كتاب الصوم
وفيه ثمانية أبواب
الباب الأول: في وجوب الصوم بالرؤية والشهادة
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال:
"إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له".
وكان عبد الله يصوم قبل الهلال بيوم، قيل لإبراهيم: يتقدمه؟ قال: نعم.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال:
"الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين".
وقد أخرج المزني عن الشافعي، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروا الهلال، فإن غم عليكم فاقدروا له".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا الترمذي.
стр. 1227
أما مالك (١): فأخرجه بالإسناد واللفظ للرواية الثانية، إلا أنه قال فيها: "فاقدروا له".
وأخرج الأولى (٢): عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له".
فأما البخاري (٣): فأخرج الأولى عن يحيى بن بكير، عن الليث عن عقيل، عن ابن شهاب بالإسناد.
وأخرج الثانية (٤): عن القعنبي، عن مالك بالإسناد واللفظ ولم يقل: "ولا تفطروا حتى تروه".
وأما مسلم (٥): فأخرج الأولى عن حرملة [عن] (٦) ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب.
وأخرج الثانية: عن يحيى بن يحيى وقتيبة وابن حجر (٧)، عن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار.
وأما أبو داود (٨): فأخرج الأولى عن سليمان بن داود، عن حماد، عن أيوب، عن نافع الحديث وقال فيه: فكان ابن عمر (٩) إذا كان شعبان تسعاً
стр. 1228
وعشرين نظر له فإن رئي فذاك، وإن لم ير ولم يحل دون منتظره (١) سحاب ولا قترة أصبح مفطرًا، وإن حال دون منتظره (١) سحاب (٢) وقترة أصبح صائمًا، قال: فكان ابن عمر يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب.
وأخرج الرواية الثانية بهذا الإسناد الذي له أيضًا.
وأما النسائي (٣): فأخرج الرواية الأولى والثانية عن الربيع بن سليمان، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب.
يريد بالهلال أولاً: هلال رمضان، ويريد به ثانياً: هلال شوال، ولم يضف الهلال أولاً وآخرًا إلى شهر للعلم به، فإن الصوم والفطر متعلقان بهلال رمضان وشوال، فذكره للصوم والفطر قام مقام الإضافة.
وغم الهلال على الناس غمًا فهو مغموم: إذا ستره عنهم- غيمًا وغيره، وكذلك أغمى الهلال وغمى، وإنما بني الفعل لما لم يسم فاعله: للعلم بالفاعل الذي يغمه وهو الله بما يحول بينه وبين أعين الناظرين.
وأصل الكلمة: من الغم الستر والتغطية، تقول: غممته فانغم أي غطيته، ويقال: أمر غمه أي مبهم ملتبس.
وقدرت الشيء أقدُره وأقدره -بالضم والكسر-: إذا نظرت فيه وقدرته.
قال الأزهري: قدر يقدر: من القدرة ضد العجز، فأما قدرت الشيء أقدره فلم أسمعه إلا مكسورًا.
وأما معنى الكلام: فإنه يريد قدروا عدد الشهر حتى تكملوه ثلاثين يومًا، وهكذا قوله في الحديث الآخر: فأكملوا العدة، وقوله: فعدوا ثلاثين.
وقال أبو العباس بن سريج: معنى قوله: "فاقدروا له" أي قدروا له منازل
стр. 1229
القمر فإنها تبين لكم أن الشهر تسع وعشرون أو ثلاثون.
قال: وهذا خطاب لعوام الناس الذين لا يحسنون تقدير المنازل، قال: وهذا نطر المسألة المشكلة، تنزل بالعالم الذي أعطي الاجتهاد في تبيين صوابها، فأمر باجتهاد رأيه، ونهي عن تقليد العلماء فيها حتى يتبين له الصواب كما يكون لهم، وأما عوام الناس الذين لم يؤتوا آلة الاجتهاد، فلهم تقليد أهل العلم.
قال الأزهري: والقول الأول عندي أصح وأوضح، وأرجو أن يكون قول أبي العباس غير خطأ. والله أعلم.
والهاء في قوله تعود إلى الهلال، أي فقدروا للهلال.
وقت طلوعه وظهوره، بأن يستكملوا العدة التي يجوز أن يظهر فيها، وذلك باستكمال شعبان ثلاثين وهو منتهى الأمد الذي لا شبهة في ظهوره عند انقضائه، فإنه قد يظهر عند إنقضاء تسع وعشرين من شعبان، ولكن إذا غم في التاسع والعشرين قدر له الاستكمال.
وقال عمر بن عبد العزيز: أحسن ما يقدر له أنا إذا رأينا هلال شعبان لكذا وكذا، فالصوم إن شاء الله لكذا وكذا، إلا ان يبدأ الهلال قبل ذلك.
وعلى هذا تدل سائر الروايات عن ابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعائشة وغيرهم حين أمر النبي ﷺ عند عدم الرؤية بإكمال العدة.
والقترة: الغبرة المرتفعة في الجو.
وقوله: "الشهر تسع وعشرون" يريد أنه يكون تسعًا وعشرين ليلة، فالشهر: مبتدأ، والتسع وعشرون: خبره، وهذا اللفظ يدل على أن هذا الحكم مطرد في كل شهر، وليس الأمر على ذلك لأن بعض الشهور ثلاثون، وبعضها تسع وعشرون، وإنما يصح هذا الكلام إذا كانت الألف واللام في
стр. 1230
الشهر لاستغراق الجنس، فإن كانت الخصوص يريد به الشهر المشار إليه فيصح المعنى، ولكن ما يريد ذلك إنما هو حكم عام في الأشهر، وحينئذ يكون التقدير ما قلناه أولاً وهو: أن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين، ويعضد ذلك قوله: "فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" وإنما أراد النبي ﷺ بهذا القول: بيان ما كان موهومًا أن يخفى عليهم, لأن الشهر في العرف وغالب العادة ثلاثون، فوجب أن يكون البيان فيه مصروفًا إلى ما يخالف الحال المألوفة وهو التسع والعشرون، فقال: "الشهر تسع وعشرون" وهذا الأمر وإن كان معتادًا عند العرب مألوفًا، إلا أنه في أول الإِسلام وتحديد أحكام الشريعة التي لم تكن مألوفة مشكل الأمر، فأراد أن يعرفهم أن الشهر وإن كان في بعض الأوقات يكون ناقصًا عن الثلاثين، فإنه في حكم التمام فكل ما هو منوط بالثلاثين وهو منوط بالتسع والعشرين، حتى لو نذر أن يصوم شهرًا بعينه فكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين أجزأه.
وفي رواية الشافعي: "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا"، وفي رواية الموطأ "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه" ولفظ رواية الشافعي أحسن موقعًا في هذا المقام، وذلك أن الحديث مسوق لبيان فرض الصوم، والأمر أن ذلك مقترن بوقت مخصوص عن الصوم مترتب على وجود ذلك الوقت، فإذا شرع في الصوم فكان تقديم ذكر رؤية الهلال على ذكر الصوم أولى ليكون مطابقًا للوجود، ثم إذا كان الغرض الأمر بالصوم فذكره بلفظ الأمر مرتبًا على شرطه أولى من ذكره بلفظ النهي مقدمًا في الذكر على شرطه.
فأما رواية الموطأ: فإنما تكون حسنة الموقع، لو وردت عقيب اختلاف جرى بين الصحابة في صوم يوم الشك، فإنهم كانوا يكونون قد سألوا النبي ﷺ عن صوم ذلك اليوم المشكوك فيه، فقال لهم: "لا تصوموا حتى لا تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه" وهذا التقدير لو وقع لم ينفرد به هذا اللفظ عن رواية
стр. 1231
الشافعي، فإنها أيضاً تطابق هذا التقدير وتصلح أن تكون جوابًا لهذا السؤال المقدر، ولكن مع هذا التقدير يتمحض ذلك اللفظ في الاستحسان والإيراد، وإن كان الثاني يدل عليه أيضًا ولكن دون ذلك.
وقوله في رواية أبي داود: "وكان ابن عمر يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب يريد أنه كان يفعل هذا الفعل في شعبان احتياطًا للصوم، [ولا يأخذ] (١) بهذا الحساب في شهر رمضان، ولا يفطر مع الناس ولو صام واحدًا وثلاثين يومًا.
وقول الشافعي في آخر الحديث: فكان ابن عمر يصوم قبل الشهر بيوم، يقيده قول أبي داود.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن صوم رمضان يجب برؤية الهلال، واستكمال عدة شعبان ثلاثين. وهو قول عامة الفقهاء.
وحكى عن قوم أنهم قالوا: يجتهد في ذلك ويرجع إلى قول المنجمين. ولا تعويل عليه عند المحققين من العلماء.
وأما تقديم الصوم على رمضان بيوم أو يومين فإنه مكروه، وسواء صامه عند رمضان أو شعبان فرضًا أو تطوعًا إلا أن يصادف صومًا يصومه.
وبه قال الأوزاعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يكره صومه من شعبان.
واختلف فيه عن أحمد.
فأما صومه على أنه من رمضان فقد روي عن عمر، وعلي، وحذيفة، وابن مسعود، وعمار، وابن عباس، وأبي هريرة، وأنس، وأبي وائل، وعكرمة،
стр. 1232
وابن المسيب، والشعبي، والنخعي، وابن [جريج] (١)، والأوزاعي: أنه لا يجوز صومه على أنه من رمضان.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان [عن] (٢) عمرو بن دينار، عن محمد بن حنين (٣)، عن ابن عباس قال: عجبت ممن يتقدم الشهر وقد قال رسول الله ﷺ : "لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه".
رواه المزني (٤) عن الشافعي بهذا الإسناد، وقال: عجبت لمن تقدم، وقد قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين".
هذا حديث صحيح أخرجه مالك، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
стр. 1233
فأما مالك (١): فأخرجه عن ثور بن زيد الديلي، عن ابن عباس وذكر زيادة الرواية الثانية.
وأما أبو داود (٢): فأخرجه أتم من هذا عن الحسن بن علي، عن حسين، عن (٣) زائدة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقدموا الشهر بصيام يوم ولا يومين إلا أن يكون شيء يصومه أحدكم، ولا تصوموا حتى تروه (٤)، فإن حال دونه غمامة فأتموا العدة ثلاثين ثم أفطروا، الشهر تسع وعشرون".
وأما الترمذي (٥): فأخرجه عن قتيبة، عن أبي الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وإن حالت دونه غيابة فأكملوا ثلاثين يومًا".
وأما النسائي (٦): فأخرجه عن محمد بن عبد الله بن يزيد، عن سفيان بالإسناد، وأخرج رواية المزني عن الشافعي.
هذا الحديث مسوق لبيان ما ذهب إليه الشافعي، من كراهية تقدم رمضان بيوم، وأن ابن عباس أنكر ذلك بقوله: عجبت لمن يتقدم الشهر على من يصومه، واستدل بالحديث.
والغياية -بيائين تحتهما نقطتان-: الظلمة والغبرة.
قال أبو عمرو: والغياية: كل ما أظل الإنسان فوق رأسه من سحاب أو غيره
стр. 1234
أو ظلمة.
وحال الشيء بين الشيء: إذا حصل فيما بينهما.
وقوله في هذا الحديث: "لا تصوموا حتى تروه" هذا اللفظ يبين لك ما قلناه في حديث ابن عمر والترجيح بين لفظي الروايتين، وذلك أنه في هذا المقام لم يكن غرضه إلا جواب من أراد أن يتقدم رمضان بصوم يوم قبله، وذلك في قوله: عجبت لمن يتقدم الشهر، وقد قال رسول الله ﷺ : "لا تصوموا حتى تروه" فكان هذا اللفظ الوارد على جهة النهي وتقديمه على شرطه، لإبقاء هذا الموضع حسنًا في هذا المقام كما أشرنا إليه.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن [عمرو] (١)، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا تقدموا الشهر بيوم ولا يومين، إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عمرو بن أبي سلمة، عن الأوزاعي قال: حدثني يحيى بن (٢) أبي كثير قال: حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقدموا بين يدي رمضان بيوم ولا يومين، إلا رجل يصوم صومًا فليصمه".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا مالكًا.
أما البخاري (٣): فأخرجه عن مسلم بن إبراهيم، عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة. وذكر الرواية الثانية.
стр. 1235
وأما مسلم (١): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب، عن وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير وذكر الثانية.
وأما أبو داود (٢): فأخرجه بإسناد البخاري ولفظه.
وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن أبي كريب، عن عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو. وذكر الرواية الأولى وزاد: "ثم أفطروا".
وأما النسائي (٤): فأخرجه عن عمران بن يزيد بن خالد، عن محمد بن شعيب، عن الأوزاعي بإسناد الثانية نحوها.
قوله: "لا تقدموا" أي لا تتقدموا بحذف التاء الواحدة تخفيفًا، والمحذوفة هي تاء المضارعة ويدل عليه ظهورها في الرواية الثانية، وقد ذكرنا ذلك مستوفيًا قبل هذا.
ومعنى قوله: "إلا أن يوافق ذلك صومًا يصومه أحدكم" يريد أن يكون عليه نذر صوم أيام الخميس مثلاً فكان يوم الشك يوم الخميس، أو كان من عادته أن يصوم يوم الاثنين مثلاً تطوعًا، فأبين أن يوم الشك كان يوم الاثنين، فإنه يصوم ذلك اليوم استصحابًا لعادته أو لنذره.
ثم لما ذكر النبي ﷺ الحكم في النهي عن صومه إلا لمن وافق صومه، قيد ذلك الحكم بقضية مطردة، فقال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" فكان ذلك زيادة في البيان وتأكيده.
وقوله: "إلا رجل" استثناء من غير موجب والمستثنى منه هو الضمير في "يتقدموا"، التقدير: لا يتقدم إلا الرجل، فأبدل المفرد من الجمع لأن الضمير في
стр. 1236
يتقدموا لجماعة، وساق هذا الحديث لبيان ما ذهب إليه الشافعي من كراهة صوم يوم الشك، إلا لمن وافق صوم كان يصومه، وقد ذكرناه.
قال الشافعي: وبهذا كله (١) نأخذ، والظاهر من أمر رسول الله ﷺ ؛ أن لا يصام حتى يرى الهلال ولا يفطر حتى يرى على معنى أن (٢) ليس بواجب عليكم أن تصوموا حتى تروا الهلال وإن خفتم أن يكون قد رآه غيركم، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين، يعني هما قبل الصوم من شعبان ثم يكونون على يقين من أن لكم الفطر, لأنكم قد صمتم كمال الشهر، وابن عمر سمع الحديث كما وصفت، وكان يتقدم ابن عمر رمضان بيوم، وحديث الأوزاعي: "لا تصوموا إلا أن يوافق ذلك صومًا كان أحدكم" يحتمل ما ذهب ابن عمر إليه في صومه قبل رمضان، إلا أن تصوموه على ما كنتم تصومونه متطوعين، لا أن واجبًا أن تصوموه إذا لم تروا الهلال.
ويحتمل خلافه من أن ينهى عن أن يوصل برمضان شيء من الصوم، إلا أن يكون رجل اعتاد صومه من أيام معلومة يوافق بعض ذلك الصوم يومًا يصل شهر رمضان.
قال الشافعي: فأختار أن يفطر الرجل يوم الشك في هلال رمضان، إلا أن يكون يومًا كان يصومه فاختار صيامه، وأسأل الله التوفيق.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أمه فاطمة بنت حسين "أن رجلاً شهد عند علي على رؤية هلال رمضان، فصام وأحسبه، قال: وأمر الناس أن يصوموا، وقال: أصومه يومًا من شعبان أحب إلى من أن أفطر يومًا من رمضان".
قال الشافعي: لا يجوز عن رمضان إلا شاهدان.
стр. 1237
وقد قلنا قبل هذا أن وجوب [صوم] (١) رمضان بأمرين:
أحدهما: رؤية الهلال، والآخر: باستكمال شعبان ثلاثين.
والرؤية إما أن تكون مشاهدة للصائم، أو مسموعة عمن حصلت له، وهذا الحديث يتضمن أحد قسمي الرؤية وهو الشهادة.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن شهر رمضان يثبت برؤية شاهدي عدل، سواء كانت مصحية أو مغيمة، فأما شهادة الواحد ففيها قولان:
أحدهما: لا يقبل كشوال، والثاني: يقبل لأن فيه اختيارًا لأمر العبادة بخلاف شوال.
قال صاحب الشامل: المنصوص عليه في الكتب القديمة والحديثة، أن الصوم يجب بشهادة واحد، وروي [عن] (٢) البويطي أنه لا يجب إلا بشاهدين.
ففي المسألة إذًا قولان:
أحدهما: أنه يثبت بواحد. وبه قال أحمد في الصحيح عنه، وإليه ذهب ابن المبارك.
والثاني: لا تقبل إلا بشهادة اثنين. وبه قال مالك، والليث، والأوزاعي، وإسحاق.
وقال الثوري مرة: شهادة رجلين أحب إلي، وقال: تجوز شهادة رجل وامرأتين في الأهلة.
وقال أبو حنيفة: في الصحو لا تقبل إلا الاستفاضة، وفي الغيم تقبل في هلال رمضان شهادة واحد، وفي غيره لا تقبل إلا شهادة اثنين.
стр. 1238
فأما شهادة الإفطار: فلا تثبت إلا بشاهدين قولًا واحداً وبه قال عامة الفقهاء.
وقال أبو ثور: تقبل فيه شهادة الواحد قياسًا على الأخبار، وهو عنده إخبار عن مشاهدة فله أسوة أخبار الديانات.
وهذا القول المحكي في آخر الحديث عن الشافعي؛ أنه قال: لا يجوز على رمضان إلا شاهدان، هو أحد قوليه اللذين ذكرناهما، ومستند هذا القول هو ما تقدم في هذا الحديث من قول علي -كرم الله وجهه-: أصوم يومًا من شعبان أحب إلى من أن أفطر يومًا من رمضان. فإن هذا القول يدل على أن عليًّا لم يكن معولًا على قول هذا الشاهد الواحد لانفراده بالرؤية، ولكنه لم يكذبه احتياطًا لباب العبادة.
وقال: أكثر ما في الباب إن كان هذا كاذبًا أن أكون قد صمت يومًا من شعبان، وإن كان صادقًا وأفطرت بناءً على تكذيبه أكون قد أفطرت يومًا من رمضان، فلهذا الظن من علي يحتمل أن يكون قال الشافعي ما قاله، وفيه بعد.
وقد استدل من ذهب إلى جواز صوم يوم الشك، بهذا القول من علي، فإن عليًّا لم يكن شاكًّا إلا على تقدير إبهامه للشاهد ولو كان عنده غيرهم لم يقل أصوم يومًا من شعبان أحب إلى من [أن] (١) أفطر يومًا من رمضان والله أعلم.
والذي حكاه البيهقي عن الشافعي (٢) ﵄ أنه قال: فإن لم تر العامة هلال شهر رمضان، ورآه رجل عدل رأيت أن أقبله للأثر والاحتياط، ثم ذكر هذا الحديث عن علي، ثم حكى البيهقي في آخره قال الربيع: قال الشافعي بعد: لا يجوز على شهر رمضان إلا شاهدان، قال الربيع: وفي موضع
стр. 1239
آخر (١) قال الشافعي: إن كان عليٌ أمر الناس بالصوم فعلى معنى المشورة لا معنى الإلزام.
قال الربيع: قال الشافعي: وقال بعض أصحابنا لا أقبل عليه إلا شاهدان، وهذا القياس على كل معنى (٢) استدل عليه ببينة.
...
стр. 1240
الباب الثاني
في جائزاته وشروطه
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر، عن أبي يونس -مولى عائشة-[عن عائشة] (١) - "أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ -وهي تسمع-: إني أصبح جنبا وأنا أريد الصيام؟، فقال رسول الله ﷺ : "وأنا أصبح جنبًا وأنا أريد الصيام، فأغتسل ثم أتم الصوم ذلك اليوم" فقال الرجل: إنك لست مثلنا، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله ﷺ وقال: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم وأعلمكم بما أتقى".
هذا حديث صحيح أخرجه مالك، ومسلم، وأبو داود، هكذا عن عائشة ﵂.
وقد أخرج البخاري (٢): عن عائشة وأم سلمة معًا هذا المعنى، وكذلك أخرجه الترمذي (٣) عنهما مختصرًا، وأخرجه النسائي (٤) عن أم سلمة مختصرًا، والمعنى متفق عليه من الجماعة.
وأما لفظ هذه الرواية فإن مالكًا أخرجه بالإسناد واللفظ، وقال فيه (٥): إن رجلاً قال لرسول الله ﷺ -وهو واقف على الباب.
стр. 1241
وقد عاد الشافعي فأخرج هذه الرواية في كتاب "اختلاف الحديث".
وأما مسلم (١): فأخرجه عن يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر، عن إسماعيل ابن جعفر، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر.
وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك، وقال: أعلمكم بما أتبع.
قوله ﷺ : "وأنا أصبح جنبا وأنا أريد الصيام" فيه من الفائدة ما لا خفاء به، وذلك لما سأله عن حاله إذا أصبح جنبًا وهو صائم، أراد أن يجيبه بأبلغ ما يكون من الأجوبة التي تقرر في نفسه الجواب عن مسألته، وأخبره أنه تجري له هذه الحال التي سأل عنها، بأنه يصوم معها وأن لك فيَّ أسوة وفيَّ قدوة, لأنه مع كونه أكثر احتياطًا في أمر الدين من أمته، وأشد تحريًا وأكثر مؤاخذة إذا كان يباشر هذا الأمر، فما الظن بآحاد الأمة؟! ولأنه ﷺ مشرع فإذا فعل فعلًا ولم يعتبر بمنع أمته من فعل مثله، كان ذلك الفعل إمًا واجبًا، أو مباحًا، أو مندوبًا، أو غير ذلك ولما كان السائل يعرف (٣) أن النبي ﷺ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فبنى الفرق بينه وبين آحاد الأمة اعترض عليه بما قال؛ ظنًا منه أن مغفرة الله تحمله على التسامح والتساهل في الأخذ بالعزيمة، فقال له النبي ﷺ بعد ما غضب: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي" فصدَّر كلامه بالقسم تأكيدًا له ثم إنه يغض من نفسه ووضع من حقه، فقال: "إني لأرجو" ولم يقل: "إني أخشاكم وأعلمكم"، إنما جعل ذلك تعلقًا بالرجاء مستعملًا صالح الأدب في قوله وفعله مع الله .
وقوله: "وأعلمكم بما أتقي" أي بما أحذر وأحتاط فيه لنفسي.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن من أصبح جنبًا في شهر رمضان من جماع أو
стр. 1242
احتلام، لم يؤثر ذلك في صومه وإنما يلزمه الاغتسال للصلاة وروي ذلك عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأبي ذر، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وأم سلمة، وإليه ذهب جميع الفقهاء.
وقال الحسن: يصوم ويقضي. وروي ذلك عن أبي هريرة وسالم بن عبد الله.
وقال طاوس وغيره: إن كان علم بجنابته ففرط في الاغتسال حتى أصبح لم يصح صومه، وإن لم يعلم حتى أصبح لم يجب عليه قضاؤه.
وقال النخعي: يجزئه في التطوع ويقضي في الفرض.
وقال الشافعي: من احتلم في نهار رمضان اغتسل ولم يقض, لأنه بغير اختياره كما إذا ذرعه القيء. والله أعلم بالصواب.
وقد أخرج الشافعي ﵁ في كتاب "اختلاف الحديث" (١) من المسند: عن مالك، عن سمي -مولى أبي بكر-، أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: كنت أنا وأبي عند مروان بن الحكم وهو أمير المدينة، فذكر له أن أبا هريرة يقول: من أصبح جنبًا أفطر ذلك اليوم، فقال مروان: أقسمت عليك يا (٢) عبد الرحمن، لتذهبن إلى أمي المؤمنين عائشة وأم سلمة فلتسألهما عن ذلك، قال أبو بكر: فذهب عبد الرحمن وذهبت معه حتى دخلنا على عائشة، فسلم عليها عبد الرحمن وقال: يا أم المؤمنين إنا كنا عند مروان فذكر له أن أبا هريرة يقول: من أصبح جنبًا أفطر ذلك اليوم، قالت عائشة: ليس كما قال أبو هريرة يا عبد الرحمن، أترغب عما كان رسول الله ﷺ يفعله؟ قال عبد الرحمن: لا والله. فقالت عائشة: فأشهد على رسول الله ﷺ ، إن كان ليصبح جنبًا من جماع غير احتلام ثم يصوم ذلك اليوم، قال: ثم خرجنا على أم
стр. 1243
سلمة فسألها عن ذلك، فقالت مثلما قالت عائشة، فخرجنا حتى جئنا مروان، فقال له عبد الرحمن ما قالتا وأخبره، فقال مروان: أقسمت عليك يا أبا محمد، لتركبن دابتي بالباب فلتأتين أبا هريرة فلتخبرنه بذلك، فركب عبد الرحمن وركبت معه حتى أتينا أبا هريرة، فتحدث معه عبد الرحمن ساعة ثم ذكر ذلك له، فقال أبو هريرة: لا علم لي بذلك إنما أخبرنيه مخبر.
هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢).
وقد روى الشافعي أيضًا عن سفيان، عن سمي، عن عائشة أنها قالت: كان النبي ﷺ يدركه الصبح وهو جنب فيغتسل ويصوم يومه.
وأخرج أيضًا من رواية المزني عنه (٣)، عن مالك، عن عبد ربه بن سعيد بن قيس، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن عائشة وأم سلمة أمي المؤمنين، قالتا: كان رسول الله ﷺ يصبح جنبًا من جماع غير احتلام في رمضان، ثم يصوم ذلك اليوم.
وهذا أيضًا حديث أخرجه مسلم (٤) والترمذي (٥).
قال الشافعي (٦): فأخذنا بحديث عائشة وأم سلمة زوجي النبي ﷺ ، دون ما روى أبو هريرة عن رجل عن رسول الله ﷺ لمعان منها:
أنهما زوجتاه [وزوجتاه أعلم] (٧) بهذا من رجل إنما يعرفه سماعًا أو خبرًا.
ومنها: أن عائشة مقدمة في الحفظ، وأن أم سلمة حافظة، ورواية اثنين أكثر من راو واحد.
стр. 1244
ومنها: أن الذي روتا عن النبي ﷺ المعروف في المعقول والأشبه بالسنن.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "إن كان رسول الله ﷺ ليقبل بعض أزواجه وهو صائم. ثم تضحك".
هذا حديث صحيح متفق عليه: أخرجه الجماعة إلا النسائي.
فأما مالك (١): فأخرجه إسنادًا ولفظًا.
وأما البخاري (٢): فعن القعنبي، عن مالك. وعن محمد بن المثنى، عن يحيى، عن هشام وقال: ثم ضحكت.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن علي بن حجر، عن سفيان، عن هشام، وقال: إحدى نسائه.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن مسدد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود وعلقمة، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه كان أملك لإربه.
وأما الترمذي (٥): فأخرجه عن هناد وقتيبة، عن أبي الأحوص، عن زياد بن علاقة، عن عمرو بن ميمون، عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقبل في شهر الصوم.
وفي الباب عن [عمر بن الخطاب] (٦) وحفصة، وأم سلمة، وأبي سعيد،
стр. 1245
وابن عباس، وأنس، وأبي هريرة.
وقوله: "إن كان ليقبل" هذه "إن" فيها خلاف بين البصريين والكوفيين من النحاة:
قال البصريون: هي المخففة من الثقيلة، ولذلك تلزم اللام خبرها ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ (١) التقدير: إنها كانت كبيرة.
وقال الكوفيون: هي بمعنى "ما" النافية واللام بمعنى "إلا" التقدير: وما كانت إلا لكبيرة.
ومذهب البصريين أولى فيما قالوا تأويلًا واحدًا: وهو تخفيف "أن"، وتخفيفها باب واسع مطرد.
وفيما قاله الكوفيون تأويلان:
أحدهما: جعل "أن" بمعنى "ما" وهو جائز مشهور.
والثاني: جعل اللام بمعنى إلا وهو بعيد.
والقبلة: معروفة.
والمباشرة: وإلقاء البشرة إلى البشرة، هي مفاعلة من البشرة لظاهر جلد الإنسان.
والإرب: الحاجة وهو بالكسر والفتح، والإرب -بالكسر أيضًا- العضو المخصوص، وقد يجوز أن يكون هو المراد في الحديث، فإن القبلة داعية إلى تحرك العضو وطلب الجماع، فهو ﷺ كان قادرًا أن يرد نفسه ويقهرها، والأول هو المشروح في كتب الحديث والمراد به حاجة الجماعة.
стр. 1246
وقوله: "ثم تضحك" تعرض أن بعض أزواجه كانت عائشة وكذلك "ضحكت", ولم تسم نفسها حيًاء -والله أعلم.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن القبلة تختلف باختلاف [الأحوال] (١): فمن كانت القبلة تحرك شهوته ويخاف أن ينزل فإنها له مكروهة، وقد صرح بعض الأصحاب أن ذلك كراهية تحريم, لأن إنزال الماء مفسد للصوم، وإن كانت القبلة لا تحرك شهوة جازت له والأفضل تركها. وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: تكره له القبلة بكل حال.
وعن أحمد في ذلك روايتان.
وقال الثوري: التنزه عنه أحب إلي.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، "أن ابن عباس سئل عن القبلة للصائم؟ فأرخص فيها للشيخ، وكرهها للشاب".
هذا حديث صحيح أخرجه مالك (٢) بالإسناد واللفظ، وهو مؤكد لما ذهب إليه الشافعي في أمر القبلة، فإن الشيخ لا تحرك القبلة شهوته غالبًا بخلاف الشاب، والرخصة في الأمر خلاف العزيمة والتشديد.
أرخصت له في كذا ورخصت: إذا لم يشدد عليه فيه، وهو من الرخص عند الغلاء.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك [بن] (٣) أنس، عن زيد ابن أسلم، عن عطاء بن يسار "أن رجلاً قبل امرأته وهو صائم، فوجد من ذلك
стр. 1247
وجدًا شديدًا، فأرسل امرأته تسأل عن ذلك، فدخلت على أم سلمة -أم المؤمنين- فأخبرتها، فقالت أم سلمة: إن رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم، فرجعت المرأة إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شرًا، وقال: لسنا مثل رسول الله ﷺ ، يحل الله لرسوله ما شاء، فرجعت المرأة إلى أم سلمة فوجدت رسول الله ﷺ عندها، فقال رسول الله ﷺ : "ما بال هذه المرأة"؟ فأخبرته أم سلمة، فقال: "ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك"؟ فقالت أم سلمة: قد أخبرتها، فذهبت إلى زوجها فأخبرته بذلك، فزاده ذلك شرًا؛ وقال: لسنا مثل رسول الله ﷺ ، يحل الله له ما شاء، فغضب رسول الله ﷺ ثم قال: "والله إني لأتقاكم لله وأعلمكم بحدوده".
هذا حديث صحيح هكذا أخرجه الموطأ بطوله مرسلاً (١)، وقد أخرجه مسلم في الصحيح (٢) مسندًا مختصرًا عن هارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عبد ربه بن سعيد، عن عبد الله بن كعب الحميري، عن [عمر] (٣) بن أبي سلمة: "أنه سأل رسول الله ﷺ أيقبل الصائم؟ فقال له رسول الله ﷺ : [سل] (٤) هذه -لأم سلمة- فأخبرته أن رسول الله ﷺ يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: "إني لأتقاكم لله وأخشاكم له".
هذا الحديث إنما احتج به في جواز القبلة للصائم.
وقال الشافعي (٥): وسمعت من يصل هذا الحديث ولا يحضرني ذكر من
стр. 1248
وصله. وإنما يريد -والله أعلم- الرواية التي وصلها مسلم عن [عمر] (١) بن أبي سلمة، ويكون قوله: أنه سأل رسول الله ﷺ ، فكأنه قد سأله هو ليوافق الرواية [الموصولة] (٢) والرواية المرسلة.
قال البيهقي: وفي ذلك نظر لأن الرواية الموصولة هي عن عمر بن أبي سلمة، وهو ربيب رسول الله ﷺ ابن أم سلمة، وعمر لم يكن يومئذ من الرجال الذين يسألون عن قبلة الصائم، ولا كان له يومئذ زوجة فإنه كان صبيًا, لأن مولده كان في السنة الثانية من الهجرة وولد بأرض الحبشة، وقيل: إن عمره كان يوم قبض النبي ﷺ تسع سنين، وليس من أقدار الرجال المتأهلين، والرواية المرسلة يذكر فيها أنه أرسل امرأته تسأل، وما أرى الجمع بين الروايتين إلا فيه بعد، وحديث عمر بن أبي سلمة صحيح لا شك فيه، ولا حاجة إلى أن يجعل الحديثين واحدًا بل يجعلان حديثين والله أعلم.
والوجد: الحزن، تقول: وجد يجد وجدًا.
وقوله: "فزادة ذلك شرا" يريد غمًا وحزنًا لأنه كان يظن أن أمثال هذه الأشياء تحل للنبي ﷺ دون أمته، قياسًا على ما أحل الله له من أشياء لم يحلها لأمته.
وانظر إلى قول أم سلمة للمرأة في جواب سؤالها: إن رسول الله ﷺ يفعله ولم تقل لها إن ذلك جائز؛ ليكون جوابها آكد في قبولها له وأبت عندها، وأن للمسلمين في الاقتداء بفعل رسول الله ﷺ أسوة، وفي ذلك من مزية الاستدلال وفضيلة الفهم والمعرفة ما لا خفاء به، ثم لما قالته للنبي ﷺ كيف
стр. 1249
وافق جوابه جوابها، وقال لها ألا أخبرتيها أني أفعله.
وفي ذلك من الاستدلال على فضل أم سلمة وعلمها، ومعرفتها بالفقه والأحكام، وسبقها إلى ما هو [الجواب] (١) المسكت الذي لا يعدل عند ما هو أصح لكل ذي فهم ظاهر عند كل لب. ثم لما أعاد الرجل قوله: "إن الله يحل لرسوله ما شاء" غضب النبي ﷺ حينئذ، وقال: "إني أتقاكم لله وأعلمكم بحدوده" والغرض من ذكر ذلك -وإن كان معروفًا عند التعريض بل التصريح- أن ما أحل الله لي دونكم، وخصني به عنكم، لم يكن ميلاً بي إلى الرخص ولا رغبة عن العزائم، فإني أتقاكم لله وأعرفكم بحدوده، وإنما كان لمعنى آخر لله فيه أسرار خفيت عنكم أسبابها.
وقد أخرج الشافعي من رواية المزني (٢): عن يحيى بن حسان عن الليث، عن بكير، عن أبي بكر بن المنكدر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة: "أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم".
وأخرج أيضًا بإسناد المزني (٣) عنه: عن يحيى بن حسان، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة: "أن رسول الله ﷺ كان يقبل وهو صائم".
وأخرج المزني (٤) عنه: عن يحيى بن حسان، عن الليث بن سعد، عن بكير، عن عبد الملك بن سعيد الأنصاري، عن جابر بن عبد الله، عن عمر بن الخطاب قال: "قبلت يومًا وأنا صائم، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: أتيت (٥)
стр. 1250
اليوم أمرًا عظيمًا، قبلت وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : "أرأيت لو تمضمضت وأنت صائم"؟ فقلت: لا بأس بذلك، فقال النبي ﷺ : "فصم".
وأخرج المزني (١) عنه: عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن طلحة [بن] (٢) عبد الله بن عثمان التيمي، عن عائشة قالت: أراد رسول الله ﷺ أن يقبلني، فقلت: إني صائمة، فقال: "وأنا صائم" فقبلني.
وأخرج المزني (٣) عنه: عن سفيان قال: قلت لعبد الرحمن بن القاسم: أخبرك أبوك عن عائشة: "أن رسول الله ﷺ كان يقبلها وهو صائم؟ فطأطأ رأسه واستحيا وسكت قليلاً ثم قال: نعم".
وأخرج المزني (٤) عنه: عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه.
وقد أخرج الربيع (٥) قال: قال الشافعي فيما بلغه عن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبيد بن عمير أن عليًّا - كرم الله وجهه- سئل عن القبلة للصائم فقال: ما تريد إلى خلوف فيها.
وعن رجل، عن شعبة [عن منصور] (٦)، عن هلال بن يساف، عن عبد الله أنه كره القبلة للصائم.
стр. 1251
وهذا إنما أورده الشافعي على العراقيين إلزامًا لهم في خلاف علي وعبد الله، ويشبه أن يكونا ذهبا في ذلك ما ذهب إليه ابن عباس، وابن عمر، وعائشة.
وأخبرنا الربيع قال: قال الشافعي ﵁: من تقيأ وهو صائم [وجب] (١) عليه القضاء، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه، وبهذا أخبرنا مالك، عن نافع، عن [ابن عمر] (٢).
هذا حديث صحيح أخرجه مالك (٣) بالإسناد عن ابن عمر أنه كان يقول: من استقاء وهو صائم فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فليس عليه القضاء.
القيء -مهموزًا-: قاء يقيء قيئًا: إذا جاءه القيء لنفسه من غير اقتضاء، واستقاء يستقيء وتقيئا يتقيأ: إذا استدعاه.
وذرعه القيء -بذال معجمة- يذرعه: إذا غلبه وجاء دافقًا لنفسه.
والذي ذهب إليه الشافعي: العمل بهذا الأثر وإيجاب القضاء على من استدعى القيء ولا كفارة عليه. وإليه ذهب عامة الفقهاء.
وحكي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قالا: لا يفطر.
وكذلك حكي عن الحسن البصري: أن من ذرعه القيء يفطر.
وقال عطاء: على المستقيء القضاء والكفارة. وحكى ذلك عن الأوزاعي، وهو قول أبي ثور.
ويدخل فيمن ذرعه القيء: كل ما غلب الإنسان من دخول الذباب في فيه، ودخول الماء في جوفه إذا وقع في ماء غمره.
стр. 1252
وقد روى هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء، وإن استقاء فليقض".
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر "أنه كان يحتجم وهو صائم ثم ترك ذلك".
هذا حديث صحيح أخرجه مالك إسنادًا (١)، وقال: إنه كان يحتجم وهو صائم، قال: ثم ترك [ذلك] (٢) بعد وكان إذا صام لم يحتجم حتى يفطر.
الحجامة: معروفة.
وقوله: "ثم ترك ذلك" أي ترك الاحتجام وهو صائم.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الصائم لا [يستحب] (٣) له الحجامة, لأنها تضعفه وربما أفضت به إلى الفطر، فإن احتجم صح صومه ولم يفطر. وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والثوري، وأبو ثور، وداود، وروي ذلك عن: ابن عباس، وأنس، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن أرقم، وأم سلمة، وابن مسعود، والحسن بن علي، وقال به من التابعين: ابن المسيب، وابن جبير، وطاوس، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وعروة بن الزبير، والشعبي، والنخعي، وجعفر بن محمد.
وقال أحمد وإسحاق: يفطر الحاجم والمحجوم.
وعن أحمد في الكفارة روايتان.
وقد أخرج المزني (٤): عن الشافعي، عن عبد الوهاب، عن يونس بن عبيد،
стр. 1253
عن الحسن، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "أفطر الحاجم والمحجوم".
وقيل (١): عن الحسن، عن ثوبان، وقيل: عنه، عن معقل بن يسار، وقيل: عنه، عن علي -كرم الله وجهه-، وقيل: عن أسامة، وقيل: عنه عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ وقد ذكره البخاري بإسناده عن غير واحد مرفوعًا (٢).
وأخبرنا الشافعي ﵁: [أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي] (٣) عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن شداد بن أوس قال: كنا مع النبي ﷺ زمان الفتح، فرأى رجلاً يحتجم لثمان عشرة خلت من رمضان، قال -وهو آخذ بيدي-: "أفطر الحاجم والمحجوم".
هذا الحديث أخرجه الشافعي في كتاب "اختلاف الأحاديث" (٤).
وقد أخرجه أبو داود (٥): عن أحمد بن حنبل، عن حسن بن موسى، عن شيبان، عن يحيى، عن أبي قلابة، أن شداد بن أوس وذكره ولم يقل زمان الفتح.
وفي أخرى (٦): عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن أيوب، عن أبي
стр. 1254
قلابة، عن أبي الأشعث، عن شداد "أن رسول الله ﷺ أتى على رجل بالبقيع وهو يحتجم، وهو آخذ بيدي لثمان عشرة" وذكر الحديث، قال أبو داود: [روى] (١) خالد الحذاء، عن أبي قلابة بإسناد أيوب مثله.
وهذا الحديث -وإن كان الشافعي وأبو داود قد اتفقا على إخراجه عن شداد ابن أوس- فإن فيه اختلافًا, لأن الشافعي وقَّت الحديث بزمان الفتح في ثامن عشر رمضان، وفي هذا الوقت كان النبي ﷺ بمكة، وفي رواية أبي داود قد قيده بالبقيع في هذا التاريخ أيضًا والبقيع بالمدينة، فكيف يكون في ثامن عشر الشهر بمكة والمدينة؟ إلا أن يقال: إن ذلك في سنتين مع رجلين، ويكون شداد روى الحادثتين -والله أعلم.
وزمان الفتح منصوب على الظرف.
وقوله: "وهو آخذ بيدي" زيادة في تأكيد صحة النقل، وأنني كنت منه المنزلة من القرب بحيث أسمع قوله وأحفظه وأفهمه.
وقوله: "أفطر الحاجم والمحجوم" فأما المحجوم: فعلى قول من ذهب إلى الحجامة تفطر، وقد تقدم ذكر المذاهب في ذلك وأما الحاجم: فلما عسى أن يسبق حلقه من دم الحجامة، فربما وصل إلى جوفه فأفطر به.
وأما من لم ير الحجامة مفطرة: فإنه جعل هذا الحديث على تقدير: أنهما قد تعرضا للإفطار بمباشرة أسبابها:
أما المحجوم: فلأنه ربما أضعفته الحجامة فأحوجته إلى الإفطار بمباشرة أسبابها.
وأما الحاجم: فلما قلناه من المباشرة لما لا يؤمن معه الإفطار، وهذا كما يقال لمن يتعرض للهلاك: قد هلك فلان، وإن كان باقيًا سالمًا وإنما يراد به إشرافه على الهلاك.
стр. 1255
وقيل: إن النبي ﷺ مر بهذا المحجوم مساء، فقال: "أفطر الحاجم والمحجوم"، كأنه عذرهما بهذا [القول] (١) إذ كان قد أمسيا ودخلا [في وقت] (٢) الإفطار، كما يقال: أصبح الرجل وأمسى إذا دخل في وقت الصباح والمساء.
وقال بعضهم: هذا على التغليظ لهما والدعاء عليهما، كقوله: من صام الدهر لا صام ولا أفطر، فيكون المعنى دعاء عليهما أي بطل آجر صومهما، فكأنما صارا مفطرين غير صائمين، ويكون سبب الدعاء تعرضهما لما يؤدي إلى الإفطار.
وقيل معناه: جاز لهما أن يفطرا، كقولك: حصد (٣) الزرع، أي حان له أن يحصد، ويكون ذلك عذرًا لهما في الإفطار، أما المحجوم: فحاجته إلى الحجامة، وأما الحاجم: فلأخذه ضواره (٤) إلى أن يحجم أخاه المسلم ويدفع عنه الأذى.
وهذه أقوال كما تراها وبحالها نقلناها.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن [يزيد] (٥) بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ احتجم محرمًا صائمًا".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا الموطأ.
أما البخاري (٦): فأخرجه عن علي بن عبد الله، عن سفيان، عن عمرو،
стр. 1256
[عن عطاء] (١) عن ابن عباس قال: احتجم رسول الله ﷺ وهو محرم.
قال عمرو: ثم سمعته يقول: حدثني طاوس عن ابن عباس، فقلت: لعله سمعه منهما.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن طاوس وعطاء.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن أحمد بن حنبل، عن سفيان بإسناد مسلم.
وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن قتيبة، عن سفيان مثل مسلم.
وأما النسائي (٥): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن أبي الزبير، عن عطاء، عن ابن عباس.
قوله: "محرمًا" يريد الإحرام بالحج، وهو وقوله: صائمًا منصوبان على الحال، والعامل فيهما احتجم.
وهذا الحديث أخرجه الشافعي في كتاب "اختلاف الحديث" (٦) عقيب حديث شداد بن أوس، ثم قال: وسماع ابن [أوس] (٧) عن رسول الله ﷺ عام الفتح، ولم يكن يومئذ محرمًا ولم يصحبه محرمًا قبل حجة الإِسلام، فذكر ابن عباس حجامة النبي ﷺ عام حجة الإِسلام سنة عشر، وحديث "أفطر الحاجم والمحجوم" في الفتح سنة ثمان قبل حجة الإِسلام بسنتين، فإن كانا ثابتين فحديث ابن عباس ناسخ وحديث الحاجم والمحجوم منسوخ.
стр. 1257
قال: وإسناد الحديثين جميعًا مشتبه، وحديث ابن عباس أمثلهما إسنادًا، فإن توقى رجل الحجامة كان أحب إليَّ احتياطًا, ولئلا يعرض صومه أن يضعف فيفطر، فإن احتجم فلا تفطره الحجامة.
ومع حديث ابن عباس القياس، أن ليس الفطر من شيء يخرج من جسد، إلا أن يخرجه الصائم من جوفه متقيئًا. وقد حمل الشافعي قوله: "أفطر الحاجم والمحجوم" على سقوط أجر الصوم وجعل نظير ذلك أن بعض أصحاب النبي ﷺ قال للمتكلم يوم الجمعة: لا جمعة لك، فقال النبي ﷺ "صدق" ولم يأمره بإعادة فدل أن ذلك: لا أجر للجمعة لك والله أعلم.
***
стр. 1258
الباب الثالث
في الأيام المنهي عن صومها مما لم يرد في المسند منها شيء
وإنما قد أخرج المزني: عن الشافعي، عن مالك، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن الأعرج، عن أبي هريرة "أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يومين: يوم الفطر، ويوم الأضحى".
هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢).
وأخرج المزني (٣): عن الشافعي، عن سفيان، عن الزهري، عن أبي عبيد -مولى ابن أزهر- سمعته يقول: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عن صيام هذين اليومين: يوم الفطر، ويوم الأضحى، فأما يوم الفطر فيوم فطركم من صيامكم، وأما يوم الأضحى فكلوا فيه من لحم نسككم.
وهذا حديث صحيح قد أخرجه البخاري (٤)، ومسلم (٥)، وقد أخرجه الشافعي أيضًا في المسند وقد تقدم ذكره في باب صلاة العيد.
وأخرج المزني (٦): عن الشافعي قال: سمعت عبد الوهاب الثقفي يحدث عن
стр. 1259
خالد الحذاء، عن أبي المليح، عن نبيشة أن رسول الله ﷺ قال:
"إنا كنا ننهاكم عن لحومها فوق ثلاثة أيام حتى يسعكم، فكلوا وادخروا، ألا إن هذه الأيام أيام أكل وشرب".
وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم (١).
وقد أخرج الربيع (٢): عن الشافعي، عن الدراوردي، عن يزيد بن عبد الله ابن الهاد، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن عمرو بن سليم، عن أمه قالت: "بينا نحن بمنى إذا علي بن أبي طالب على جمل، يقول: إن رسول الله ﷺ يقول: "إن هذه أيام طعام وشراب فلا يصومن أحد".
فاتبع الناس وهو على جمله يصرخ بذلك.
وقد أخرج الربيع (٣): عن الشافعي، عن مالك، عن يزيد بن الهاد، عن أبي مرة -مولى أم هانئ- "أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو بن العاص، فقرب إليه طعامًا، فقال: كل، فقال: إني صائم، فقال عمرو: كل، فهذه الأيام التي كان رسول الله ﷺ يأمرنا بإفطارها وينهانا عن صيامها" قال مالك: وهي أيام التشريق.
وقد أخرج الزعفراني (٤): عن الشافعي، عن مالك، عن أبي النضر -مولى عمر بن عبيد الله- عن سليمان بن يسار: "أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام أيام مني".
قال الشافعي في رواية حرملة (٥): وقد ذهب بعض أهل العلم من أهل ناحيتنا
стр. 1260
وغيرهم: أن لا يصوم المتمتع أيام منى للنهي عن صومها، فاحتج بأن ما ثبت عن رسول الله ﷺ كان أولى أن يصار إليه، فرأيته قد ذهب [إلى] (١) حجة لا مدفع لها -والله أعلم-، فقلت به.
قال: وقد ذهب بعض أهل ناحيتنا إلى أن يصوم المتمتع أيام منى إذا لم يصم قبلها.
قال: وقد روي فيه عن عائشة وابن عمر ما يوافق قوله وإلى هذا ذهب في القديم.
وأخرج الشافعي (٢): عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة في المتمتع إذا لم يجد هديًا ولم يصم قبل عرفة، فليصم أيام مني.
وأخرج أيضًا بهذا الإسناد: عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه مثل ذلك.
وقد أخرج البخاري (٣) في الصحيح من حديث مالك، واستشهد برواية ابن سعد.
...
стр. 1261
الباب الرابع
في سنن الصوم
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن أبي حازم بن دينار، عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك، والبخاري ومسلم، والترمذي.
فأما مالك (١): فأخرجه إسنادًا ولفظًا.
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن عبد [العزيز] (٤) بن أبي حازم، عن أبيه.
وأما الترمذي (٥): فأخرجه عن أبي مصعب، عن مالك.
وعن بندار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي حازم.
وفي الباب عن أبي هريرة، وابن عباس، وعائشة، وأنس.
قوله: "بخير" في موضع نصب لأنه خبر "يزال" التي هي من أخوات كان
стр. 1262
وصار، وهي تحتاج إلى اسم ترفعه وخبر تنصبه.
وفي قوله: "ما عجلوا الفطر" هي الشرطية، نحو قولك: افعل إلا أن الجزاء هاهنا مقدم على الشرط، وليس جزاء إنما هو إخبار مستأنف الجزاء محذوف وقد دل المذكور أولاً.
التقدير: ما عجل الناس الفطر لا يزالوا بخير، وقد زاد على "ما" أخرى مثلها ثم أبدلوا من الألف هاء، فقالوا: مهما، وأجروها في الشرط والجزاء مجراها، قاله الخليل ووافقه عليه سيبويه.
وقال قوم من النحاة: بل "مهما" كلمة مرتحلة للشرط وليست مركبة من "ما" مكررة.
وتعجيل الإفطار سنة متفق عليها.
وقوله: "بخير" الظاهر أنه أشار إلى أن فساد الأمور يتعلق بتغير هذه السنة التي هي تعجيل الفطر، وأن تأخيره ومخالفة السنة في ذلك كالعَلَم على فساد الأمور.
والمراد بالإفطار: الأكل والشرب، وان كان الإفطار يحصل بغروب الشمس حكمًا، وإنما يفطر مع تيقن غروب الشمس فأما مع الشك فلا.
وقد جاء في حديث آخر "إذا أقبل الليل، وأدبر النهار، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم".
فقوله: "فقد أفطر الصائم" إن حمل على أن المراد به: قد صار مفطرًا فلابد، فيكون ذلك دلالة على أن من الليل يستحيل الصوم فيه شرعًا.
وقد قال بعضهم: أن الإمساك بعد الغروب لا يجوز كإمساك يوم العيد.
стр. 1263
قد أخرج المزني (١): عن الشافعي، عن مالك، عن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال:
"لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر، ولم يؤخروا تأخير أهل المشرق".
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن حميد [بن] (٢) عبد الرحمن بن عوف أن عمر وعليًّا كانا يصليان المغرب حتى ينظرا إلى الليل الأسود، ثم يفطران بعد الصلاة وذلك في رمضان.
هذا حديث صحيح أخرجه مالك (٣) بالإسناد واللفظ، وزاد فيه: "قبل أن يفطران".
وقوله: "ينظران إلى الليل الأسود" يريد به طلوعه إلى المشرق.
قال الشافعي (٤): كأنهما يريان تأخير ذلك واسعًا، لا أنهما يعمدان القصد (٥) لتركه بعد أن أبيح لهما، فصارا مفطرين بغير أكل ولا شرب لأن الصوم لا يصلح في الليل.
ولقائل أن يقول: إن تركهما الإفطار إلى بعد الصلاة تأخير له, لأن وقت الإفطار هو الوقت الذي يصح بدخوله صلاة المغرب، فإذا قدمت الصلاة على الفطر كان تأخيرًا له؟.
والجواب: أن هذا صحيح، لكن لم ير بالتعجيل ما هذا حده؛ بحيث إن
стр. 1264
أخر عن الصلاة تكون تأخيرًا له عن التعجيل، إنما المراد بالتعجيل أن لا يمضي من الليل طائفة كبيرة وهو صائم، فأما قدر الصلاة فلا، على أن تقديمه على الصلاة أولى, لأن لفظ التعجيل يشمله.
وحكمة تعجيل الفطر: هو أن لا يتبرم بالصوم، ولا أن يطول عليه زمانه، وأن يعطي النفس حقها من الأكل والشرب وكسر صورة الجوع الذي أثاره الصوم. والله أعلم.
وقد أخرج الشافعي (١) من رواية حرملة عنه، عن سفيان بن عيينة، عن عاصم، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن عمها سلمان بن عامر الضبي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة، فإن لم يكن تمر فماء فإنه طهور".
هذا الحديث أخرجه أبو داود (٢) والترمذي (٣).
وقد أخرج الشافعي من رواية المزني (٤) عنه: عن مالك, عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ نهى عن الوصال، فقل: إنك تواصل، فقال: "إني لست مثلكم، إني أطعم وأسقي".
وقد أخرج أيضًا المزني (٥) عنه عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والوصال" (٦)، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله، قال: "إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني".
стр. 1265
وأخرج المزني (١) أيضًا عنه عن عبد الوهاب الثقفي، عن حميد، عن أنس قال: واصل رسول الله ﷺ فواصلوا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ [فقال] (٢):
"لو أن الشهر مد لي لواصلت وصالًا [يدع] (٣) المتعمقون تعمقهم، إني لست مثلكم إني يطعمني ربما ويسقين".
أما حديث ابن عمر: [فأخرجه] (٤) البخاري (٥) ومسلم (٦) وأبو داود (٧).
وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه البخاري (٨) ومسلم (٩).
وأما حديث أنس: فأخرجه البخاري (١٠) ومسلم (١١) والترمذي (١٢).
وقد أخرج المزني (١٣) عن الشافعي، عن سفيان [عن] (١٤) ابن عجلان، عن سعيد, عن أبي هريرة, [و] (١٤) عن أبي الزناد, عن الأعرج, عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:
"إذا أصبح أحدكم يومًا صائمًا فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ شاتمه فليقل: إني صائم". زاد أبو الزناد فيه: "وإذا دعي أحدكم إلى الطعام وهو صائم، فليقل: إني صائم".