الباب الثاني عشر
في زكاة الفطر
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر على الناس صاعًا من تمر، وصاعًا من شعير، على كل حر وعبد ذكر وأنثى من المسلمين".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة.
فأما مالك (١): فأخرجه بالإسناد واللفظ وقال فيه: "أو عبد أو أنثى".
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، بالإسناد ولفظ مالك.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن القعنبي وقتيبة ويحيى بن يحيى، عن مالك.
وأما أبو دواد (٤): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك.
وأما الترمذي (٥): فأخرجه عن إسحاق بن موسى، عن معن، عن مالك.
وأما النسائي (٦): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك.
стр. 1192
وعن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك.
قد تقدم في أول الزكاة معنى قوله: فرض رسول الله ﷺ .
والفطر: الاسم من قولك أفطر الصائم يفطر إفطارًا.
وقوله: "على الناس"، اسم جامع لكل من هو من بني آدم، فلما كان هذا اللفظ عامًا ولم يرد العام، لا سيما وقد فصل فقال: "على كل حر وعبد وذكر وأثنى" قال بعقب ذلك: "من المسلمين" فخصص ذلك العام.
على أن هذه الزيادة -التي هي من المسلمين- هي مما تفرد به مالك بن أنس؛ دون غيره ممن روى حديث زكاة الفطرة (١)، وسيرد بيان المذاهب في زكاة
стр. 1193
الفطر مفصلاً، وأن الشافعي ومن قال بقوله اعتمد على زيادة مالك هذه، والعلماء في قبول الزيادة التي تفرد بها أحد الرواة وردها خلاف.
قالوا: إذا تفرد الثقة بزيادة في الحديث عن جميع النقلة، فإن زيادته مقبولة عند الأكثر، سواء كانت الزيادة من بعث اللفظ أو من حيث المعنى، لأنه لو انفرد عن جميع الحفاظ بنقل حديث قبل حديثه فكذلك الزيادة.
وذهب طائفة -وهم الأقل: إلى المنع من قبولها. والعمل على الأول (١).
стр. 1194
وقد جاء في رواية الشافعي وبعض روايات غيره: "حر وعبد ذكر وأنثى" بواو العطف، وعند غيره بأو، والمعنى فيهما سواء، إلا أن الواو أدخل في إثبات المعنى المعطوف من "أو", لأن الواجب على كل واحد من المذكورين لا على أحدهم دون الآخر، وقد ترد "أو" بمعنى "الواو" وعليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (١)، إنما أراد نهيه عن طاعة الآثم والكفور لا أحدهما.
و"أو" لها في الكلام أربعة معان: للشك، والتخيير، والإباحة، والإيهام من العالم بالأمر، وهذا النوع يدخله النحويون في حيز التخيير تارة وفي حيز الإباحة أخرى.
فأما "أو" في قوله: "صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير" فإنما هو للتخيير، لأنه غير بين الاثنين أيما شاء أخرج. والذي ذهب إليه الشافعي: أن زكاة الفطر واجبة على الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والحر والعبد. وبه قال أئمة الأمصار والعلماء.
وذهب قوم من أهل البصرة، والأصم، وابن علية: إلى أنها ليست واجبة.
وعند الشافعي: أنها لا تجب إلا على المسلمين عملًا بهذا الحديث. وبه قال مالك وأحمد وأبو ثور.
وبيان ذلك فيما إذا كان له ولد كافر، أو زوجة كافرة، أو عبد كافر فلا يجب عليه أن يخرج الزكاة عنهم.
وقال أبو حنيفة: يجب عليه أن يعطي عن العبد الذي ليس بمسلم. وبه قال
стр. 1195
عطاء، ومجاهد، وابن جبير، والثوري، والنخعي، وأسحاق.
وقال ابن المسيب، والحسن: لا يؤدي إلا عمن صلى وصام.
فقال محمد بن الحسن: لا تجب في مال الصغير يتيمًا كان أو غير يتيم.
قال الشافعي: في حديث نافع دلالة على أن رسول الله ﷺ لم يفرضها إلا على المسلمين، وذلك يوافق كتاب الله فإنه جعل الزكاة للمسلمين طهورًا والطهور لا يكون إلا لمسلم.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن جعفر ابن محمد، عن أبيه: "أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر على الحر والعبد، والذكر والأنثى ممن يمونون".
هذا الحديث رواه حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي قال: "فرض رسول الله ﷺ على كل صغير وكبير، حر أو عبد، ممن يمونون صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب عن كل إنسان".
وهاتان الروايتان [منقطعتان] (١).
وروي ذلك أيضًا عن علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن جده، عن آبائه، عن النبي ﷺ .
قال الشافعي: في حديث جعفر دلالة على أن رسول الله ﷺ فرضها على المرء في نفسه ومن يمون، وفي حديث نافع دلالة شبيهة بدلالة حديث جعفر إذ فرضها رسول الله ﷺ على الحر والعبد، والعبد لا مال له فبين أن رسول الله ﷺ إنما فرضها على سيده، وما لا خلاف فيه أن على السيد في عبده وأمته زكاة الفطر وهما ممن يمونون.
ومعنى يمونون: أي يقومون بمؤنته وهي ما يحتاج إليه ممن تجب نفقته
стр. 1196
كالعبد، والأمة والزوجة والأولاد الصغار والأب.
وبيان المذهب: أن كل من وجبت نفقته على شخص وجب عليه زكاة فطره. وبه قال مالك، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا تجب زكاة الوالد على ولده وإن وجبت عليه نفقته، وكذلك لا تجب زكاة الابن البالغ الزَّمِن (١) على أبيه وإن وجبت عليه نفقته، والصغير الموسر لا تجب زكاته على أبيه وإنما تجب في ماله، وبه قال أبو حنيفة.
والزوجة تجب زكاتها على زوجها. وبه قال مالك، والليث وأحمد وإسحاق، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة والثوري: تجب في مالها.
وعبيده الحاضرون والغائبون يزكي عنهم، وكذلك رقيق رقيقه، والخدم منهم والمعدون للتجارة سواء.
وقد أخرج الشافعي: عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر "أنه كان يخرج زكاة الفطر على غلمانه الذين بوادي القرى وخيبر".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن [عياض] (٢) بن عبد الله بن سعد أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: "كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب".
وأخبرنا الشافعي بالإسناد واللفظ وزاد: "أو صاعًا من أقط".
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا أنس بن عياض، عن داود بن قيس، سمع عياض بن عبد الله بن سعد يقول: إن أبا سعيد الخدري قال: "كنا
стр. 1197
نخرج في زمن رسول الله ﷺ صاعًا من طعام، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير فلم نزل نخرجه كذلك حتى قدم معاوية حاجًا أو معتمرًا فخطب الناس، فكان فيما كلم الناس به أن قال: إني أرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعًا من تمر، فأخذ الناس بذلك".
وقد عاد الشافعي أخرج هذا الحديث في كتاب "الأشربة" عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عياض بن عبد الله أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام، صاعًا من شعير، صاعًا من تمر، صاعًا من زبيب، أو صاعًا من أقط".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة.
أما مالك (١): فأخرجه بالإسناد ولفظ الرواية الثانية.
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك ولفظ الثانية.
وأخرج الرواية الثالثة (٣): عن عبد الله بن منير، عن يزيد العدني عن سفيان، عن زيد بن أسلم بالإسناد.
وأما مسلم (٤): فأخرج الثانية عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
وأخرج الثالثة: عن القعنبي، عن داود بن قيس وزاد فيها قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبدًا ما عشت.
وأما أبو داود (٥): فأخرج (٦) الثالثة بإسناد مسلم ولفظه.
стр. 1198
وأما الترمذي (١): فأخرج الثالثة عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان، عن زيد بن أسلم وذكر زيادة مسلم.
وأما النسائي (٢): فأخرج الثالثة عن هناد بن السري، عن وكيع، عن داود بن قيس.
وأخرج الثانية: عن محمد بن عبد الله بن المبارك، عن وكيع، عن سفيان، عن زيد بن أسلم بالإسناد.
الطعام يريد به في الحديث: الحنطة لأن الطعام يطلق بالعموم على ما يقتات به، فلما قال: "أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب" علم أنه أراد بالطعام الحنطة، وقد قالوا: إن الطعام كان يطلق عندهم على البر خاصة وهو شيء معروف بينهم، وعلى ذلك تعاضدت الروايات أكثر.
وقد جاء في بعض الروايات: "صاعًا من طعام، صاعًا من شعير، صاعًا من تمر" بإسقاط "أو" قالوا: وهذه تدل على أنه أراد بالطعام مجموع هذه الأقوات المذكورة وغيرها، فذكرها جملة ثم فسرها تفصيلاً، فقال: صاعًا من كذا صاعًا من كذا، ولو كان أراد بالطعام الحنطة خاصة لكان أثبت "أو" فيها، وسيرد الكلام على هذا عند ذكر اختلاف المذاهب.
والأقط: لبن جامد مستحجر وهو معروف، وأقرب الأشياء شبها به المصل وكشك اللبن الهش.
والسمراء: الحنطة وأضافها إلى الشام لأن أكرها كانت تجلب إلى المدينة من الشام.
стр. 1199
والمد والصاع: قد تقدم بيانهما.
والذي أراده معاوية: أن نصف صاع من الحنطة يقوم مقام صاع من التمر.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الواجب في إخراج الزكاة، وهو ما يقتات به أهل بلده ويغلب عليهم، أو يقتاته هو.
والقوت: هو كل ما يجب فيه العشر، وفي الأقط قولان لمن ورد في رواية ولم يرد في أخرى، وأن المقدار الواجب: هو صاع من كل نوع من أنواع القوت برًا كان أو غيره. وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، وإليه ذهب الحسن البصري وأبو الشعثاء، وأبو العالية.
وقال أبو حنيفة: الواجب من البر نصف صاع. وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن (١).
وعن أبي حنيفة: في الزبيب روايتان.
وقال أحمد: لا يجوز أن يخرج إلا من الأقوات الخمسة المذكورة في الحديث.
وفيه دليل: على أنه لا يجوز دفع القيم فيها، لأنه ذكر أشياء مختلفة القيم على سبيل التخيير، فدل على أنه أراد الأعيان لا قيمتها.
وقال الشافعي: إذا فضل عن قوته وقوت من يقوته قدر زكاة الفطر وجبت عليه، ولا يعتبر أن يكون مالكًا للنصاب.
وبه قال ابن سيرين، والشعبي، وعطاء، والزهري، وأبو العالية، وبه قال مالك، وأحمد، وأبو ثور، وابن المبارك.
وقال أبو حنيفة: لا يجب على من لم يملك نصابًا أو قيمة نصاب فاضلًا عن مسكنه وأثاثه.
стр. 1200
قال البيهقي (١): وأبو سعيد الخدري كان في المدينة أيام أبي بكر وعمر وعثمان، وكان يعطي زكاة فطره وأهل بيته إلى كل واحد منهم، ومن المحال أن يقع هذا التعديل من واحد منهم، ثم إذا فعله معاوية ينكره أبو سعيد هذا الإنكار وقد روى عبد بن عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام، عن عياض بن عبد الله قال: قال أبو سعيد -وذكر عنده زكاة الفطر- وقال: لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله ﷺ : صاعًا من تمر، أو صاعًا من حنطة، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط، فقال له رجل من القوم: أو مدين من القمح؟ فقال: لا، تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها.
وقد ذكر جماعة من الحفاظ: زعموا أن المحفوظ صاعًا من طعام من كذا، صاعًا من كذا. يعنون بغير "أو" على طريقة التفسير، إلا أنه قد تواترت الروايات عن عياض بن عبد الله -وهو من الثقات الأثبات- عن أبي سعيد بأن التعديل إنما كان من معاوية، وأنه أنكر ما فعله من ذلك، فثبت بحديث أبي سعيد وحديث ابن عمر خطأ الروايات التي ذكر فيها: "فرض رسول الله ﷺ نصف صاع من بر" وثبت بحديث أبي سعيد أن التعديل كان من معاوية، خلاف قول من زعم أن ذلك كان من جهة جماعة الصحابة، وكيف يجوز دعوى الإجماع فيه وأبو سعيد ينكره على معاوية؟.
وقد أخرج المزني [عن الشافعي بإسناده إلى عقيل بن خالد القرشي] (٢) وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر: عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: "أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر مدين من حنطة".
قال الشافعي: حديث مدين خطأ وإنما قال ذلك لأن التعديل إنما وقع بعد النبي ﷺ بإسناد متصل، وحديث ابن المسيب منقطع، فكان الأخذ بالمتصل أولى.
стр. 1201
قال الشافعي في القديم: وهو الاحتياط.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن نافع (١) "أن عبد الله ابن عمر كان لا يخرج في زكاة الفطر إلا التمر، إلا مرة واحدة فإنه أخرج شعيرًا".
هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (٢): عن أبي النعمان، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر وذكر حديثا وقال فيه: "فكان ابن عمر يعطي التمر؛ فأعوز أهل المدينة من التمر فأعطى شعيرًا".
وأخرجه أبو داود (٣): عن مسدد وسليمان بن داود العتكي، عن حماد بن أيوب مثل البخاري.
الاستثناء من الاستثناء: يدل على خلاف المستثنى الأول فإن كان الأول نفيًا كان الثاني إثباتًا، وإن كان إثباتًا كان نفيًا، تقول: جاء القوم إلا الشبان إلا زيدًا، فالحاصل من هذا الاستثناء: أن زيدًا جاء مع القوم وأنه من جملة الشبان، فإنك استثنيت الشبان من القوم وأخرجتهم من المجيء ونفيته منهم فدخل زيد فيهم، فلما قلت: إلا زيدًا، أخرج من مشاركة الشبان في نفي المجيء ودخل في جملة الجائين، وكذلك تقول: ما قام إلا الشيوخ إلا زيدًا، فقد أثبت القيام للشيوخ وحدهم دون غيرهم، ثم نفيته عن زيد إذ أخرجته من جملة الشيوخ، وكذلك هاهنا قال: "ما كان يخرج في الزكاة إلا التمر، إلا مرة واحدة فإنه أخرج شعيرا"، فعمم بقوله: ما كان يخرج إلا التمر يعني في جميع المرات، فلما قال: إلا مرة واحدة نفى عنها إخراج التمر فيها، وهذا الاستثناء من الاستثناء مطرد حتى قال في الإقرارات: إذا قال له: عندي عشرة إلا تسعة إلا
стр. 1202
ثمانية، فيكون له عنده تسعة كأنه قال له: عندي عشرة تنقص تسعة ناقصة ثمانية، والتسعة الناقصة ثمانية واحد فصار كأنه قال له: عندي عشرة إلا واحداً.
وأعوز الشيء يعوز إعوازًا، فهو معوز: إذا لم يف بما يراد منه، وهو من أعوز الرجل: إذا افتقر، وأعوزه الشيء: إذا احتاج إليه فلم يقدر عليه، وعوز الشيء عوزًا: إذا لم يوجد.
ومواظبة عبد الله بن عمر على إخراج التمر يحتمل أمرين:
إما أنه كان أسهل عليه من إخراج غيره، لكثرته في المدينة وقلة غيره.
أو لأن التمر كان أحب إلى الفقير من غيره وأنفع له، وهو الأوجه لأنه قال: لما أعوز أهل المدينة التمر انتقل إلى الشعير.
قال الشافعي (١): وإذا كان الرجل يقتات حبوبا مختلفة، والاختيار له أن يخرج زكاة الفطر من الحنطة، ومن أيها أخرج أجزأه -إن شاء الله تعالى- فإن كان يقتات حنطة فأراد أن يخرج زبيبًا أو تمرًا أو شعيرًا كرهت له ذلك، وأحببت لو أخرجه أن يعيد فيخرج حنطة، لأن الأغلب من القوت كان في زمان النبي ﷺ التمر وكان من يقتات الشعير قليلاً، ولعله لم يكن بها أحد يقتات حنطة، ولعل الحنطة كانت بها شبها بالطرفة، ففرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من قوتهم، ولا أحب إذا اقتات رجل حنطة أن يخرج من غيرها، وأحب لو اقتات شعيرًا أن يخرج حنطة لأنها أفضل، ثم ذكر هذا الحديث عن ابن عمر، فهذا يدل على أن ابن عمر إنما كان يخرج التمر لأنه كان الغالب على قوته، وهو غير الوجهين المذكورين أولاً.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا أنس بن عياض، عن أسامة بن زيد الليثي أنه سأل سالم بن عبد الله عن الزكاة، فقال: أعطها أنت، فقلت:
стр. 1203
ألم يكن ابن عمر يقول: ادفعها إلى السلطان؟ قال: بلى، ولكني لا أرى أن تدفعها إلى السلطان.
قد تقدم بيان الحكم في إخراج الزكاة، وما يجوز لرب المال أن يفرقه بنفسه وما لا يجوز له، وذكرنا المذاهب فيها فلا حاجة إلى إعادته.
وحكم زكاة الفطر حكمها، إلا أنها من الأموال الباطنة فيجوز له أن يفرقها بنفسه، وهذا القول من سالم بن عبد الله مخالف لما كان يراه أبوه عبد الله بن عمر، والمسألة في محل الاجتهاد.
قال الشافعي: أخبرنا عبد الله بن المؤمل قال: سمعت ابن أبي مليكة ورجل يقول له: إن عطاء أمرني أن أطرح زكاة الفطر في المسجد، فقال ابن أبي مليكة: أفتاك العلج بغير رأيه، فإنما يعطها ابن هشام أحراسه ومن شاء.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن نافع: "أن عبد الله بن عمر كان يبعث زكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة".
هذا حديث صحيح أخرجه البخاري وأبو داود.
فأما البخاري (١): فأخرجه عن أبي النعمان، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع. وذكر حديثاً وقال في آخره: نحو من هذا.
وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن النفيلي، عن زهير، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بزكاة الفطر؛ أن تؤدى قبل الفطر بيوم أو يومين" قال: وكان ابن عمر يؤديها قبل ذلك اليوم واليومين.
في هذا الحديث من الفقه:
بيان وقت إخراج زكاة الفطر، وبيان جواز تعجيلها عن وقتها، وبيان دفع
стр. 1204
الزكاة إلى الإِمام أو نائبه وإلى الوكيل.
أما وقتها: فقد اختلف فيه قول الشافعي، قال في القديم: يجب بطلوع الفجر الثاني من يوم الفطر. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وأبو ثور، وإحدى الروايتين عن مالك.
وقال في الجديد: يجب بغروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان. وبه قال أحمد، وإسحاق، والثوري، وإحدى الروايتين عن مالك.
وأما تعجيلها: فقد تقدم حكم ذلك فيما مضى (١) مطلقًا، في كل زكاة ودخلت زكاة الفطر فيها، وقال: ثم يفرقها في وقتها لا أنه يفرقها قبل وقتها.
وأما بيان دفع الزكاة إلى الإمام والوكيل: فقد تقدم أيضًا بيانه.
والمستحب أن يخرجها قلب صلاة العيد للنص.
قال الشافعي عقيب حديث ابن عمر: هذا حسن وأستحبه لمن فعله، والحجة فيه أن النبي ﷺ تسلف صدقة العباس قبل [أن] (٢) تحل، فنقول يقول ابن عمر وغيره -والله أعلم.
...
стр. 1205
الباب الثالث عشر
في صدقة التطوع
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن ابن عجلان، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: "والذي نفسي بيده، ما من عبد يتصدق بصدقة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا طيبا, ولا يصعد إلى السماء إلا الأطيب- إلا كأنما يضعها في يد الرحمن، فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه، حتى إن اللقمة لتأتي يوم القيامة وإنها لمثل الجبل العظيم، ثم قرأ ﴿أَنَّ اللهَ هُوَ (١) يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾.
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه مالك، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
أما مالك (٢): فأخرجه مرسلًا عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن يسار "أن رسول الله ﷺ ... " ولم يذكر أبا هريرة وذكر الحديث أخصر من هذا، وقال: فلوه -أو فصيله.
وأما البخاري (٣): فأخرجه عن عبد الله بن منير، عن أبي النضر، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه كما يربي فلوه حتى تكون مثل
стр. 1206
الجبل".
وأما مسلم (١): فأخرجه عن قتيبة، عن ليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تصدق أحد بصدقة من طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة، فتربوا في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله".
وأما الترمذي (٢)، والنسائي (٣): فأخرجاه بإسناد مسلم ولفظة "من" في قوله: "ما من عبد" زائدة تفيد استغراقًا فإن قولك: "ما من عبد" أعم من قولك: "ما عبد"، وقد تقدم هذا المعنى مبسوطًا.
والطيب: يريد به المال الذي يعلم أصله وفرعه وجهة مكسبه وكيف تحصيله، وأن ذلك جار على الوجه الشرعي العاري من أنواع الحيل وصروف التحليلات، أو المشرب بالحرام أو المكروه، وأموال الشبه لا يقبلها الله، لأنها ليست مالاً لمن هي في يده على سبيل الغصب، ولذلك أراد بقوله: "ولا يصعد إلى السماء إلا الطيب" لأن السماء محل القبول ومصعد الملائكة، ومظان الإجابة.
ويريد بالصعود: صعود الملائكة بالصدقة التي يتصدق بها الإنسان، وهم الملائكة الكرام الكاتبون المرتبون لحفظ أعمال بني آدم.
ويد الرحمن لا يجوز حملها على ظاهرها، فإن لفظ اليد موضوع بإزاء الجارحة المخصوصة، ويتعال ويتقدس عن التشبيه والتجسيم علوًا كبيرًا، فإنما يريد بيد بالرحمن هاهنا: لطفه ورأفته، فإن اليد وإن كانت في أصل الوضع بإزاء الجارحة فإن لها انتقالات ومجازات، وقد وردت هي وغيرها من الأسماء
стр. 1207
الموضوعة بإزاء الجوارح، كالعين والوجه والإصبع والساق، وكل شيء من ذلك فإنما يطلق على الله تعالى من طريق المجاز والاتساع (١)، والناس في أمثال هذه الأسماء على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أجروها على ظاهرها اللغوي، فأعطوها حكمها الوضعي فجعلوا لله عينًا ووجهًا ويدًا وقدمًا وساقًا، وكذلك كل ما جاء من هذا النمط في القرءان العزيز وحديث النبي ﷺ ، وهؤلاء هم المجسمة والمشبهة أعاذنا الله من الزيغ والزلل ووفقنا لأحسن القول والعمل.
القسم الثاني: أجروا هذه الأسماء على ما جاءت عليه من غير تعرض إلى ما يراد بها, ولأنهم لمعانيها التي أطلقت عليها ولا تأويل لألفاظها الواردة، بمقتضى
стр. 1208
ما يوجبه العقل ويقتضيه التوسع العربي، إلا أنهم لا يطلقونها إطلاق المجسمة والمشبهة، بل هم مع ترك تأويلها ينفون التجسيم والتشبيه، ويقولون: إن هذه الأسماء هي صفات الله منها ما يسمى يدًا، ومنها ما يسمى وجهًا، ومنها ما يسمى عينا ونحو ذلك، وهؤلاء هم أكثر أهل الحديث وخلق كثير من السلف ومن قال بقولهم، حتى إن أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- لم يؤول من الأحاديث الواردة في هذا الفن إلا ثلاثة أحاديث: أحدها: قوله ﷺ : "قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن".
والثاني: قوله ﷺ : " إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن".
والثالث: قوله ﷺ : "الحجر الأسود يمين الله في الأرض". وما لتخصيص هذه الأحاديث بالتأويل (١) معنى تنفرد به عن غيرها من أحاديث الصفات، على أن هذا طريق صالح حميد العاقبة مأمون الغائلة، وصاحبه غير مؤاخذ بجريمة ولا مطالب بعظيمة فإن الإقدام على الأشياء المشكلة مخطر، والجرأة على فتح باب التأويل مزلة قدم، إلا من وفقه الله للوقوف على حقائق الأشياء، وإدراك خفايا الألفاظ ومدلولاتها والإحاطة بأسرار الشريعة، وهم العلماء الأكياس الذين أتوا دار هذا العلم من بابها، وسلكوا محجته من مشارعها وجهاتها، فسهل الله سبحانه لهم نيل الأرب، وسنى لهم حصول الطلب، وهم الذين مدحهم الله
стр. 1209
تعالى وأثنى عليهم، فقال عز من قائل: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ﴾ (١) فلو لم يكن له تأويل خفي على من لم يتصف بصفاتهم؛ لما مدحهم الله بمعرفته وعلمه، وهؤلاء هم.
القسم الثالث: تدبروا ما جاء في هذه الآيات والأحاديث، مما لم يحله العقل والشرع ولا دل على خلافه دليل ثابت، أجروه على ما جاء عليه حيث لم يفض إلى مستحيل، ولا اقتضى شيئًا تنكره العقول، وما لم يكن بهذا الحال أولوه بضرب من التأويل يحتمله إطلاق اللغة والشرع معًا ولم يخرجوه عن مدلولها، فجمعوا بين دليلي العقل والشرع و [نرها] (٢) في النظر والسمع، فلنرجع إلى تأويل هذا الحديث وهو اليد فنقول: اليد تطلق في اللغة: على الجارحة، والنعمة، والقوة، والقدرة، والملك، والسلطان، والطاعة، والجماعة، والغياث، ومنع الظلم، والقهر، والإحسان, والذلة، والاستسلام، والنقد ضد النسيئة، وهذه المعاني جميعها واردة في العربية كثيرة الإطلاق، ولولا الإطالة لذكرنا أمثلة صحيحة واستشهادات ثابتة من القرءان العزيز، والحديث، والشعر، والكلام الفصيح.
فإذا تدبرنا قوله: "فكأنما يضعها في يد الرحمن" وعرضنا لفظ اليد على هذه المسميات المذكورة، رأينا أحسن ما يناسبها وأشبهها بها بعد امتناعها من إطلاقها على الجارحة، أن يضاف إلى يد القدرة والنعمة فيستعار للنعمة والقدرة، ويضاف وضع الصدقة إليها، أي كأنما يضعها في يد قدرته وسلطانه ونعمته ولطفه ورأفته، ألا ترى كيف أضاف اليد إلى الرحمن مرتين من بين أسمائه الحسنى على كثرتها، إيذانا باللطف والرأفة والرحمة، ولم يقل: في يد الجبار، ولا يد القهار، ولا غير ذلك من باقي الأسماء التي ليس فيها ما في الرحمن.
стр. 1210
والسبب في هذا التأويل: أنه لما دل الدليل القطعي على أن الله لا يجوز أن يكون جسمًا ولا جوهرًا ولا عرضًا, ولا يجوز أن يجري عليه أحكام الأجسام والجواهر من الحلول والاستقرار، وغير ذلك مما أوجب العقل الصحيح والدليل الصريح نفيه عنه، وجاءت لفظة اليد احتجنا أن نحملها على وجه يجمع فيه بن الأمرين، وعلى ذلك جاء في الرواية الأخرى: "كما يضعها في كف الرحمن" يريد بالكف: ما أراد باليد لأن الكف بعض اليد (١). والله أعلم.
стр. 1211
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1214
والفَلُوّ -فتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو-: المهر إذا فصل عن أمه لأنه يفلي أي يفطم، وكذلك الفصيل إلا أنه في الإبل بمنزلة الفلو في الخيل، وقد يقال فيه: فلو -بكسر الفاء وسكون اللام وتخفيف الواو- ضرورة.
وقوله ثم قرأ: ﴿أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ (١) يريد أن الأخذ إنما يكون باليد فلما قال: كأنما يضعها في يد الرحمن استدل بالآية: أنه يأخذ الصدقات وهذا في معرض التمثيل، وإلا فلا يد جارحة هناك ولا أخذ (٢).
ومعنى الحديث إعلام المتصدق أن الصدقة التي يعطيها الففير جارية بعلم الله وإرادته وإيثاره، وأنها عنده بمنزلة من وصلت إليه، وأنه هو الشاكر عليها والمجازي بها، وفي ذلك حث على الصدقة وإعلام بفضيلتها.
وعدل الشيء: مثله.
وقوله في رواية البخاري وغيره: بيمينه -موضع يده- فيه زيادة تخصيص، لأن الأخذ والإعطاء إنما يكون باليمين، وإلا فكلتا يد الرحمن يمين وكذا جاء في الحديث المشهور (٣)، واليمين أيضًا في حكم التأويل كحكم اليد (٤).
стр. 1215
والربا: الزيادة، ربا الشيء يربو إذا زاد وكثر. والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل المنفق والبخيل كمثل رجلين عليهما جبتان -أو جنتان- من لدن ثديهما إلى تراقيهما"، فإذا أراد المنفق أن ينفق سبغت عليه الدرع -أو مرت-، حتى تجن بنانه وتعفو أثره، وإذا أراد البخيل أن ينفق قلصت ولزمت كل حلقة موضعها حتى تأخذ بعنقه.
-أو ترقوته- "فهو يوسعها ولا تتسع".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاووس، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله إلا أنه قال: "فهو يوسعها ولا تتوسع". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
فأما البخاري (١): فأخرجه عن موسى، عن وهب، عن ابن طاوس، عن أبيه بإسناد الرواية الثانية.
وعن أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي الزناد، عن إسناد الأولى.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن عمرو الناقد، عن سفيان بإسناد الأولى، وإسناد الثانية.
وأما النسائي (٣): فأخرجه عن محمد بن منصور، عن سفيان بإسناد الثانية وقال: عن طاوس، ثم قال: حدثناه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة:
стр. 1216
وذكر الحديث وفي آخره يقول أبو هريرة: أشهد أنه رأى رسول الله ﷺ يوسعها ولا تتسع.
قال طاوس: سمعت أبا هريرة يشير بيده وهو يوسعها ولا تتوسع.
مثل الشيء ومثله: سواء، مثل: شبه وشبهه، وهي كلمة تسوية بين الشيئين أو الأشياء.
والمنفق: الكريم السخي وهو ضد الممسك، ولذلك جاء في مقابلته بالبخيل، وأراد بالإنفاق: الصدقة وإخراج المال في أبواب البر والخير، ولذلك جاء في الرواية الأخرى "المتصدق" بدل "المنفق" ولم يرد كل من أنفق ماله وتكرم في غير وجهه، فإن ذلك تبذير وإسراف وهو مذموم، وصاحبه مؤاخذ عليه في الآخرة محجور عليه في الدنيا.
والجنة: الوقاية وما يدفع به الإنسان عنه الأذى، ويستره من مصادمة الحوادث، وهو من الجن الستر.
والجبة -بالباء-: من اللباس معروفة.
ولدن: كلمة ظرف مكان بمعنى "عند"، إلا أنها أقرب مكانًا من "عند"، و"عند" أكثر اتساعًا منها وإن كانا جميعًا غير متمكنين، تقول: هذا القول عندي صواب، ولا يجوز أن تقول: هذا القول لدني صواب، وتقول: المال عندي، وإن كان غائبا, ولا تقول: المال لدني، حتى يكون حاضراً فهي أكثر اختصاصًا بالحضرة من "عند".
قال الأزهري: وقد تستعمل في الأزمان استعمالها في الأمكنة، تقول: انتظرتك من لدن كذا إلى المسجد، ونحو ذلك إذا اتصل ما بين الشيئين، ولم يدخلوا على لدن من حروف الجر إلا "من" وحدها مثل عند وهي مضافة كعند، وفيها ثلاث لغات:
стр. 1217
لدن: مضمومة الدال ساكنة النون.
ولدا: مفتوحة الدال وعوض النون ألف ساكنة.
ولد: بحذف النون وضم الدال، وقد جعل حذف النون في هذه اللغة إلى أن قالوا: "لدن غدوةً" فنصبوا غدوة لأنهم توهموا أن هذه النون زائدة تقوم مقام التنوين فنصبوا، كما نصبوا في ضارب زيدًا، ولم ينصبوا بلدن إلا غدوة وحدها.
والثدي: جمع ثدي والثدي يذكر ويؤنث من الرجل والمرأة.
والتراقي: جمع ترقوة: وهي العظم الذي بن ثغرة النحر والعاتق وهما ترقوتان من الجانبين، ووزنها: فعلوه بفتح الفاء.
والثوب الواسع السابغ الذي يشمل البدن.
والدرع: الزردية، وهو المراد في الحديث لا الثوب، لأنه قال: "جبتان" وقال: "لزمت كل حلقة موضعها"، ومن روى "جبتان" بالتاء فيجوز أن يكون أراد به الثوب فسمى الجبة درعًا.
قوله: "أو مرت" نفى أنه إذا أراد أن يخرج يده لصدقة مرت من درعه لا يعيقها شيء لسعتها، أو مرت الدرع جارية على يده لسعتها سابغة لها، فسبغت دلالتها لفطة، ومرت دلالتها معنوية، لأن المرور دليل على السبوغ.
والبنان: أطراف الأصابع واحدتها بنانة، أي أن الدرع واسعة سابغة تستر أنامله وتغطي رجليه من طولها، ويدل على ذلك قوله: "وتعفو أثره" أي تذهب أثر مشيه وأقدامه على الأرض بمرورها وراءه، تقول: عفى الأثر يعفو إذا درس، والفعل منه يتعدى ولا يتعدى، تقول: عفت الريح المنزل، إذا درسته، وعفاهم إذا درس.
وقلص الثوب يقلص: إذا قصر واجتمع وكذلك العضو.
стр. 1218
وقوله في رواية: "فلا تتسع"، وفي رواية "فلا تتوسع" بمعنى واحد إلا أن بين الناس فرقًا من جهة التركيب، لأن تتسع مضارع اتسع، وتتوسع مضارع توسع، وأصل الكلمة: وسع يسع سعة، والسعة: خلاف الضيق واتسع تفعيل منه.
وفي إيراد الشافعي هذه اللفظة في الرواية الثانية: دليل على المنع من رواية الحديث بالمعنى، لأنه لا فرق بين تتسع وتتوسع إلا من حيث التركيب، ولما قال الشافعي في الرواية الثانية مثله إلا أنه قال: "يوسعها ولا تتوسع" دل ذلك على ما قلناه، وإن كان الشافعي يجيز رواية الحديث بالمعنى وعليه جماهير العلماء، وإنما ذكرنا هاهنا ما ذكره: محافظة على لفظ الحديث، ولا شك أنه الأولى عنده وعند كل من أجاز رواية الحديث بالمعنى، فإن رواية لفظ الحديث أجدر، والجائز شيء والأولى شيء آخر، وهذا مما يدلك كمال دين الشافعي -رحمه الله تعالى- وقوي علمه، وأنه لم يسامح نفسه بإهمال السين من الجائز حيث قال: "مثله"، وكان في الرواية الثانية ما يخالف لفظ الأولى وإن كان بمعناه، وعلى هذا القدم كان السلف الأول من العلماء؛ يحاسبون أنفسهم على ارتكاب الجائزات، واستعمال المباحات، ويؤاخذونها بها، ألهمنا الله وإياكم الاقتداء بهم، والسلوك في محجتهم بمنِّه وكرمه.
وهذا الحديث: ضربه النبي ﷺ مثلًا للكريم المنفق والبخيل الممسك، فجعل مثل الكريم: مثل رجل لبس درعًا سابغة، فإنه أول ما يلبسها تقع على صدره وقدمه فتستمر لسعتها نازلة، حتى تستر جميع بدنه وتحصنه من الأذى بسترها جميع أعضائه، وأنها لطولها تنجر على الأرض فتعفو أثره.
وجعل مثل البخيل: مثل رجل لبس درعًا ضيقة، لا تجول فيها يداه ولا يمكنه إدخالهما في كمي الدرع لضيقها, ولا تتسع لإدخال رأسه في جيبها لضيقه عنه، فهي أول ما تقع على رقبته وتلزم مكانها.
وحقيقة المعنى: أن الكريم إذا هم بالنفقة اتسع لها صدره وطاوعته يداه،
стр. 1219
فامتد بالعطاء والبذل. وأن البخيل تضيق بها صدره، وتنقبض يداه عن الإنفاق.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن أمه أسماء بنت أبي بكر "أتتني أمي راغمة في عهد قريش، فسألت رسول الله ﷺ أصلها؟ قال: نعم".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود.
أما البخاري (١): فأخرجه عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة.
وعن الحميدي، عن سفيان. وعن قتيبة، عن حاتم بن إسماعيل كلهم عن هشام.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن إدريس.
وعن أبي كريب محمد بن العلاء، عن أبي أسامة كلهم عن هشام، وقال في إحدى روايتيه: راغبة أو راهبة.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن [أحمد] (٤) بن أبي شعيب الحراني [عن] (٥) عيسى بن يونس، عن هشام، وقال: وهي راغمة مشركة.
وقد روى المزني (٦): عن الشافعي، عن أنس بن عياض، عن هشام، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله ﷺ ، فاستفتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت علي وهي مشركة راغبة أفأصلها؟ فقال رسول الله ﷺ : "صلي أمك".
الهاء في "أمه" راجعة إلى عروة لا إلى هشام، لأن أسماء بنت أبي بكر هي
стр. 1220
الراوية وهي أم عروة بن الزبير.
والراغب: الطالب.
والعامل في قوله: "عهد قريش" أمي لا راغبة، لأن التقدير أتتني في عهد قريش وهي راغبة.
وراغبة: منصوب على الحال.
والعهد هاهنا: اليمين، والمعاهدة: المصالحة التي كانت بين النبي ﷺ وبين قريش، وكان بعضها سبب فتح مكة.
والصلة: العطية، أرادت أن أمها لما جاءت تطلب صلتها كانت مشركة، فاستأذنت رسول الله ﷺ في الصدقة عليها مع الشرك، ويدل على ذلك ما جاء في الرواية الأخرى: "وهي مشركة"، وفي رواية الشافعي "أصلها" بهمزة واحدة وألف ساكنة، والأصل في الكلمة همزتان إحداهما: أصلية، والثانية: للاستفهام، التقدير أصلها، فلما ثقلت الهمزتان حذف الهمزة التي هي من نفس الكلمة؛ وعوض منها ألفا ساكنة وأبقى همزة الاستفهام لأنها جاءت لمعنى، وفيما كان من هذا القبيل ثلاث لغات وكلها قرئ بها القرآن العزيز، كقوله تعالى: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ (١) قرئ بإثبات الهمزتين فتحذف الثانية، والتعويض منها ألفا ساكنة ويحذف في النطق مرة، فمنهم من يطيلها ومنهم من يقصرها، وبإدخال ألف ساكنة بين الهمزتين، وعلى الثانية جاء لفظ هذا الحديث.
وقوله: "راغمة" أي كارهة للإسلام ساخطة علي، وأنها لم تأت راغبة في الدين، كما كان يقدم الناس من مكة راغبين في الإِسلام ومهاجرين، إلا أنها مع ذلك محتاجة.
стр. 1221
والرهب: الخوف، تريد أنها كانت راهبة من قريش، كيف أتتني تطلب مني صلة، أو خائفة أن أمنعها فلا أصلها، أو خائفة من النبي ﷺ ومن المسلمين حيث هي مشركة.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن صدقة التطوع يجوز دفعها إلى المشركين، وأهل الذمة، ومن ليس بمسلم.
وأما صدقة الفرض: فلا يجوز دفعها إلى من ليس بمسلم من الأصناف الثمانية.
وحكى عن الزهري، وابن شبرمة: أنه يجوز دفعها إلى أهل الذمة.
وقال أبو حنيفة: يجوز دفع زكاة الفطر إلى الكافر دون غيرها.
قال الشافعي: ولا بأس أن يتصدق على المشرك من النافلة، وليس له في الفريضة من الصدقة حق، وقد حمد الله [قوماً] (١) فقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾.
وقد أخرج في رواية حرملة (٢): عن سفيان، عن بشير، عن مجاهد قال: "ذبح ابن عمر شاة، فقال لقيمه -أو لغلامه-: هل أديت لجارنا اليهودي شيئاً؟ قال: لا. قال: فاهد له، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه".
وأخرج أيضاً في كتاب حرملة (٣): عن سفيان، عن عمرو بن سعيد، عن عباية بن رفاعة قال: قال عمر بن الخطاب لمحمد بن مسلمة: أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يشبع الرجل دون جاره".
стр. 1222
وأخرج أيضاً في كتاب حرملة: عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عمرو بن معاذ الأشهلي، عن جدته أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "يا نساء المؤمنات لا تحقرن إحداكن لجارتها, ولو كراع شاة محرق" (١).
وقد أخرج الشافعي أيضًا من رواية المزني عنه: عن أنس بن عياض، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي هريرة سمع رسول الله ﷺ يقول: "خير الصدقة عن ظهر غنى، وليبدأ أحدكم بمن يعول".
هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (٢).
وقد أخرج الشافعي في سنن حرملة: عن سفيان قال: حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
"ابن آدم، أنفق أنفق عليك".
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (٣) عن زهير، عن سفيان.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا الثقة -أو سمعت- هارون بن معاوية، عن عبد الله بن عطاء المزني، عن ابن بريدة الأسلمي، عن أبيه أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: إني تصدقت على أمي بعبد وإنها ماتت؟ فقال رسول الله ﷺ : "قد وجبت صدقتك وهو لك بميراثك".
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي.
أما مسلم (٤): فأخرجه عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن عبد الله ابن عطاء بالإسناد، إلا أنه قال: "جارية" بدل "العبد" وزاد فيه شيئًا آخر.
стр. 1223
وأما أبو داود (١): فأخرجه عن أحمد بن يونس [عن زهير] (٢)، عن عبد الله ابن عطاء، وقال: "وليدة" وزاد ما زاد مسلم.
وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن علي بن حجر، عن علي مسهر، عن عبد الله ابن عطاء وزاد فيه زيادة (٤).
قوله: "وجبت صدقتك" أي وجب أجرك عليها [وقت كل] (٥).
وقوله: "هو لك بمنزلتك" رجع إليك بسبب الميراث.
وهذه الصدقة التي ذكرها هي التي ليست محرمة ولا وقفًا، إنما هي صدقة ينتفع بها المصدق عليها، فلذلك عاد العبد إليه بالميراث.
وأخبرنا الشافعي ﵁: عن عمي محمد بن علي بن شافع، أخبرني عبد الله بن حسين بن حسن، عن غير واحد من أهل ييته -وأحسبه (٦) قال ابن علي-: "أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ [تصدقت] (٧) بمالها على بني هاشم وبني المطلب، وأن عليًّا تصدق عليهم وأدخل معهم غيرهم.
المراد بالصدقة في هذا الحديث: يجوز أن يراد بها الوقف، ويجوز أن يراد بها صدقة التطوع، وكأنها بالوقف أشبه, لأن ذكرها في هذا المكان يسند ما تضمنه حديث عمر وصدقته، ولأن الصدقة على بني هاشم وبني المطلب لا
стр. 1224
تجوز في الزكاة، فكان صرفها إلى صدقة الوقف أولى، ولأن الشافعي قال في بيان عمر وصدقته: والصدقات المحرمات التي يعول لها بعض أصحابنا، الوقف عندنا بالمدينة ومكة من الأمور المشهورة العامة، التي لا يحتاج فيها نقل خبر الخاصة، وصدقة رسول الله ﷺ قائمة عندنا، وصدقة الزبير قريب منها، وصدقة عمر بن الخطاب قائمة، وصدقة عثمان، وصدقة علي، وصدقة فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وصدقة من لا أحصي من أصحاب رسول الله ﷺ بالمدينة وأراضيها.
وقوله في الحديث: "وأدخل معهم غيرهم" يريد بني هاشم وبني المطلب في الصدقة. والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي ﵁ قال: أخبرنيه مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن القاسم بن محمد، عن عائشة: "أن النبي ﷺ دخل فقربت إليه خبزاً [وأدم] (١) البيت، فقال: "ألم أر برمة لحم"؟ فقالت: ذلك شيء تصدق به على بريرة. فقال: "هو لها صدقة ولنا هدية".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه مالك، والبخاري، ومسلم.
أما مالك (٢): فأخرجه بزيادة في أوله، قالت: كانت في بريرة ثلاث سنن: وذكرت العتق وتخييرها زوجها، وأن الولاء لمن أعتق، والبرمة.
وأما البخاري (٣): فأخرجه عن عبد الله بن يونس وإسماعيل، عن مالك، وذكر الثلاث.
وأما مسلم (٤): فأخرجه عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن مالك.
стр. 1225
الأدم -بضم الهمزة-: ما يؤكل مع الخبز، والإدام بكسر الهمزة مثله.
قوله: "أدم البيت" أي ما كان في البيت مما يؤتدم به غير ما في البرمة.
والبرمة: القدر، وأضاف البرمة إلى اللحم إضافة تخصيص وملابسة كسرج الدابة.
وبريرة: هي جارية عائشة، وإنما لم تطعمه منه لأنها كانت تعلم أن الصدقة عليه حرام، فذكرت علة المنع في الجواب وهو كون ما في القدر صدقة، تابعة لذلك عن ذكر الجواب.
فقال النبي ﷺ : "هو لها صدقة ولنا هدية منها" فإنها قد ملكت اللحم بالتصدق به عليها, ولها حينئذ أن تتصرف فيه بحسب، إيثارها، فإذا أهدته قبلت هديتها وجاز أكله.
وتفصيل القول في الصدقات: أن الصدقة المفروضة كانت حرامًا على النبي ﷺ ، وفي صدقة التطوع قولان، أما آل النبي ﷺ : فتحرم عليهم صدقة الفريضة، وتحل لهم صدقة التطوع، وآله الذين تحرم عليهم صدقة الفريضة: هم بنو هاشم وبنو المطلب.
وقال أبو حنيفة: لا تحرم إلا على ولد العباس، وعلي، وجعفر، وعقيل، والحارث بن عبد المطلب.
وقد أخرج الشافعي في سنن حرملة: عن سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصدقة المنيحة، تغدو بعس، وتروح بعس".
هذا حديث صحيح أخرج مسلم (١) نحوه.
والعس: القدح الضخم.
стр. 1226
كتاب الصوم
وفيه ثمانية أبواب
الباب الأول: في وجوب الصوم بالرؤية والشهادة
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال:
"إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له".
وكان عبد الله يصوم قبل الهلال بيوم، قيل لإبراهيم: يتقدمه؟ قال: نعم.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال:
"الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين".
وقد أخرج المزني عن الشافعي، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروا الهلال، فإن غم عليكم فاقدروا له".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا الترمذي.
стр. 1227
أما مالك (١): فأخرجه بالإسناد واللفظ للرواية الثانية، إلا أنه قال فيها: "فاقدروا له".
وأخرج الأولى (٢): عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له".
فأما البخاري (٣): فأخرج الأولى عن يحيى بن بكير، عن الليث عن عقيل، عن ابن شهاب بالإسناد.
وأخرج الثانية (٤): عن القعنبي، عن مالك بالإسناد واللفظ ولم يقل: "ولا تفطروا حتى تروه".
وأما مسلم (٥): فأخرج الأولى عن حرملة [عن] (٦) ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب.
وأخرج الثانية: عن يحيى بن يحيى وقتيبة وابن حجر (٧)، عن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار.
وأما أبو داود (٨): فأخرج الأولى عن سليمان بن داود، عن حماد، عن أيوب، عن نافع الحديث وقال فيه: فكان ابن عمر (٩) إذا كان شعبان تسعاً
стр. 1228
وعشرين نظر له فإن رئي فذاك، وإن لم ير ولم يحل دون منتظره (١) سحاب ولا قترة أصبح مفطرًا، وإن حال دون منتظره (١) سحاب (٢) وقترة أصبح صائمًا، قال: فكان ابن عمر يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب.
وأخرج الرواية الثانية بهذا الإسناد الذي له أيضًا.
وأما النسائي (٣): فأخرج الرواية الأولى والثانية عن الربيع بن سليمان، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب.
يريد بالهلال أولاً: هلال رمضان، ويريد به ثانياً: هلال شوال، ولم يضف الهلال أولاً وآخرًا إلى شهر للعلم به، فإن الصوم والفطر متعلقان بهلال رمضان وشوال، فذكره للصوم والفطر قام مقام الإضافة.
وغم الهلال على الناس غمًا فهو مغموم: إذا ستره عنهم- غيمًا وغيره، وكذلك أغمى الهلال وغمى، وإنما بني الفعل لما لم يسم فاعله: للعلم بالفاعل الذي يغمه وهو الله بما يحول بينه وبين أعين الناظرين.
وأصل الكلمة: من الغم الستر والتغطية، تقول: غممته فانغم أي غطيته، ويقال: أمر غمه أي مبهم ملتبس.
وقدرت الشيء أقدُره وأقدره -بالضم والكسر-: إذا نظرت فيه وقدرته.
قال الأزهري: قدر يقدر: من القدرة ضد العجز، فأما قدرت الشيء أقدره فلم أسمعه إلا مكسورًا.
وأما معنى الكلام: فإنه يريد قدروا عدد الشهر حتى تكملوه ثلاثين يومًا، وهكذا قوله في الحديث الآخر: فأكملوا العدة، وقوله: فعدوا ثلاثين.
وقال أبو العباس بن سريج: معنى قوله: "فاقدروا له" أي قدروا له منازل
стр. 1229
القمر فإنها تبين لكم أن الشهر تسع وعشرون أو ثلاثون.
قال: وهذا خطاب لعوام الناس الذين لا يحسنون تقدير المنازل، قال: وهذا نطر المسألة المشكلة، تنزل بالعالم الذي أعطي الاجتهاد في تبيين صوابها، فأمر باجتهاد رأيه، ونهي عن تقليد العلماء فيها حتى يتبين له الصواب كما يكون لهم، وأما عوام الناس الذين لم يؤتوا آلة الاجتهاد، فلهم تقليد أهل العلم.
قال الأزهري: والقول الأول عندي أصح وأوضح، وأرجو أن يكون قول أبي العباس غير خطأ. والله أعلم.
والهاء في قوله تعود إلى الهلال، أي فقدروا للهلال.
وقت طلوعه وظهوره، بأن يستكملوا العدة التي يجوز أن يظهر فيها، وذلك باستكمال شعبان ثلاثين وهو منتهى الأمد الذي لا شبهة في ظهوره عند انقضائه، فإنه قد يظهر عند إنقضاء تسع وعشرين من شعبان، ولكن إذا غم في التاسع والعشرين قدر له الاستكمال.
وقال عمر بن عبد العزيز: أحسن ما يقدر له أنا إذا رأينا هلال شعبان لكذا وكذا، فالصوم إن شاء الله لكذا وكذا، إلا ان يبدأ الهلال قبل ذلك.
وعلى هذا تدل سائر الروايات عن ابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعائشة وغيرهم حين أمر النبي ﷺ عند عدم الرؤية بإكمال العدة.
والقترة: الغبرة المرتفعة في الجو.
وقوله: "الشهر تسع وعشرون" يريد أنه يكون تسعًا وعشرين ليلة، فالشهر: مبتدأ، والتسع وعشرون: خبره، وهذا اللفظ يدل على أن هذا الحكم مطرد في كل شهر، وليس الأمر على ذلك لأن بعض الشهور ثلاثون، وبعضها تسع وعشرون، وإنما يصح هذا الكلام إذا كانت الألف واللام في
стр. 1230
الشهر لاستغراق الجنس، فإن كانت الخصوص يريد به الشهر المشار إليه فيصح المعنى، ولكن ما يريد ذلك إنما هو حكم عام في الأشهر، وحينئذ يكون التقدير ما قلناه أولاً وهو: أن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين، ويعضد ذلك قوله: "فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" وإنما أراد النبي ﷺ بهذا القول: بيان ما كان موهومًا أن يخفى عليهم, لأن الشهر في العرف وغالب العادة ثلاثون، فوجب أن يكون البيان فيه مصروفًا إلى ما يخالف الحال المألوفة وهو التسع والعشرون، فقال: "الشهر تسع وعشرون" وهذا الأمر وإن كان معتادًا عند العرب مألوفًا، إلا أنه في أول الإِسلام وتحديد أحكام الشريعة التي لم تكن مألوفة مشكل الأمر، فأراد أن يعرفهم أن الشهر وإن كان في بعض الأوقات يكون ناقصًا عن الثلاثين، فإنه في حكم التمام فكل ما هو منوط بالثلاثين وهو منوط بالتسع والعشرين، حتى لو نذر أن يصوم شهرًا بعينه فكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين أجزأه.
وفي رواية الشافعي: "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا"، وفي رواية الموطأ "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه" ولفظ رواية الشافعي أحسن موقعًا في هذا المقام، وذلك أن الحديث مسوق لبيان فرض الصوم، والأمر أن ذلك مقترن بوقت مخصوص عن الصوم مترتب على وجود ذلك الوقت، فإذا شرع في الصوم فكان تقديم ذكر رؤية الهلال على ذكر الصوم أولى ليكون مطابقًا للوجود، ثم إذا كان الغرض الأمر بالصوم فذكره بلفظ الأمر مرتبًا على شرطه أولى من ذكره بلفظ النهي مقدمًا في الذكر على شرطه.
فأما رواية الموطأ: فإنما تكون حسنة الموقع، لو وردت عقيب اختلاف جرى بين الصحابة في صوم يوم الشك، فإنهم كانوا يكونون قد سألوا النبي ﷺ عن صوم ذلك اليوم المشكوك فيه، فقال لهم: "لا تصوموا حتى لا تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه" وهذا التقدير لو وقع لم ينفرد به هذا اللفظ عن رواية