← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

عمر (١)، وأخرج أبو داود (٢) والنسائي (٣) فيها حديثًا عن عمرو بن شعيب، وكلا الحديثين يتضمن أخذ العشر من العسل زكاة. قوله: "استعملني عليهم" جعلني عاملًا له على قومي، ورئيسًا فيهم ومقدمًا عليهم. وإنما سمى العسل ثمرة: لأنها شبيهة بالثمرة من حيث أن النحل يثمرها فسماها ثمرة مجازًا، كما يقال للولد: ثمرة الفؤاد ويقال: هذا ثمرة فعلك. ويجوز أن يكون سماه ثمرة: لأن النحل تجنيه من النبات، فشبهه بالثمرة التي تجتنى من الشجر.

стр. 1157

قال الشافعي في القديم (١): الحديث في أن في العسل العشر ضعيف، وفي أن لا يؤخذ منه العشر ضعيف، إلا (٢) عن عمر بن العزيز. وقال ابن المنذر: ليس في وجوب صدقة العسل حديث يثبت عن رسول الله ﷺ ولا إجماع ولا زكاة فيه. قال الشافعي: وسعد بن أبي ذباب يحكى ما يدل على أن رسول الله ﷺ [لم] (٣) يأمره بأخذ الصدقة من العسل، وإنما هو شيء رآه فتطوع به أهله. وهذا الحديث قد رواه محمد بن عباد، عن أنس بن عياض كما رواه الشافعي، ورواه الصلت بن محمد، عن أنس بن عياض، عن الحارث بن أبي ذباب. وكذلك رواه صفوان بن عيسى، عن الحارث بن أبي ذباب (٤). وتفصيل المذهب في زكاة العسل: أن الشافعي قال في القديم: محتمل أن يقال تجب، ويحتمل أن يقال: لا تجب وقطع في الجديد أنها لا تجب. وبه قال مالك، وابن أبي ليلى، والثوري، والحسن بن صالح، وروى ذلك عن ابن عمر، وابن عبد العزيز. وقال أبو حنيفة: إن كان في غير أرض الخراج وجب فيه العشر قليلاً كان أو كيثرًا. وقال صاحباه: ليس فيما دون خمسة أوسق منه عشر. وقال أحمد: تجب بكل حال. وبه قال مكحول، وسليمان بن موسى،

стр. 1158

والأوزاعي، وإسحاق. وقد روى عبد الله بن محرر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن: أن يؤخذ من العسل العشر. قال البخاري: عبد الله بن محرر متروك الحديث، وليس في زكاة العسل شيء يصح (١). والله أعلم. ...

стр. 1159

الباب الثامن في زكاة الخيل والرقيق أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك بن أنس وسفيان بن عيينة، كلاهما عن عبد الله بن دينار، عن سليمان بن يسار، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" أخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن مكحول، عن سليمان بن يسار، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن عراك، عن أبي هريرة مثله موقوفًا على أبي هريرة. هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة. أما مالك (١): فأخرجه بالإسناد واللفظ. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن آدم، عن شعبة، عن عبد الله بن دينار بالإسناد قال: "ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة". وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك. وله في أخرى: عن أبي الطاهر وهارون بن سعيد، وأحمد بن عيسى، عن ابن وهب، عن مخرمة، عن أبيه، عن عراك بالإسناد، قال: "ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر".

стр. 1160

وأما أبو داود (١): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك. وعن (٢) محمد بن المثنى ومحمد بن يحيى بن فياض، عن عبد الوهاب عن عبيد الله، عن رجل، عن مكحول، عن عراك بالإسناد، قال: "ليس في الحيل والرقيق زكاة، إلا زكاة الفطر في الرقيق". وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن محمد بن العلاء (٤) ومحمود (٥) بن غيلان عن وكيع، عن سفيان وشعبة، عن عبد الله بن دينار بالإسناد واللفظ. وأما النسائي (٦): فأخرجه عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك بالإسناد واللفظ. العبد: المملوك هاهنا وهو ضد الحر، ويجمع على: عبيد وأعبد وعباد، وأصله من الذل والخضوع. والفرس: معروف ويقع على الذكر والأنثى، ولا يقال: فرسة ويصغر على فرييس، وإن أريد به الأنثى خاصة قلت: فريسة. وقد جاء في بعض الروايات بدل "عبده": "غلامه"، ويريد به الغلام الذي هو عبد. والخيل: اسم يقع على جماعة الأفراس، لا واحد له من لفظه، ويقع على الذكر منها والإِناث ويجمع على خيول وقد تقع على الخيالة (٧).

стр. 1161

والرقيق: اسم جامع للعبيد والإِماء يقع على الواحد، وهو فعيل من الرق -الملك- والعبودية. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الخيل لا زكاة فيها. وروى ذلك عن عمر، وعلي، وابن عمر، وابن عبد العزيز، وعطاء، والنخعي، والشعبي، والحسن البصري، وبه قال مالك والأوزاعي، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو يوسف، ومحمد. وقال أبو حنيفة: إن كانت ذكورًا أو إناثًا وجب فيها الزكاة، وإن كانت إناثًا كلها أو ذكورًا كلها فعنده فيها روايتان، وزكاتها عنده إلى خيار صاحبها، إن شاء أعطى من كل فرس دينارًا، وإن شاء قومها وأعطى ربع العشر قيمتها. وأما زكاة العبد: فيريد به زكاة الفطر وسيجيء بيانها، وإن أراد بها زكاة المال من حيث أن العبد مال، فلا قائل به إلا أن يكون معدًا للتجارة لا للخدمة، وحينئذ يكون حكمه حكم الأموال المرصدة للتجارة مجراها. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن دينار قال: سألت سعيد بن المسيب عن صدقة البراذين، فقال: وهل في الخيل صدقة؟!. هذا الحديث ذكره الشافعي مؤكدًا للحديث الذي قبله. والبراذين: جمع برذون -بكسر الباء وفتح الذال- وهو كل فرس لم يكن من نتاج العرب، والأنثى برذونة. ومعنى قولى: "وهل في الخيل صدقة" جواب مسكت لأنه أخذ نفي الحكم مسلمًا، وأنه أمر مقرر عنده ثابت لديه أن الخيل لا زكاة فيها، وإن كنت أيها المخاطب تظن أن البراذين تنفصل عن حكم الخيل العربية فلا، وأن اسم الخيل يشمل الجميع. فكان هذا الجواب أحد وأبلغ من قوله -لو قال-: ليس

стр. 1162

فيها صدقة، ولما فيه من التعريض إلى بيان السبب العام النافي لصدقة الخيل، وهو ما دل عليه قوله: "وهل في الخيل صدقة" واستبعاده لذلك فإنه استفهام واستبعاد وإنكار لسؤاله. والله أعلم. وقد أخرج الشافعي ﵁ قال (١): أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار "أن أهل الشام قالوا لأبي عبيدة بن الجراح: خذ من خيلنا ومن رقيقنا صدقة، فأبى ثم كتب إلى عمر فأبى، ثم كلموه أيضًا فكتب إلى عمر، فكتب إليه عمر بن الخطاب: إن أحبوا فخذها منهم وارددها عليهم". قال مالك: يعني ردها على فقرائهم. ثم زاد فيه في القديم: وارزق رقيقهم. وأخرج أيضًا قال: وقد أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن السائب بن يزيد: "أن عمر أمر أن يؤخذ من الفرس شاتين، أو عشرة أو عشرين درهمًا". قال البيهقي (٢): ففي الرواية الأولى عن عمر: دلالة على أمره بالأخذ منها كان لمسألتهم لا على الإيجاب. وقال الشافعي في كتاب حرملة: أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي أن رسول الله ﷺ قال: "قد تجاوزت لكم عن صدقة الخيل والرقيق". وأما الذي رواه أبو يوسف، عن غورك بن الحضرم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: قال النبي ﷺ "في الخيل السائمة في كل فرس دينارًا" فإن أبا الحسن الدارقطني قال: تفرد به غورك وهو ضعيف جدًا (٣). ثم لو كان صحيحًا عند أبي يوسف لم نخالفه إن شاء الله تعالى.

стр. 1163

الباب التاسع في زكاة مال الصبي والعبد والكاتب أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن يوسف بن ماهك أن رسول الله ﷺ قال: "ابتغوا في مال اليتيم -أو في مال اليتامى- لا تذهبها -أو لا تستهلكها- الصدقة". هذا حديث مرسل، يوسف بن ماهك تابعي كبير مشهور (١) سمع ابن عمر، وابن عباس، وابن عمرو بن العاص، وأم هانئ. والابتغاء: الطلب ويريد به التجارة. والاستهلاك: استفعال من الهلاك، وهو الفناء والعدم. وقد روى بالشك فقال: "مال اليتيم -أو مال اليتامى-" وهو إن أقرئ فإنما يريد به الجمع أن اتجروا في مال من يطلق عليه اسم اليتيم، ويدل عليه قوله في الرواية الأخرى: "مال اليتامى". والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن مال الصبي تجب فيه الزكاة، وقد روى ذلك عن عمر، وعلي، وابن عمر، وجابر وعائشة، والحسن ابن علي، وعطاء، وجابر بن زيد، ومجاهد، وابن سيرين، وبه قال ربيعة، ومالك، والثوري، والحسن بن صالح، وابن عيينة، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وسليمان بن حرب. وقال الأوزاعي: في ماله زكاة ولكن لا يخرجها، بل يحصيها حتى يبلغ ويخرجها هو. وقال أبو حنيفة: لا تجب الزكاة في ماله وتجب في زرعه، وزكاة الفطر. وبه قال النخعي، وأبو وائل، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وابن أبي ليلى.

стр. 1164

قال الشافعي (١) في قول الله -تعالى-: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٢): بين أن كل مالك تام الملك من حُرٍّ له مال فيه زكاة، سواء كان بالغًا أو صبيًا صحيحًا أو معتوهًا، وقال رسول الله ﷺ "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" الحديث، فدل على أنه إذا كان واحد منها لحر مسلم، ففيه الصدقة في المال نفسه لا في المالك. وقال: لو لم يكن لنا حجة إلا أن أصل مذهبنا ومذهبك، أن لا نخالف الواحد من أصحاب النبي ﷺ إلا أن يخالفه غيره منهم كانت بهذا لنا حجة عليك، فأنتم تروون عن علي بن أبي طالب أنه ولى بني أبي رافع أيتامًا فكان يؤدي الزكاة عن أموالهم، ونحن نرويه عنه، وعن عمر بن الخطاب، وعائشة وابن عمر وغير هؤلاء، مع أن أكثر التابعين قبلنا يقولون به. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه قال: "كانت عائشة -زوج النبي ﷺ تليني [أنا] (٣) وأخوين لي يتيمين في حجرها؛ فكانت تخرج من أموالنا الزكاة". هكذا أخرجه في كتاب الزكاة (٤)، وعاد أخرجه في موضع آخر من المسند بهذا الإسناد قال: "كانت تليني وأخا لي في حجرها يتيمين". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أيوب بن موسى ويحيى بن سعيد وعبد الكريم بن أبي الخارق، وكلهم يخبره عن القاسم بن محمد قال: "كانت عائشة تزكي أموالنا، وإنه ليتجر بها في البحرين". هذا حديث صحيح قد أخرجه مالك في الموطأ (٥) بالإسناد وذكر الرواية

стр. 1165

الثانية. وليت الأمر إليه ولاية: إذا كنت المقيم به والناظر فيه، ومنه ولي اليتيم: وهو الذي يتولى أمره وحفظه وحفظ ماله وقد أعاد "أنا" وهو ضمير مرفوع متصل مؤكد للضمير في "تليني" وهو منصوب متصل. وكذلك جاء في رواية الشافعي الأولى "أخوين" وفي الثانية "أخا"، فعلى الأول يكون يتيمين منصوبًا لأنه صفة "أخوين" وعلى الثاني منصوبًا على الحال منه ومن "أخيه" والعامل فيه "تليني"، أي: تلينا في حال يتمنا. والحجر -بفتح الحاء وكسرها-: حجر الإنسان، وفلان في حجر فلان: أي في قبضته وتصرفه، تشبيهًا له كأنه في حجره يجرى عليه، ومنه قولهم: حجر عليه القاضي يحجر حجرًا: إذا منعه من التصرف في ماله، فكأن ولي اليتيم قد منع الصبي من التصرف في ماله. وقوله: "تخرج من أموالنا الزكاة" بتقديم الظرف على المفعول له معنى، وذلك أنه في هذا المقام مهتم بالحكم في مال اليتيم، وأن إخراج الزكاة هل تجب فيه أو لا؟ فقدمه لذلك، ولو قدم الزكاة لكان وجهًا، لأنه إنما يريد بيان الزكاة المتعلقة بمال اليتيم لا بيان غيرها، وكلاهما له معنى حسن. وقوله في الرواية الثالثة: "إنه ليتجر بها في البحرين" قد ينشأ من هذه الزيادة: جواز إخراج الزكاة في غير البلد الذي المال فيه. قال: "تزكي أموالنا" وعائشة إنما كانت تزكيها بالمدينة لأن مقامها بها. وقوله: "وإنه ليتجر فيها في البحرين" يعني: أن الأموال التي تخرج زكاتها كانت في بلد آخر، وهي تخرج زكاتها في هذا البلد، وهذا الحكم مبناه على جواز نقل الصدقة من بلد إلى بلد. وفيه للشافعي قولان:

стр. 1166

أحدهما: لا يجوز. والثاني: يجوز. ومن الأصحاب من قال: لا يجوز قولًا واحداً، فإن نقلها ففي إجزائها قولان. فإذا قلنا: لا يجوز فيه، قال عمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير، وطاوس، والنخعي، ومالك، والثوري. وإذا قلنا يجوز فبه قال أبو حنيفة. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار أن عمر بن الخطاب قال: "اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة". قوله: "اتجروا" أمر من التجارة تجر يتجر تجرًا وتجارة، وكذلك اتجر وهو افتعل منه، والرجل يتاجر، والجمع: تُجُر، مثل: صاحب وصحب، وتجار [وتجر] (١)، فإذا كسرت التاء خففت الجيم، وإذا ضممتها شددتها. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يزكي مال اليتيم. هذا الحديث مؤكد لما سبق من الأحاديث؛ في إخراج زكاة مال الصبي. وقد أخرج الشافعي قال: أخبرنا عبد المجيد، عن معمر، عن أيوب [بن] (٢) أبي تميمة، عن محمد بن سيرين أن عمر بن الخطاب قال لرجل: إن عندنا مال يتيم قد أسرعت فيه الزكاة. وزاد فيه في القديم: ثم ذكر أنه دفعه إليه ليتجر له فيه. ولم يذكر هذا في الجديد.

стр. 1167

وأخرج أيضًا: عن سفيان [عن] (١) ابن أبي ليلى، عن الحكم بن عتيبة: أن علي بن أبي طالب كانت عنده أموال بني [أبي] (٢) رافع فكان يزكيها كل عام. ورواه في القديم: عن رجل، عن معاوية بن عبد الله، عن عبيد الله بن أبي رافع: أن علي بن أبي طالب كان يلي مال بني أبي رافع أيتامًا، فكان يخرج الزكاة من أموالهم. وعاد أخرجه أيضًا فيما بلغه عن ابن مهدي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن أبي رافع "أن عليًّا كان يزكي أموالهم وهم أيتام في حجره". قال الشافعي: وبهذا نأخذ وهم يخالفونه، فيقولون: ليس في مال اليتيم زكاة. وقال الشافعي فيما بلغه عن ابن علية، وابن أبي زائدة، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن مسعود: "أنه كان يقول لولي اليتيم: أحصي ما مر عليه من السنين، وإذا دفعت إليه ماله قلت له: قد أتى عليه كذا وكذا، فإن شاء زكى وإن شاء ترك". قال: ولو كان ابن مسعود لا يرى عليه زكاة لم يأمره بالإحصاء لأن من لم يجب عليه الزكاة لا يؤمر بإحصاء السنين، كما لا يؤمر الصبي بإحصاء سنه في صغره للصلاة، ولكن ابن مسعود كان يرى عليه الزكاة، وكان لا يرى أن يزكها الولي، وهم يقولون: ليس في مال الصبي زكاة (٣).

стр. 1168

وقد أخرج الشافعي قال (١): أخبرني من لا أتهم، عن عبيد الله -أو عبد الله-، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: "في مال المكاتب زكاة". قال: وروي عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير أنهما قالا: "ليس في مال المكاتب زكاة". وقال في القديم: قال بعض أصحابنا: ليس في مال العبد زكاة، وروى فيه أثرًا عن عمر أنه قال: "ليس في مال العبد زكاة". قال: ولولا الاستدلال يقول رسول الله ﷺ -بأبي هو وأمي-: "من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع". وإن قلنا في الخبر: أن مال العبد لمالك العبد دون العبد، لقلت بما روي عن ابن عمر، ثم قال: والمكاتب مخالف لأنه لم أر بين الناس اختلافًا في أن مال المكاتب ممنوع من سيده، وأن المكاتب ممنوع من فساد ماله فليس هو كمال عبده، فلا أرى في مال المكاتب زكاة هكذا أحفظ عن بعض من لقيت، فبهذا جاء الأثر عن ابن عمر. ...

стр. 1169

الباب العاشر في أحكام تتعلق بالزكاة أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: "لا يجب في مال زكاة حتى يحول عليه الحول". هذا حديث صحيح أخرجه مالك في الموطأ موقوفًا (١)، هكذا قال: أن ابن عمر كان يقول: "لا يجب في مالٍ زكاة حتى يحول عليه الحول". وقد أخرجه الترمذي مرفوعًا (٢): عن يحيى بن موسى، عن هارون بن صالح الطلحي، عن عبد الرحمن بن [زيد] (٣) بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من استفاد مالاً فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول". الحول: العام والسنة، وحال عليه الحول: أي مر، فيجوز أن يكون قوله: "يحول عليه الحول": فعلاً مستقبلاً مبنيًّا من لفظ الحول الذي هو السنه ويجوز ان يكون من قولهم: حال إلى مكان كذا: أي تحول. أو من قولهم: حال الشخص يحول: إذا تحول. أو من حال عن العهد: إذا انقلب، والكل متقارب. والاستفادة: استفعال من الفائدة وهي النفع، وفاد المال لفلان يفيد: إذا ثبت له، وأفدت المال: إذا استفدته وإذا أعطيته. والذي ذهب إليه الشافعي: أن المال الذي تجب فيه الزكاة على ضربين: أحدهما: ما هو نماء في نفسه كالحبوب، والثمار إذا تكاملت وجبت فيه

стр. 1170

الزكاة ولا يعتبر فيه الحول. والثاني: ما يرصد للزيادة والنماء كالمواشي ترصد للدر والنسل، وكالذهب والفضة والعروض يرصد للتجارة وتحصيل الربح، ولا تجب في شيء من ذلك حتى ينقضي عليه الحول من حيث يتم نصابه في ملكه، وإلى هذا ذهب جماعة الفقهاء والأئمة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. وحكى عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قالا: "إذا استفاد مالاً زكاه في الحال ثم تكرر الزكاة بتكرر الحول". وللأئمة اختلاف في المستفاد في أثناء الحول، هل يضم إلى الأموال الأصلية أو يستأنف لها الحول؟ وفي ذلك تفصيل. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن عمر بن حسين، عن عائشة بنت قدامة، عن أبيها قال: "كنت إذا جئت عثمان بن عفان أقبض منه عطائي، يسألني هل عندك من مال وجبت فيه الزكاة؟ فإن قلت: نعم، أخذ من عطائي زكاة ذلك المال، وإن قلت: لا دفع إلي عطائي". هذا حديث حسن أخرجه مالك بالإسناد واللفظ (١)، وقال سألني. العطاء: هو القرار الذي كان للمسلمين في الديوان مثبتًا في بيت المال، وذلك أن عمر بن الخطاب كتب لكل واحد من المسلمين قرارًا يوصله إليه في كل سنة من بيت المال، فكان إذا حصل للمسلمين مال واجتمع في بيت المال أوصل إلى كل نفر ما استقر له وهو العطاء. وفرق بن "يسألني"، و"سألني" أن المستقبل حكايته حال حاضرة مصورة للسامع والرائي، والماضي حكاية انقضى ومضى.

стр. 1171

وفقه هذا الحديث أن زكاة الأموال للسلطان أن يأخذها من أرباها، وفي ذلك خلاف فإن أموال الزكاة ظاهرة وباطنة، فالباطنة: كالذهب، والفضة، وأموال التجارات، ويجوز له بها تفريق زكاتها بنفسه ودفعها إلى الإِمام أو النائب عنه. وأما الظاهرة: فكالمواشي والثمار والحبوب. قال في القديم: لا يفرقها بنفسه وإنما يدفعها إلى الإِمام والنائب عنه. وبه قال أبو حنيفة، ومالك. وقال الشافعي في الجديد: يجوز أن يفرقه ابن فسه. وكان الحسن البصري، ومكحول، وابن جبير، والنخعي، والأعمش يقولون: إذا وضع رب المال زكاته مواضعها جاز له ذلك، ولم يفرقوا بين الباطنة والظاهرة. وقال أحمد: يفرق وهو أحب إليَّ. وقال أبو ثور: لا يجزئه ذلك بل يجب عليه دفعها إلى السلطان أو نائبه. وفي هذا الحديث من الفقه: أن النقود لا تتعين في دفع الزكاة، فإنه أعد من إعطائه زكاة مال عبده وجبت فيه زكاة. وفيه: أن زكاة النقود ورجع فيها إلى قول ربها؛ بخلاف الأموال الظاهرة فإنها تعد على أربابها. وقد أخرج الشافعي ﵁ قال: أخبرنا مالك، عن ابن عيينة، عن القاسم بن محمد قال: لم يكن أبو بكر يأخذ من مالٍ زكاة حتى يحول عليه. ورواه في القديم: عن مالك، عن محمد بن عقبة -مولى الزبير- أنه سأل

стр. 1172

القاسم بن محمد، عن مكاتب له قاطعه بمال عظيم هل عليه زكاة؟ فقال القاسم: إن أبا بكر لم [يكن] (١) يأخذ من مال زكاة حتى يحول عليه الحول، قال القاسم: فكان أبو بكر إذا أعطى الناس عطياتهم يسأل الرجل: هل عندك من مال وجبت عليك فيه الزكاة؟ فإن قال: نعم أخذ من عطائه زكاة [ماله] (٢) ذلك، وإن قال: لا، دفع إليه عطاءه ولم يأخذ منه شيئًا. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي رافع: "أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكرًا فجاءته إبل الصدقة فأمرني أن أقضيه إياه". هذا حديث صحيح أخرجه مالك، ومسلم، وأبو داود، والترمذي. فأما مالك (٣): فأخرجه بالإسناد قال: استسلف رجل وذكر الحديث وزاد فيه: فقلت: لم أجد في الإبل إلا جملًا خيارًا رباعيًا، فقال رسول الله ﷺ : "أعطه إياه فإن خيار الناس أحسنهم قضاء". وأما مسلم (٤): فأخرجه عن أحمد بن عمرو بن السرح، عن ابن وهب، عن مالك. وأما أبو داود (٥): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك. وأما الترمذي (٦): فأخرجه عن عبد بن حميد، عن روح بن عبادة، عن مالك.

стр. 1173

الاستسلاف: من أسلف يسلف وهو نوع من أنواع البيع، يعجل فيه الثمن ويؤخر السلعة إلى أمد معلوم، والسلم أيضًا منه. والبكر -بفتح الباء وسكون الكاف-: الفتى من الإبل، والأنثى بكرة والجمع بكار وبكارة. قال أبو عبيد: البكر من الإبل بمنزلة الفتى من الناس، والبكرة كالفتاة. وقضيت الغريم أقضيه: إذا وفيته. والخيار: الجيد من كل شيء، ويقع على الواحد والجمع، وقد تقدم ذكره. والرباعي من الإبل: ما دخل في السنة السابعة إلى تمامها، والأنثى رباعية مخففة، وذلك لأن الرباعية بوزن الثمانية السنن التي بين الثنية والناب، فإذا ألقاها صاحبها قيل له: رباع بوزن ثمان، ويكون كذلك في الرفع والجر، تقول: عندي جمل رباع، ومررت بجمل رباع، فإذا صرت إلى النصب فتحت الباء وأتبعتها التنوين، فقلت: رأيت جملًا رباعيًا -مخفف الباء- والجمع: ربع -بضم الراء والباء- ويقال مثل: قذال وقذل وغزال وغزلان. وقد جاء في رواية الشافعي وأبي داود: فجاءته إبل من إبل الصدقة. والأول آكد وأثبت لأنه يكون قد أثبت الصدقة إبلًا جاء بعضها. وفي الثاني: يجوز أن لا تكون الصدقة إبل، وإنما جاءه إبل تصدق بها أو كان يستحق في الصدقة غير الإبل فجاءه عوضها إبل. هذا مدلول اللفظ وإن كان يدل أيضًا على ما يدل الأول عليه لكن دلالة مشتركة بين الأمرين، وعلى الأول ينتفي هذا التأويل. والفقه من هذا الحديث أمران: أحدهما: جواز تعجيل الزكاة، والثاني: جواز اقتراض الحيوان.

стр. 1174

أما الشافعي: فإنما أورده في باب تعجيل الزكاة، ووجه الاستدلال أنه إنما سلف لأرباب الصدقة، لأنه قضاه من الصدقة، ولأن النبي ﷺ لا تحل له الصدقة فكيف كان يكون قد تسلف لنفسه ثم وفاه من الصدقة، إنه إنما تسلف لهم، وإذا جاز أن يتسلف من غير من عليه الصدقة، جاز أن يتسلف لهم ممن عليه الصدقة. قال المزني: يوضع مكان حديث العباس فإنما قال ذلك لأنه أوضح في الاستدلال. قلت: وحديث العباس هو ما رواه علي بن أبي طالب "أن العباس عم النبي سأل النبي ﷺ في تعجيل الصدقة قبل أن تحل، فرخص له رسول الله ﷺ في ذلك". فقد أخرج حديث العباس أبو داود (١) والترمذي (٢). قال إمام الحرمين في تعجيل الزكاة: ذكر المزني في صدر الباب حديث أبي رافع، قال: والشافعي لم يستدل به في تعجيل الصدقة، وإنما احتج به في جواز استقراض الحيوان، ورد الحديث إلى تعجيل الصدقة تكلف، قال: ثم لما علم المزني أن ما ذكره لا حجة فيه في تعجيل الزكاة احتج بما هو حجة، وذكر

стр. 1175

حديث أبي هريرة الذي يتضمن ذكر خالد بن الوليد، وابن جميل، والعباس، وهو حديث مشهور لا نطيل بذكره. فكأن إمام الحرمين قد زيف الاستدلال بحديث أبي رافع في الاستسلاف، وصاحب الشامل وجهه، ويعضد ما ذهب إليه صاحب الشامل: أن الذي جاء في مسند الشافعي حديث أبي رافع لا حديث علي ولا حديث أبي هريرة، فكان ما ذكره أولى ولهذا قال الشافعي في هذا الباب أيضًا، مستدلًا على جواز استسلاف الزكاة، قال (١): ويروى عن النبي ﷺ -ولا أدري أيثبت أم لا- أن النبي ﷺ تسلف صدقة العباس قبل [أن] (٢) تحل، فلو لم يكن الشافعي أراد الاستدلال بحديث أبي رافع لما أورده في هذا الباب، وما قال عن حديث صدقة العباس، ما قال: هل يثبت أم لا. والذي ذهب الشافعي: أن تعجيل الزكاة جائز قبل عام الحول إذا كمل النصاب. وبه قال سعيد بن جبير، والزهري، والنخعي، والأوزاعي، وأبو حنيفة وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور. وقال الثوري: أحب إليَّ أن لا يعجلها. وكره مالك تعجيلها ومنع منه، وكذلك الليث بن سعد. وقال الحسن البصري: من زكى قبل الموت أعادها كالصلاة واختاره ابن المنذر. وأما استقراض الحيوان: فجوزه الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة: لا يجوز. وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن

стр. 1176

السائب بن يزيد أن عثمان بن عفان كان يقول: "هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤد دينه حتى تخلص أموالكم، فتؤدون منها الزكاة". وفي نسخة حتى تحصل. هذا حديث صحيح أخرجه مالك بالإسناد واللفظ (١). وقال: يحصل في هذا الحديث من الفقه: بيان أن الزكاة يستحب أن يُفرَد لها شهر تخرج فيه، وفائدته: أن يضبط الحول للأموال، ولأن أرباب الصدقة إذا عرفوا لإخراجها وقتًا معلومًا، اجتمعوا له وحضروا لقبض الزكاة. ويستحب أن يُختار لها شهر من الأشهر الحرم أو شهر رمضان. وقوله: "حتى تخلص" أي: حتى تصير خالصة لا حق فيها لغيركم إلا الزكاة، لأن من كان عليه دين وله مال، فإن بعض ماله هو مال صاحب الدين، وإن كانت الديون تتعلق بالذمم لا بأعيان الأموال، ولكن إذا رجعنا إلى المعنى فإنه لو مات مثلًا لقضى دينه من جملة ماله. وأما قوله: "حتى تحصل" فهو من الحصول، والحاصل وهو بقية الشيء فكان من عليه دين أدى وفي دينه بقي ما في يده من ماله فهو حاصل له أي بقيته، والمعنيان متقاربان. وقوله: "فيؤدون منها الزكاة" هكذا جاء في المسند بإثبات النون والإعراب بخلافه، لأن الوجه أن تحذف النون لأن الكلمة معطوفة على قوله: "حتى تخلص" وهو منصوب وعلامة نصبه حذف النون، والظاهر أنه خطأ من الكاتب.

стр. 1177

والذي جاء في رواية مالك بحذف النون (١)، فإن صحت الروايات بإثبات النون فله تأويلان: أحدهما: أن لا يكون معطوفًا على "تخلص" وإنما هو مستأنف تقديره: فأنتم تؤدون منها الزكاة، أو فحينئذ تؤدون منها الزكاة. والثاني: أن يكون معطوفًا على قوله: "تخلص" لكن حتى تكون للحال ولا تكون ناصبة، ويكون التقدير: فمن كان عليه دين فليؤد دينه، وتخلص أموالكم فتؤدون منها الزكاة. والله أعلم. والذي سبق هذا الحديث له إنما هو لأجل زكاة المال الذي تتعلق ذمة صاحبه بدين، ولهذا أخرجه الشافعي في باب الدين مع الصدقة، قال في آخره (٢): يشبه -والله أعلم- أن يكون إنما أمر بقضاء الدين قبل حلول الصدقة في المال. وقوله: "هذا شهر زكاتكم" [يجوز أن يقول هذا الشهر الذي إذا مضى حلت [زكاتكم] (٣) كما [يقال] (٤): هذا شهر ذي الحجة وإنما الحجة بعد مضي أيام منه. وقوله: فليؤد دينه حتى يخلص ماله له نظر من وجهين: أحدهما: إلى جانب المؤدي، والثاني: إلى جانب المؤدى إليه. ولكل واحد منهما حكم في الزكاة. فأما نظره إلى جانب المؤدي فيريد به: أن يؤدي ما عليه من الدين، حتى يبقى ماله الذي هو على الحقيقة ماله فيؤدي زكاته. وقد اختلف قول الشافعي فيمن له مال وعليه دين، فقال في الجديد: تجب

стр. 1178

الزكاة في المال الذي في يده والدين لا يضعها، وبه قال حماد بن أبي سليمان، وربيعة، وابن أبي ليلى. قال في القديم: إذا لم يبق بعد قدر الدين نصاب لم تجب فيه الزكاة. وبه يقول الحسن البصري، والليث، والثوري، وأحمد وإسحاق، إلا عن أحمد في الأموال الظاهرة روايتان. وقال مالك: الدين يمنع من الزكاة في النقدين، دون غيرهما. وقال أبو حنيفة: الدين الذي تتوجه فيه المطالبة، يمنع من وجوب الزكاة في سائر الأموال إلا في الحبوب والثمار. وقد قال الشافعي في كتاب "اختلاف العراقيين" (١): إذا كانت في يدي رجل ألف درهم وعليه مثلها فلا زكاة عليه. وقد روى ذلك عن سليمان بن يسار، وعطاء، وطاوس، والحسن، وإبراهيم. وقال البيهقي (٢): قد فرق الشافعي في القديم بين الأموال الظاهرة وبين الأموال الباطنة، فقال في المصدق: إذا قدم أخذ الصدقة بما ظهر من ماله مثل: الحرث، والمعدن، والماشية ولم يتركها لدين، ولكنه يتركها إذا أحاط الدين بما له من الرقة والتجارة التي إليه أن يؤديها. وأما نظره إلى جانب المؤدى إليه فيريد به: أن يؤدي إلى صاحب الدين ماله ليجتمع ماله عنده فيؤدي زكاته، ويكون هذا لفتًا لمن عليه الدين على القضاء والإبقاء، وفي ذلك من الفقه: أن من كان له مال في يده وله دين على غيره فإن الشافعي قال: ما كان من الديون على ملي يرجى أخذه؛ وكان الدين حالاً

стр. 1179

فإن زكاته تجب لكل سنة عند استكمال الحول [وبه] (١) قال عثمان، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وطاوس، والنخعي، وجابر بن زيد، والزهري، والحسن البصري، وميمون بن مهران، وقتادة، وحماد، وإسحاق، وأبو عبيد. وقال أبو حنيفة: يزكيه إذا قبضه لما قضى عليه من السنين. وبه قال الثوري، وأحمد، وأبو ثور غير أنهم قالوا: تزكيه في السنة الثانية بعد إسقاط زكاة السنة الأولى. وقال مالك: يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة. وبه قال عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب، وعطاء الخراساني، وأبو الزناد. وروى عن ابن عمر، وعائشة، وعكرمة: أنه لا يزكيه إلا بعد أن يحول عليه الحول من يوم قبضه. قال إمام الحرمين: وقد حكى الزعفراني عن الشافعي في القديم: أن الزكاة لا تجب في الديون أصلاً، وهذا بعيد في حكم المرجوع عنه. قلت: الذي قاله الشافعي في القديم هذا لفظه، قال: لا أعرف في الزكاة في الدين أثرًا صحيحًا فآخذ به ولا أتركه، فأدى -والله أعلم- أن ليس فيه زكاة. فأما إذا كان الدين على مفلس أو جاحد ولا بينة عليه، ففيه ثلاثة أقوال: الوجوب، ونفي الوجوب، والثالث: إن عاد المال إليه بفوائده ونمائه وجبت الزكاة، وإن لم يعد فلا تجب. وأما المغصوب، والضال: فلا تلزمه زكاته حتى يرجع إليه، فإن رجع إليه من غير نماء ففيه قولان. وقد أخرج أيضًا من رواية المزني عنه (٢)، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، عن

стр. 1180

أبيه، عن عمر، "أنه أبصر فرسًا أن [يباع] (١) في السوق وكان تصدق بها، فسأل رسول الله ﷺ أأشتريه؟، فقال رسول الله ﷺ : "لا تشتره ولا شيئًا من نتاجه". وأخرج أيضًا (٢) من رواية المزني عنه، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: "حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أبتاعه وظننت أنه [باعه] (٣) برخص، فسألت عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: "لا تبتعه وإن أعطاكه بدرهم واحد فلا (٤) تعد في صدقتك، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه". هذان الحديثان صحيحان أخرجهما البخاري ومسلم (٥). وقد أخرج الشافعي أيضًا من حديث عبد الوهاب، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر أن عمر تصدق بفرس له فذكر الحديث. قال الشافعي: وأكره لمن خرجت منه أن يشتريها من يد أهلها الذين قسمت عليهم، واحتج بحديث مالك، ولم يبين (٦) أن رسول الله ﷺ حرم شراء ما وصفت على الذي خرج من يديه، فقد تصدق رجل من الأنصار بصدقة على أبويه ثم ماتا، فأمره رسول الله ﷺ بأخذ ذلك، الميراث فبذلك أجزت أن يملك ما خرج من يديه بما يحل به الملك. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك بن أنس، عن زيد بن

стр. 1181

أسلم، عن أبيه أنه قال لعمر بن الخطاب: إن في هذا [الظهر] (١) ناقة عمياء، فقال: أمن نعم الجزية أو من نعم الصدقة؟ قال أسلم: من نعم الجزية، وقال: إن عليها ميسم الجزية. هذا طرف من حديث طويل قد أخرجه مالك بطوله (٢): "أن أسلم قال لعمر ابن الخطاب: إن في الظهر ناقة عمياء، فقال عمر: ادفعها إلى أهل بيت ينتفعون بها، قال: فقلت: وهي عمياء؟ فقال: يقطرونها في الإبل، قال: فقلت: كيف تأكل من الأرض؟ فقال عمر: أمن نعم الجزية هي أم [من] (٣) نعم الصدقة؟ فقلت: بل من نعم الجزية، فقال عمر: أردتم والله أكلها، فقلت: إن عليها وسم نعم [الجزية] (٤)، فأمر بها عمر فنحرت وكان عنده [صحاف] (٥) تسع، ولا تكون فاكهة ولا طريقة إلا جعل منها في تلك الصحاف، فبعث بها إلى أزواج النبي ﷺ ويكون الذي يبعث به إلى حفصة ابنته من آخر ذلك، ما كان فيه نقصان وكان في حظ حفصة، قال: فجعل في تلك الصحاف من لحم تلك الجزور فبعث به إلى أزواج النبي ﷺ ، وأمر بما بقي من لحم تلك الجزور فصنع فدعا عليها المهاجرين والأنصار". الظهر من كل حيوان معروف، وقد أطلقه الاستعمال العرفي على المركوب من الإبل والبقر والخيل وغيرها، تقول: فلان قليل الظهر إذا قل مركوبه يكون على ظهر ما يركب من الحيوان، وأراد بالظهر في هذا الحديث: الإبل التي في بيت المال من إبل الزكاة وإبل الجزية مما يجتمع في بيت المال.

стр. 1182

والنعم: اسم يقع على الإبل والبقر والغنم، وأكثر ما يقع في الاستعمال على الإبل، ويجمع النعم على الأنعام، قال الفراء: النعم يذكر ولا يؤنث، يقولون: هذا نعم كثير، فأما الأنعام فيذكر ويؤنث. والجزية: البراءة المأخوذة من أهل الذمة عند عقد الزمام لهم، وهي فعلة من الجزاء كأنه جزاء إقرارهم على دينهم، فهم يجزون المسلمين على ذلك ببذلها، ويجمع على جزاء مثل: لحية ولحى وقد يضم لام لحى. والميسم: الحديدة التي تكوى بها الدواب للعلام عليها تمييزًا لها عن غيرها، وهي مفعل من الوسم الكي، وسم يسم وسما وسمة، والهاء عوض من الواو. وقوله: "ميسم الجزية" أثر ميسم الجزية، لأن الميسم هو الحديدة التي تكوى بها، أو يكون عبر بالمؤثر عن الأثر، لأن الأثر الوسم والمؤثر الميسم وهذا قياس في العربية، يذكر الأثر ليدل على المؤثر ويذكر المؤثر ليدل على الأثر، وهو من المجازات المطردة في الاستعمال عندهم، وذلك التلازم الذي بين الأثر والمؤثر. والنحر للإبل كالذبح للغنم، إلا أن النحر لا يكون إلا في اللبة وهي تجاوز الصدر، والذبح لا يكون إلا في الحلق وهو ما تحت الذقن. والصحاف: جمع صحفة وهي إناء من خشب أو حجر أو خزف أو غير ذلك. وقيل: هي القصعة الوسطى لا بالكبيرة ولا بالصغيرة. قال الكسائي: أعظم القصاع الجفنة، ثم القصعة تليها تشبع العشرة، ثم الصحفة تشبع الخمسة، ثم المكيلة تشبع الرجلين والثلاثة، ثم الصحيفة تشبع الرجل. والطريفة: تأنيث الطريف وهو الشيء الذي يستطرف ويستحدث كالباكورة من الفاكهة ونحوها.

стр. 1183

والجزور: اسم يقع على الذكر والأنثى من الإبل، إلا أن اللفظة مؤنثة. وإنما استفسره عمر ﵁ فقال: "أمن نعم الجزية أم من نعم الصدقة؟ " لأن نعم الصدقة: إنما تدفع إلى مستحقيها من الأصناف الثمانية، ولا يجوز دفعها إلى غيرهم، فأما نعم الجزية: فحكمها حكم أموال الفيء والمسلمون فيها مشتركون فلذلك نحرها وفرقها وجمع عليها المهاجرين والأنصار. وينبغي أن يفرق بين وسم إبل الزكاة ووسم إبل الجزية والفيء، لئلا يختلط بعضها ببعض، فيكتب على وسم الزكاة لله، وعلى وسم الجزية والفيء صغار، كذا قال الفقهاء (١)، والله أعلم. ...

стр. 1184

الباب الحادي عشر فيما يتعلق بعامل الزكاة أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتاكم المصدق فلا يفارقكم إلا عن رضا". هذا حديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. فأما مسلم (١): فأخرجه عن فضيل بن حسين أبي (٢) كامل الجحدري، عن عبد الواحد بن زياد، عن محمد بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن هلال [العبسي] (٣)، عن جرير بن عبد الله قال: "جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إن ناسًا من المصدقين يأتونا فيظلمونا قال: فقال رسول الله ﷺ "أرضوا مصدقكم" قال جرير: ما صدر عني مصدق -منذ سمعت هذا من رسول الله ﷺ إلا وهو عني راض". وأما أبو داود (٤): فأخرجه بإسناد مسلم ولفظه وزاد فيه فقال: "أرْضُوا مصدقكم (٥) " قالوا: يا رسول الله، وإن ظلمونا؟ قال: "أرضوا مصدقيكم" زاد أحد رواته (٦) "وإن ظلمتم". وأما الترمذي (٧): فأخرجه عن علي بن حجر، عن محمد بن يزيد، عن

стр. 1185

مجالد، عن الشعبي، عن جرير بلفظ الشافعي. وفي أخرى: عن أبي عمار، عن سفيان بإسناد الشافعي ولفظه، وقال: هذا أصح من حديث مجالد، مجالد ضعيف كثير الغلط. وأما النسائي (١): فأخرجه عن محمد بن المثنى ومحمد بن بشار، عن يحيى، عن محمد بن إسماعيل بإسناد مسلم وزيادة أبي داود وقال: "وإن ظلم" مرتين. وفي أخرى عن زياد بن أيوب، عن إسماعيل بن علية، عن داود بن أبي هند [بإسناد] (٢) الشافعي ولفظه. الرضا: مقصور مصدر: رضي يرضى فهو راض، وبالمد الاسم قاله الجوهري. ومعنى قوله: "عن" في "إلا عن رضا" المجاوزة أي لا يجاوزنكم المصدق إلاَّ وهو راض وأنتم راضون. وهذا باب حث أرباب المال على إعطاء الصدقة وافية وافرة جيدة، وعن رضي من أنفسهم وإيثار، فإن المصدق إذا صدر وهو راض عنهم فما يكون إلا بعد استيفائه ما عندهم من الزكاة، ورضاه مندوب إليه إن أردنا به أمرًا زائدًا على الواجب عليهم، وإن أردنا به الحد الواجب عليهم -وهو الصحيح-، فإن الرضا متعلق بأخذ القدر الواجب من غير زيادة ولا اختيار الجيد، وكما أنه قد (٣) ندب المصدق إلى ترك الإجحاف بأرباب المال؛ في اختيار أموالهم وأخذ نفائسها تحصيلًا لرضاهم، فكذلك أمر أرباب المال برضى الساعي وإيصال حقه إليه، ومبنى الزكاة على التسهيل والتسامح، أما من جانب الساعي

стр. 1186

فللتخفيف عن أرباب المال، وأما من جانب أرباب المال فيكون طهرة لربها، فإذا لم يكن قلبه بها طيبًا، ولا نفسه بها سمحة سهلة، ولا ببذل الجيد فلم يحصل ولا انتفى عنه الوصف الذي شرعت الزكاة له، وهو البخل والشح من جانب رب المال، والنظر في حق الفقير من جانب الشارع -صلوات الله عليه وسلامه. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عروة بن الزبير عن أبي حميد الساعدي، قال: "استعمل رسول الله ﷺ رجلاً من بني الأسد يقال له: ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال هذا لكم، وهذ أهدي لي، فقام النبي ﷺ على المنبر فقال: "ما بال العامل نبعثه على بعض أعمالنا فيقول: هذا لكم، وهذا لي، فهلا جلس في بيته وبيت أمه فينظر أيهدى إليه أم لا، والذي نفسي بيده، لا يأخذ أحد منها شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر" ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه، ثم قال "اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت". وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي حميد الساعدي قال: "أبصر عيني وسمع أذني رسول الله ﷺ ، واسألوا زيد بن ثابت" -يعني بمثله- وفي نسخة "بصر عيني". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود. فأما البخاري (١): فأخرجه عن أبي اليمان، عن شعيب، عن هشام. وعن عبد الله بن محمد وعلي بن عبد الله عن الزهري، عن عروة بالإسناد نحوه. وأما مسلم (٢): فأخرجه عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن هشام

стр. 1187

بالإسناد، وقال في بعض طرقه: واسألوا (١) زيد بن ثابت فإنه كان معي حاضرًا. وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن ابن السرح وابن أبي خلف، عن سفيان بالإسناد وقال فيه: قال ابن السرح: الأتبيه وقال فيه: أيهدى إليه أم لا؟. قوله: "اسعتمل رجلاً من الأسْد -بسكون السين" يريد الأزد فقلب الزاي سينًا. واللتبية -بضم اللام وفتح التاء فوقها نقطان، وكسر الباء الموحدة وتشديد الياء- ويروى الأتبية عوض اللام همزة (٣)، والمراد باستعماله على الصدقة: جعله عاملًا لها [يستخرجها] (٤) من جهاتها، وهو المراد في قول الله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ (٥). وقوله: "ما بال العامل" أي ما شأنه، وما أمره، وما حاله. والرغاء: صوت الإبل. والخوار: صوت البقر. واليعار: صوت الغنم. رغا الجمل يرغو، وخار الثور يخور، وتيعر الشاة تيعر بالكسر. وعفر إبطيه: بياضهما الذي تحت الكتف. وقوله: "واسألوا زيد بن ثابت" يريد أنه كان حاضرًا هذه المقالة التي

стр. 1188

ذكرتها عن رسول الله ﷺ . وقوله: "أبصر عيني وسمع أذني" يجوز أن تكون العين والأذن فاعلين فيرتفعان، وأن يكونا مفعولين فينتصبان فأما كونهما فاعلين فالتقدير: أبصرت عيني وسمعت أذني فذكَّر الفعل لأن التأنيث غير حقيقي. وأما كونهما مفعولين: فكون أبصر فعلًا متعديًا بالهمزة من بصر به، التقدير: أن النبي ﷺ أبصر عيني أي جعلها تبصر، ويعضد ذلك ما جاء في النسخة الأخرى: بصر عيني وكذلك أسمع أذني يكون الفعل مشددًا، أي جعلها تسمع، ويكون اسم رسول الله ﷺ على الأول منصوبًا، وعلى الثاني مرفوعًا. وقد جاء في رواية الشافعي: "يهدى إليه أم لا" بحذف همزة الاستفهام وهذا [لورود] (١) كثرة الاستعمال؛ يحذفونها تخفيفًا، لدلالة الحال عليه وهي مرادة لأن المعنى مستفهم عنه، ولابد للاستفهام من علامة تدل عليه إما ظاهرة أو مضمرة بنية الظهور. وفي هذا الحديث: بيان أن هدايا العمال سحت، وأنها ليس سبيلها سبيل سائر الهدايا المباحة، فإنه إنما يهدي إليه للمحاباة والتخفيف عن المهدي، وذلك منه خيانة وتحسين للحق الواجب عليه استيفاؤه لأهله. وقوله: "فهلا قعد في بيت أبيه أو أمه، فينظر أيهدى إليه أم لا"؟!! دليل على أن كل أمر يتوصل به إلى محظور فهو محظور. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا محمد بن عثمان بن صفوان الجمحي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تخالط الصدقة مالاً إلا أهلكته". قال الشافعي: -والله أعلم- أن خيانة الصدقة تتلف المال الخلوط بالخيانة

стр. 1189

من الصدقة. هذا حديث حسن رواته ثقاة. ويريد بالصدقة: الزكاة، ويدخل فيها كل الأموال التي هي للمصالح وأموال الوقف. ويريد بهلاكها: ذهابها وضياعها وتمزيقها على مالكها وتفرقها عن يده، وذهاب نمائها وعدم بركتها لسبب مخالطة مال الصدقة لها. ويجوز أن يريد بالهلاك في المعنى في أنها تفسد المال الذي تخالطه على صاحبه ولا ينتفع به، ولا يجوز له أن يتصرف فيه، وإن تصرف فيه أثم لمخالطته. مال الصدقة. فكأنه كعدمٍ لجواز الانتفاع به كالمال الذاهب الهالك. والله أعلم. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: استعمل رسول الله ﷺ عبادة بن الصامت على صدقة، فقال: "اتق [الله] يا أبا الوليد لا تأتي -وفي نسخة- لا تأتي يوم القيامة ببعير تحمله على رقبتك [له] (١) رغاء، أو بقره لها خوار، وشاة لها ثؤاج" فقال: يا رسول الله، وإن ذا لكذا، فقال رسول الله ﷺ : "إي والذي نفسي بيده، إلا من رحم الله"، فقال: والذي بعثك بالحق لا أعمل على اثنين أبدًا. هذا حديث مرسل، طاوس تابعي جليل القدر. وقوله: "اتق" من التقوى، وهي فعلى من الوقاية ما يتقى به ويستجن ويدفع الشر، والتقى والتقوى واحد، والمراد بقوله: "اتق يا أبا الوليد" احذر الله، فلم يذكر اسم الله لفهم المعنى ودلالة الحال عليه، لأنه إنما يريد أن يحذره من الله سبحانه ومن عذابه.

стр. 1190

وقد جاء في رواية البيهقي: "اتق الله يا أبا الوليد". ويجوز أن يكون قد جعل قوله: "لا تجيء وألا تجيء" هو المحذور المنفي: اتق مجيئك يوم القيامة بكذا وكذا. والثؤاج -بضم الثاء المثلثة وبالهمزة-: صوت الغنم، والشاة ثائجة والجمع ثوائج. وقوله: "إن ذا لكذا" أي إن الحال على هذه الصفة من المجيء يوم القيامة، [فحمل] (١) هذه الحيوانات على الرقاب إذا كانت مأخوذة على سبيل الظلم والتعدي على أرباب الأموال، أو إذا كانت على سبيل الخيانة من الشغالة. وقوله: "لا أعمل على اثنين أبدا" أي لا ألي الحكم على اثنين ولا أتأمر على أحد، وهذا دليل على كراهية الإمارة والولايات التي كان الولاة فيها، مثل عبادة بن الصامت ومن جرى مجراه، ومن أكابر الصحابة، ومن أشراف الأنصار، وأجلهم قدرًا، فإنه كان شهد العقبات الثلاث وكان نقيبًا بدريًّا وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وكان الذي ولاه رسول الله ﷺ وكانت هذه حاله، فما الظن بعد ذلك الطراز الأول والمنافسين في الولايات، والباذلين الأموال والرشى في تحصيل الأعمال السلطانية، وأخذ الجوائز عليها من أموال الضرائب والمظالم، عصمنا الله وإياكم من الزلل، وسدد كلًا منا ومنكم في القول والعمل به ولطفه.

стр. 1191

الباب الثاني عشر في زكاة الفطر أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر على الناس صاعًا من تمر، وصاعًا من شعير، على كل حر وعبد ذكر وأنثى من المسلمين". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة. فأما مالك (١): فأخرجه بالإسناد واللفظ وقال فيه: "أو عبد أو أنثى". وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، بالإسناد ولفظ مالك. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن القعنبي وقتيبة ويحيى بن يحيى، عن مالك. وأما أبو دواد (٤): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك. وأما الترمذي (٥): فأخرجه عن إسحاق بن موسى، عن معن، عن مالك. وأما النسائي (٦): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك.

стр. 1192

وعن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك. قد تقدم في أول الزكاة معنى قوله: فرض رسول الله ﷺ . والفطر: الاسم من قولك أفطر الصائم يفطر إفطارًا. وقوله: "على الناس"، اسم جامع لكل من هو من بني آدم، فلما كان هذا اللفظ عامًا ولم يرد العام، لا سيما وقد فصل فقال: "على كل حر وعبد وذكر وأثنى" قال بعقب ذلك: "من المسلمين" فخصص ذلك العام. على أن هذه الزيادة -التي هي من المسلمين- هي مما تفرد به مالك بن أنس؛ دون غيره ممن روى حديث زكاة الفطرة (١)، وسيرد بيان المذاهب في زكاة

стр. 1193

الفطر مفصلاً، وأن الشافعي ومن قال بقوله اعتمد على زيادة مالك هذه، والعلماء في قبول الزيادة التي تفرد بها أحد الرواة وردها خلاف. قالوا: إذا تفرد الثقة بزيادة في الحديث عن جميع النقلة، فإن زيادته مقبولة عند الأكثر، سواء كانت الزيادة من بعث اللفظ أو من حيث المعنى، لأنه لو انفرد عن جميع الحفاظ بنقل حديث قبل حديثه فكذلك الزيادة. وذهب طائفة -وهم الأقل: إلى المنع من قبولها. والعمل على الأول (١).

стр. 1194

وقد جاء في رواية الشافعي وبعض روايات غيره: "حر وعبد ذكر وأنثى" بواو العطف، وعند غيره بأو، والمعنى فيهما سواء، إلا أن الواو أدخل في إثبات المعنى المعطوف من "أو", لأن الواجب على كل واحد من المذكورين لا على أحدهم دون الآخر، وقد ترد "أو" بمعنى "الواو" وعليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (١)، إنما أراد نهيه عن طاعة الآثم والكفور لا أحدهما. و"أو" لها في الكلام أربعة معان: للشك، والتخيير، والإباحة، والإيهام من العالم بالأمر، وهذا النوع يدخله النحويون في حيز التخيير تارة وفي حيز الإباحة أخرى. فأما "أو" في قوله: "صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير" فإنما هو للتخيير، لأنه غير بين الاثنين أيما شاء أخرج. والذي ذهب إليه الشافعي: أن زكاة الفطر واجبة على الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والحر والعبد. وبه قال أئمة الأمصار والعلماء. وذهب قوم من أهل البصرة، والأصم، وابن علية: إلى أنها ليست واجبة. وعند الشافعي: أنها لا تجب إلا على المسلمين عملًا بهذا الحديث. وبه قال مالك وأحمد وأبو ثور. وبيان ذلك فيما إذا كان له ولد كافر، أو زوجة كافرة، أو عبد كافر فلا يجب عليه أن يخرج الزكاة عنهم. وقال أبو حنيفة: يجب عليه أن يعطي عن العبد الذي ليس بمسلم. وبه قال

стр. 1195

عطاء، ومجاهد، وابن جبير، والثوري، والنخعي، وأسحاق. وقال ابن المسيب، والحسن: لا يؤدي إلا عمن صلى وصام. فقال محمد بن الحسن: لا تجب في مال الصغير يتيمًا كان أو غير يتيم. قال الشافعي: في حديث نافع دلالة على أن رسول الله ﷺ لم يفرضها إلا على المسلمين، وذلك يوافق كتاب الله فإنه جعل الزكاة للمسلمين طهورًا والطهور لا يكون إلا لمسلم. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن جعفر ابن محمد، عن أبيه: "أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر على الحر والعبد، والذكر والأنثى ممن يمونون". هذا الحديث رواه حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي قال: "فرض رسول الله ﷺ على كل صغير وكبير، حر أو عبد، ممن يمونون صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب عن كل إنسان". وهاتان الروايتان [منقطعتان] (١). وروي ذلك أيضًا عن علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن جده، عن آبائه، عن النبي ﷺ . قال الشافعي: في حديث جعفر دلالة على أن رسول الله ﷺ فرضها على المرء في نفسه ومن يمون، وفي حديث نافع دلالة شبيهة بدلالة حديث جعفر إذ فرضها رسول الله ﷺ على الحر والعبد، والعبد لا مال له فبين أن رسول الله ﷺ إنما فرضها على سيده، وما لا خلاف فيه أن على السيد في عبده وأمته زكاة الفطر وهما ممن يمونون. ومعنى يمونون: أي يقومون بمؤنته وهي ما يحتاج إليه ممن تجب نفقته
следующие страницы →