأن الصدقة إذا كانت محدودة بأن لا يؤخذ إلا من عشرين، فالعلم يحيط أنها لا تؤخذ من أقل من عشرين بشيء ما كان الشيء.
قال: إذا قال رسول الله ﷺ : "ليس فيما دون خمس أواق صدقة" فهو كما قال: ولو نقصت حبة لم يكن فيها صدقة، لأن ذلك دون خمس أواق، قال: وبهذا كله نأخذ، وهو قول أكثر من حفظت وذكر لي عنه من أهل العلم بالبلدان.
وفي هذا الحديث من الفقه:
أن أموال التجارات من الأموال الظاهرة، فإن الإمام له أن يأخذ زكاتها من أربابها، وإن لم يدفعوها إليه من أنفسهم، وأن أموال التجارات تجب فيها الزكاة، وأن زكاتها زكاة النقدين، وأن ما زاد على النصاب ولم يبلغ نصابًا آخر تجب فيه الزكاة، وأن ما نقص من النصاب الأول وإن كان قليلاً يسقط الزكاة عنه، وأن نصاب الذهب (٢) عشرون دينارًا.
وأما كون أموال (٣) التجارة من الأموال الظاهرة فظاهر، لأنها غير مخفاة بخلاف الذهب والفضة.
وأما أخذ الإمام زكاتها قهرًا، فسيجيء مفصلًا في موضعه، وأما بيان وجوب الزكاة في أموال التجارات، فقد ذكرناه في حديث ابن عمر.
وأما كون نصاب الذهب عشرين دينارًا فهو أمر مجمع عليه لا خلاف فيه،
стр. 1142
إلا ما حكي عن طاوس، ومجاهد، وأيوب السختياني أنهم قالوا: يعتبر بالفضة فيما كان قيمته مائتي درهم.
وحكي عن الحسن البصري أنه قال: لا تجب فيه شيء حتى يبلغ أربعين دينارًا.
وأما زكاة ما زاد على النصاب ولم يبلغ نصابًا ثانيًا فصاعدًا.
قال الشافعي: أوجب فيه الزكاة. وروى ذلك عن علي، وابن عمر، وبه قال النخعي، وابن أبي ليلى، ومالك، والثوري، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأحمد، وداود، وأبو يوسف، وحماد.
وقال أبو حنيفة: لا يجب فيه شيء حتى يبلغ أربعة دنانير.
وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس، والشعبي، ومكحول، وعمرو بن دينار، والزهري.
وإما نقص من النصاب الأول: فإنه يسقط الزكاة عنه ولو أنها حبة واحدة، وسواء كان الذهب جيدًا أو رديئًا، وجاء جواز الجيد، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: إذا نقص النصاب نقصانًا يسيرًا يجوز به جواز الموازنة، أي أنه توجد كما توجد الموازنة وجبت الزكاة فيها.
وقال أحمد نحو قول مالك.
***
стр. 1143
الباب السادس
في زكاة المعدن والركاز
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "في الركاز الخمس".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "في الركاز الخمس".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب وأبي سلمة أن رسول الله ﷺ قال: "في الركاز الخمس".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة.
فأما مالك (١): فأخرجه بإسناد الرواية الثالثة ولفظها، إلا أنه رفعها إلى أبي هريرة، والشافعي لم يرفعها وأرسلها في كتاب الزكاة، ورواها في كتاب "اختلاف الأحاديث" موصولاً بذكر أبي هريرة.
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك بالإسناد وزاد في رواية: "العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس" ولأجل هذه الزيادة التي في أوله قال الشافعي في روايته: "وفي الركاز الخمس".
فأدخل واو العطف في, لأنها معطوفة على غيرها من هذه المعاني الثلاثة، الزئدة في رواية البخاري، وإنما أفرد الشافعي هذا الطريق لحاجته إليه.
стр. 1144
وأما مسلم (١): فأخرجه عن يحيى بن يحيى وقتيبة وابن رمح، عن الليث، عن الزهري بالإسناد ولفظ البخاري.
وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن مسدد، عن سفيان، عن الزهري بلفظ البخاري.
وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب وأبي سلمة.
وأما النسائي (٤): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، عن الزهري بلفظ البخاري.
وعن إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان، عن الزهري.
الركاز مختلف فيه بين الفقهاء وأهل اللغة:
قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا، والذي سمعت أهل العلم: أن الركاز إنما هو دفن يوجد من دفن الجاهلية ما لم يطلب بمال، ولا يتكلف فيه نفقة ولا كثير عمل ولا مؤنة، فأما ما يطلب بمال ويكلف كثير وعمل، فأصاب مرة وأخطأ مرة فليس بركاز. وإلى هذا ذهب أهل الحجاز، وبه قال الشافعي، وقال أهل العراق: إنه المعدن، وأصله من ركزت الشيء في الأرض أركزه ركزًا إذا أثبته.
فعلى القول الأول: أن صاحبه والذي دفنه وركزه فيها.
على القول الثاني: أن الله -سبحانه- ركزه فيها.
стр. 1145
وأما أرباب اللغة: فإن الأزهري قال: أطلق الركاز على الأمرين.
وقيل: إن الركاز قطع الفضة تخرج من المعدن.
وقيل: ومن الذهب أيضًا، وإذا أصاب الرجل ذلك قيل هذا ركز.
و"العجماء": هي البهيمة.
و"الجبار": الهدر.
و"المعدن": المكان من الأرض يخرج منه شيء من الجواهر والأجساد، كالذهب، والحديد، والنحاس، والرصاص، والكبريت وغير ذلك.
و"البئر": معروفة.
والمراد من هذه الأحكام: أن التالف بالبهيمة والمعدن والبئر إذا كان أجيرًا فإنه يذهب دمه هدرًا، وسيجيء هذا الحكم وتفصيله وذكر الخلاف فيه في موضعه من كتاب "الديات والقصاص" -إن شاء الله تعالى.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الركاز: وهو المال المدفون في الجاهلية مما لا اسم عليه لمالك معروف؛ إذا ملكه إنسان بظهوره على يده، وجب عليه فيه الخمس ولا يعتبر فيه الحول.
وأما النصاب: فقال في القديم: لا يعتبر، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وأبو عبيد، وإسحاق، وأصح الروايتين عن مالك.
وقال في الجديد: يعتبر فيه النصاب.
وقال في القديم: جميع ما يؤخذ من الركاز يخمس. وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وإحدى الروايتين عن مالك.
وقال في الجديد: لا يخمس منه إلا الذهب والفضة.
ومصرف خمس الركاز: مصرف مال الزكاة.
стр. 1146
وقال أبو حنيفة: مصرفه مصرف الفيء. وبه قال أحمد بن حنبل في إحدى روايتيه، والمزني.
قال بعض العلماء: قد ظهر من جنس ترتيب الشرع التدريج في المأخوذ من المال الذي يزكى على حسب التعب فيه، فاعلًا ما يؤخذ الخمس مما يوجد من أموال الجاهلية ولا تعب في ذلك، ثم ما فيه من التعب من طرف واحد يؤخذ منه نصف وهو العشر فيما سقت السماء والعيون، وما سقي بالنضح فكان فيه التعب من طرفين يؤخذ منه ربع الخمس وهو النصف، وما فيه التعب في جميع الحول كالعين، يؤخذ منه ثمن الخمس وهو ربع العشر، فالمأخوذ إذًا الخمس، ونصفه، وربعه، وثمنه.
قال الشافعي: والركاز الذي فيه الخمس دفن الجاهلية، ما وجد في غير ملك لأحد في الأرض التي من أحياها كانت له، فمن وجد دفنًا من دفن الجاهلية في موات، فأربعة أخماس له والخمس لأهل سهمان الصدقة.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان، عن داود بن شابور ويعقوب بن عطاء، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ قال -في كنز وجده (١) رجل في خربة جاهلية-: "إن وجدته في قرية مسكونة، أو سبيل ميتاء فعرفه، وإن وجدته في خربة جاهلية، أو في قرية غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمس".
هذا حديث أخرجه أبو داود والنسائي.
أما أبو داود (٢): فأخرجه بزيادة في أوله عن قتيبة، عن الليث، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده وذكر حديثاً وقال في آخره
стр. 1147
عن اللقطة فقال: "ما كان منها في طريق الميتاء والقرية الجامعة فعرفها سنة، فإن جاء طالبها فادفعها إليه، وإن لم يأت فهي لك، وما كان في الخراب -يعني- ففيها وفي الركاز الخمس".
وأما النسائي (١): فأخرجه عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن عبد الله بن الأخنس (٢)، عن عمرو بن شعيب بإسناده قال: سئل رسول الله ﷺ عن اللقطة؟ فقال: "ما كان في طريق مأتي أو قرية عامرة فعرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فلك، وما لم يكن في طريق مأتي ولا فى قرية عامرة، ففيه وفي الركاز االخمس".
الكنز: المال المدفون هذا هو الأصل، وقد جاء في بعض الحديث: "كل ما لم تؤد زكاته فهو كنز" وقد تقدم القول في ذلك، والمراد في هذا الحديث هو الأول.
والسبيل: الطريق ويذكران فيؤنثان (٣).
والميتاء الطريق المسلوك الذي يأتيه الناس كثيراً، وهو مفعال بوزن مرباع من الاتيان.
والقرية الجامعة: هي المسكونة التي فيها جماعة من رجال ونساء وأولاد، فكأنها قد جمعت أخلاطًا من الناس.
وقوله: "ففيه وفي الركاز الخمس" ظاهره يدل على أن الركاز غير المال المدفون لأنه عطفه عليه، ومن ذهب إلى أن الركاز المال المدفون، فوجه الجمع بينهما: أنه لما كان الكلام جاريًا في معنى مال مدفون موجود في قرية خربة جاهلية، قال: ففي هذا الخاص المسئول عنه، وفي جميع الأموال الموصوفة بهذه
стр. 1148
الصفة الخمس، وتلك الأموال هي الركاز، وهذا نوع فاش في العريية مقصود إليه، وعليه جاء قول الله : ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (١)، وقوله تعالى: (٢) ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (٣) ولا شك أن إبراهيم من الأنبياء، وجبريل من الملائكة، إلا أن ذكر هؤلاء لبيان فضيلتهم على الأنبياء والملائكة، وهو بيان تخصيص.
وقوله: "وفي الركاز" بيان تعميم وإعطاء حكم هذا الخاص جميع ما أطلق عليه اسم الركاز.
ولما كان حكم هذا الموجود، قد يكون في بعض صوره لقطة لا ركازًا، قال: "ففيه وفي الركاز الخمس" حتى يتبين أن الحكم بجميع الأمرين إذا اشتركا في وصف واحد.
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا [سفيان بن] (٤) عيينة، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: "جاء رجل إلى علي ﵇ فقال: إني وجدت ألفًا وخمسمائة درهم في خربة بالسواد، فقال علي: أما لأقضين فيها قضًاء بيِّنا: إن كنت وجدتها في قرية تؤدي خراجها قرية أخرى فهي لأهل تلك القرية، وإن كنت وجدتها في قرية ليس تؤدي خراجها قرية أخرى، فلك أربعة أخماسه ولنا الخمس ثم الخمس لك".
قال الشافعي في غير هذه الرواية: وقد روي عن علي بإسناد موصول أنه قال: أربعة أخماسه لك واقسم الخمس في فقراء أهلك. وهذا الحديث أشبه
стр. 1149
بعلي (١) ﵁.
السواد: يريد به أرض العراق وقرأها "وأرض السواد" في كتب الفقه عبارة عن الأماكن من العراق التي ضرب عليها عمر بن الخطاب الخراج وهي ما بين حديثة الموصل (٢) إلى عبَّادان (٣) طولاً، وما بين حلوان إلى الكوفة عرضًا.
والقضاء البين: الواضح المكشوف فنقل من البيان الظهور.
ويريد بالخراج: ما على أهل القرية من قرار [يؤدونه] (٤) إلى بيت المال عن الأرض، وإنما جعل المال الموجود لمن يؤدي خراج القرية، لأنها في حكم إجارتهم. وإذا وجد المستأجر في الأرض ركازًا واختلف فيه هو والمالك، فالقول قول المستأجر عند الشافعي.
وقال المزني: القول قول المالك.
وإذا لم تكن الأرض في يد من يؤدي خراجها، كانت مشتركة بين المسلمين، وكان الركاز لمن وجده والخمس في الجميع واجب.
ومعنى قوله: "ثم الخمس لك" يجوز أن يكون منحة من علي لأنه الإِمام، وللإِمام أن يعطي من يراه من بيت المال ما يراه. والله أعلم.
وقد سبق القول أن الركاز: هو ما وجد في موات تملك بالأحياء سواء كان في دار الحرب أو دار الإِسلام، إذا لم يكن عليه علامة الإِسلام.
стр. 1150
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا كان في موات دار الحرب كان غنيمة لواجده ولا يخمس.
وإن وكان عليه علامة الإِسلام كآية من القرآن واسم النبي ﷺ ، واسم أحد من خلفاء المسلمين، لم يكن ركازًا وكان لقطة يجب تعريفها.
وإن كان عليه اسم أحد من الملوك الكفار أو صور وصلبان فهو ركاز، ولا أجبره على التعريف لأن الظاهر منه أنه ركاز.
وإن وجد المال في أرض عليها الملك: فإن عرف مالكها لم يكن ركازًا، وإن كان مالكها حربيًا فهو غنيمة. وبه قال أبو حنيفة.
وقال أبو يوسف، وأبو ثور: يكون ركازًا.
وأما إذا لم يعرف مالكه فهو ركاز. والله أعلم.
وقد أخرج الشافعي ﵁: عن مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن غير واحد من علمائهم: "أن النبي ﷺ قطع لبلال بن الحارث (١) المزني معادن القبيلة". وهي من ناحية الفرع فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم.
قال الشافعي: وليس هذا مما يثبت عند أهل الحديث (٢)، ولو أثبتوه لم يكن فيه رواية عن النبي ﷺ إلا إقطاعه.
وأما الزكاة في المعادن دون الخمس، فليست مروية عن النبي ﷺ فيه.
قال الشافعي: وذهب بعض أهل ناحيتنا إلى أن في المعادن زكاة.
стр. 1151
وذهب غيرهم: إلى أن المعادن [ركاز] (١) فيها الخمس.
وحكى أبو عبد الرحمن أحمد بن يحيى الشافعي البغدادي عن الشافعي، أنه حكى عن أبي حنيفة أنه قال: المعادن كلها ركاز.
وقال: واحتج بعض أصحابه بحديث رواه عن المقبري، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الركاز: الذهب خلقه الله يوم خلق الأرض".
قال الشافعي: أما ما رويت عن أبي هريرة، فقد روى أبو سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد [وابن] (٢) سيرين، ومحمد بن زياد وغيرهم عن أبي هريرة حديثه عن النبي ﷺ "في الركاز الخمس" لم يذكر أحد منهم شيئًا من الذي ذكره المقبري في حديثه، والذي روى ذلك شيخ ضعيف، إنما رواه عبد الله بن سعيد المقبري، وعبد الله قد اتقى الناس حديثه (٣)، فلا يجعل خبر رجل قد اتقى الناس حديثه حجة، وقد زعم. أما مالك (٤): فذكر حديث بلال بن الحارث، قال: وقد روى ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري: "أن النبي ﷺ أتاه رجل بخمس أواق من معدن، فلم أخذ منها شيئًا.
وهو حديث مرفوع عن أبي هريرة وفيه فقال: يا رسول الله ﷺ إني أصبت
стр. 1152
هذا من معدن فخذ منه الزكاة، فقال: "لا شيء فيه ورده".
قال الشافعي: وهذا خلاف رواية عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن جده.
وذلك أن رسول الله ﷺ لم يأخذ منها شيئًا, ولو كان فيها شيء لأخذه.
فقد أجاب الشافعي عن قولهم: قد تقول العرب: أركز المعدن فإن قال: إنما تقول له ذلك إذا انقطع ما فيه، فلا تقول له وهو ينال منه، وأنت تزعم أنه في حال نيله مركز، والعرب لا تسميه في تلك الحال مركزًا.
وقال في رواية الزعفراني، وإنما يقال: أركز المعدن عند البدرة تأتي منه، وهو يقول في الندرة وفي القليل؛ تأتي منه بخمس معًا كأن تقول: لا يخمس إلا إذا قيل: أركز المعدن، كان قد ذهب إلى ضعيف من القول أيضًا.
وذلك أنه قد يقال: للرجل يوهب له الشيء، وللرجل يزكو زرعه، وللرجل يأتيه في تجارته أكثر مما كان يأتيه، ومن ثمره أكثر مما كان يأتيه، أركزت، فإن كان باسم الركاز اعتل، فهذا كله وأكثر منه يقع عليه اسم الركاز، وإن كان بالخبر، والخبر على دفن الجاهلية، واعتل بأن أسامة بن زيد أو هشام بن سعد أخبره عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ سئل: [كيف] (١) يرى في المتاع يوجد في الطريق الميتاء والقرية المسكونة؟ قال: "عرفه سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك به، وما كان في الطريق غير الميتاء، والقرية غير المسكونة ففيه وفي الركاز الخمس" قالوا: يا رسول الله، [كيف] (٢) ترى في ضالة الإبل؟ قال: "مالك ولها معها سقاؤها وحذاؤها، تأكل الكلأ وترد الماء" قالوا: يا رسول الله، كيف ترى في ضالة الغنم؟ قال: "لك أو لأخيك أو للذئب، فاحبس على أخيك ضالته"، قالوا: يا
стр. 1153
رسول الله، كيف ترى في حريسة الجبل (١)؟ قال: "فيها غرامتها ومثلها معها وجلدات نكال" وذكر الثمر المعلق بقريب من هذا المعنى.
قال الشافعي: فإن كان حديث عمرو يكون حجة، فالذي يروي الحجة عليه في غير حكم، وإن كان حديث عمرو غير حجة فالحجة بغير حجة جهل، روى في حديث عمرو أنه سئل عن الثمر المعلق فقال: غرامته ومثله معه وجلدت نكال، فإذا آواه الجرين ففيه القطع، وهو يقول: غرامته فقط وليس مثله معه، وتقول: لا يقطع فيه إذا آواه الجرين رطبًا.
وروى في ضالة الإبل: "غرامتها ومثلها معها"، وتقول: غرامتها وحده (٢) بقيمة واحدة لا مضاعفة.
وروى في اللقطة: "يعرفها فإن جاء صاحبها وإلا فشأنه بها"، وهو يقول: إذا كان موسرًا لم يكن له أن يأكلها ويتصدق بها، فخالف حديث عمرو الذي رواه في أحكام [اللقطة] (٣) واحتج منه بشيء واحد، إنما هو توهم، يشبه أن يكون أراد به ما يوجد من أموال الجاهلية، ظاهرًا فوق الأرض في الطريق غير الميتاء والقرية غير المسكونة، فقال: "فيه وفي الركاز الخمس".
...
стр. 1154
الباب السابع
في زكاة العنبر والعسل
أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أُذينة عن ابن عباس أنه قال: "ليس في العنبر زكاة، وإنما هو شيء دسره البحر".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس "أنه سئل عن العنبر فقال: إن كان فيه شيء ففيه الخمس".
هذا الحديث ذكره البخاري (١) في ترجمة من أبواب كتابه الصحيح، قال: وقال ابن عباس: "ليس العنبر بركاز، هو شيء دسره البحر".
الدسر: الدفع، ودسر يدسر دسرًا.
والعنبر: هذا المعروف، وقد اختلف الناس في أصله ومعدنه، والذي تحقق منه: أنه يرى طافيًا على ماء البحر ولا يعلم من أين يظهر حقيقة.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن جميع ما يخرج من البحر من اللؤلؤ والعنبر وغيرهما لا تجب فيه الزكاة ألا أن يكون للتجارة فتجب في ثمنه. وبه قال عامة الفقهاء.
وحكى عن أبي يوسف: أن العنبر يجب فيه الخمس.
وروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري.
стр. 1155
وقال عبد الله بن الحسن العنبري: تجب الزكاة في كل ما يخرج من البحر إلا السمك.
وقول ابن عباس: إن كان فيه شيء ففيه الخمس، يريد أن تلحقه بالزكاة لقلة التعب في تحصيله، وهذا القول من ابن عباس إنما هو على سبيل الظن والاجتهاد، لأنه قال: "إن كان فيه شيء" وهذا ظن وشك.
وقوله في الأولى: "إنما هو شيء دسره البحر" تعليل لنفي الزكاة فيه واستسلافًا أن ما أخرجه البحر لا زكاة فيه، ولولا ذلك لما جاز أن يعلل نفي الزكاة بأصل غير متفق عليه. والله أعلم.
قال الشافعي في العنبر: لا شيء فيه ولا في مسك ولا غيرهما، خالف الزكاة والحرث والماشية والذهب والورق، وما أريد [به] (١) تجارة من العروض، أو خصه حديث رسول الله ﷺ أو عن بعض أصحابه. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا أنس بن عياض، عن الحارث ابن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن أبيه، عن سعد بن أبي ذباب قال: قدمت على رسول الله ﷺ فأسلمت، ثم قلت: يا رسول الله اجعل لقومي ما أسلموا عليه من أموالهم، ففعل رسول الله ﷺ واستعملني عليهم، ثم استعملني أبو بكر، ثم عمر، قال: وكان سعد من أهل السراة، قال: فكلمت قومي في العسل، فقلت لهم: زكوه فإنه لا خير في ثمرة لاتزكى، فقالوا: كم؟ فقلت: العشر، فأخذت منهم العشر، وأتيت عمر بن الخطاب فأخبرته بما كان، فقبضه عمر فباعه ثم جعل ثمنه في صدقات المسلمين.
هذا حديث حسن، وقد أخرج الترمذي في زكاة العسل حديثًا عن ابن
стр. 1156
عمر (١)، وأخرج أبو داود (٢) والنسائي (٣) فيها حديثًا عن عمرو بن شعيب، وكلا الحديثين يتضمن أخذ العشر من العسل زكاة.
قوله: "استعملني عليهم" جعلني عاملًا له على قومي، ورئيسًا فيهم ومقدمًا عليهم.
وإنما سمى العسل ثمرة: لأنها شبيهة بالثمرة من حيث أن النحل يثمرها فسماها ثمرة مجازًا، كما يقال للولد: ثمرة الفؤاد ويقال: هذا ثمرة فعلك.
ويجوز أن يكون سماه ثمرة: لأن النحل تجنيه من النبات، فشبهه بالثمرة التي تجتنى من الشجر.
стр. 1157
قال الشافعي في القديم (١): الحديث في أن في العسل العشر ضعيف، وفي أن لا يؤخذ منه العشر ضعيف، إلا (٢) عن عمر بن العزيز.
وقال ابن المنذر: ليس في وجوب صدقة العسل حديث يثبت عن رسول الله ﷺ ولا إجماع ولا زكاة فيه. قال الشافعي: وسعد بن أبي ذباب يحكى ما يدل على أن رسول الله ﷺ [لم] (٣) يأمره بأخذ الصدقة من العسل، وإنما هو شيء رآه فتطوع به أهله.
وهذا الحديث قد رواه محمد بن عباد، عن أنس بن عياض كما رواه الشافعي، ورواه الصلت بن محمد، عن أنس بن عياض، عن الحارث بن أبي ذباب. وكذلك رواه صفوان بن عيسى، عن الحارث بن أبي ذباب (٤).
وتفصيل المذهب في زكاة العسل: أن الشافعي قال في القديم: محتمل أن يقال تجب، ويحتمل أن يقال: لا تجب وقطع في الجديد أنها لا تجب. وبه قال مالك، وابن أبي ليلى، والثوري، والحسن بن صالح، وروى ذلك عن ابن عمر، وابن عبد العزيز.
وقال أبو حنيفة: إن كان في غير أرض الخراج وجب فيه العشر قليلاً كان أو كيثرًا.
وقال صاحباه: ليس فيما دون خمسة أوسق منه عشر.
وقال أحمد: تجب بكل حال. وبه قال مكحول، وسليمان بن موسى،
стр. 1158
والأوزاعي، وإسحاق.
وقد روى عبد الله بن محرر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن: أن يؤخذ من العسل العشر.
قال البخاري: عبد الله بن محرر متروك الحديث، وليس في زكاة العسل شيء يصح (١). والله أعلم.
...
стр. 1159
الباب الثامن
في زكاة الخيل والرقيق
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك بن أنس وسفيان بن عيينة، كلاهما عن عبد الله بن دينار، عن سليمان بن يسار، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" أخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن مكحول، عن سليمان بن يسار، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن عراك، عن أبي هريرة مثله موقوفًا على أبي هريرة.
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة.
أما مالك (١): فأخرجه بالإسناد واللفظ.
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن آدم، عن شعبة، عن عبد الله بن دينار بالإسناد قال: "ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة".
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
وله في أخرى: عن أبي الطاهر وهارون بن سعيد، وأحمد بن عيسى، عن ابن وهب، عن مخرمة، عن أبيه، عن عراك بالإسناد، قال: "ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر".
стр. 1160
وأما أبو داود (١): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك.
وعن (٢) محمد بن المثنى ومحمد بن يحيى بن فياض، عن عبد الوهاب عن عبيد الله، عن رجل، عن مكحول، عن عراك بالإسناد، قال: "ليس في الحيل والرقيق زكاة، إلا زكاة الفطر في الرقيق".
وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن محمد بن العلاء (٤) ومحمود (٥) بن غيلان عن وكيع، عن سفيان وشعبة، عن عبد الله بن دينار بالإسناد واللفظ.
وأما النسائي (٦): فأخرجه عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك بالإسناد واللفظ.
العبد: المملوك هاهنا وهو ضد الحر، ويجمع على: عبيد وأعبد وعباد، وأصله من الذل والخضوع.
والفرس: معروف ويقع على الذكر والأنثى، ولا يقال: فرسة ويصغر على فرييس، وإن أريد به الأنثى خاصة قلت: فريسة.
وقد جاء في بعض الروايات بدل "عبده": "غلامه"، ويريد به الغلام الذي هو عبد.
والخيل: اسم يقع على جماعة الأفراس، لا واحد له من لفظه، ويقع على الذكر منها والإِناث ويجمع على خيول وقد تقع على الخيالة (٧).