← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال الأزهري: هو الفَرق -يعني بالفتح- قال: المُحَدِّثُون يقولون: الفَرْق: يعني -بالسكون - قال: وكلامُ العرب الفَرَقُ. قال ذلك (١): أحمد بن يحيى، وخالد بن يزيد، وهو إناء يأخذ ستة عشر رطلًا، وذلك ثلاثة آصع قال الجوهري: الفرْق -بالسكون- مكيال معروف بالمدينة، وهو: ستة عشر رطلًا، وقد تُحَّركُ الراء. وقال الشافعي: الفَرَق ثلاثة آصُعٍ، يكون ستة عشر رطلًا. وأما الفرْق بالسكون: فمائة وعشرون رطلًا. هكذا حكاه الإمام. وقال أبو نصر بن الصباغ، في كتاب "الشامل"، وهو: بخلاف المنقول في اللغة. وما نقله الإمام قد حققه، وهو به أعرف، فإن هذا ما يتداوله الفقهاء بينهم، وهم أعرف به من غيرهم. فأما ضمير المتكلم والأصل فيه "أن" مفتوحة النون، فأضيف إليها ألف بعدها لبيان الحركة، فقيل "أنا" وهو ضمير الغائب، فلما أرادت أن تعطف على الضمير الذي في "أغتسل" وهو ضمير مرفوع متصل لم يُعْطف عليه حتى تؤكده. فجات بـ"أنا" فقالت: "كنت أغتسل أنا" وهو كقوله تعالى ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (٢) ويجوز العطف من غير توكيد، وفيه فتح، وقد جاء في بعض روايات النسائي كذلك. و"من" في قوله "من إناء واحد" لابتداء الغاية، أي: أَنِ ابتَدأْنَا بالغُسْلِ من الإناء.

стр. 107

ويجوز أن يكون "للتبعيض" أي: أنهما اغتسلا ببعضه. "وربما": حرف جر، أضيف إليه "ما"، وهو مبني على الفتح، ويفيد التعليل، وفائدة إدخال "ما" عليه ليرد بعده فعل، لأن "رب" من خواص الأسماء، تقول "رب رجلٍ قائمٍ لَقِيتُ" فإذا أردت إدخاله على الفعل زدت عليه "ما" فقلت: "رُبَّما قام زيد، وربما يقوم" ومثله قوله -تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (١) وقد يخفف فيقال: رُبَمَا. وقوله "أَبْقِ لي، أَبْقِ لي" أي: اترك لي بقية من الماء لأغتسل بها، وتكرارها للتأكيد. وقوله "تختلف أيدينا فيه" تريد أنها كانت تغتسل معه في وقت واحد، تتعاقب أيديُهما على اغتراف الماء. و"الجنابة": معروفة وهي: الحالة التي أوجب الشرع على الإنسان فيها الغسل، كالجماع التام، والتقاء الختانين، والاحتلام، والاستمناء، وغير ذلك مما هو مفصل في كتب الفقه. وأصل الجنابة: البُعْدُ، يقال: أجنب الرجل، وجنب إذا صار جُنُبًا. ويستوي فيه الذكر والأنثى، والواحد والاثنان، والجمع، وربما قالوا في جمعه: أجناب وجنبون. قالوا: إنما سمي به لأنه يصير بحالة مجتنبًا معها الصلاة، ومس المصحف، وقراءة القرآن، ونحو ذلك. وقيل: لأنه مجتنب، أي يبعد منه. و"الآصع": جمع صاع، والصاع هو: مكيال معروف، تَسَعُ أربعةَ أمدادٍ،

стр. 108

والُمدُّ مكيال بالمدينة معروف، تَسَعُ رَطْلًا وَثُلُثًا بالعراقي، عند أهل الحجاز. وبه قال الشافعي، ومالك. ورطلين عند أهل العراق، وبه قال أبو حنيفة. و"المبادرة": السابقة إلى الشيء، يقال: بدر إلى الشيء يبدر بدورًا، إذا أسرع إليه، وكذلك بادر وتبادَرَ القومُ وابتدروا، أي تسارعوا. وقولها "دَعْ لِي دَعْ لِي" مثل قولها: " أبْقِ لي، أبْقِ لِي". والتكرار للتأكيد، ولتكرار الأخذ من الماء، وتعاقب أيديهما عليه. و"دع" أمر من وَدَعْتُ الشيء أُودِعُه إذا تركته. وقد رفضوا ما [...] (١) يجيء إلا في ضرورة الشعر، استغناء عنه فترك. قال؛ أبو الأسود الدؤلي: لَيْتَ شِعْرِي عَنْ خَلِيِلي ما الَّذِي ... غَاَلهُ في الحُبِّ حَتَّى وَدَعَهْ وقد قرأ يعقوب قوله تعالى ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ (٢) بالتخفيف، بمعنى تركك. "والاغتراف": أخذ الماء باليد، غرفت واغترفت، والَغْرفة -بالفتح المرة الواحدة، وبالضم الاسم للمغروف فإن الماء لأنك ما لم تغرفه لا يسمى غرفة. "والمنازعة": المغالبة والمجاذبة، كأنها تنزع الماء من يده، وينزعه من يدها طلبًا لأخذه والاغتسال به. والذي ذهب إليه الشافعي: جواز وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة، واغتساله بفضل غسلها، وأن يتوضآ أو يغتسلا معًا.

стр. 109

والماء الفاضل من المتوضئ والمغتسل، لا يخلو من أحد قسمين: أحدهما: ما فضل عن أعضاء المحدث، بعد مروره عليها رافعًا للحدث. والثاني: ما بقي منه في الإناء، أو في الأرض بعد الفراغ. فالأول: هو الماء المستعمل في رفع الحدث، فلا يستعمل فيه مرة أخرى، وقد سبق القول فيه. والثاني: يكون باقيًا على طهوريته الأصلية، ويجوز استعماله في رفع الحدث، وإزالة النجس, وبهذا قال أكثر العلماء. وحكي عن أحمد بن حنبل أنه قال: لا يجوز أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة، إذا خَلَتْ بِهِ. وروي عنه أيضًا: أنه يكره. وحكاه ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه، وعن الحسن البصري، وسعيد بن المسيب. وكان ابن عمر: لا يكره فضل وضوء المرأة إلا أن تكون جنبًا أو حائضًا، قال: إذا خلت به فلا تقربه. وحكي عن أبي يوسف أنه قال: إذا أدخل الجنب أو الحائض يده في الماء، لم يفسد، وإن أدخل رجله فسد، قال: لأن الجنب نجس، وإنما عفي عن يده لأجل الحاجة والضرورة. وقد أخرج الشافعي، عن مالك، عن ابن عمر، أنه كان يقول: لا بأس أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، ما لم تكن حائضًا أوجنبًا. قال الشافعي: أما تركه لأن النبي ﷺ كان يغتسل وعائشة من إناء واحد،

стр. 110

وإذا اغتسلا معًا كان كل واحد منهما يغتسل [بفضل] (١) صاحبه. وأخبرنا الشافعي قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، عن ميمونة زوج النبي ﷺ : "أنها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ من إناء واحد". هذا حديث صحيح، متفق عليه. أخرجه: البخاري (٢)، ومسلم (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥). فأما البخاري: فأخرجه عن أبي نعيم، عن ابن عيينة، بالإسناد عن ابن عباس "أن النبي ﷺ وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد". قال البخاري: كان ابن عيينة يقول: -أخيرًا-: عن ابن عباس، عن ميمونة، والصحيح مارواه أبو نعيم. وأما مسلم: فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن حاتم، عن محمد ابن بكر، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، بالإسناد، عن ابن عباس "أن رسول اللَّه ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة". وأما الترمذي: فأخرجه عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، بالإسناد قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول اللَّه ﷺ من إناء واحد من الجنابة".

стр. 111

وأما النسائي: فأخرجه عن يحيى بن موسى، عن ابن عيينة، بالإسناد قال: أخبرتني ميمونة: "أنها كانت تغتسل ورسول اللَّه ﷺ من إناء واحد". وفي الباب عن علي بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وابن عمر، وأم سلمة، وأم هانئ، وأم صُبَية. وقد اختلف في هذا الحديث على سفيان، فإنه رواه عن ابن عباس، ومرة عنه وعن ميمونة. وقيل: إنما الاختلاف على ابن عباس، رواه مرة عن ميمونة، ومرة لم يذكر ميمونة، ويجوز أن يكون لما لم يذكر ميمونة، مسندًا ومرسلًا، فالمسند عن نفسه، والمرسل عن ميمونة؛ وله نظائر مثل ذلك الأثر في أنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ "إنما الربا في النسيئة" فلما روجع فيه قال: حدثني به أسامة بن زيد (١) ولعله قد فعل في هذا الحديث مثل ذلك، إلا أن الحديث بنفسه صحيح لا مطعن فيه. وما يتعلق به من شرح، فقد تقدم في حديث عائشة, لأنه مثل طريق من طرق حديثها، وإنما ذكره الشافعي مؤكدًا لحديث عائشة. وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر كان يقول: "إن الرجال والنساء كانوا يتوضئون في زمن رسول اللَّه ﷺ جميعًا". هذا حديث صحيح، أخرجه مالك (٢)، والبخاري (٣)، وأبو داود (٤)، والنسائي (٥).

стр. 112

فأما مالك: فأخرجه إسنادًا ولفظًا. وأما البخاري: فأخرجه عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك. وأما أبو داود: فأخرجه: عن مسدد، عن حماد، عن أيوب، عن نافع. وأخرجه القعنبي، عن مالك، بإسناد، قال: "كان الرجال والنساء يتوضئون في زمان رسول اللَّه ﷺ قال مسدد -من الإناء الواحد". وأخرجه أيضًا عن مسدد، عن يحيى بن عبد اللَّه [عن عبيد اللَّه] (١)، عن نافع، عن ابن عمر قال: "كنا نتوضأ نحن والنساء من إناء واحد، على عهد رسول اللَّه ﷺ ندلي فيه أيدينا". وأما النسائي: فأخرجه عن هارون بن عبد اللَّه، عن معن، عن مالك، بالإسناد واللفظ. "فعلت الشيء على عهد فلان": أي في أيامه وزمانه. و"ندلي في أيدينا": أي نحطها فيه ونرسلها، من قولك: أَدْلَيْتُ الدلو ودَلَّيْتُهَا، إذا أرسلتها في البئر، فأمَّا "دَلَوْتُهَا" فإذا نَزَعْتَهَا، فيجوز أن يكون قوله "ندلي" مشدَّدًا من دَلَّى، ومخفَّفًا من أَدْلَى. وفي هذا الحديث: بيان أعم من الحديثين اللذَيْنِ قبله، فإن ذينك الحديثين دلاّ على أن النبي ﷺ كان يتوضأ هو وعائشة، وهو وميمونة، من إناء واحد، ولعل ذلك خاص بالنبى ﷺ وأزواجه. وأما هذا الحديث فلا يحتمل التأويل، حيث قال: كان الرجال والنساء مطلقا غير مقيد، ولفظة "نحن" بعد "نتوضأ" مؤكدة للضمير المستتر فيه، كما سبق في حديث عائشة.

стр. 113

وقول ابن عمر: "كنا نفعل كذا"، من طرق روايات الحديث، وهي آخر مراتب لفظ الراوي وأنزلها، فإن الصحابي إذا قال ذلك فإن ظاهره يقتضي أن الصحابة فعلوه على وجه للنبي ﷺ ولم ينكره, لأن تعريف الحكم به وهو غرض الراوي. وأما قوله "كانوا يفعلون كذا في زمن النبي ﷺ " فهو دليل على جواز الفعل، لأن ذكره في معرض الحجة، يدل على أنه أراد ما فعله الرسول ﷺ أو سكت عنه، دون ما لم يبلغه، وذلك يدل على الجواز. فأما إذا قال الشافعي هذا القول، فلا حجة فيه، إلا أن يصرح بنقله عن أهل الإجماع فيكون ذلك نقلًا للإجماع. وإنما ذكره الشافعي تبيينًا للحديثن اللذين قبله وتثبيتًا, ولما فيه من زيادة البيان. فإن قيل: هَلَّا اكتفى به وذكره أَوَّلًا؟ قيل: ذانِكَ الحديثان مرفوعان، مصرح بهما عن فعل النبي ﷺ ، وهذا موقوف على ابن عمر، وهو غير مصرح به في لفظ الرواية, واللَّه أعلم.

стр. 114

الفصل السابع في المَاءِ المُسَخَّنِ والمُشَمَّسِ هذا الفصل لم يرد في المسند فيه حديث فنذكره، وقد جاء في غير المسند من رواية الأصم، عن الربيع أيضًا عن الشافعي، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، "أن عمر كان يُسَخَّنُ لَهُ الماءُ فيغتسل به ويتوضأ" (١). وبهذه الرواية عن الشافعي: أنه قال: لا أكره الماء المُشُمَّسَ إِلَّا أن يكون من جهة الطب. ثم قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال: أخبرني صدقة بن عبد اللَّه، عن أبي الزبير، عن جابر، أن عمر كان يكره الاغتسال بالماء المشمس؛ وقال: إنه يُورِثُ البَرَصَ (٢). قال الإمام أحمد البيهقي: وأما ما روي عن عائشة عن النبي ﷺ من قوله في ذلك "يا حميراء لا تفعلي فإنه يورث البرص" ولا يَثْبُتُ البتة، وهو حديث ضعيف لا يُعَوَّلُ عليه (٣). وتفصيل المذهب في ذلك: أن الوضوء بالماء المسخن جائز، فإنه قال: والمسخن وغيره سواء، وحكي عن مجاهد أنه كره المسخن. وحكي عن أحمد بن حنبل: أنه كره المسخن بالنجاسة.

стр. 115

وأما المشمس فما لم يقصد إلى تشميسه كالغدران والسواقي فلا يكره. وأما ما قصد إلى تشميسه في الأواني، وخصوصًا المنطبعة كالصفر ونحوه فإنه يكره. وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يكره. واللَّه أعلم.

стр. 116

الباب الثاني في الأواني وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: في الجلود قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عبد اللَّه بن عباس أنه قال: "مَرَّ النبيُّ ﷺ بشاة ميتة قال: فَهَلَّا انتفعتم بجلدها! فقالوا: يا رسول اللَّه إنها مَيْتَةٌ! قال ﷺ : "إنما حَرُم أَكْلُها". وأخبرنا الشافعي قال: أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عباس عن النبي ﷺ أنه مر بشاة لمولاةٍ لميمونة ميتة فقال النبي ﷺ : "ما على أهل هذه، لو أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به، فقالوا: يا رسول اللَّه، إنها ميتة! قال ﷺ : إنما حَرُمَ أَكْلُها". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك في الموطأ (١)، والبخاري (٢) ومسلم (٣)، وأبو داود (٤) والترمذي (٥)، والنسائي (٦). فأما مالك: فأخرجه بالإسناد الأول واللفظ. وأما البخاري: فأخرجه عن زهير بن حرب، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح، عن الزهري، بالإسناد "أن رسول اللَّه ﷺ مر بشاة فقال:

стр. 117

"هَلَّا استمتعتم بإهابها! قالوا: إنها ميتة! قال: "إنما حرم أكلها". وفي أخرى: عن خَطّاب بن عثمان، عن محمد بن حِمْيَر، عن ثابت بن عجلان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "مر النبي ﷺ بعنز ميتة فقال: "ما على أهلها لو انتفعوا بإهابها". وأما مسلم: فأخرجه عن يحيى بن يحيى، وأبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد، وابن أبي عمر، جميعًا عن ابن عيينة، عن الزهري، بالإسناد قال: "تُصُدِّق على مولاة لميمونة بشاة فماتت، فَمَرِّ بها رسول اللَّه ﷺ فقال: "هَلَّا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به! قالوا: إنها ميتة! قال: "إنما حرم أكلها". وقال أبو بكر، وابن أبي عمر، في حديثهما: عن ميمونة. وله روايات أخرى. وأما أبو داود: فأخرجه من مسدد، ووهب بن بيان، وعثمان بن أبي شيبة، وابن أبي خلف، عن سفيان، عن الزهري، قال مسدد، ووهب: عن ميمونة قالت: "أُهْدِيَ لمولاة لنا شاة من الصدقة، فماتت، فمر بها النبي ﷺ قال: "أَلاَ دبغتم إهابها" الحديث. وفي أخرى له: عن مسدد، عن يزيد، عن معمر، عن الزهري؛ بهذا الحديث، لم يذكر ميمونة، ولم يَذْكُرِ الدِّبَاغَ. قال معمر: وكان الزهري يُنْكِرُ الدِّبَاغَ ويقول: استمتع به على كل حال. قال أبو داود: ولم يذكر الأوزاعي، ويونس، وعقيل، في حديث الزهري الدِّبَاغَ، وذكره الزبيري، وسعيد بن عبد العزيز، وحفص بن الوليد. وأما الترمذي: فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء، عن ابن عباس وقال: "ماتت شاة، فقال النبي ﷺ لأهلها: "ألا نزعتم جلدها (١) فاستمعتم به".

стр. 118

قال الترمذي: وقد روى من غير وجه عن ابن عباس، عن ميمونة، وروي عنه عن سَوْدة. قال: وسمعت محمدًا -يعني البخاري- يصحح حديث ابن عباس عن النبي ﷺ ، وحديث ابن عباس عن ميمونة. وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، عن سفيان، عن الزهري، بالإسناد، الحديث. وفي أخرى: عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك، بإسناده ولفظه. وقد كثرت الطرق لمسلم والنسائي في تخريج هذا الحديث، فلم نُطِلْ بذكرها. "الشاة": واحدة الشياه من الغنم، وقد يقع على الذكر والأنثى من الضأن والمعز، وقد يطلق لفظ الشاة على الجميع، يقولون: فلان كثير الشاة والبعير، لأن الألف واللام للجنس. وأصل الشاة "شاهة" لأن تصغيرها "شويهة"، وجمعها لأدني العدد "شياه" وفي الكثير "شات". و"العطاء": الهبة، و"العطية": الشيء المُعْطَى. و"المولاة": تأنيث المولى وهو وارد في العربية مطلقًا على مسميات عدة، منها: المُعْتِق، والمُعْتَق، والسَّيِّد، والصَّاحِب، والناصر، والمنعم، والجار، والحليف، وكل من ولي من أحد شيئًا فهو وليه، ويقال: بينهما ولاء أي: قرابة، والمراد في هذا الحديث بالمولاة، الجارية والأَمَة. "وَهَلَّا": حَثٌّ وتحضيض، وأصلها "هَلْ" التي للاستفهام، و"لا" التي للنفي بُنِيَتَا معًا فأحدثت معنى التحضيض، كما بنوا "لولا" و"لوما" وجعلوهما

стр. 119

كلمة واحدة، وهي مختصة بالفعل، لأجل المعنى الحادث فيها وهو التحضيض. و"النفع": ضد الضر، و"الانتفاع" افتعالٌ منه، والاسم "المنفعة". و"الحرام": ضد الحلال، يقال حرم الشيء يحرم فهو حرام. والذي جاء في هذا الحديث، يجوز أن يكون حَرُمَ -بفتح الحاء وضم الراء- صار هو في نفسه حرامًا، فكان الفعل له مثل شَرُفَ، وظَرُفَ. ويجوز أن يكون حُرِّم -مضموم الحاء مكسور الراء- مشدد لما لم يُسَمَّ فاعله أي: حَرَّمَهُ اللَّه . ويعضد هذا الوجه الثاني، ما جاء في رواية النسائي "إنما حَرَّمَ اللَّه أكلها". وفي قوله ﷺ من الجواب السديد والفائدة؛ ما ليس في غيره من الأجوبة، كما لو قال مثلًا: إن جلدها ليس بحرام، أو ادبغوه فإنه يطهر، وذلك لأن فيه من التنبيه، على أن المعنى الذي امتنعتم من الانتفاع به لأجله، وهو التحريم الشرعي، والتنجيس بالموت إنما مخصوص بلحمها وشحمها، اللذين هما من وظيفة الأكل، وأن ذلك هو المُحَرَّمُ وحده، لا الانتفاع بالجلد، فجمع في الجواب بين الغرضين وأتى فيه بالحكمين، ونبه على ما سبق به حكمه العام من تحريم الميتة، في قوله -تعالى-: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (١) فالقرآن دل ظاهر إطلاقه على تحريم الانتفاع به، بجميع أجزاء الميتة، لكن لما كان النبي ﷺ عالماً بخصوص حكم اللَّه ومراده من قَصْرِ التحريم على الأكل، قال: "إنما حَرُمَ أكلها" فَخَصَّصَ ذلك العام، وقيد ذلك المطلق بجوابه. "والأهل": الأقارب والألزام من الرجال والنساء، أنسابًا وأصهارًا، إلا أنه بالنسب أشبه.

стр. 120

وأما "الآل": فإنهم الأهل، والهمزة مبدلة من الهاء، وقيل: بَل الهاء مبدلة من الهمزة، وقيل: بل هما اسمان مرتجلان، وما أشبه الإبدال في الكلمتين وأقربه!!. ويقال لمن أهمل شيئًا أو غفل عنه: "ما عليه لو فعل كذا"، أو لو كان كذا [أي] (١) شيء يلحقه من الضرر أو العيب أو العار، ونحو ذلك: لو فعل ذلك، فكأنه استفهام يتضمن تنبيهًا وتوبيخًا. "والإهاب": الجِلْدُ ما لم يُدْبَغْ، وقيل: هو الجلد دُبِغَ أو لم يُدْبَغْ. وذهب قوم: إلى أن جلد ما لا يؤكل لحمه، لا يسمى إهابًا. ويُجْمَعُ "الإهاب": على "أَهَب" بفتح الهمزة والهاء، على غير قياس. وقد جاء أَدِيم، وأُدُم، وقد جاء أُهُب بضم الهمزة، وضم الهاء، على القياس. "والدِّبَاغَةُ": معاناة الجلد بما يصلحه، من نحو الشَّبِّ، والقرظِ والعفص، والملح، بما ينشف رطوبته ويذهب فضلاته ويليِّنه. وأكثر ما يدور في ألسنة الفقهاء وغيرهم، "الشث" -بثاء مثلثة- وكذا ذكره الجوهري في الصحاح، فإنه قال -في فصل الشين من باب الثاء-: و"الشث": نبتٌ طَيِّبُ الريح، مُر الطعم، يدبغ به. وقال الأزهري: في كتاب "التهذيب" (٢) -في باب الشين والثاء-: الشث: شجر طيب الريح، مر الطعم، ينبت في جبال الغوْر وتِهَامة، وقال -في باب الشين والباء: الشب: حجارة منها الزاج وأشباهه، وأجوده ما جُلِبَ من اليمن. ولم يتعرض في البابين إلى ذكر الدباغ بهما أو بواحد منهما.

стр. 121

وقال في كتاب "لغة الفقه" -في باب ما يفسد الماء-: عند دخول القرظ والشب. فأما القرظ: فهو ورق السلم، نبت بنواحي تهامة، يدبغ به الجلود، يقال أديم مقروظ، والذي يجني القرظ يسمى قارظًا، والذي يبيعه يسمى قرَّاظًا. وأما "الشب": فهو من الجواهر التي أنبتها اللَّه في الأرض، يدبغ به، شبه الزاج، والسماع: الشب. -بالباء- قال: وقد صحفه بعضهم فقال: الشب، والشث: شجر مر الطعم، ولا أدري أيدبغ به أم لا. وقد جاء في كتاب "الشامل لابن الصباغ": قال: قال الشافعي في الأم (١): الدباغ بكل ما دبغت به العرب، من قرظ وشب وما عمل عمله، مما يمكث في الإهاب حتى يُنَشِّفَ فضوله، ويُطيِّبَهُ وَيَمْنَعهُ الفسادَ إذا أصابه الماء، فأما القرظ -وهو ورق السَّلم- ينبت بنواحي تِهامة، يدبغ به العرب، يقال: أديم مقروظ، والشب يشبه الزاج، وقيل: شث بثلاث نقط وهو: شجر مر الطعم، لا يعلم هل يدبغ به أم لا (٢). "والعَنْزُ": الأنثى من المعز ومن الظِّبَاء. و"الاستمتاع": استفعال من المتاع، وهو المنفعة، تقول تمتعت كذا، واستمتعت به، أي انتفعت، والاسم المنفعة، ومنه متعة النكاح، ومتعة الطلاق، ومتعة الحج لأنه انتفاع. و"النزع": القَلْعُ، نزعت الشيء من مكانه، إذا قلعته منه وأزلته عنه. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الجلد لا يخلو أن يكون لما يؤكل لحمه، أو لما لا يؤكل لحمه.

стр. 122

فإن كان لما يؤكل لحمه، فلا يخلو إما أن يكون ذَكِيًّا أو مَيْتَةً، فإن كان ذَكِيًّا فإنه طاهر بالذكاة، وإن كان ميتة فإنه طاهر بالدباغ. وأما ما لا يؤكل لحمه، فإن الذكاة لا تفيده طهارة، ولكنه يَطْهُرُ بالدباغ، وسواء ذكية وميتة إلا الكلب والخنزير، وما تولد منهما أو من أحدهما، وهو قول علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وإليه ذهب مالك، وأبو حنيفة والثوري. إلا أن أبا حنيفة قال: إن جلد الكلب يطهر بالدباغ، وقال: إن التذكية تفيد الطهارة. وذهب الأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وابن المبارك؛ أن الدباغ لاَ يُطَهِّرُ إلا جِلْدَ ما يؤكل لحمه. وأما أحمد بن حنبل فقال في إحدى الروايتين عنه: إنه لا يطهر من جلود الميتة شيء، مأكولًا كان أو غير مأكول. وروي ذلك عن عمر، وابن عمر، وعائشة. وروي هذا القول عن مالك أيضًا، قالوا: كان يقول: إنه يفيدها الطهارة في الظاهر دون الباطن، ويُصَلَّى عليه ولا يصلى فيه، ويستعمل في الأشياء اليابسة دون الرطبة. قال ابن المنذر: كان الزهري يُنْكِرُ الدباغ، يقول بجلود الميتة على كل حال، تعلقًا بظاهر الحديث، فإنه قال ﷺ : "فهلا أخذتم إهابها وانتفعتم به" ولم يذكر دباغًا. وقد تعارضت الروايات على ذكر الدباغ، والإجماع من القائلين بالدباغ على خلافه. والزيادة في الحديث معمول بها؛ ولا سيما إذا جاءت من الثقة، فالعمل بها أولى.

стр. 123

وللشافعي قول قديم في المنع من بيع جلد الميتة المدبوغ، موافقًا لقول مالك، حيث قال: إنه يُطَهِّرُ ظاهِرَهُ دُونَ بَاطِنِهِ. وقد أخرج الشافعي في سنن حرملة، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ مر بشاة ميتة لمولاة لميمونة، فقال: "ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به". فأما حديث عبد اللَّه بن عكيم "أن رسول اللَّه ﷺ كعب إلى جهينة قبل موته بشهر، أن لا ينتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب". فقد رواه الشافعي: في سنن حرملة، عن عبد الوهاب الثفقي، عن خالد الحَذَّاء، عن الحكم، عن عبد اللَّه بن عكيم. وفي الحديث إرسال: وهو محمول على إهابها قبل الدبغ، جمعًا بين الخبرين (١).

стр. 124

أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، أنه سمع ابن وعلة، سمع ابن عباس سمع النبي ﷺ ، يقول "أَيُّما إِهابٍ دُبغَ فَقَد طَهُرَ" وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن ابن وعلة، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "إِذا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَد طَهُرَ". هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (١)، ومالك (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥). فأما [مسلم] (٦): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، بالإسناد وذكر الرواية الثانية. وفي أخرى: عن إسحق بن منصور، وأبي بكر بن إسحاق، عن عمرو بن الربيع، عن يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، أن أبا الخير حدثه قال: رأيت على ابن وعلة السَّبَائي فَرْوًا، فَمَسَسْتُهُ، فقال مالك: تَمَسُّهُ؟ قال: سألت عبد اللَّه بن عباس قلت: إنا نكون بالمغرب، ومعنا البربر والمجوس نُؤْتَى بالكبش [قد ذبحوه] (٧) ونحن لا نأكل ذبائحهم، ويأتوننا بالسقاء يجعلون فيه الودك، فقال ابن عباس: قد سألنا رسول اللَّه ﷺ عن ذلك فقال: "دباغه طهوره".

стр. 125

وأما الترمذي: فأخرجه عن قتيبة، عن ابن عيينة، وعن عبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم، بالإسناد ولفظ الأولى. وأما أبو داود: فأخرجه عن محمد بن كثير، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، بالإسناد ولفظ الرواية الثانيه. وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، وعلي بن حجر، عن سفيان، عن زيد، مثل الترمذي. وفي أخرى: عن الربيع، وسليمان بن داود، عن إسحاق بن بكر -وهو ابن مضر- عن جعفر بن ربيعة، أنه سمع أبا الخير، وذكر نحو رواية مسلم. وفي الباب عن عائشة، وميمونة، وسودة بنت زمعة، وسلمة بن المحبَّق. "أيما": كلمتان هما "أيّ"، و"ما"، "فأي" هي التي تنوب في الشرط مناب حرفه، وهي اسم، تقول: أي الرجال يقم اضربه، وأيُّ الرِّجالِ يُكْرِمْنِي أُكْرِمْهُ، وهي فيه معرفة للإضافة، وقد تُترك الإضافة، وفيه معناها. وأما "ما" فإنها المبهمة، وَزِيدَتْ لتفيد التنكير لما يدخل عليه ويضاف إليه، وهو في هذا المكان "الإهاب"، وهي التي في قولهم: شيءْ ما، أي أيُّ شيء: كان قليلًا أوكثيرًا وهذه الرواية تؤكد مذهب الشافعي: أن الدباغ يطهر جلود الميتة لدلالة هذا اللفظ على الاستغراق من وجهين:- أحدهما: الشرط، والثاني: الإبهام والتنكير الحادثان بها. وأما "إذا" فاسم مبني، وهو ظرف زمانٍ مُسْتَقْبَل، ولم يستعمل إلا مضافًا إلى جملة، تقول: "أجيبك إذا قام زيد"، وفيها نوع مجازاة، فيجاب بها الشرط، كما يجاب بالفعل والفاء، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ (١) وهذا هو معنى قولهم: إنها تكون للمفاجآت، تقول: "خرجت فإذا زيد قائم" المعنى: خرجت

стр. 126

ففاجأني قيام زيد. و"دُبِغَ" فِعْلٌ لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُه. و"الإهاب، والطهورية" قد تقدم بيانهما. و"قد": حرف يصحب الأفعال، ويقرب إلى الحال، ويدخل على الماضي والمستقبل. و"المَسُّ واللَّمْسُ" أخوان تقول: مَسِسْتُ الشيِءَ -بالكسر- أَمسٌّ -بالفتح- وحكى أبو عبيدة: مَسَستُ -بالفتح- أمُسٌّ بالضم. وقوله: "مالكَ" أي ما شأنك وما أمرك؟. و"البربر" جيل من الناس مساكنهم البلاد العربية. و"السقاء" الظَّرْفُ الذي يكون فيه الماء واللبن إذا كان من جلد، والرطب للبن خاصة، والقربة للماء خاصة. وقوله: "يأتوننا بالسقاء" أي يجيئوننا ومعهم السقاء، وهذه الباء هي التي في قوله تعالى ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١)، وقوله ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (٢). و"الودك" دسم اللحم، ولحم ودك.: أي سمين. و"الطَّهور" بالفتح- ما يتطهر به، وهو في هذا الحديث: ما يُدْبَغُ به الجلد من شب أو قرظ ونحوهما، ويجوز أن يكون بالضم يريد به الفعل نفسه. والمذهب في هذا الحديث؛ قد تقدم بيانه في حديث ابن عباس الذي قبله. واللَّه أعلم.

стр. 127

وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن ابن قسيط، عن محمد بن عبد الرحمن ابن ثوبان، عن عائشة "أن النبي ﷺ أمر أن يُسْتمتع بجلود الميتة إذا دُبِغَتْ". هذا حديث أخرجه (١) الموطأ، وأبو داود (٢)، والنسائي (٣). وأما مالك: فأخرجه إسنادًا ولفظًا وقال: يزيد بن عبد اللَّه بن قسيط. وأما أبو داود: فأخرجه عن القعني، عن مالك. وأما النسائي: فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن بشر بن عمر، عن مالك. وعن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك. وله روايات أخرى في المعنى. ما في هذا الحديث من غريب وشرح وفقه؛ قد تقدم ذكره في حديثين: شاة ميمونة. وهذه الأحاديث الثلاثة، التي رواها الشافعي عن ابن عباس، في شاة مولاة ميمونة، وفي حديث ابن وعلة، وهذا الحديث دليل على فساد قول من قال: إن جلود الميتة لا تطهر بالدباغ، حيث قد صرح فيها بجواز الانتفاع بها بعد الدباغ، واحتج من قال بذلك بحديث عبد اللَّه بن عكيم، وقد تقدم ذكر الحديث، وهو حديث متروك, لأن ابن عكيم قد وهَّن حديثه العلماء، فإنه لم يلق النبي ﷺ ، وإنما قوله حكاية عن كتاب أتاهم، فيحتمل إن ثبت الحديث، أن يكون جاء ناهيًا عن الانتفاع بها قبل الدباغ، ولذلك قال قوم: إن الإهاب

стр. 128

هو اسم للجلد قبل أن يدبغ، فنهاهم أن ينتفعوا به من الميتة قبل أن يدبغ. ثم الحديث مضطرب الإسناد، فإنه روي مرة عن عبد اللَّه بن عكيم، عن أشياخ له من جهينة. ومرة قال: قبل موته بشهر، ومرة بشهرين. ولأجل ذلك روي عن أحمد بن حنبل في العمل به روايتان. وقال الترمذي: إن أحمد رجع عن القول الأول، ووافق الجماعة لهذا الاضطراب الذي في إسناده -واللَّه أعلم.

стр. 129

الفصل الثاني في آنية الذهب والفضة أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع، عن زيد بن عبد اللَّه بن عمر، عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال: "الذي يَشْرَبُ في آنيةِ الفِضَّةِ إنما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نارَ جَهَنَّمَ". هذا حديث صحيح، متفق عليه، أخرجه مالك (١)، والبخاري (٢)، ومسلم (٣). فأما مالك: فأخرجه إسنادًا ولفظًا. وأما البخاري: فأخرجه عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك. وأما مسلم: فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك. وأخرجه عن قتيبة، ومحمد بن رمح، عن الليث بن سعد، وعن علي بن حُجْرٍ، عن إسماعيل [بن] (٤) عُلَيَّة، عن أيوب، وعن ابن نمير، عن محمد بن بشر، وعن ابن المثنى، عن يحيى بن سعيد، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، والوليد بن شجاع، عن علي بن مسهر، عن عبيد اللَّه، وعن محمد بن أبي بكر المقدمي، عن الفضيل بن سليمان، عن موسى بن عقبة، وعن شيبان بن فروج، عن [جرير] (٥) بن حازم، عن عبد الرحمن السرَّاج؛ كل هؤلاء عن نافع بمثل حديث مالك، عن نافع.

стр. 130

وزاد في حديث علي بن مسهر، عن عبيد اللَّه: "إن الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة"، وليس في حديث واحد منهم ذكر "الأكل" و"الذهب"، إلا في حديث ابن مسهر وله في أخرى: عن أبي معن زيد بن يزيد الرقاشي، عن أبي عاصم عن عثمان بن مُرَّة، عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن، عن خالته أم سلمة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه نارًا من جهنم". وفي الباب عن حذيفة، والبراء بن عازب، وعائشة، وأنس بن مالك، وابن عمر. "الذي": اسم مبهم معرفة ناقص، يحتاج إلى صلة وعائد، تقول: الذي أبُوه منطلق زيد، "فالذي" مبتدأ، و"أبوه منطلق" جملة من مبتدأ وخبر، والهاء في أبيه عائدة إلى "الذي"، وهذه الجملة صلة "الذي"، وزيد خبر المبتدأ الذي و"الذي". و"الجرجرة": صوت يردده البعير في جوفه، وهو بعير جرْجار. وقيل: هو صوت وقوع الماء في الجوف، وقيل: هو تردده فيه. والمراد بالجرجرة هاهنا: انحدار الماء في الحلق والجوف؛ يجعل للشرب جرجرة. و"البطن": خلاف الظهر وهو مذكر. وحكى أبو حاتم، عن أبي عبيدة أنَّ تأنيثه لغة. "والنار": مؤنثة والألف فيها منقلبة عن الواو، بدليل تصغيرها: نُوَيْرَة. و"جهنم": اسم عام لنار الدار الآخرة، وهو اسْمٌ مُلْحَقٌ بالخماسي، بتشديد النون، ولا ينصرف للتعريف والتأنيث، ويقال: إن اشتقاقها من قولهم: ركية جِهِنَّام -بكسر الجيم والهاء- أي: بعيدة القعر، وقيل: إنها فارسية معربة. وقد شبه النبي ﷺ شرب الماء في آنية الذهب والفضة بابتلاع النار، ثم لم

стр. 131

يكتفِ أنه شَبَّبهَهَا بابتلاع النار مطلقًا، حتى جعلها نار جهنم، التي نار الدنيا جزء من سبعين جزءًا منها. والذي ذهب إليه الشافعي: أن آنية الذهب والفضة محرمة الاستعمال على الرجال والنساء مطلقًا، في الأكل، والشرب، وغيرهما من أنواع الاستعمالات. إلا أن لفظ الحديث إنما صرح بالشرب، وقاس العلماء عليه غيره حتى أنه حرم اصطناعه، ولذلك لا قيمة له على كاسره. وقيل في اتِّخَاذِهِ، وغرامةِ قيمته قولان، وقيل وجهان. ثم هذا النهي نهي تحريم، لتأكيده بالوعيد. وقال في القديم: إنه نهي تنزيه، وفيه بُعْد. والمُمَوَّة بالذهب فيه وجهان، أظهرهما الجواز.

стр. 132

الفصل الثالث في العظام هذا الفصل لم يرد فيه حديث في المسند. وقد روى فيه الأصم، عن الربيع، عن الشافعي قال: وروى عبد اللَّه ابن دينار أنه سمع ابن عمر "يكره أن يدهن في مُدْهُن من عظام الفيل لأنه ميتة". وروى الزعفراني قال: قال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن عبد اللَّه ابن دينار، عن ابن عمر "أنه كان يكره عظام الفيل" وفي موضع آخر "أنه كان يكره أن يدّهن في عظم فيل". "المُدْهُنُ": إناء يكون فيه الدُّهْنُ، قال الجوهري: المُدْهُنُ -بالضم لا غير- قارورة الدهن، وهو مما جاء على مُفْعُل مما يستعمل من الأدوات. والذي ذهب إليه الشافعي: أن العظم والقرن والظفر فيه روح، وينجس بالموت وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، والمزني. قال أبو حنيفة: لا روح فيها ولا يَنْجُسُ بالموت. ومن أصحاب الشافعي من قال: إن حكم العظم والظفر والقرن حكم الشعور، والشعور عنده فيها خلاف، هل تنجس بالموت أم لا؟ وهل فيها روح أم لا؟ والصحيح أنها تنجس بالموت ولا تطهير بالدباغ. وقال الربيع عنه: إنها تَبَعُ الجلد في طهارته ونجاسته -واللَّه أعلم.

стр. 133

الفصل الرابع في آنية النصارى وهذا الفصل لم يرد فيه حديث في المسند. وقد روى فيه الأصم، عن الربيع، عن الشافعي قال: أخبرنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، "أن عمر توضأ من ماء نصرانية في جرة نصرانية". وقد روى الشافعي في سنن حرملة، عن سفيان، عن أيوب [عن] (١) أبي قِلابة، عن أبي ثعلبة الُخَشْني -معنى مارواه غيره عنه وهو- أنه قال: يا رسول اللَّه! إنا بأرضٍ أهلها أهل كتاب، يأكلون لحوم الخنزير، ويشربون الخمر، فكيف بآنيتهم وقدُورِهِم؟ فقال: "دعوها ما وجدتم منها بُدًّا، فإذا لم تجدوا منها بُدًّا فارحضوها (٢) بالماء -أو قال: اغسلوها- ثم اطبخوا فيها وكلوا -وأحسبه قال: واشربوا" (٣). رواه الشافعي مختصرًا. "الرَّحْضُ": الغسل. والذي ذهب إليه الشافعي أنه قال: ولا بأس بالوضوء من ماء مشرك، وبفضل وَضُوئه ما لم يُعْلَم نجاسته. وتفصيل القول فيه: أن المشركين على ضربين:-

стр. 134

قوم لا يتدينون (١) بالنجاسات كأهل الذمة وغيرهم، فما شك فيه من ثيابهم وأوانيهم، [يرحض] (٢) استعماله ولا يجب غسله، قال الشافعي: وأنا لما يلي أسافلهم أشد كراهة. وحكي عن أحمد، وإسحاق، أنهما قالا: يجب غسل أوانيهم وثيابهم. فأما من يتدين بالنجاسة كقوم يتقربون بأرواث البقر ومن يجري مجراهم، ففيه وجهان:- أحدهما:- يصح لأن الأصل في أوانيهم الطهارة. والثاني:- لا يصح لأنهم يتدينون باستعمال النجاسة، فالظاهر من ثيابهم وأوانيهم النجاسة. ...

стр. 135

الباب الثالث في إزالة النجاسة وفيه خمسة فصول الفصل الأول في البول وفيه فرعان: الفرع الأول: في البول علي الأرض أخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت أنس ابن مالك يقول: "بال أعرابي في المسجد، فَعَجِلَ الناس إليه، فنهاهم عنه، وقال ﷺ : "صُبُّوا عَلَيْهِ دَلْوًا مِنْ ماءٍ". هذا حديث صحيح، متفق عليه. أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، والنسائي (٣). فأما البخاري: فأخرجه عن عبدان، عن عبد اللَّه، عن يحيى بن سعيد، وعن خالد [بن] (٤) مخلد، عن سليمان، عن يحيى بن سعيد نحوه. وأما مسلم: فأخرجه عن قتيبة بن سعيد، عن حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس: "أن أعرابيًّا بال في المسجد، فقام إليه بعض القوم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "دعوه لا تَزْرِمُوه"، قال: فلما فرغ، دعا بَدلْوٍ من ماءٍ فَصَبَّهُ عليه". وفي أخرى: عن زهير بن حرب، عن عمر بن يونس الحنفي، عن عكرمة بن

стр. 136

عمار، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس قال: "بينما نحن في المسجد مع رسول اللَّه ﷺ ، إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول اللَّه ﷺ مَهْ مَهْ! قال: قال رسول اللَّه ﷺ لاتزرموه، دعوه، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول اللَّه ﷺ دعاه فقال: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، وإنما هو لذكر اللَّه والصلاة، وقراءة القرآن، -أو كما قال رسول اللَّه ﷺ - قال: وأَمَرَ رجلًا من القوم فجاء بِذَنُوبٍ من ماء فَشَنَّهُ عليه". وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، عن حماد [عن] (١) ثابت، عن أنس، مثل رواية مسلم الأولى. وفي أخرى: عن قتيبة، عن عبيدة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس. "الأعرابي": منسوب إلى الأعراب، وهم سكان البادية الذين لا يحضرون الأمصار ولا يسكنونها، سواء كانوا من العرب أو من غيرهم. "والعرب": كل من كان أصله عربيًّا، وإن لم يكن في بلاد العرب، كالذين [نزلوا] (٢) بلاد فارس، وغيرهم من الأمم لمَا فتحوها وأولدوا فيها, ولسانهم اليوم عجمي، أو تركي، أو أرمني أو غير ذلك، ولا يتكلمون بالعربية ولا يحسنونها، فهم عرب لأنهم ينتسبون إلى العرب. وإنما نسب إلى الأعراب وهو جمع، لأنه جمع لا واحد له من لفظه، فَنُزِّلَ منزلة الواحد. "والذَّنُوبُ": -بفتح الذال المعجمة- الَّدَّلْو العظيمة إذا كانت ملأى ماء،

стр. 137

وقيل: إذا كانت قريبًا من الامتلاء، ولا يقال لها -وهي فارغة-: ذَنُوب، ويذكر ويؤنث. "وإلإزْرَامُ" -بتقديم الزاي على الراء- القَطْعُ، أي: لا تقطعوا عليه بوله، تقول (١): زَرِمَ البولُ والدَّمْعُ وغيرُهما: إذا انقطع، وأزرمه غيره. وقوله ﷺ "دعوه" إنما قال ذلك لوجهين أحدهما: أن الأعرابي قد كان أراق بعض الماء والكل في النجاسة كالبعض من حيث إنه نجس. والثاني: أنه لو قطع بوله لتنجست ثيابه ولأعقبه داء في بدنه قاله الأطباء، فترجح جَانِبُ تَرْكِهِ حتى يُتِمَّ بَوْلَهُ على جانِبِ قَطْعِهَ لما قلنا, ولأنه أيضًا كان ينجس موضعين، وإذا ترك فالذي ينجس موضع واحد. ترجيح الفتوى بالدلالة أصل من أصول الفقه، ولا ينفذ فيها عند تعارض الوجوه إلا الماهر. وإنما سكت النبي ﷺ عن الأعرابي ولم يَلُمْهُ، لجِهله بحق المسجد، ومن أصول الشريعة أن الجاهل بالحرام إذا واقعه سلم من العقوبة والإثم، وقوله في الجهالة مقبول إلا أن يظهر من حاله وشاهد الأمن والوقت ما يدل على كذبه، فَيُقْضَى عليه بحكم العالم. وقوله "مه مه" بمعنى اسكت، وتكرارها للمبالغة. وقوله "فَشَنَّهُ عليه" قد جاء في كتاب مسلم، فيما قرأناه -وهو أخرج الحديث- بالشين المعجمة، وجاء في غيره بالمهملة. فأما المعجمة فمعناها: تفريق الماء عليه من جهاته، من قولك: شنَنْتُ الغارة، إذا فرَّقها من الجهات والجوانب.

стр. 138

وأما المهملة فمعناها الصَّبُّ والإراقة، فكأنه أشبه بالمعنى من المعجمة، لأن باقي الروايات قد جاء (١): "فصب عليه وأهراق عليه". والذي ذهب إليه الشافعي: أن البول إذا أصاب الأرض فإنها تطهر بأن يُصَبَّ عليها ماء يغمرها، فَيُسْتَهْلَكُ به البولُ فتذهب رائحته ولونه. وقال أبو حنيفة: إن كانت الأرض رَخْوةً ينزل فيها الماء فالصَّبُّ يُجْزِئُ، وإن كانت صُلْبَةً لم يجز فيها إلا الحفر ونقل التراب. وليس للدّلو التي تُصَبُّ على البَوْلِ مقدارٌ محدود، وإنما هو وما يغمره ويستهلكه -كما قلناه. على أن الشافعي قد قال في بعض كلامه: ويطرح على البول سبعة أضعافه من الماء، قالوا: لم يقل ذلك تقديرًا وإنما قاله تجربة. وأخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: "دخل أعرابي المسجد وقال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لقد تحجّرتَ واسِعًا" فما لبث أن بال في ناحية المسجد، فكأنهم عجلوا عليه، فنهاهم النبي ﷺ ، ثم أمر بذَنُوبٍ من ماء، أو سَجْلٍ من ماء فأهريق عليه، ثم قال النبي ﷺ : "عَلِّمُوا ويَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا". وفي نسخة "أو سجل ماء". هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥).

стр. 139

فأما البخاري فأخرجه مُفَرَّقًا في موضعين: أحدهما: عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قام النبي ﷺ في الصلاة وقمنا معه، فقال أعرابي: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحمْ معنا أحدًا! فلما فرغ رسول اللَّه ﷺ قال: "لقد تحجرت واسعًا" -يريد رحمة اللَّه- . والثاني: عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، أن أبا هريرة قال: "قام أعرابي في المسجد فبال، فتناوله الناس، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : "دعوه وهَرِيقوا على بوله سَجْلًا من الماء، أو ذَنُوبًا من ماء، فَإنَّما بُعِثتُمْ مُيسِّرِينَ، ولم تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ". وأما أبو داود: فأخرجه عن أحمد بن عمرو بن السرح. [و] (١) ابن عبدة في آخرين، وهذا لفظ ابن عبدة، عن سفيان، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، وذكر الحديث بطوله نحوه. وأما الترمذي: فأخرجه عن ابن أبي عمر، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي كليهما عن سفيان، عن الزهري، بالإسناد نحوه بطوله. وأما النسائي: فأخرجه عن عبد الرحمن بن إبراهيم، عن عمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعي، عن محمد بن الوليد، عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن أبي هريرة، وذكر الفصل الأخير الذي يتضمن البول، كما أخرجه البخاري، إلا أنه قال: "دَلْوًا من ماء"، وأخرج الفصل الأول مفردًا كما أخرجه البخاري. قوله "تَحَجَّرْتَ واسِعًا" يعني ضَيَّقْتَ رحمة اللَّه، وأصله: اتخذت عليه حجرة أي: حظيرة أحاطت به من جوانبه، لأن رحمة اللَّه موصوفة بالسعة،

стр. 140

قال الله (ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيء) (١) فحيث حصر الرحمة له وللنبي ﷺ قال له: لقد ضَيَّقْتَ الواسِعَ، وناحية المكان: جانبه. "والذَّنُوب": قد ذُكِرَ، "والسَّجْلُ": الدَّلْو العظيمة إذا كان فيها ماء قَلَّ أو كَثُرَ، ولا يقال لها -وهي فارغة -: سجل، كما لا يقال للدلو -وهي فارغة-: ذنوب، والسَّجْلُ مذكر، جمعه سِجَال. و"اليُسْرُ": ضد العسر، كالسعة والضيق، والرفق والعنف، المراد عَلِّمُوهم ما يلزمهم من أمور دينهم، وسهِّلوا عليهم، واسلكوا طريق الرفق في التعليم: ولا تشددوا عليهم، وتَلْقَّوْهُمْ بما يكرهون، فينفروا من قَبُولِ الدِّينِ، واتباعِ الهدى. "ومُيَسِّرين ومُعَسِّرِين": منصوبان على الحال من الضمير في "بُعِثْتُمْ"، والواو في قوله "ويسروا ولا تعسروا" واو الحال أي: عَلِّمُوا وحالتكم في التعليم اليسر لا العسر، ويشهد بصحة ذلك الرواية الأخرى "فإنما بعثتم ميسرين لا معسرين". وإضافة السَّجْلِ إلى الماء في قوله؛ "سَجْلَ مَاءٍ" إضافة بمعنى "من" بدليل ظهورها في الرواية الأخرى، في قوله: "سَجْلًا مِنْ ماءٍ". وإنما جازت هذه الإضافة -وإن كان السَّجْلُ ليس من ماء- لأن السَّجْلَ والذَّنُوبَ لا يسمِّيان بهذا الاسم إلا إذا كان فيهما ماء، فإذا لم يكن فيهما ماء فليس بَسجْلٍ ولا ذَنُوبٍ، فلما تخصصت التسمية بوجود الماء فيهما ولزومه لهما، صارا كأنهما من الماء وبعض الماء. "فَعَجَلَ الناس": يعني أطلقوا ألسنتهم في ذَمِّهِ وشتمه، وأيديهم في ضربه، كأنهم قد أخذوا من قولك: تناولت الشيء، إذا أخذته بيدك، ووقعت بفلان: إذا ذممته وشتمته، وما في هذا الحديث من الفقه قد تقدم في حديث أنس قبل هذا.

стр. 141

الفرع الثاني في بول الطفل هذا الحكم لم يرد فيه في المسند شيء. وقد أخرج الشافعي في غير المسند قال: أخبرنا مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "أُتِيَ رسول اللَّه ﷺ بِصَبِيٍّ فَبَالَ على ثوبه، فَدَعا بماء فأتبعه إياه" (١). وروى الشافعي في حكاية بعض الأصحاب عنه، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، وعن أم قيس بنت محصن قالت: "دَخَلْتُ بِابنٍ لي عَلَى رسولِ اللَّه ﷺ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ فبال عليه، فدعا بماءٍ فَرَشَّهُ عليه" (٢). قال الشافعي: وفيه دلالة على الفرق بين من أكل الطعام وبين من لم يأكله. وقال الشافعي في رواية حرملة: وإتباعه إياه الماءَ يَكُونُ صَبًّا عليه، ويكون غَسْلًا له بأن يصب عليه ويغسل، وقد يغسله مرة ويرشه أخرى، وفي الرش مرة دليل على أن الغَسْلَ اختيار. وقال في معنى الرش: فيجد صاحبه البلل فتطيب نفسه لأنه لا يدري لعل البلل من الماء. وقد حكى المزني -في المختصر الصغير- أنه قال: ولا يبين لي فَرْقٌ بينه وبين بول الصبية، ولو غُسِلَ كان أَحَبَّ إليَّ.

стр. 142

فذهب وَهْمُ بعض الأصحاب: إلى أنه أراد به تعليق القول في جواز الرش على بول الصبية. وليس كما ذهب إليه، وإنما أراد تعليق القول في وجوب غسل بول الصبية، وذلك بَيِّنٌ في حكايته في الكبير قال: ولا يَبِينُ لي في بول الصبي والجارية فرق من السنة الثانية، ولو غسل بول الجارية، أكلت الطعام أو لم تأكل، كان أحب إلى احتياطًا، وإن رَشَّ ما لم يأكل الطعام أجزأ -إن شاء اللَّه. وإنما قال ذلك لأن الحديث الثابت في ذلك، حديث عائشة وأم قيس بنت محصن، وليس في حديثهما ذكر الصبية، فأشبه أن يكون بولها قياسًا على بول الصبي. ولم يثبت عند الشافعي، حديث من روى في حديث ذكر الصبية، حتى يفرق به بين بول الصبي والصبية. ولذلك قال: من السنة الثانية. ولذلك لم يثبت عند البخاري، ومسلم، سوى حديث عائشة وأم قيس. قال البيهقي - ﵀: وتفصيل المذهب في ذلك أن بول الصبي والصبية نجس، إلا أنهما يختلفان في الإزالة فإن بول الصبي:- ما لم يطعم الطعام -إذا أصاب إنسانًا، رش عليه حتى يغمره، وإن لم يَزُلْ الماء عنه. أما بول الجارية: فيغسل بأن يصب عليه ماء حتى يزول عنه، وبه قال أحمد، وأبو عبيد، قاله الإمام أبو نصر بن الصباغ في الشامل. وقال صاحب الإبانة، وصاحب التهذيب: في بول الجارية قولان. وقال أبو حنيفة، ومالك: يُغْسلُ بول الصبي والجارية. وقال داود: بول الصبي ما لم يأكل الطعام طاهر، والرش استحباب.

стр. 143

الفصل الثاني في المني أخبرنا الشافعي، أخبرنا عمر بن أبي سلمة، عن يحيى بن سعد، عن القاسم، عن عائشة قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول اللَّه ﷺ ". وأخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن عيينة، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، عن عائشة قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول اللَّه ﷺ ". وأخبرنا الشافعي، أنبأنا يحيى بن حسان، عن حماد بن سلمة، عن حماد ابن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عائشة قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول اللَّه ﷺ ثم يصلي فيه". هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (١)، وأبو داود (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤). وقد روي عن الشافعي زيادة في رواية أخرى؛ من غير المسند "يفرك كما يفرك المخاط، والبصاقة، والطين، والشيء من الطعام يلصق بالثوب تنظيفًا لا تنجيسًا". وأخرج الشافعي أيضًا من رواية الربيع عنه، عن سفيان بن عيينة، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، قال: ضاف عائشة ضيف

стр. 144

فأرسلت تدعوه، فقالوا لها: إنه أصابه جنابة، فذهب يغسل ثوبه، فقالت عائشة: "ولم غسله؟ إِنْ كُنتُ لأفرك المني من ثوب رسول اللَّه ﷺ ". أما مسلم: فأخرج الحديث عن يحيى بن يحيى، عن خالد بن عبد اللَّه بن خالد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، والأسود "أن رَجُلًا نزل بعائشة، فأصبح يغسل ثوبه فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تره نضحت حوله، لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول اللَّه ﷺ فيصلي فيه". وأخرجه عن قتيبة بن سعيد، عن حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، وعن إسحاق بن إبراهيم، عن عبدة بن سليمان، عن ابن أبي عَرُوبة، جميعًا عن أبي معشر. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن هشيم، عن مغيرة. وعن محمد بن حاتم، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن مهدي بن ميمون، عن واصل الأحدب. وعن محمد بن حاتم، عن إسحاق بن منصور، عن إسرائيل، عن منصور، ومغيرة. كل هؤلاء عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة في: حَتِّ المني من ثوب رسول اللَّه ﷺ ، نحو حديث خالد، عن أبي معشر. وله روايات أخرى لهذا الحديث. وأما أبو داود: فأخرجه عن حفص بن عمر، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن همام، عن عائشة نحوه بِذِكْرِ الضَّيفِ. وله في أخرى: عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول اللَّه ﷺ ويصلي فيه".

стр. 145

وأما الترمذي: فرواه عن هَنَّادٍ، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، وذكر نحو الرواية التي فيها ذِكْرُ الضيف -بزيادة معنىً آخر فيها. وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، عن حماد، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن الحارث [بن] (١) نوفل، عن عائشة [قالت] (٢) "كنت أفرك المني، وقالت: مرة: الجنابة من ثوب رسول اللَّه ﷺ ". وله روايات أخرى كثيرة لهذا الحديث. "الفَرْكُ": معروف وهو حكّ الشيء من الثوب بأصابعك أو بعود، ونحو ذلك لتزيله من الثوب. و"المَنِيُّ" -مشدد: معروف وقد منى وأمني بمعنى، واستمنى إذا استدعى خروج المني، وقالوا إنما سمي مَنِيًّا: لأنه يمنى أي يراق. و"النضح" بالحاء المهملة: -رش الماء على الثوب، والأرض، ونحو ذلك. وقولها "فيصلي فيه" فيه فائدة تَزِيدُ الاكتفاءَ بالفركِ تأكيدًا، وذلكِ أنه متى كان الفرك قريب العهد؛ واتصلت به الصلاة كان ذلك أَدَلَّ على بقاء أثر الشيء المفروك لقرب العهد به، وفي ذلك أقوى حجة لمن اكتفى فيه بالفرك، لأنها قالت: "كنت أفركه فيصلي" عَقَّبتِ الفركَ بالصلاة بالفاء، وهذه هي إحدى روايات هشام، وهي أشبه بالمعنى من باقي الروايات، لأن بعضها قالت: "ويصلي فيه"، وبعضها "ثم يصلي فيه"، وبعضها لم يذكر الصلاة. و"حَتُّ" الشيء مثل حَكِّهِ، إلا أن الحَتَّ كأنه أَخَصُّ بأطراف الأنامل من حكه.
следующие страницы →