الفرع الثاني
في بول الطفل
هذا الحكم لم يرد فيه في المسند شيء.
وقد أخرج الشافعي في غير المسند قال: أخبرنا مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "أُتِيَ رسول اللَّه ﷺ بِصَبِيٍّ فَبَالَ على ثوبه، فَدَعا بماء فأتبعه إياه" (١).
وروى الشافعي في حكاية بعض الأصحاب عنه، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، وعن أم قيس بنت محصن قالت: "دَخَلْتُ بِابنٍ لي عَلَى رسولِ اللَّه ﷺ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ فبال عليه، فدعا بماءٍ فَرَشَّهُ عليه" (٢).
قال الشافعي: وفيه دلالة على الفرق بين من أكل الطعام وبين من لم يأكله.
وقال الشافعي في رواية حرملة: وإتباعه إياه الماءَ يَكُونُ صَبًّا عليه، ويكون غَسْلًا له بأن يصب عليه ويغسل، وقد يغسله مرة ويرشه أخرى، وفي الرش مرة دليل على أن الغَسْلَ اختيار.
وقال في معنى الرش: فيجد صاحبه البلل فتطيب نفسه لأنه لا يدري لعل البلل من الماء.
وقد حكى المزني -في المختصر الصغير- أنه قال: ولا يبين لي فَرْقٌ بينه وبين بول الصبية، ولو غُسِلَ كان أَحَبَّ إليَّ.
стр. 142
فذهب وَهْمُ بعض الأصحاب: إلى أنه أراد به تعليق القول في جواز الرش على بول الصبية.
وليس كما ذهب إليه، وإنما أراد تعليق القول في وجوب غسل بول الصبية، وذلك بَيِّنٌ في حكايته في الكبير قال:
ولا يَبِينُ لي في بول الصبي والجارية فرق من السنة الثانية، ولو غسل بول الجارية، أكلت الطعام أو لم تأكل، كان أحب إلى احتياطًا، وإن رَشَّ ما لم يأكل الطعام أجزأ -إن شاء اللَّه.
وإنما قال ذلك لأن الحديث الثابت في ذلك، حديث عائشة وأم قيس بنت محصن، وليس في حديثهما ذكر الصبية، فأشبه أن يكون بولها قياسًا على بول الصبي.
ولم يثبت عند الشافعي، حديث من روى في حديث ذكر الصبية، حتى يفرق به بين بول الصبي والصبية.
ولذلك قال: من السنة الثانية.
ولذلك لم يثبت عند البخاري، ومسلم، سوى حديث عائشة وأم قيس.
قال البيهقي - ﵀: وتفصيل المذهب في ذلك أن بول الصبي والصبية نجس، إلا أنهما يختلفان في الإزالة فإن بول الصبي:- ما لم يطعم الطعام -إذا أصاب إنسانًا، رش عليه حتى يغمره، وإن لم يَزُلْ الماء عنه.
أما بول الجارية: فيغسل بأن يصب عليه ماء حتى يزول عنه، وبه قال أحمد، وأبو عبيد، قاله الإمام أبو نصر بن الصباغ في الشامل.
وقال صاحب الإبانة، وصاحب التهذيب: في بول الجارية قولان.
وقال أبو حنيفة، ومالك: يُغْسلُ بول الصبي والجارية.
وقال داود: بول الصبي ما لم يأكل الطعام طاهر، والرش استحباب.
стр. 143
الفصل الثاني
في المني
أخبرنا الشافعي، أخبرنا عمر بن أبي سلمة، عن يحيى بن سعد، عن القاسم، عن عائشة قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول اللَّه ﷺ ".
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن عيينة، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، عن عائشة قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول اللَّه ﷺ ".
وأخبرنا الشافعي، أنبأنا يحيى بن حسان، عن حماد بن سلمة، عن حماد ابن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عائشة قالت:
"كنت أفرك المني من ثوب رسول اللَّه ﷺ ثم يصلي فيه".
هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (١)، وأبو داود (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤).
وقد روي عن الشافعي زيادة في رواية أخرى؛ من غير المسند "يفرك كما يفرك المخاط، والبصاقة، والطين، والشيء من الطعام يلصق بالثوب تنظيفًا لا تنجيسًا".
وأخرج الشافعي أيضًا من رواية الربيع عنه، عن سفيان بن عيينة، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، قال: ضاف عائشة ضيف
стр. 144
فأرسلت تدعوه، فقالوا لها: إنه أصابه جنابة، فذهب يغسل ثوبه، فقالت عائشة: "ولم غسله؟ إِنْ كُنتُ لأفرك المني من ثوب رسول اللَّه ﷺ ".
أما مسلم: فأخرج الحديث عن يحيى بن يحيى، عن خالد بن عبد اللَّه بن خالد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، والأسود "أن رَجُلًا نزل بعائشة، فأصبح يغسل ثوبه فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تره نضحت حوله، لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول اللَّه ﷺ فيصلي فيه".
وأخرجه عن قتيبة بن سعيد، عن حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، وعن إسحاق بن إبراهيم، عن عبدة بن سليمان، عن ابن أبي عَرُوبة، جميعًا عن أبي معشر.
وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن هشيم، عن مغيرة.
وعن محمد بن حاتم، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن مهدي بن ميمون، عن واصل الأحدب.
وعن محمد بن حاتم، عن إسحاق بن منصور، عن إسرائيل، عن منصور، ومغيرة.
كل هؤلاء عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة في: حَتِّ المني من ثوب رسول اللَّه ﷺ ، نحو حديث خالد، عن أبي معشر. وله روايات أخرى لهذا الحديث.
وأما أبو داود: فأخرجه عن حفص بن عمر، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن همام، عن عائشة نحوه بِذِكْرِ الضَّيفِ.
وله في أخرى: عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول اللَّه ﷺ ويصلي فيه".
стр. 145
وأما الترمذي: فرواه عن هَنَّادٍ، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، وذكر نحو الرواية التي فيها ذِكْرُ الضيف -بزيادة معنىً آخر فيها.
وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، عن حماد، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن الحارث [بن] (١) نوفل، عن عائشة [قالت] (٢) "كنت أفرك المني، وقالت: مرة: الجنابة من ثوب رسول اللَّه ﷺ ".
وله روايات أخرى كثيرة لهذا الحديث.
"الفَرْكُ": معروف وهو حكّ الشيء من الثوب بأصابعك أو بعود، ونحو ذلك لتزيله من الثوب.
و"المَنِيُّ" -مشدد: معروف وقد منى وأمني بمعنى، واستمنى إذا استدعى خروج المني، وقالوا إنما سمي مَنِيًّا: لأنه يمنى أي يراق.
و"النضح" بالحاء المهملة: -رش الماء على الثوب، والأرض، ونحو ذلك.
وقولها "فيصلي فيه" فيه فائدة تَزِيدُ الاكتفاءَ بالفركِ تأكيدًا، وذلكِ أنه متى كان الفرك قريب العهد؛ واتصلت به الصلاة كان ذلك أَدَلَّ على بقاء أثر الشيء المفروك لقرب العهد به، وفي ذلك أقوى حجة لمن اكتفى فيه بالفرك، لأنها قالت: "كنت أفركه فيصلي" عَقَّبتِ الفركَ بالصلاة بالفاء، وهذه هي إحدى روايات هشام، وهي أشبه بالمعنى من باقي الروايات، لأن بعضها قالت: "ويصلي فيه"، وبعضها "ثم يصلي فيه"، وبعضها لم يذكر الصلاة.
و"حَتُّ" الشيء مثل حَكِّهِ، إلا أن الحَتَّ كأنه أَخَصُّ بأطراف الأنامل من حكه.
стр. 146
وقوله في رواية الجماعة: "وهو يغسل ثوبه" يعني أنه لم يكتف بغسل الموضع الذي ناله المني من ثوبه حتى غسل جميع الثوب احتياطًا، لئلا يكون قد أصاب موضعا آخر من ثوبه وجهلة "فلذلك قالت له: "إنما كان يكفيه إن رآه أن يغسل مكانه، وإن لم يره نضحه" ثم بَيَّنَتْ مستند فتواها بقولها: "لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول اللَّه ﷺ فيصلي فيه".
وإذا كان الفرك مُجْزِئًا فكيف يغسل مكانه؟!.
"ضِفْتَ الرَّجُلَ": إذا نزلتَ به ضَيْفًا، وأَضَفْتَهُ إذا أَنْزَلْته.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن مني الرجل طاهر، ومني المرأة نجس، وقيل: إنه طاهر.
وإلى طهارة مني الرجل ذهب ابن عباس، وسعد بن أبي وقاص، وبه قال عطاء، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
فلا يجب غسله ويستحب فركه للحديث.
وقال مالك، والثوري، والأوزاعي: إنه نجس يجب غسله ولا يكفي فيه الفرك، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وهو قول ابن المسيب.
وقال أبو حنيفة: هو نجس إلا أنه يُغْسَلُ رَطْبُهُ، وَيُفْرَكُ يَابِسُهُ.
ومن قال بطهارته، فليس في حديث الغسل وحديث الفرك تناقض؛ الغسل على الاستحباب والنظافة.
وقد قال الشافعي: فإن قال قائل: عمرو بن ميمون، روى عن سليمان بن يسار، عن عائشة: "أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول اللَّه ﷺ " قلنا هذا إذا جعلناه يابسًا، فليس بخلافٍ لقولها: "كنت أفركه من ثوبه" كما لا يكون غسله قدميه مرة خلافُ لمسحه على خفيه في يوم من أيامه، وذلك أنه إذا مسح علمنا أنه يجزئ الصلاة بغسله لا أن واحدًا منهما خلاف الآخر، مع أن
стр. 147
هذا الحديث ليس بثابت عن عائشة، فإن عمرو بن ميمون يغلط في ذلك (١).
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، وابن جريج، كلاهما يخبره عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال -في المني يصيب الثوب- قال: أمطه عنك. قال: أحدهما بعود أو إذخرة فإنما هو بمنزلة البصاق والمخاط.
هذا الحديث هكذا جاء في المسند، مرفوعًا (٢) على ابن عباس، وهو الصحيح.
وروي عن شريك، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء مرفوعًا، ولا يثبت رفعه.
وقد أخرجه الترمذي (٣) في كتابه موقوفًا بغير إسناد.
"الإماطة": الإزالة، أمطت الشيء إذا نحيته، ومطت أنا إذا انتحيت، وقيل: يقال: مطت الإناء؛ وأمطت أيضًا إذا انتحيت، ولذلك يقال: مطت غيري.
стр. 148
و"الإذخر": معروف.
وهذا القول من ابن عباس: ذهاب منه إلى طهارته، وأنه يكفي إزالته بعود، ولا يحتاج إلى الغسل، ولذلك شبهه بما هو طاهر إجماعًا، وهو البصاق والمخاط.
أخبرنا الشافعي، أخبرنا الثقة، عن جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن مجاهد، قال: أخبرني المصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه: "أنه كان إذا أصاب ثوبه المني؛ إن كان رَطْبًا مَسَحَهُ؛ وإن كان يابسًا حَتَّه ثم صَلَّى فيه".
هذا الحديث مؤكد لحديث عائشة، وابن عباس؛ وما ذهب إليه الشافعي من الاكتفاء فيه بالحَتِّ والفَرْكِ.
***
стр. 149
الفصل الثالث
في دم الحيض
أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان، عن هشام، عن فاطمة، عن أسماء قالت: سألت النبي ﷺ عن دم الحيض؟ فقال: "حُتِّيهِ ثُمَّ اقْرُصِيهِ بالماء ثم رُشِّيهِ وصَلِّي فيه".
أخبرنا الشافعي قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: أخبرنا هشام بن عروة، أنه سمع امرأته فاطمة بنت المنذر، تقول: سمعت جدتي أسماء بنت أبي بكر تقول: "سألت النبي ﷺ عن دم الحيضة" فذكر مثله.
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر [قالت] (١): "سألتْ امرأةٌ رسول اللَّه ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه! أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة، كيف تصنع؟ فقال النبي ﷺ لها: "إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة؛ فلتقرصه؛ ثم لتنضحه بالماء؛ ثم تصلي فيه".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة؛ إلا أنهم جعلوا التي سألت النبي ﷺ غير أسماء، مثل ما جاء في الرواية الثالثة.
فأما مالك (٢): فأخرجه مثل الرواية الثالثة إسنادًا ولفظًا.
وأما البخاري (٣): فأخرجه عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك.
وأما مسلم (٤): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن هشام.
стр. 150
وعن محمد بن حاتم، عن يحيى بن سعيد، عن هشام قال: حدثتني أسماء قالت: "جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: "إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة، فكيف تصنع به؟ قال: "تحته ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه".
وأخرجه أيضًا: عن أبي بكر، عن ابن نمير، وعن أبي الطاهر السرحي، عن ابن وهب، عن يحيى بن عبد اللَّه بن سالم، ومالك بن أنس، وعمرو بن الحارث، كلهم عن هشام، مثل حديث يحيى بن سعيد.
وأما أبو داود (١): فأخرجه عن محمد بن عبد اللَّه النفيلي (٢)، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: "سمعت امرأة تسأل رسول اللَّه ﷺ كيف تصنع إحدانا بثوبها إذا رأت الطهر، أتصلي فيه؟ قال: تنظر فإن رأت فيه دمًا، فلتقرصه بشيء من ماء؛ ولتنضح ما لم تر وَلْتُصَلِّ فيه".
وله في أخرى: عن القعنبي، عن مالك، بإسناده ولفظه.
وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن محمد بن أبي عمر العدني المكي، عن سفيان، عن هشام، عن فاطمة، عن أسماء: "أن امرأة سألت النبي ﷺ عن الثوب يصيبه الدم من الحيضة" فذكر الحديث.
وأما النسائي (٤): فأخرجه عن يحيى بن حبيب بن عربي، عن حماد بن زيد، عن هشام، بالإسناد وذكر الحديث هذه روايات هؤلاء الأئمة كلهم عن
стр. 151
أسماء أن امرأة سألت النبي ﷺ ، والذي جاء في رواية الشافعي، عن سفيان، أن أسماء سألت، فجائز أن تكون أسماء روت عن نفسها أنها سألت، كما رواه الشافعي أولًا، وروت أن امرأة أخرى غيرها سألت كما سألته هي.
وجائز أن تكون السائلة هي وحدها، إلا أنها لما روت الحديث وروت عن نفسها؛ ولم تخبر أنها هي السائلة، فإنها إذا قالت: سألت النبي ﷺ ، أو سألتْ امرأة النبي ﷺ ، أو جاءت امرأة النبي ﷺ ، ونحو ذلك من الألفاظ، أمكن حملها على أنها هي السائلة والقائلة، وقد أخرج البخاري، وأبو داود والنسائي (١)، هذا المعنى في غسْل دم الحيض من الثوب، عن عائشة من طرق عدة.
وأخرج أبو داود، والنسائي؛ بهذا المعنى أيضًا عن أم قيصر بنت محصن (٢).
"الحَيْضُ": مصدر حاضت المرأة؛ تحيض حَيضًا ومَحَاضًا فهي حائض وحائضة؛ أيضا عن الفراء.
و"الحَيْضَةُ" -بفتح الحاء: المرة الواحدة من نوب الحيض ومراته.
وبكسر الحاء: الاسم والحالة، وجمعها: حيض.
و"الحيضة" -بالكسر- أيضًا الخرقة التي تستتر بها المرأة.
واستحاضت المرأة: أي استمر بها الحيض بعد أيامها، والحالة الاستحاضة، والمرأة مُسْتحاضة.
стр. 152
وأصل الحيض: من الفيض، يقال: حاض السيل؛ إذا فاض.
و"المحيض" عند الشافعي هو: الحيض كما يقال سار يسير سيرًا ومَسِيرًا.
وقد ذهب قوم إلى: أن "المحيض": هو الفرج، أي: موضع الحيض.
والأول الوجه.
وقيل: إن أصله من الانفجار.
وقد جاء في الحديث: الحَيضة بالكسر والفتح، والكسر أشبه وأولى، لأنها لم تُرِدْ به السؤال عن دم نوبة واحدة من نوب الحيض، إنما أرادت السؤال عن دم الحيض مطلقًا في كل نوبة، ولا يتم ذلك إلا مع الكسر -واللَّه أعلم.
و"إصابة الدم الثوب": إذا ناله منه بشيء، والثوب ما يلبس مَخِيطًا كان أو غير مخيط.
و"الحَتُّ": الحك، وقد ذُكِر.
و"القرص": معروف وهو في هذا المقام الأخذ بأطراف الأصابع، أي: أنها تغسله بأطرافها، لأنه قال "ثم اقرصيه بالماء" فجعل قرصه بالماء وإن كان بالأصابع، والماء لا يقرص؛ فدل على أن المراد: اقرصيه بأصابعك، ثم اغسليه.
وإنما أمرها ﷺ بالحت والقرص؛ لأن غسل الدم بهما أذهب له؛ وأبلغ في إزالته من الفرك بجميع اليد.
و"الرش": نضح المكان بالماء قليلًا متفرقًا، كما ينزل "الرش" وهو المطر القليل، والمراد: أنها بعد الحت والقرص؛ ترش على موضع الدم وما جاوره من أجزاء الثوب ماءً، وهذا مما يدل على التخفيف في غسله حيث اكتفي بالرش، ويعضده ما جاء في روايات البخاري، ومسلم، ومن ذكرنا من الأئمة.
стр. 153
"ثم لتنضحه": "ولتنضح ما لم تر"، فتعاضدت الروايات على جواز التخفيف فيه؛ والاكتفاء بالنضح والرش.
وقيل: إنما أراد بالنضح والريق: الغَسْلَ، وهو المذهب.
وقوله "أرأيت": بمعنى أخبرني وكذلك أرأيتك وأرأيتكم، وقد تخفف الهمزة فيقال: أرايت، وأرايتك، وأرايتكم.
وحقيقة هذا: أنه لما كانت مشاهدة الأشياء ورؤيتها، طريقًا إلى الإحاطة بها علمًا وصحة والخبر عنها، استعملوا "أرأيت" بمعنى "أخْبِر".
و"الكاف": لا محل لها من الإعراب، لأنك تقول: أرأيتك زيد ما شأنه، وقيل: تقديره: هل رأيت، وهل رأيتم، والكاف للتأكيد.
و"إحدى": تأنيث أحد، تقول: أحد الرجال، وإحدى النساء.
وقد استعمل أحد مع المؤنث، قال اللَّه تعالى ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (١).
و"الصنع" "والصنيع"، والفعل صنعت به كذا أي: فعلت، ويقال صنع به صنيعًا قبيحًا، وصنع إليه معروفًا أي: أولاه.
ومعنى إدخال "ثم" بين هذه الأوامر في قوله: "حتيه، ثم اقرصيه بالماء، ثم انضحيه" أن لا يتقدم أحدهما على الآخر، لأن ذلك أبلغ الطرق في إزالته، لأنه بالحت يذهب معظمه، وبالقرص باقيه، والغسل والنضح يطهره.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الدم إذا أصاب الثوب، سواء كان من الحيض أو غيره؛ فطريق إزالته أن يحت، ويقرص، ثم يغسل بالماء، فإن بقى اللون بعد ذلك فهو معفو عنه؛ لتعذر إزالته بخلاف الطعم، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وإزالة النجاسة فرضٌ عندهم من الثوب والبدن ومكان المصلى.
стр. 154
وقال مالك بن أنس: ليس ذلك فرضًا؛ إلا ما كان منه على أعضاء الوضوء؛ فإنه تجب إزالته وغيرها مسنون؛ وحكى بعض أصحابه أنها فرض.
والمستحب عند الشافعي: أن يكرر الغسل ثلاثًا؛ والواجب مرة واحدة تزيل النجاسة.
وقد استدل الشافعي بهذا الحديث في موضع آخر: على أن لا وضوء على من مس شيئًا نجسًا، وقال: فإذا أمر النبي ﷺ بدم الحيض أن يغسل باليد؛ ولم يأمر بالوضوء منه؛ فكل ما مس من نجس قياس عليه؛ بأن لا يكون منه وضوء.
وكذا قد استدل به الشافعي: على وجوب طهارة ثوب المصلي، قال: وفي هذا دليل على أن دم الحيض نجس، وكذلك كل دم غيره، والنجاسة لا يطهرها إلا الغسل، قال: والنضح اختيار، فإذا رَخَّصَ النبي ﷺ للحائض تغسل أثر الحيضة من الثوب وتصلي فيه؛ ففي هذا دليل على أن ثوبها لو كان ينجس بلبسها أمرها بغسله، قال: والجنب كالحائض في هذا كله أو أخف.
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال: أخبرني محمد بن عجلان، عن عبد اللَّه بن رافع، عن أم سلمة -زوج النبي ﷺ : "أن النبي ﷺ سئل عن الثوب يصيبه دم الحيض؟ قال: "تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تصلي فيه".
هذا الحديث أخرجه الشافعي مؤكدًا لحديث أسماء، وقال:
فيه دلالة على ما قلنا من أن النضح اختيار، لأنه لم يأمر بالنضح في هذا الحديث.
والمحيض في هذا الحديث: هو الحيض، وقد سبق ذكره في حديث أسماء.
стр. 155
الفصل الرابع
في الشوارع
أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أم سلمة أن امرأة سألت أم سلمة فقالت: إني امرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذر؟ فقالت أم سلمة: قال رسول اللَّه ﷺ "يطهره ما بعده".
هذا الحديث أخرجه مالك (١)، وأبو داود (٢)، والترمذي (٣).
فأما مالك: فأخرجه بالإسناد واللفظ، إلا أنه قال: إنها سألت -يعني أم ولد إبراهيم بن عبد الرحمن.
أما أبو داود: فأخرجه عن القعنبي، عن مالك، بالإسناد ولفظه.
وأما الترمذي: فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، مثله.
وقد روى عبد اللَّه بن المبارك هذا الحديث عن مالك، عن محمد بن إبراهيم، عن أم ولد لـ هود بن عبد الرحمن، عن أم سلمة. وهو وَهْمٌ، وإنما هو عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن. وهو الصحيح (٤).
стр. 156
"ذيل القميص والإزار": طرفه الذي يلي الأرض.
و"القذر": بخلاف النظافة، و"شيء قذر" -بكسر الذال-، وكذلك قذرت الشيء وتَقَذَّرْته فاستقذرته: إذا كرهته.
ومعنى قوله "يطهره ما بعده": إنما هو في ما جُرَّ على مكانٍ يابس فيه نجاسة يابسة؛ لا يعلق بالثوب منها شيء، فأما إذا جُرَّ على نجاسةٍ رطبةٍ فإنه لا يطهره إلا الغسل، هذا مذهب الشافعي.
قال الشافعي عقيب هذا الحديث -في غير المسند: وهذا في اليابس، فأما في الرَّطْبِ فإن رسول اللَّه ﷺ سَنَّ فيه أن طهارته بالماء.
وقال أحمد بن حنبل: ليس معناه إذا أصابه نجاسة؛ ثم مر بعدها على الأرض أنها تطهره؛ ولكنه أراد أن يمر بمكان فيقذره؛ ثم بمكان آخر أطيب منه فيصير ذلك بهذا، إلا أنه يصيبه منه شيء.
وقال مالك: معنى ذلك أن الأرض يطهر بعضها بعضًا، فأما النجاسة مثل: البول ونحوه يصيب الثوب أو البدن -الجسد- فإن ذلك لا يطهر إلا بالغسل، وهذا إجماع.
وفي إسناد هذا الحديث مقال، لأنه عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن، وهي مجهولة والمجهول لا يقوم به الحجة، وقد تقدم ذكر رواية ابن المبارك؛ عن أم ولد لهود بن عبد الرحمن، فقد اختلف فيه على مالك، وعلى تقدير صحته، يكون المعنى على ما ذكرناه مِنْ تأويل العلماء له.
стр. 157
فأما طين الشوارع فقليله معفو عنه؛ لتعذر الاحتراز عنه، وقد حُدِّدَ القَلِيلُ بما يظن أن لابس الثوب قد سقط في الطين.
وقد روى الشافعي ﵁ عن مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء قال: إن الريح لتسفي علينا الرَّوْثَ والخِراءَ اليابسَ؛ فيصيب وجوهنا وثيابنا فننفضه -أو قال فنمسحه- ثم لا نتوضأ ولا نغسله.
***
стр. 158
الفصل الخامس
في العَرَقِ
هذا الفصل لم يرد في المسند فيه حديث.
وقد روى فيه المُزَنِيُّ عن الشافعي، عن عبد الوهاب، عن أيوب السختياني، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يدخل على أم سليم، فَتَبسُطُ له نِطْعًا فَيَقِيلُ عليه، فتأخذ من عَرَقِهِ فتجعله في طِيبها، وتبسط له الخُمْرَةُ فيصلي عليها".
قال الشافعي في رواية حرملة: هذا ثابت ولا أحسب أم سُلَيم تجعل عرق رسول اللَّه ﷺ في طِيبِهَا، إلا أن تعلمه.
وفي ذلك دلالة على أن العرق طاهر.
وحديث أنس حديث صحيح، متفق عليه، قد أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، والنسائي (٣)، أطول من هذا قال: "كان النبي ﷺ يدخلُ بيتَ أم سليم، فينام على فراشها -وليست فيه- قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها، فأتت فقيل لها: هذا النبي ﷺ نائم في بيتك على فراشك، قال: فجاءت -وقد عرق واستنقع عَرَقُهُ على قطعةِ أديمٍ على الفراش- ففتحت عَتِيدَها (٤) فجعلت تنشف ذلك العَرَق فتعصره في قواريرها، ففزع النبي ﷺ فقال: ما تصنعين يا أم سليم؟ فقالت: يا رسول اللَّه، نرجو بركته لِصِبْيانِنا، قال: "أَصَبْتِ".
стр. 159
وفي رواية "تجعله في طيبها، وهو أطيب الطيب".
قوله "فيقيل عليه": من القائلة، وهو شدة الحر.
و"الخُمْرَةُ": حصير صغير بقدر الكف من ليفٍ أو خوص، أو غير ذلك، وهو الذي يُسْجَدُ عليه اليوم (١).
و"العتيدة": الإناء الذي تترك فيه المرأة ما يعز عليها من متاعها.
و"الفَزَعُ": هنا الانتباه من النوم، وليس الخوف، والفَرَق.
...
стр. 160
الباب الرابع
في الاستطابة
وفيه خمسة فصول: الفصل الأول
في استقبال القبلة واستدبارها
وفيه فرعان:-
الفرع الأول: في النهي عنه
أخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنما أنا لكم مثل الوالد؛ فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط؛ فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط -وفي نسخة لغائط- ولا بول، وليستنج بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرّمة؛ وأن يستنجي الرجل بيمينه".
قال الشافعي: هذا حديث ثابت وبه نقول.
وهو حديث صحيح، أخرجه مسلم (١)، وأبو دواد (٢)، النسائي (٣).
فأما مسلم: فأخرجه عن الحسن بن خراش، عن عمر بن عبد الوهاب، عن يزيد زريع، عن روح بن القاسم، عن سهيل، عن العقعاع [عن] (٤) أبي صالح،
стр. 161
عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال:
"إذا جلس أحدكم على حاجته؛ فلا يستقبلن القلبة ولا يستدبرها".
وأما أبو داود: فأخرجه عن عبد اللَّه بن محمد النفيلي، عن ابن المبارك، عن محمد بن عجلان، بالإسناد وذكر معنى حديث الشافعي بتقديم وتأخير.
وأما النسائي: فأخرجه عن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن عجلان، بالإسناد مثل أبي داود ونحوه، وقد رواه الشافعي في كتاب "القديم"، عن بعض أصحابهم، عن يحيى بن سعيد القطان، عن ابن عجلان، بإسناده مختصرًا في الأمر بالاستنجاء بثلاثة أحجار، والنهي عن الروث والرمة.
وفي الباب عن عائشة، وخزيمة بن ثابت، وابن مسعود، وجابر، ورويفع بن ثابت.
اللام في قوله "إنما أنا لكم" لام الملك، أو لام أَجْل، أي لأجلكم.
"ومثل الشيء": شبهه ونطيره، يقال: هو مِثْلُهُ ومَثَلُهُ، وشِبْهُهُ وشَبَهُه، وهو اسم مُعْرَبٌ مضاف أبدًا، إلا أنه لا تفيد الإضافة فيه تعريفًا، تقول: مررت برجل مِثْلِكَ، فكل من عداه تناوله لفظ "مثل" إذا كان يشبهه، ولذلك يوصف به النكرة؛ فتقول:
مررت برجل مثلك، فيجوز هذا اللفظ أن يكون أراد أنه مَرَّ به وبمثله، وأنه مر بمثله لا به.
وقوله "بمنزلة الوالد" و"مثل الوالد" يعني أن الأب كما أنه يُعَلِّمُ وَلَدَهَ حُسْنَ الأدبِ في ما يأتيه ويَذَرُهُ من قول وفعل؛ فكذلك أنا لكم أعلمكم ما لكم وعليكم.
و"الغائط": في أصل الوضع الموضع المطمئن من الأرض.
стр. 162
ولما كان من عادتهم؛ أنهم يقضون الحاجة في أمثال تلك الأمكنة؛ تسترًا عن أعين الناظرين؛ لأنهم لم يكن لهم كُنُفٌ في البيوت، ولا كانوا يتخذون الحُشوش في الأفنية وكَثُرَ فِعْلُ ذلك منهم، سموا النجو نفسه الغائط تسمية الشيء بمكانه، فهو في أول الحديث كناية عن الموضع، وفي أثنائه كناية عن النجو.
وإنما فعل ذلك كراهةً لِذِكْرِ اسمه الخاص به؛ فإن من عاداتهم التأدب في ألفاظهم، واستعمال الكنايات في كلامهم، وصون الألسنة عما تصون عنه الأبصار والأسماع.
و"القِبْلة": الجهة التي يُصَلَّى إليها؛ قصدًا إلى البيت الحرام.
"واستقبالها": جَعْلُها في مقابل وجهه.
"واستدبارها": جعلها بالعكس من جهة ظهره، وفي إحدى الروايتين "بغائط" بالباء؛ فجعل الغائط هو الذي يستقبل به القبلة.
وفي الأخرى: "لغائط" باللام، جعل نفسه الذي يستقبل القلبة، ثم علل استقباله أنه لأجل الغائط والبول.
وقوله: "ولا بول" فذكر "لا" زيادة في البيان، وإيضاح لتفصيل جملة متوهمة؛ وذلك أنه لو قال: فلا يستقبلها بغائط وبول، جاز أن يكون النهى عن استقبالها بهما معًا، وعن استقبالها بكل واحد منهما على الانفراد، فأما حيث قال "ولا بول" فإنه زال ذلك الاحتمال، وصار التقدير: فلا يستقبلها بهذا ولا يستقبلها بهذا.
ويبقى حينئذٍ توهم جواز استقبالها بهما جميعًا؛ لأن اللفظ لا يدل عليه.
وينبني بهذا الاحتمال، أنه إنما نهى عن استقبالها، بالغائط والبول إكرامًا لها؛ تنزيهًا عن كل واحد منهما؛ فإذا كان قد نَزَّهَها عن كل واحد منهما، على الانفراد فلأن ينزهها عنهما أولى.
стр. 163
"والاستنجاء": استفعال من النجو وهو الخارج، أو من النجو -وهو المكان المرتفع من الأرض- لأنهم كانوا يَقصدون تلك الأماكن ليستتروا بها، وقيل أصل الاستنجاء نزع الشيء عن موضعه وتخليصه منه، ومنه قولهم: نجوت الرطب واستنجيته إذا جنيته، فيكون "اليستنج" إما إزالة النجو -الذي هو الحدث- عن بدنه، وإما الذهاب إلى النجوة من الأرض.
والباء في "بثلاثة" هي باء التسبب والمباشرة، مثل: كتبت بالقلم، وضربت بالسيف.
"ولا" في قوله "فلا يستقبل" ناهية، وفي قوله "ولا بول" نافية.
واللام في "وليستنج" لام الأمر وهي تجزم الفعل المستقبل، وجزم هذا الفعل حذف الياء، وهذه اللام إنما تدخل على أمر الغائب نحو: ليقم زيد، وقد دخلت على الحاضر شاذًّا، وقرئ به قوله سبحانه ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ (١) وفعل الأمر مبني عند البصريين من النُّحاة، إلا ما دخل عليه لام الأمر مثل هذا الفعل فإنه معرب، "والنهي" خلاف الأمر، تقول: نهيته عن كذا فانتهى أي: كَفَّ.
وقد اختلف الأئمة في كون الأمر بالشيء؛ هل هو نَهْي عن ضده أم لا؟.
فقال الذاهبون إلى قدم الكلام الذي اتصف به الرب إنه وصف واحد يستحيل التعدد والتغاير، وهو خبر عن كل مخبر، وأمر بكل مأمور، ونهي عن كل منهي.
واختلفوا في أوامرنا التي نتصف بها.
فمن زعم أن حقيقة الكلام ترجع إلى ما في النفس؛ زعم أن الأمر بالشيء -على التنصيص؛ لا على التخيير- نَهْيٌ عن جميع أضداد المأمور به.
ومن زعم أن الكلام ينطلق على العبارات والحروف المنتظمة والأصوات، لم يُطلق القول بالأمر بالشيء نهي عن ضده؛ فإن الأمر عنده قول القائل: افعل،
стр. 164
والنهي قوله: لا تفعل، ولكنه قال: الأمر بالشيء على الجزم، معنى التخيير يتضمن النهي من طريق المعنى، وليس هو عين النهي.
وذهبت المعتزلة بأسرها إلى: أن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن أضداد المأمور به، لا من حيث الحقيقة ولا من حيث المعنى (١).
"والروث": الرجيع من كل حيوان، وكأنه بالدواب أخص، والروثة أخص منه، ويُجْمع على أرواث.
"والرِمّة" بكسر الراء: العظام البالية، والجمع رميم، فهو رميم (٢).
وموضع قوله "وأن يستنجي" جر لأنه معطوف على "الروث" "والرمة" لأن "أن" والفعل بمنزلة المصدر، تقديره والاستنجاء باليمين.
"والاستطابة": الاستنجاء، وسمي استطابة لما فيه من إزالة النجاسة؛ وتطهير موضعها من البدن، يقال: استطاب الرجل إذا استنجى فهو مستطب، وأطاب فهو مطيب، ومعنى الطيب هنا الطهارة.
"والخلاء": ممدودًا -موضع قضاء الحاجة، وأصله من الخلوة لأن من يريد قضاء الحاجة؛ فإنما يكون وحده ليخلو بنفسه، فسمي الموضع بذلك خاصة لهذا المعنى.
стр. 165
وقوله: "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد": مثل الوالد كلام بسط وتأنيس للمخاطبين، لئلا يحتشموه ولا يستحيوا أن يسألوه فيما يَعْرِضُ لهم من أمر دينهم وإن كان مما يوجب الحياء، كما لا يستحيي الولد من مساءلة الوالد؛ فيما يعرض له من الأمور. وفي هذا بيان على أن على الوالد: أن يعلم ولده ما يلزمه من أمر دينه، لأنه قال: "بمنزلة الوالد أعلمكم".
والذي ذهب إليه الشافعي: أن استقبال القبلة واستدبارها؛ عند قضاء الحاجة والبول لا يجوز في الصحاري؛ ويجوز في البنيان وبه قال مالك، وإسحاق، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وروي ذلك عن العباس، وابن عمرو.
وقال أبو حنيفة، والثوري: لا يجوز استقبالها في الصحراء والبناء.
وعن أبي حنيفة في استدبارها روايتان، وروي مثل ذلك عن أحمد.
وحكي المنع جملة عن أبي أيوب الأنصاري، وبه قال النخعي.
وقال داود، وربيعة: يجوز الأمران معًا فيهما، وروي ذلك عن عروة بن الزبير.
وأما الاستنجاء فإنه عند الشافعي واجب، وبه قال مالك في إحدى الروايتين عنه، وبه قال سفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق، وداود.
وقال أبو حنيفة: لا يجب الاستنجاء.
وأما النجاسة في الثوب وسائر البدن، فَيُعْفَى عن قَدْرِ الدرهم البعلي.
والاستنجاء إمّا أن يكون بالماء أو الحجر، أو ما يقوم مقام الحجر أو بهما جميعًا؛ والجمع بينهما هو الكمال، وبأحدهما هو الإجزاء، فإن استنجى بالماء فالذي يجزئه تنظيف المحل، وإن استنجى بالأحجار أو بما قام مقامها، فيلزمه الجمع بين الإنقاء واستيفاء العدد، فإن أنقى بما دون الثلاث لزمه إتمام العدد، وإن لم يُنْقِ بالثلاث زاد عليها حتى يُنقي، فإن أنقى بالرابعة أَوْتَرَ بخامسة
стр. 166
لقوله ﷺ : "من استجمر فليوتر" (١) وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وقال مالك، وداود: الواجب الإنقاء دون العدد.
وأما أبو حنيفة: فإنه لا يوجبه، ولكن يستحبه ولا يراعي العدد.
وقال الشافعي: يجوز الاستنجاء بما يقوم مقام الحجر، من كل جامد طاهر منق، غير مطعوم ولا محترم ولا متصل بحيوان.
وقال داود: لا يجوز بغير الحجارة، وحكى ذلك عن زفر، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
قال الشافعي: ويستنجي بالحجارة في الوضوء؛ من يجد الماء ومن لا يجده، ولو جمعه رجل فاستعمل الحجر ثم غسل بالماء؛ كان أحب إلىَّ.
قال: ويقال: إن قومًا من الأنصار استنجوا بالماء، فنزلت فيهم ﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (٢).
قال الخطابي: ويعضد مراعاة العدد، ما ورد في حديث سلمان الفارسي: "وأن لا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار" ففي ذلك البيان الواضح؛ أن الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار لا يجوز -وإن وقع الإنقاء بما دونها- فلو كان الإنقاء هو المقصود فحسب، لم يكن لاشتراط عدد الثلاث معنى ولا في ترك الاقتصار على ما دونها فائدة، فلما اشترط العدد لفظًا كان الإنقاء من معقول الخبر ضمنًا، ودل على أنه إيجاب للأمرين معًا؛ وليس هذا كالماء لأن
стр. 167
الماء يزيل العين والأثر، فحل محل المحسوس المشاهد ولم يحتج فيه إلى الاستظهار بالعدد، والحجر لا يزيل الأثر إنما يفيد الطهارة من طريق الاجتهاد، فصار العدد من شرطه استظهارًا كالعدة بالأقراء؛ لما كانت دلالتها من جهة الطهور والغلبة على سبيل الاجتهاد؛ شرط فيها العدد وإن كانت براءة الرحم قد تكون بالقرء الواحد.
وقد أجاز الشافعي أن يستنجى بحجر له ثلاثة أحرف، بثلاث مسحات متفاصلة، وأقام ذلك مقام ثلاثة أحجار.
ومذهبه في تأويل الخبر: أن معنى الحجر أَوْفَي من اسمه، وكل كلام كان معناه أَوْفَى من اسمه وأوسع فالحكم للمعنى، الاستنجاء غير واقع بجميع الحجر بل ببعضه، فأبعاض الحجر كأبعاض الأحجار.
وأما نهيه عن الاستنجاء بالروث، فلأن الروث نجس؛ والمراد من الاستنجاء: التطهير، فما ليس بطاهر كيف يطهر نجسًا؛!
وأما العظم فإنه يدخل فيه كل عظم، ذَكِيٍّ أو ميتة حملًا على عموم اللفظ، وإنما نهى عنه؛ لأنه لزج أملس لا يكاد لملاسته يقلع النجاسة، وينشف البلة بل يبسطها وينشرها.
وقيل: إن العظم لا يكاد يَعْرَى من بقية دسم قد علق به، وقد جاء في بعض الحديث (١) "إن الروث علف دواب الجن، والعظم طعامهم" وهذا النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث؛ نهي تحريم.
стр. 168
وأما "النهي عن الاستنجاء باليمين"، فإنه نهي تأديب وكراهية في قول أكثر العلماء، لأن اليمين مُرْصَدَةٌ في أدب السنة؛ للأكل والشرب، والأخذ والعطاء، مصونة عن مباشرة الأذى وأماكنه؛ وعن مُمَاسَّة الأعضاء التي هي مجاري النجاسات، وجُعِلتِ اليسرى لذلك.
وقال بعض أهل الظاهر: إذا استنجى بيمينه لم يجزه، وجعلوه بمنزلة المستنجي بالروث والرِمّه لاشتراكها, ولأنهما في النهي في حديث واحد.
والفرق بينهما: ما قدمناه من وجه النهي عن الروث والرمة، فإن ذلك المعنى معدوم في اليمين، ولأن الروث والرمة هما المباشران للنجاسة؛ التي يراد إزالتها بالاستنجاء وليست اليد كذلك، فإنها آلة تستعمل في إيصال المزيل إلى محل النجاسة، واليمين فيها والشمال بمعنى.
فآداب الاستنجاء كثيرة، وهي معدودة في كتب الفقه.
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي ﷺ : "أنه نهي أن تستقبل القبلة بغائط أو بول؛ ولكن شرقوا وغربوا"، فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بُنِيَت قِبل القلبة؛ فننحرف ونستغفر اللَّه.
هكذا رواه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث (١)، ورواه في كتاب الرسالة (٢) أن النبي صلى ﷺ قال: "لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها" ثم ذكر ما بعده.
والحديث حديث صحيح، متفق عليه أخرجه الجماعة.
فأما مالك (٣): فأخرجه عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن رافع بن
стр. 169
إسحاق -مولى لآل الشفّاء وكان يقال له: مولى أبي طلحة، أنه سمع أبا أيوب الأنصاري -وهو بمصر- يقول: واللَّه ما أدري كيف أصنع بهذه الكرابيس؟ وقد قال الرسول ﷺ : "إذا ذهب أحدكم لغائط أو بول، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بفرجه".
وقد أخرج المزني عن الشافعي هذه الرواية عن مالك.
وأما البخاري (١): فأخرجه عن علي بن عبد اللَّه عن سفيان بالإسناد واللفظ.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن زهير بن حرب، وابن نمير، ويحيى بن يحيى عن سفيان، بالإسناد واللفظ.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن مسدد، عن سفيان، إسنادًا ولفظًا.
وأما النسائي (٤): فأخرجه عن محمد بن منصور، بالإسناد إلى قوله: "وغَرِّبُوا" وله في أخرى مثل رواية مالك.
"المراحيض": جمع مرحاض، وهو المُغْتَسَلُ، من رَحَضْتُ الثوب أَرْحَضُهُ إذا غسلته، فاستعير للكنيف لأنه موضع يغسل فيه أثر النجو والبول.
"وَقُبُلُ الشيء": جهته ومقابله.
وقوله: "شَرِّقُوا أو غَرِّبُوا" خطاب لأهل المدينة ولمن كانت قبلته على ذلك السمت، وأما من كانت قبلته إلى جهة الشرق أو جهة الغرب؛ فلا يجوز له أن يستقبلها ولا يستدبرها، فلا يُشَرِّق ولا يُغَرِّبْ.
وقد اختلف الناس في الاستقبال والاستدبار، لاختلاف الأحاديث الواردة
стр. 170
فيها، وقد ذكرنا ذلك في حديث أبي هريرة.
وقد حمل الشافعي حديث أبي أيوب الأنصاري، على الصحاري وعلى أن الرخصة في البناء لم تبلغ أبا أيوب، ولذلك قال: "فننحرف ونستغفر اللَّه".
وقد أخرج المزني (١)، عن الشافعي، عن مالك، عن نافع مولى ابن عمر أن رجلاً من الأنصار أخبره عن أبيه "أنه سمع رسول اللَّه ﷺ ينهى أن تستقبل القبلة لغائط أو بول".
...
стр. 171
الفرع الثاني
في جوازه
أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى ابن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن عبد اللَّه بن عمر أنه كان يقول: إن ناسًا يقولون: إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس، قال عبد اللَّه بن عمر: "لقد ارتقيت على ظهر بيتٍ لنا فرأيت رسول اللَّه ﷺ على لبنتين مستقبلًا بيت المقدس لحاجته".
وقد روى المزني، عن الشافعي قال: أما مالك فذكره بإسناده وزاد: قال ابن عمر: لعلك من الذين يصلون على أوراكهم، قلت: لا أدري واللَّه، يعني: الذي يسجد ولا يرتفع عن الأرض؛ يسجد وهو لاصق بالأرض.
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة.
فأما مالك (١): فأخرجه بالإسناد ولفظ المزني.
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك، بالإسناد واللفظ.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن القعنبي، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد بالإسناد نحوه.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه بإسناد مسلم نحوه.
стр. 172
وأما الترمذي (١): فأخرجه عن هَنَّاد، عن عبدة، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن محمد بن يحيى بن حبان، بالإسناد قال: رقيت على بيت حفصة فرأيت النبي ﷺ على حاجته، مستقبل الشام مستدبر الكعبة.
وأما النسائي (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، بالإسناد واللفظ.
وهذا الحديث أخرجه الشافعي، في كتاب اختلاف الحديث (٣)، بعد حديث أبي أيوب الأنصاري.
"رقي": يرقي إذا صعد، "والمراقي" جمع مِرْقَاة، وهي الدرجة.
"واللَّبِنة" -بفتح اللام وكسر الباء-: معروفة، وجمعها لَبِن.
وقوله: "مستقبلًا": وهو نصب على الحال من رأيت رسول اللَّه ﷺ .
"والبيت المقدس" و"بيت المقدس": المسجد الأقصى، فالأول على الصفة، والثاني من إضافة الموصوف إلى الصفة كصلاة الأولى ومسجد الجامع.
و"المقدس": الطهر، والقدس: الطهر.
والمراد بـ "الحاجة": الغائط.
وأما استقبال بيت المقدس واستدباره، فيحتمل أنه على معنى الاحترام له؛ لأنه موضع شريف وكان قبلة في أول الإسلام.
ويحتمل لأنه إذا استقبل البيت المقدس استدبر الكعبة، وإذا استدبره استقبلها، فنهي عن ذلك.
وهذا إنما يتم في المدينة وما يجري مجراها؛ مما هو في جهتها أو مثل جهتها، ونحو ذلك من الجهات التي يتم فيها الاستقبال والاستدبار للكعبة وبيت
стр. 173
المقدس.
وهذا الحديث حجة لما ذهب إليه الشافعي، ومن قال بقوله في التفريق بين الصحاري والبنيان.
فإنه ﷺ قد استقبل بيت المقدس مستدبر الكعبة في البنيان، فوق ظهر البيت كما ذكر ابن عمر.
وقد علل الفرق: بأن الفضاء والصحراء موضع الصلاة، ومتعبد للملائكة والإنس والجن، والقاعد فيه مستقبلًا ومستدبرًا لها، مستهدف لأبصار المصلين، وهذا المعنى مأمون في الأبنية.
وفي العمل بذلك جمع بين الأخبار، والعمل بها، وفي العمل بحديث أبي أيوب، تعطل لبعض الأخبار وإسقاط العمل بها (١).
...
стр. 174
الفصل الثاني
فيما يستنجى به
فقد تقدم في الفصل الأول في حديث أبي هريرة ذكر بعض ذلك، لأن الحديث جمعه وغيره، فذكرناه ضرورة، وهنا يخرج حديثًا يخص هذا الفصل.
أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان قال: أخبرني هشام بن عروة قال: أخبرني أبو وجزة، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه "أن النبي ﷺ قال في الاستنجاء بثلاثة أحجار؛ ليس فيها رجيع".
هكذا قال فيه سفيان: أبو وجزة، وأخطأ فيه وإنما هو أبو خزيمة واسمه: عمرو بن خزيمة. كذلك رواه الجماعة أبو أسامة، وأبو معاوية، ووكيع، وابن نمير، وعبدة بن سليمان، ومحمد بن بشر، جميعًا عن هشام بن عروة.
وقد أخرجه أبو داود (١): عن محمد بن عبد اللَّه النفيلي، عن أبي معاوية،
стр. 175
عن هشام بن عروة، عن عمرو بن خزيمة، عن عمارة بن خزيمة، عن خزيمة ابن ثابت قال: "سئل النبي ﷺ عن الاستطابة؟ فقال: بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع".
قال أبو داود: كذا رواه ابن نمير، عن هشام.
وقد روى الشافعي في القديم، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه "أن رسول اللَّه ﷺ سئل عن الاستطابة؟ فقال: أَوَلَا يَجِدُ أَحَدُكُم ثَلَاثَةَ أحجارٍ".
وهذا مرسل (١).
"الرجيع": النجو، إنما سُمِّي رجيعًا لرجوعه عن حال الطهارة إلى الاستحالة والنجاسة.
وهذا الحديث الذي ذكرناه عن أبي هريرة، يشد قول من ذهب إلى العمل به.
وقوله: "ليس فيها رجيع": أي ليس واحد من الأحجار رجيعًا لما قدمنا بيانه في الحديث الأول.
وقد اختلف النحويون في "ليس" فذهب قوم: إلى أنها حرف يفيد النفي.
وذهب الأكثرون: إلى أنها فعل غير منصرف، معدود في أخوات كان وهي تعمل عملها، فترفع الاسم وتنصب الخبر، تقول: ليس زيد قائمًا.
واضطرب قول أبي علي الفارسي فيها فقال مرة: فعل، ومرة: حرف، ومات وهو يقول: إنها حرف.
وأصلها لَيِسَ -بكسر الياء- فسكنت استثقالًا, ولم تُقلَبْ ألفًا لأنها
стр. 176
لا تنصرف من حيث استعملت بلفظ الماضي للحال، ولها أحكام انفردت بها عن أخواتها.
وقد أخرج الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ أنه قال:
"إذا استجمر أحدكم فليستجمر وِتْرًا، وإذا توضأ فليجعل في أنفه ماءً ثم لينتثر".
هذا لفظ حديث البيهقي (١) قال في آخره: رواه الشافعي في من سنن حرملة عن سفيان.
وهو حديث صحيح، أخرجه مسلم (٢).
وأخرج أيضًا البيهقي (٣) عن سفيان، عن منصور، عن بلال بن يساف، عن سلمة [بن] (٤) قيس يبلغ به النبي ﷺ قال:
"إذا استجمرت فأوتر، وإذا توضأت فانتثر".
قال البيهقي: رواه الشافعي في سنن حرملة، عن سفيان.
وأخرج الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن منصور [عن] (٥) مجاهد، عن رجل يقال له الحكم بن سفيان، عن أبيه، أن رسول اللَّه ﷺ : "نَضَحَ فَرْجَهُ".
وقد أخرجه الترمذي: عن محمد بن يحيى [بن] (٦) أبي عمر، عن سفيان
стр. 177
عن منصور [و] (١) ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن رجل من ثقيف، عن أبيه قال: "رأيت النبي ﷺ بال ثم توضأ ونضح فرجه بالماء" (٢).
قال سفيان: هو الحكم بن سفيان، أو سفيان بن الحكم.
стр. 178
الفصل الثالث
في الاستنجاء باليمين
قد تقدم في حديث أبي هريرة في أول الباب؛ النهي عن الاستنجاء باليمن.
وقد أخرج الشافعي في سنن حرملة، عن سفيان، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن أبي قتادة، عن أييه قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ أن يتنفس أحدنا في الإناء، وأن يمس ذكره بيمينه، وأن يستنجي بيمينه".
هذا لفظ حديث البيهقي (١) بالإسناد وقال: أخرجه الشافعي في سنن حرملة، عن سفيان، عن معمر.
وقد أخرجه: البخاري (٢)، ومسلم (٣) من حديث هشام وغيره، عن يحيى ابن أبي كثير.
...
стр. 179
الفصل الرابع
في الاستتار
لم يرد في المسند حديث في هذا الفصل.
وقد أخرج الشافعي في سنن حرملة، عن سفيان بن عيينة، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن حسنة قال: انطلقت أنا وعمرو بن العاص فخرج علينا رسول اللَّه ﷺ وبيده درقة (١) أو شبيهة بالدرقة، فاستتر بها فبال وهو جالس، فقلت لصاحبي: ألا ترى إلى رسول اللَّه ﷺ كيف يبول كما تبول المرأة! قال: فأتانا فقال: "ألا تدرون ما لقي صاحب بني إسرائيل؟ كان إذا أصاب أحدًا منهم شَيءٌ من البول قرضه بالمقراض، قال: فنهاهم عن ذلك فعذب في قبره".
هذا لفظ حديث البيهقي (٢) وقال: رواه الشافعي في سنن حرملة عن سفيان ابن عيينة.
وقد أخرجه أبو داود (٣): في كتابه من وجه آخر عن الأعمش.
стр. 180
الفصل الخامس
في ترك ذكر اللَّه تعالى
أخبرنا الشافعي، أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: أخبرني أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن، عن نافع، عن ابن عمر: أن رجلًا مَرَّ على النبي ﷺ -وهو يبول- فسلم عليه الرجل فرد ﵇، فلما جاوزه ناداه النبي ﷺ فقال: "إنما حملني على الرد عليك؛ خشية أن تذهب فتقول: إني سلمت على رسول اللَّه ﷺ فلم يرد عليَّ السلام، فإذا رأيتني على هذه الحال فلا تسلم عليَّ، فإنك إن تفعل لا أَرُدُّ عليك".
هكذا جاء في الحديث؛ في هذه الرواية، والصحيح أنه سلم عليه فلم يرد عليه، ويحتمل أن يكون المراد به: فلم يرد عليه حتى تَيَمَّمَ ثم رد عليه.
وقد ذكره الشافعي في حديث ابن الصمة (١)، وسيرد في كتاب التيمم، وقد ذكره أيضًا في حديث آخر مرسل، عن سليمان بن يسار، وقال فيه: "فلم يرد عليه حتى وضع يده على جدار ثم ردَّ ﵇".
أخرجه الشافعي قال: أنبأ إبراهيم، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار أن النبي ﷺ ذهب إلى بئر جمل ثم أقبل فسلم عليه؛ فلم يرد عليه، الحديث.
فيكون المراد بحديث ابن عمر -واللَّه أعلم- أنه رد عليه بعد ما تيمم.